النص المفهرس

صفحات 501-520

[ الله (١)] تَحَمَّلُوا عنه للغُلَامَيْنِ بالثمن. فقد نقل ابن عُقْبَة أَن أَسعد بن زُرَارة عَوَّضَ
الغُلامَيْن عنه نخلاً له فى بياضَة . وتَقَدَّم أَن أَبا أَيوب قال: أَنا أُرْضِيهما ، فأَرضاهما،
وكذلك مُعَاذ بن عفراء، فيكون بعد الشِّراء . ويُحْتَمَل(٢) أَن كُلّ من أَسعد، وأَبِى أَيوب
وابن عفراء أَرضى اليتيمَيْنِ بشىءٍ فُنُسِبَ ذلك لكل منهم .
وقد رُوِىَ أَن اليتيمين امتنعا من قبول عِوَض، فيُحْتَمَل ذلك على بدء الأَمر ، ولكن
قال الواقدى : إنه صلى الله عليه وسلم اشتراه من بنى عفراء بعشرة دنانير ذهباً دفعها أَبو بكر
الصديق رضى الله عنه، فلعله رَغِب فى الخير ، فدفع العَشَرة مع أُولئك، أَو أَنه صلى الله
عليه وسلم أَخذ أَولاً بعض المِرْبَد فى بنائه الأَول سَنَّةً قدومه، ثم أَخذ بعضاً آخر لما سَبَق
أنه بناه مرتين وزاد فيه فكان الثمن من مال أبى بكر فى إحداهما ومن الآخرين فى الأُخرى(٣).
الرابع: ذكر السيد(٤) أَن قول النبى صلى الله عليه وسلم لعَمَّر: ((تقتلك الفئة الباغية)).
كان فى البناء الثانى؛لأَن البيهقى روى فى الدلائل عن أبى عبد الرحمن السُّلَمى أنه سمع
عبد الله بن عَمْرو بن العاص يقول لأَبيه عَمْرو: (( قد قتلنا هذا الرجل، وقد قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم فيه ما قال)). قال: ((أَى رجل؟)) قال: ((عَمَّار بن ياسر، أَمَا
تَذْكُر يوم بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ، وكنا نحمل لَبِنَةً لَبنَة، وعَمَّار
يحمل لَبِنَتَيْن لَّبِنَتَيْنٍ ،؟ فَمَرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فقال: (٥) ((تحمل لَبِنَتَيْن
(١) زيادة يقتضيها السياق ومثبتة فى روايات هذا الخبر.
(٢) ابتداء من كلمة ((يحتمل)) حتى كلمة ((الأخرى)) هو مما أورده الزرقانى فى شرحه على المواهب ناقلا إياه عن مؤلف
هذا الكتاب شمس الدین الشامی مع التصر یح بنسبته إليه .
(٣) ثم أضاف الزرقانى: ((وذكر البلاذرى أن العشرة التى دفعها من مال أبى بكر كانت ثمن أرض متصلة بالمسجد
لسهل وسهيل وعرض عليه أسعد أن يأخذها ويغرم عنه لهما ثمنها فأبى . وجمع البرهان : بأنهما قضيتان وأرضان كلتاهما
لليتيمين فاشترى كل واحدة بعشرة، إحداهما المسجد والأخرى زيادة فيه ، وأدى ثمنهما معاً أبو بكر . والواحدة عاقده عليها-
أسعد بن زرارة والأخرى معاذ بن عفراء . أما ما ذكر من شراء أبى يوب منهما فيحمل على المجاز على ( اعتبار ) أنه كان
متكلماً بينهما أو عقد معهما بطريق الوكالة أو الوصية ، أو أنها أرض ثالثة ، وفيه بعد)).
(٤) النص التالى فى ص ٢٣٦ من الجزء الأول من وفاء الوفا السيد السمهودى.
(٥) فى الأصل: ((فذكر نحو رواية الصحيح)) وأثبتنا بدلا من هذه العبارة ما جاء فى النص الذى نقله المؤلف عن السمهودى
(جـ ١ ص ٢٣٦). وفى رواية أخرى للحديث عن عكرمة عن ابن عباس: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض التراب
عنه ويقول ((ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار))، أخرجه البخارى ولم يذكر ((تقتله الفئة
الباغية)) وأخرجها أبو بكر البرقانى والإسماعيلى (تيسير الوصول جـ ٣ ص ٨٧).
- ٥٠١ -

لبنتين وأنت تُرْحَض (١)؟ أَمَا إِنك ستقتلك الفِئَة الباغية، وأنت من أهل الجنَّة)).
فدخل عَمْرو بن العاص على معاوية:فقال: (( قتلنا هذا الرجل ، وقد قال فيه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما قال: )) فقال معاوية: ((أسكت فوالله ما تزال تَدْحَضُ(٢) فى بَوْلِك،
أَنَحْنُ قتلناه ؟ إِنما قتله عَلِيّ وأصحابه جاءوا به حتى أَلْقَوْه بينناً . قال السمهودى : ]
((وهو يقتضى أن هذا القول لعَمَّار كان فى البناء الثانى للمسجد؛ لأَن إِسلام عَمْرو بن
العاص كان فى السنة الخامسة للهجرة . ))
الخامس: فى بيان غريب ما سبق: ((المِرْبَد)) - بكسر الميم -: الموضع الذى يُجْعَل
فيه النَّمْر. ((الملأ)) - بفتح الميم واللام -: أشراف الناس ورؤساؤهم ومُقَّدمُوهم الذين
يُرْجَع إلى قولهم. ((النَّجَّار)): بالنون والجيم .( ثَامِنُونِى)) (٣): أَى بايعونى وقاولونى. ((الحائط ))
5
هنا : البستان، وتَقَدَّم أَنه كان مِرْبَداً فلعله كان أولاً حائطاً ثم خَرِبَ فصار مِرْبَداً ، ويؤيده
قوله: لِيُتَّخَذَ مسجداً. ((النَّوَّار(٤))): بفتح النون وتشديد الواو بعد الألف راء. ((عايد)):
بالمثناة التحتية والذال المعجمة. ((الجِدَار)) ككِتَاب: الحائط. ((الغَرْقَد)) بالغين المعجمة
١٠١٧ ت والراء والقاف والدال المهملة: ضَرْبٌ من شَجَر العِضَاه، واحده غَرْقَدَةٌ. ((خِرَب)) بكسر الخاء/المعجمة
وفتح الراء وبالمُوَحَّدَةَ [ جَمْع خِرْبَة وهى الموضع الخراب (٥) ] ، وفى لفظ بالحاء المهملة
وسكون الراء والمثلثة: [حَرْث]. ((العَرِيش)): السَّقْف وما يُسْتَظَلُّ به، وهو المراد هنا.
(( ثمامات)): جمع ثُمَام بضم المثلثة: نَبْتُ ضعيف له خوص أَو شبيه بالخوص، وربما حُشِىَ
(١) من رحض بالبناء للمجهول: رحض المحموم رحضاً عرق حتى كأنه غسل جسده.
(٢) فى النهاية (ج ٢ ص ١٥) فى حديث معاوية قال لابن عمرو: لا تزال تأتينا بهنة تدحض بها فى بولك. أى
تزلق ، ويروى بالصاد المهملة أى تبحث فيها برجلك .؟
(٣) فى حديث بناء المسجد فى النهاية (جـ ١ ص ١٣٥): ثامنونى بحائطكم، أى قرروا معى ثمنه وبيعونيه بالثمن.
يقال ثامنت الرجل فى البيع أثامنه قاولته فى ثمنه وساومته على بيعه واشترائه .
(٤) لم نعثر على هذه الكلمة فى المعجمات بتشديد الواو إلا إذا كانت بضم النون، فالنوار هو الزهر واحدته نوارة.
أما النوار بفتح النون والواو مع عدم تشديد الواو فهو المرأة النفور من الريبة، وكاسم على هى بهذا الضبط . والمؤلف يشير
إلى النوار بنت مالك بن صرمة من بنى عدى بن النجار وهى أم زيد بن ثابت الأنصارى الفقيه الفرضى كاتب رسول الله صلى
الله عليه وسلم. روت عنها أم سعد بنت أسعد بن زرارة (أسد الغابة = ٥ ص ٥٥٧).
(٥) زيادة من معجمات اللغة لتوضيح مراد المؤلف .
- ٥٠٢ -

به أو سُدَّ [به(٢) ] خِصَاص(١) البيوت [ الواحدة ثُمَامَةٍ(٢)]. ((العِضَادتان)): تثنية
عِضّادة - بكسر العين المهملة والضاد المعجمة وبعد الأَّلف دال مهملة - : جانب الباب (٣).
((طَفِقَ)): جعل(٤) ((الحِمَال(٥) )): بكسر الحاء المهملة من الحَمْل، والذى يُحْمَل من خَيْبَر:
[النَّمْر. أَى أَنَّ(٦) ] هذا فى الآخرة أَفْضَلُ من ذاك وأَحْمَدُ عاقِبَةً، كأَنْه جمع حِمْل أَو حَمْل
ويجوز أن يكون مصدر حَمَلَ أَوِ حَامَل. ((خَيْبَر)): يأتى الكلام عليها فى غَزْوَتِها .
((أَرديتهم)): جمع رداء. ((مُتَنَطِّعاً)) - بميم مضمومة فمثناة فوقية فنون مفتوحتَيْن فطاء
مهملة مكسورة فىعين مهملة: مِن تَنَطَّعَ إِذا تَعَمَّقَ وتَغَالى وَتَأَّق. ((الوَفْرَة)): بواو مفتوحة
فضاء فراء: الشَّعَر المُجْتَمِعُ على الرأس، أَو ما مال على الأُذُنَيْن منه أَو ما جاوز شَحْمَة
الأُذنين ثم الجُمَّة ثم اللِّمَّة. (٧) ((وَيْحَ)): كلمة تَرَجُم وَتَوَجُّع، يقال لمن وقع فى هَلَكَة
لا يَسْتَحِقُّها، وقد يقال بمعنى المَدْحِ والتَّعَجُّب، وهى منصوبة على المصدر (٨). ((الحَبْحَبَة)):
بحاءيْن مهملِتَيْن بعد كل مُوَخَّدَة [وهى] فى الأصل جَرْى الماء قليلا قليلاً. كالْحَبْحَب
[والحَبْحَبَة] الضعف وسَوْق الإِبلِ ومن النَّار اتقادُها والبطيخ الشامى الذى يُسَمِّيه أَهل
العراق الرَّقِّىَّ والفُرْس تُسَمِّيه الهندى. ((بالسَّمِيط)) أَى على لَبِنَة واحدة، والسَّمِيطُ من
(١) الخصاص جمع خص. وفى النهاية (ج ١ ص ٢٩٧) الخص بيت يعمل من الخشب والقصب وجمعه خصاص
وأخصاص سمى به لما فيه من الخصاص وهى الفرج والأنقاب .
.(٢٠) زيادة من الصحاح الذى نقل عنه المؤلف، وثمامات التى زادها المؤلف هى جمع الجمع . ..
(٣) فى التاج، عضادتا الباب: هما الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله .
(٤) طفق بمعنى أخذ فى الفعل وجعل يفعل وهى من أفعال المقاربة ، قاله فى النهاية .
(٥) فى حديث بناء مسجد المدينة بيت من الشعر لم يذكره المؤلف وهو:
هذا أبر ربنا وأطهر
هذا الحال لا حال خيبر
وهذا البيت لعبد الله بن رواحة . وفى المواهب قال ابن شهاب الزهرى: ولم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم تمثل بشعر تام
غير هذا، وقيل إن الممتنع عليه إنشاء الشعر لا إنشاده. وانظر أيضاً فى هذا الصدد السيرة الحلبية (جـ ٢ص ٦٨) وشرح المواهب
(ج ١ ص ٣٩٧).
(٦) زيادة من النهاية (ج ١ ص ٢٦٠) التى نقل عنها المؤلف.
(٧) فى فقه اللغة للثعالبى (ص ٩٣) الوفرة ما بلغ شحمة الأذن من الشعر، واللمة: ما ألم بالمتكب منه وجمعه لحم
ولمام ، والجمة ما غطى الرأس من الشعر وجمعه جمم وجمام .
(٨) أضاف ابن الأثير الذى نقل عنه المؤلف: وقد ترفع وتضاف ولا تضاف : يقال ویح زيد وويحاً له وويح له.
وفى التاج قال أكثر أهل اللغة إن ويلا تقال لمن وقع فى هلكة أوبلية لا يترحم عليه وويح تقال لكل من وقع فى بلية يرحم
ويدعى له بالتخلص منها، ورفعه على الابتداء ونصبه بإضمار فعل. وزاد الزمخشرى فى الفائق ( ج ٣ ص ١٨٧) كأنه
قيل - لى بحديث عمار - ترحم ابن سمية أى أترحمه ترحماً، وفى القاموس أصل ويح وى وصلت بحام مرة فقيل ويح وبلام
مرة فقيل ويل وبباء مرة فقيل ويب وبسين مرة فقيل ويس وهى فيما عدا ويل بمعنى الترحم .
- ٥٠٣ -

النَّعْل: الطَّاق الواحد [لا رقعة فيها(١)]. ((السَّوَارِى)): جمع سارِيَة وهى الاسطوانة. ((السَّعْد))
[ ثُلْثُ اللَّبِنَةِ والسُّعَيْدِ كَزُبَيْرِ رُبْعُها] (٢). ((وَكَفَ)): سال ماؤه(٣). ((الخَصَف))
بخاء معجمة فصاد مهملة مفتوحتين : المنسوج من الخُوص (٤). ((الشَّمُوس)) - بفتح
الشين المعجمة وضم الميم وبالواو والسين: [ بنت النُّعْمَانَ بن عامر بن مجمع(٥) ] من
الأَنصار. ((الرَّحَبَة)) - بالراء والحاء المهملة والموحدة المفتوحات، قال فى الصحاح: رَحَبَةُ
المسجد بالتحريك ساحته والجمع رَحَب وَرَحَبَات وَرِحَاب. ((الزوايا)) جمع زاوية: الناحية.
((انْمَاطَ)): بالنون والميم والطاء المهملة بعد الأَّلف: أَى تَنَحَّى. ((نَخِرَتْ)) - بالنون المفتوحة
والخاء المعجمة المكسورة والراء: يَبِسَتْ وَتَفَتَّتَتْ. ((المَنْقُوشَة)) - بميم مفتوحة فنون فقاف
فواو فشين معجمة: المُلَّوَنة بلَونيْن أَو أَلوان. ((السَّاجِ)) - بسين مهملة وجيم مُخَفَفَّة :
نوع من الشجر. ((القَصَّة)) - بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة المفتوحة فتاء
١٠١٨ت تأنيث: [ الحجارة من الحِصَّ(٦)]. ((الفُسَيْفِسَاء)) قال فى النور: / بضم الفاء
الأُولى وفتح السين المهملة فتحتية ساكنة ففاء مكسورة ثم سين مهملة أُخرى ممدودة ،
(١) السميط هو الآجر القائم بعضه فوق بعض وكالسميط كزبير، ونعل سمط وسميط وأسماط لا رقعة فيها ليست
بمخصوفة ، عن القاموس والتاج والصحاح .
(٢) بياض بالأصل والتكملة من القاموس المحيط .
(٣) وكف البيت والدمع إذا تقاطر. يكف وكفاً ووكيفاً ووكفاناً أى سال وقطر قليلا قليلا .
(٤) الخصف بالتحريك جمع خصفة وهى ضم الشىء إلى الشىء لأنه منسوج من الخوص، قاله فى النهاية (ج ١ ص
٢٩٧) .
(٥) زيادة من أسد الغابة ( ٥ ص ٤٨٨) لأن الشموس هذه هى التى يقصدها المؤلف حيث سبق له أن ذكرها
وأغفل إثبات اسمها هنا كاملا. وقد روى سويد بن عامر، وعتبة بن ربيعة عنها أنها قالت: نظرت إلى النبى صلى الله عليه
وسلم حين قدم ونزل وأسس هذا المسجد مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر ، أو الصخرة حتى يهصره الحجر وأنظر إلى بياض التراب
على بطنه حتى أسسه ويقول : إن جبريل يؤم الكعبة . وكان يقال أقوم مسجد قبلة مسجد قباء . أخرجه الثلاثة واستشكل
ابن الأثير هذا الحديث قائلا: قولها يؤم الكعبة فيه نظر فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأسس مسجد قباء لم
تكن القبلة إلى الكعبة إنما كانت إلى بيت المقدس ثم حولت إلى الكعبة بعد ذلك
(٦) زيادة من القاموس لتوضيح مراد المؤلف وكذلك من التاج وهى بفتح القاف وبكسرها. وفى التاج الجص بالفتح
ويكسر ، وكسر الجيم أفصح ، هو ما يبنى به. ونقل فى اللسان عن ابن دريد الكسر فقط وفى المعرب لجواليقى : لا تجتمع
الصاد والجيم فى كلمة عربية وأنها فارسية معربة ( ص ١١ مـ ٩٥).
- ٥٠٤ -

هكذا سُمع الناس ينطقون به وكذا رأيتُه مُحَرَّرَاً بخط كمال الدين بن العديم (١) فى
تاريخه فى غير موضع ، وكذا رأيته مضبوطاً بالقَلَم فى مطالع ابن فرفود (٢)، وهو نصوص
صغار من ألوان الزجاج تُلْصَق بالحائط وتُطْلَى بماء الذهب ، وهى كثيرة بجامع دمشق
وبيت المقدس [ وهى غاية (٣)] فى الحُسْن والبهجة.
(١) هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن هبة الله بن أبى جرادة كمال الدين العقيلى الحلبى المعروف بابن
العديم ولد سنة ٥٨٦ هـ وتوفى سنة ٦٦٠ هـ وقيل سنة ٦٦٦ هـ وتاريخه الذى يشير إليه المؤلف هو بغية الطلب فى تاريخ حلب
أو مختصره الذى أسماه مؤلفه: زبدة الحلب من تاريخ حلب . وكان ياقوت الحموى المتوفى سنة ٦٢٦ هـ معاصراً له وترجم
له ترجمة مطولة فى معجم الأدباء ( = ١٦ ص ٥: ٥٧ ) صدرها بإشارات إلى سير الأعلام من بيت أبى جرادة الذى ينتمى
إليه ابن العديم . وقد ترجم له أيضاً ابن شاكر وأبو الفداء وابن الوردى وصاحب النجوم الزاهرة وحسن المحاضرة وشذرات
الذهب .
(٢) لم توفق فى ضبط اسمه فى المؤلفات الخاصة بتاريخ الفنون الإسلامية.
(٣) بياض بالأصل بنحو كلمة أو كلمتين أكملناها بما يقتضيه السياق.
- ٥.٠٥ -

الباب الثالث
فى بِنَائِه صلى الله عليه وسلم حُجَرَ نِسائه رَضِىَ الله عَنْهُنَّ
قال فى الروض : (( كانت بيوته صلى الله عليه وسلم تسعة: بعضها من جريد مُطَّيَّن بالطين
وسَقْفُها من جريد ، وبعضها من حجارة مَرْضُومَة بعضها فوق بعض ، وسقفها من جرید
أيضاً (١). قال الحافظ الذهبى فى ((بُلْبُل الروض)): ((لم يبلغنا أَنه صلى الله عليه وسلم
بُنِىَ له تسعة أَبيات حتى بنى المسجد ولا أَحْسَبُهُ فَعَل ذلك ، إنما كان يريد بيتاً واحداً
لِسَوْدَةٍ أُم المؤمنين رضى الله عنها. ولم يَحْتَجْ إلى بيت آخر حتى بَنَى لعائشة رضى الله عنها
فى شَوَّال سنة اثنتين ، وكان صلى الله عليه وسلم بناها فى أوقات مختلفة)) . انتهى.
وتقدم فى الباب الثانى أنه صلى الله عليه وسلم بنى لِزَوْجَيْه: سَوْدَة وعائشة رضى الله
عنهما، على نَعْت بناء المسجد ؛ لأَن عائشة كانت زَوْجَهُ حينئذ، وإِن تَأَخَّر الدخول بها ،
ثم بنى بَقِيَّة الحُجَر عند الحاجة إليها .
قال محمد بن عُمَر الأسلمى: ((كانت لحارثة بن النعمان (٢) رضى الله عنه منازل
قُرْب المسجد وَحَوْلَه، وكلما أَحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أَهْلاً نزل له حارثة
عن منزلِ ، أَى مَحَلّ حُجْرَة حتى صارت منازله كلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم
وأزواجه)). ((قال محمد بن عُمَر: ((حَدَّثنا عبد الله بن يزيد الهُذَلِّ قال: رَأَيْتُ بيوت
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين هَدَمَها عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد بن عبد الملك ،
كانت بيوتاً من اللَّبِن، ولها حُجَر من جريد مَطْرُورَة (٣) بالطِّين، عَدَدْتُ تسعة أَبيات
بِحُجرِها ، وهى ما بين بيت عائشة إلى الباب الذى يلى باب النبى صلى الله عليه وسلم إلى منزل
(١) الروض الأنف جـ ٢ ص ١٣.
(٢) هو كما فى أسد الغابة (جـ ١ ص ٣٥٨ : ٣٥٩) حارثة بن النعمان بن نقع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم.
ابن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى، شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان من
فضلاء الصحابة .
(٣) فى النهاية (ج ٣ ص ٣٤) فى حديث عطاء: إذا طررت مسجدك بمدر فيه روث فلا تصل فيه حتى تغسله السماء.
أى إذا طينته وزينته ، من قولهم رجل طرير أى جميل الوجه .
- ٥٠٦ -

أسماء بنت حَسَن [اليوم] (١). قال: ورأيتُ بيت أُم سَلَمة [زوج النبي صلى الله عليه وسلم(٢)]
وحجرتها من اللَِّن ، فسألت ابن ابنها فقال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثُومَةَ
الجَنْدل بَنَتْ أُم سَلَمة حجرتها بلَيِنِ. فلما قَدِمِ النبى صلى الله عليه وسلم / نَظَر إلى اللَّبِن ١٠١٩ت
ودَخَل عليها أول نسائه فقال: (( ما هذا البناء؟)) فقالت: ((أَردتُ يا رسول الله أَن أَكُفَّ
أَبْصَارَ الناس)). فقال: (( يا أُم سَلَمة إِن شَرَّ ما ذهب فيه مالُ المسلم البنيان)).
قال محمد بن عُمَرَ: فَحَدَّثْتُ بهذا الحديث مُعَاذ بن محمد الأَنصارى فقال: ((سَمِعْتُ
عَطَاءِ الخُرَاسانى فى مجلس فيه عمران بن أَبِى أَنَس(٣) يقول وهو فيما بين القبر
الشريف والمنبر المنيف: أَدْرَ كْتُ حُجَر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ( من جرید
على أبوابها المسوح من شَعَر أَسود ، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يُقْرأ ، يأمرنا
بِهَدْم حُجَر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم(٤) ]، فما رأَيت يوماً كان أكثر باكياً
من ذلك اليوم. [ قال عطاء: ] ((فسَمِعْتُ سعيد بن المُسَيَّب يقول يومئذ: ((والله لَوَدِدْتُ
أنهم تركوها على حالها ، ينشأ ناَشِىٌّ من أهل المدينة ويَقْدَم القادم من الآفاق فيرى ما اكتفى
به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، فيكون ذلك مما يُزَهِّد الناس فى التفاخر والتكاثر))
قال معاذ: ((فلما فرغ عطاء الخراسانى من حديثه قال عمران بن أبى أَنَس : كان فيها
أربعة أبيات بِلَبِن، لها حُجَر من جريد، وكانت خمسة أَبيات من جريد مُطَيَّنَةٍ لا حُجَر
لها ، على أبوابها مسوح الشَّعَر ، ذَرَعْتُ الساتر فوجدته ثلاثة أَذرع فى ذراع وعظم الذراع
أو أدنى من العظم. فأَّما ما ذُكِر من البُكَاء يومئذ فلقد رَأَيْتُنِى فى المسجد وفيه نَفَر من
أَبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو سَلَمَة بن عبد الرحمنِ [ بن عوف] ،
وأبو أُمَامة بن سهل بن حنيف ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، وإِنهم لَيَبْگُون حتى أَخضلوا
لِحَاهم من الدمع. وقال يومئذ أَبو أُمَامَة: ((لَيْتَها تُرِكَتْ فلم تُهْدَم حتى يَفْصُلَ الناسُ
(١) زيادة من السمهودى (ج ١ ص ٣٢٦). هذا وفى الأصل ساق المؤلف نسب أسماء على أنها بنت حسن بن عبد الله
ابن عباس واقتصر السمهودى على القول بأنها بنت حسن ولم نعثر فيما لدينا من المراجع على السياقة هذا النسب.
(٢) زيادة من السمهودي.
(٣) فى الأصل ابن أبى أنيس والتصويب من خلاصة الخزرجى (ص ٢٥٠): وهو عمران بن أبى أنس القرشى
العامرى المصرى، روى عن أبى هريرة وسهل بن سعد ، وروى عنه يزيد بن أبى حبيب البصرى وابن إسحق والليث ، وثقه
(٤) زيادة من السمهودي .
أبو حاتم . وقال ابن يونس توفى بالمدينة سنة ١١٧هـ.
- ٥٠٧ -

عن البناء (١) ويَرَوْا مارَضِىَ الله لِنَبِّيه صلى الله عليه وسلم، ومفاتيح خزائن الدنيا بيده))
وروى ابن سعد ، والبخارى فى الأدب ، وابن أبى الدنيا ، والبيهقى فى الشُّعَب عن الحَسَن
البَصْرِى قال: (( كنت وأَنا مُراهِقٍ أَدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فى خلافة
عثمان فأَتناول سقفها بيدى)) (٢) وروى البخارى فى الأدب، وابن أبى الدنيا ، والبيهقى
عن داود بن قيس قال: ((رأيت الحُجَر من جريد النخل تُغَشَّى من خارج بمسوح من الشعر ،
وأَظن عَرْضَ البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحواً من سِتّ أَو سَبْعِ أَذرع، وأَخْزِرُ
البيت من الداخل عَشْر أَذرع ، وأَظَنُّ سُمْكَهُ بين الثَّمَانِ والسَّبْعِ)).
وروى محمد بن الحسن المخزومى عن محمد بن هِلَال قال: ((أَدْرَ كْتُ بيوت أزواج
النبى صلى الله عليه وسلم ، كانت من جريد مستورة بمسوح الشّعَر، مستطيرة فى القِيْلَة
١٠٢٠ ت وفى المشرق وفى الشام، ليس فى غربى / المسجد منها شىء، وكان باب عائشة يُوَاجِه الشام
وكان بمصراعٍ واحد من عرعر أَو ساج)). وروى ابن مَنْدَه عن بشر بن صُحَار العبدى (٣)
قال: ((كنتُ أَدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأَنال سقفها)). وروى ابن
سعد عن عمرو بن دينار، وعُبَيْد الله بن أبى مرثد قالا: (( لم يكن على عهد النبي صلى
الله عليه وسلم على بيته من حائط ، فكان أول من بنى عليه جداراً عمر بن الخطاب رضى
الله عنه)). قال عبيد الله ((كان جداره قصيراً ثم بناه عبد الله بن الزبير)) .
تنبيهاتٌ
الأول : روى البخارى فى تاريخه وفى الأَدب عن أَنَس رضى الله عنه،
والبيهقى فى المدخل عن المغيرة بن شعبة قال: (( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه
(١) فى رواية: حتى ينقص الناس من البنيان.
(٢) زاد فى رواية الخبر: وكان لكل بيت حجرة وكانت حجره من أكسية من خشب عرعر. هذا ودخول الحسن
البصرى تلك البيوت فى خلافة عثمان ذلك لأنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ، وكان ابناً لمولاة لأم سلمة زوج
النبى صلى الله عليه وسلم اسمها خيرة ، وكانت أم سلمة تخرجه للصحابة يباركون عليه وأخرجته إلى عمر بن الخطاب فدعا له بقوله :
اللهم فقهه فى الدين وحبيه إلى الناس . وكان والده من جملة السبى الذى سبأه خالد فى خلافة الصديق من الفرس. والأحاديث التى
رواها الحسن البصرى عن على أخرجها جماعة من الحفاظ كالتر مذى والنسائى والحاكم والدار قطنى وأبو نعيم وهى ما بين الحسن والصحيح
(٣) فى أسد الغابة ( جـ ١ ص ١٨٦) أن عبدان بن محمد ذكره فى الصحابة وقال بإسناده عن سلم بن قتيبة عن بشربن
محار قال رأيت ملحفة النبى مورسة وأدركت مربط حماره وكنت أدخل بيوته فأنال سقفها ، أخرجه أبو موسى . ويرى ابن
الأثير أنه من أتباع التابعين ذلك لأن (( رؤيته للملحفة لاتصيره صحابياً إذ لو كان كل من رأى من آثار النبى صلى الله عليه وسلم
شيئاً كان صحابياً لكان أكثر الناس صحابة . وسلم بن قتيبة من المتأخرين لا يقضى له إدراك التابعين فكيف بالصحابة ؟
- ٥٠٨ -

وسلم يقرعون بَابَه بالأَظافير تأَدبا وإِجلالاً، وقيل إِن بابه لم يكن له حَلَق يُطْرَق بها .
قال السهيلى : الأَول أَوْلى .
الثانى: فى غريب ما سبق: ((الرَّضَمْ)) - بفتح الراء والضاد المعجمة وتُسَكَّن -: حِجارة
مجتمعة بعضها فوق بعض، الواحدة رَضْمَة. ((بَنِّى)). بفلانة دَخَل عليها ، وقال ابن السِّكِّيت
زُقَّت إليه، وأَصله أن الرجل إذا تزوج بنى للعروس بيتاً وجهزه بما يحتاج إليه ، أَو بُنِى
له تكريماً، ثم كَثُرحتى كُفِىَ به عن الجِماع. ((الحُجَر )): غُرَف البيوت. ((المُسُوح)):
جمع مِسْح وهو البَلَاس (١). ((مستطيرة)) فى القِيْلة أَى مُنْتَشِرَة. ((المِصْرَاع)) من الباب:
الشطر، وهما مِصْرَاعان. ((العَرْعَر)) بفتح العينين وبالرَّاءيْن المهملتين - قال فى الصحاح:
شجرُ السَّرْوِ (٢). ((السَّاج)) بالسين المهملة والجيم: ضَرْبٌ من الخشب، عظيمٌ من الشَّجَر، يُجْلَب
من الهند، وجَمْعُها ساجات(٣). قال الزمخشرى: الساج خَشَبُ أَسود رزين يُجْلَب من الهند
ولا تكاد الأَرض تُبْلِيه، والجمع سيجان مثل نار ونيران. ((مطرورة )) بالطين - بالطاء
المهملة المُثَالَةِ - أَى مُطَيَّنَة به. ((ثُومَة الجَنْدَل)) ثُومَة - بضم الدال المهملة، والجَنْدَل
بالجيم والنون والدال المهملة [ حِصْن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبلى طَيِّىء على سبع
مراحل من دمشق](٤). ((الأُفُقِ)) بِضَمَّتَيْن: الناحية. ((يَنْشَأَ)): يحدث وَيَتَجَدَّد. ((أَعْضَّل))
لِحْيَتَه، بخاء فضاد معجمتين: بَلَّها. ((مُرَاهِقٍ)): مقارب الاحتلام. ((أَنال)) أُدرك وأَبلغ.(٥)
((المُغَشَّى)): المُغَطَّى المستور.
(١) المسح بكسر الميم وسكون السين المهملة فحاء مهملة وجمعه مسوح وهو البلاس بفتح الباء الموحدة كسحاب وهو
ثوب من الشعر غليظ وجمعه بلس بضمتين وبائعة بلاس كشداد . قال الراجز لامرأته .
إن لا يكن شيخك ذا غراس فهو عظيم الكيس والبلاس
قال أبو عبيدة : هو مما دخل فى كلام العرب من كلام فارس . انظر المعرب للجواليقى ( ص ٤٦ و٥١ ) وتعليقات محققه
المرحوم الشيخ أحمد شاکر ، و کذلك التاج فی مادقی م سح ، وب ل س .
(٢) فى التاج العرعر كجعفر شجر السرو فارسية (ومع ذلك لم أعثر عليها فى المعرب للجواليقى ولا فى كتاب الألفاظ
الفارسية المعربة لإدى شير الكلدانى ) وقيل هو الساسم أو الشيزى أو شجر عظيم جبلى لا يزال أخضر يسميه الفرس السرو
وقال أبو حنيفة ( الدينورى): للعرعر ثمر أمثال النبق .. يحلو فيؤكل، واحدته عرعرة وبه سمى الرجل.
(٣) فى التاج: الساج شجر يعظم جداً ويذهب طولا وعرضاً وله ورق يتغطى به الرجل والورقة منه تكنه من المطر.
وله رائحة طيبة مع رقة ونعومة . وفى المصباح: الساج ضرب عظيم من الشجر ، الواحد ساجة وجمعها ساجات .
(٤) زيادة من معجم البلدان لياقوت ( ج ٤ ص ١٠٦: ١٠٩) وانظر أيضاً معجم البكرى ( ج ٢ ص ٠٦٤ :
٥٦٥). وفى فتوح البلدان البلاذرى (ص ٦٨: ٧٠ ) قال الواقدى: كان النبى صلى الله عليه وسلم غزا دومة الجندل
فى سنة ٥ «فلم يلق كيداً، ووجه خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك الكندى بدومة الجندل فى شوال سنة ٩ هـ. وبعد
إسلام خالد بعشرين شهراً . ثم غزاها خالد مرة أخرى فى خلافة أبى بكر عندما ارتد أكیدر .
(٥) أنال يتعدى إلى مفعولين: أنال فلاناً الشىء أى أعطاه إياه، وأدرك الشىء لحقه وبلغه وناله، أى أنه يتعدى لمفعول
واحد، ولذلك فإنه لا يؤدى معنى أنال .
- ٥٠٩ -

الباب الرابع
فى بَدْهِ الأَذان وبعض ما وَقَع فيه من الآيات
روى الشيخان والترمذى والنِّسَائى عن ابن عُمَر ، وابن إِسحق ، وإسحق بن راهويه ،
١٠٢١ت وأبو داود بسند صحيح صَحَّحَه النووى عن محمد بن عبد الله / بن زيد بن ثعلبة بن
عبد ربه، عن أبيه ، وأبو داود بسَنَّدٍ صحيح عن ابن عُمَر عن أَنَس بن مالك عن عمومة
له من الأَنصار رضى الله عنهم، وإِسحق بن راهويه عن الشَّعْبِى مُرْسَلا بسَنَّد حَسَن ،
وعبد الرَّزَّاق وأَبو داود عن عُبَيْد بن عُمَيْرِ أَحد كِبَار التابعين، وابن أَبِى شَيْبَة، وأَبو
داود، وابن خُزَيْمَة، وأَبو الشيخ ، والدارقطنى ، والبيهقى ، والطحاوى عن عبد الرحمن
ابن أَبِى لَيْلَى قال: ((حَدَّثْنَا أَصحابُنا - ولفظ ابن أبى شيبة وابن خزيمة والطحاوى والبيهقى:
حدثنا ، أَصحابٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين قَدِم المدينةَ إنما كان يَجْمَع للصلاة
حينٍ مواقيتها بغير دَعْوَة ، فلما كَثُر الناس اهْتَمَّ النبى صلى الله عليه وسلم كيف يجمع
الناس للصلاة ؟ فاستشار الناس، فقيل له : انْصِبْ رَايَةً عند حضور الصلاة إذا رَأَوْهَا
أَعْلَمَ بعضُهم بعضاً، وَذُكِرَ له القُنْع(١) يعنى شَبُور (٢) اليهود، وفى لفظ: البوق، وفى لفظ:
القرن الذى يَدْعُونَ به لصلاتهم، فلم يعجبه ذلك وقال: ((هو من أمر اليهود ))، فَذُكِرَ
له الناقوس فقال: ((هومن أمر النصارى))، فقالوا: لو رفعنا ناراً، فقال: ((ذلك للمجوس)).
(١) فى النهاية (ج ٣ ص ٢٨١) فى حديث الأذان أنه اهتم للصلاة كيف يجمع لها الناس فذكر له القنع - بضم القاف
وتسكين النون فعين مهملة - فلم يعجبه ذلك. فسر القنع فى الحديث، أنه الشبور وهو البوق . وهذه اللفظة - وهى القنع اختلف
فى ضبطها، فرويت بالباء والتاء والثاء والنون، وأشهرها وأكثرها النون. قال الخطابي: سألت عنها غير واحد من أهل اللغة
فلم يثبتوه لى على شىء واحد . فإن كانت الرواية بالنون صحيحة فلا أراء سمى إلا لإقناع الصوت به وهو رفعه ، يقال أقنع
الرجل صوته ورأسه إذا رفعه. ومن يريد أن ينفخ فى البوق يرفع رأسه وصوته. قال الزمخشرى أو لأن أطرافه أقنعت إلى داخله
أى عطفت. وقال الخطاب: وأما القبع بالباء المفتوحة فلا أحسبه سمى به إلا لأنه يقبع فى صاحبه أى يستره أو من قبعت الجوالق
والجراب إذا ثنيت أطرافه إلى داخل . قال الهروى: القبع بالباء هو البوق . وأنكره الأزهرى وقيل بالمثلثة ولم يسمع من غير
أبى عمر الزاهد ويجوز أن يكون من قشع فى الأرض قئوعاً إذا ذهب فسمى به لذهاب الصوت به . قال الخطابى وقد روى القتع
بالتاء وهو دود يكون فى الخشب، الواحدة قتعة . قال ومدار هذا الحرف على هشيم وكان كثير الحن والتحريف على جلالة محله
فى الحديث .
(٢) الشبور هو البوق ويرى ابن الأثير فى النهاية ( = ٢ ص ٢٠٢) أن اللفظة عبرانية.
- ٥١٠ -

وفى حديث عُمَر عند الشيخَيْن وغيرهما: فتمال عُمَر: ((أَوَلاَ تبعثون رجلاً ينادى
بالصلاة (١) ؟ )) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يابِلَال قُمْ فَنَادِ بِالصلاة)).
فانصرف عبد الله بن زَيْد ، وهو مُهْتَمّ لِهَمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأُرِىَ الأَذان
فى منامه. قال: طاف بى وأنا نائم (٢) رجل عليه ثَوْبَان أَغْضَران يحمل ناقوساً فى يده ،
فقلت له : يا عبد الله أَتبيع هذا الناقوس ؟ قال : وما تصنع به ؟ قال : قلتُ : نَدْعُو
به إلى الصلاة. قال : أَفَلَا أَدُلُّك على ما هو خَيْرٌ من ذلك ؟ قلتُ: بَلَى. فقال : تقول :
((الله أكبر، الله أكبر - وفى لفظ الشعبى: إِيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قَمُرْهُ
أن يقول : - الله أكبر، الله أكبر - أَشهد أَلَّ إله إلا الله، أَشهد أَلاَّ إله إلا الله ، أشهد.
أن محمداً رسولُ الله ، أشهد أن محمداً رسولُ الله، حَىَّ على الصلاة ، حَىَّ على الصلاة ،
حَىَّ على الفلاح، حَىَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)) . - وفى رواية
إسحق بن راهويه : فقام على جِذْم (٣) حائط، وفى رواية: فقام على المسجد فأَذَّن - قال:
ثم استأُخر عَنِّى غير بعيد ثم قال : تقول إذا أقيمت الصلاة : الله أكبر ، الله أكبر ،
أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسولُ الله، حَىّ على الصلاة، حَىَّ على الفلاح / قد ١٠٢٢ت
قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)). وفى رواية:
( فَأَذِّن ثم قَعَد قَعْدَةٍ ، ثم قام فقال مِثْلَها إلا أنه يقول : قد قامت الصلاة ، فلما أَصبحت
أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخبرتُه بما رأيت، ولولا أن يقول الناس، لَقُلْتُ
إنى كنت يقظاناً غير نائم )) .
وفی حدیث ابن عُمَر رضى الله عنه عند ابن ماجة أَن عبد الله بن زید آَتی رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليلاً. وفى حديثه أيضا عند ابن سعد (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد
أن يجعل شيئًا يَجْمَع به الناس للصلاة فذُكِر عنده البوق وأَهْلُه فكرهه ، وذُكِر الناقوس ،
وأَهلُه فكرهه، حتى أُرىّ رجل من الأنصار يقال! عبد الله بن زيد الأَذان، وأُرِيَّهُ عمر
(١) هذه رواية مسلم (ج ٤ ص ٧٦ بشرح النووي) وفى البخارى (جـ ١ ص ٢٤٩) بزيادة لفظ ((منكم)) وهى رواية
الكشمينى .
(٢) فى ابن هشام ( ج ٢ ص ١٢٨) طاف بى هذه الليلة طائف ..
(٣) جذم حائط أى بقية حائط أو قطعة من حائط، قاله فى النهاية (جـ ١ ص ١٥٢).
- ١١° -

ابن الخطاب تلك الليلة(١) فأَما (٢) عُمَر رضى الله عنه فقال: إِذا أَصبحتُ [ أَخبرت] (١)
'،۔
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الأَنصارى فطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً
فأخبره. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى)) . وفى
رواية: ((لقد أَراكَ اللهُ خيراً، فَقُمْ مع بِلالَ فَأَلْقِ عليه ما رأَيت)). وفى رواية (( فَمُرْ
بِلالاً فَلْيُؤَذِّن فإِنه أَنْدَى منك صوتاً ) فقُمْتُ مع بِلال فجعلتُ أُلْقِيه عليه ويُؤَذِّن به .
فسَمِع عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فخرج يَجُرّ رداءه [ وهو (٣)] يقول: ((والذى بَعَثَكَ
بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل الذى رأى)).
وفى حديث أبى عُمَيْر بن أنس أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان رآه فَكَتَمه
عشرين يوماً. وفى حديث عُبَيْد بن عُمَيْر: (( فبينما عمر بن الخطاب يريد أن يشترى
خَشَبَتَيْن للناقوس إِذ رأى فى المنام: ((لا تجعلوا الناقوس بل أَذِّنوا))، فذهب عُمَر ليخبر
النبى صلى الله عليه وسلم بالذى رأَى ، وقد جاء الوَحْى فما راع عُمَرَ إِلا بِلال يُؤَذِّن .
قال عبد الله بن زيد: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعُمَر: ((ما مَنَعَك أن تخبرنى ؟))
فقال : سبقنى عبد الله بن زيد فاسْتَحْيَيْتُ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فلِلَّه
الحمد فذلك ثّبت )). قال الزهرى ، ونافع بن جُبَيْر ، وابن المُسَيِّب : وبقى ينادى فى
الناس: ((الصلاة جامعة)). للأمر يحدث فيحضرون له يُخْبَرون به (٤) وإن كان فى غير
وقت صلاة . وروى ابن ماجة عن شيخه أبى عبيد محمد بن عبيد ، بن ميمون المدنى(*)
قال : أخبرنى أَبو بكر الحكمى أَن عبد الله بن زيد قال فى ذلك شِعْراً
كْرَامِ حَمْداً على الأَذان كَثِيرًا
أَحْمَدُ اللّهَ ذا الجَلَالِ والإ
سه فَأَكْرِمْ بِه لَدَىَّ بَشيرًا
إذ أتانى به البشير من اللـ
كُلَّمَا جَاء زادلى تَوْفِيرا /
فى ليسالٍ وَالَ بِهِنَّ ثلاثٌ
١٠٢٣ت
(١) ساقطة من ت والتكملة من طبقات ابن سعد ( = ٢ ص ١٢ و ١٣) التى نقل منها المؤلف.
(٢) فى الأصل: فأمر والتصويب من ابن سعد.
(٣) زيادة من البداية والنهاية (ج ٣ ص ٢٣٢).
(٤) زاد فى الأصل بعد ((فيحضرون له يخبرون به)): الصلاة جامعة، وهذا تكرار لما سبق.
(٥) روى عن الدراوردى وروى عنه البخارى وابن ماجة. قال ابن حبان فى الثقات: ربما أخطأ، قاله فى خلاصة
الخزرجي ( ص ٢٨٩).
- ٥١٢ -
٠

قال الحافظ ابن كثير: (١) ((وهذا الشِّعْر غريب، وهو يقتضى أنه رأى ذلك ثلاثٌ
ليالٍ حتى أَخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم )). قلتُ: سَنَّدُهُ منقطع وأبو بكر الحكمى
مجهول . وروى البيهقى فى الدلائل عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : كان رجل
من اليهود تاجراً إذا سمع المنادى ينادى بالأَذان قال: ((أَحرق الله الكاذب )) . فبينما
هو كذلك إذ دخلت جارية بشعلة من نارفطارت شرارة منها فى البيت فأَحرفته .
وروى ابن جرير، وابن أبى حاتم، وأبو الشيخ عن السُّدِّى قال: ((كان رجل من النصارى
إذا سمع المنادى ينادى : أَشهد أن محمداً رسولُ الله قال : أَحرق الله الكاذب : فدخلت
خادمة ذات ليلة من الليالى بنارٍ وهو نائم وأَهْلُه نيام فأَحرقت البيت واحترق هو وأَهله)).
وروى مسلم عن سهيل بن أبى صالح قال : أرسلنى أبى إلى بنى حارثة ومعى غلام لنا
[.أَو صاحب لنا (٢) ] فناداه مُنَادٍ من حائط باسمه، فأَشرف [ الذى معى ](٢) على
الحائط، فلم يَرَ شيئاً، فذكرت ذلك لأَّى، فقال [ لو شَعَرْتُ أَنْكِ تَلْقَى هذا لم أُرْسِلْكَ
ولكن(٣) ] إذا سَمِعْتَ صوتاً فَنَادٍ بالصلاة، فإِنِّى سَمِعْتُ أَبا هريرةٍ يُحَدِّث عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِن الشيطان إذا نُودِىَ بالصلاة وَلَّى وله حُصَاص))(٤).
وروى البيهقى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: ((إذا تَغَوَّلَتْ لَأَحد كم الغيلان
فَلْيُؤَذِّن فإن ذلك لا يَضُرَّه)). وروى البيهقى عن الحَسَن أَن عُمَرٍ بَعَث رجلاً إلى سعد
ابن أَّبِى وَقَّاص، فلما كان ببعض الطريق عَرَضَتْ له الغول، فأَخبرِ سَعْدَاً فقال: (( إِنا
كُنَّا نُؤْمَرَ إِذا تَغَوَّلَتْ لنا الغُولِ أَنْ ننادى بالأَذان)). فلما رَجَع إلى عُمَر عَرَضِ لهِ أَن يسير
معه ، فنادى بالأَذان ، فذهب عنه، فإذا سكت عَرَض له ، فإذا أَذَّن ذهب عنه .
ہے
(١) هذا فى البداية والنهاية جـ ٣ ص ٢٣٢.
(٢) زيادة من صحيح مسلم (جـ ٤ ص ٩٠ و٩١ بشرح النووي).
(٣) ساقطة من الأصل والتكملة من صحيح مسلم الذى نقل عنه المؤلف .
(٤) وروى النسائى أنه قال: عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل فإذا تَغولت لكم الغيلان فبادروا بالأذان.
وقال النووى: ولذلك ينبغى أن يؤذن أذان الصلاة إذا عرض للإنسان شيطان. والحصاص كما فى النهاية (ج ١ ص ٢٣٤)
شدة العدو وحدته ، وقيل هو أن يمصع بذنبه ويصر بأذنه ويعدو وقيل هو الضراط . وفى رواية أخرى الحديث أوردها النووى
فى شرحه على صحيح مسلم (ج٤ ص ٩١): إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين
أقبل حتى إذا ثوب للصلاة أدبر حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول له اذكر كذا وأذكر كذا
لما لم يكن يذكر من قبل حتى يظل الرجل ما يدرى كم صلى .
- ٥١٣ -
(٣٣ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

تنبيهاتِ : الأول: الأَذان لُغَةَّ: الإعلام، قال الله تعالى: ( وَأَذَانُ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) (١)
واشتقاقه من الأَذَنِ بِفَتْحَتَيْن وهو الاستماع (٢)، وشرعاً : الإِعلام بوقت الصلاة المفروضة
بألفاظ مخصوصة .
الثانى: فى بعض أسرار الأَذان وبدائعه، قال القاضى: ((الأذان كلمة جامعة لعقيدة
الإيمان مشتملةٌ على نَوْعَيْه من العقليات والسمعيات، فَأَوَّلُهُ إِثبات الذات ، وما يستحقه
من الكمال والتنزيه عن أضدادها، وذلك بقوله: ((الله أكبر))، وهذه اللفظة مع اختصارها
١٠٢٤ت دَالَّةٌ على ما ذكرناه، ثم صَرَّح بإثبات الوحدانية ونَفْى ضدها من الشركة المستحيلة
فى حقه سبحانه وتعالى، وهذه عُمْدَةُ الإِيمان والتوحيد المُقَدَّمَةِ على كل وظائف الدين
ثم صَرَّح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وهى قاعدة عظيمة
بعد الشهادة بالوحدانية ، وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع ،
وتلك المقدمات من باب الواجبات . وبعد هذه القواعد كَمُلَت(٣) العقائد العقليات فيما
يجب ويستحيل ويجوز فى حقه سبحانه وتعالى. ثم دعاهم إلى ما دعاهم الله إليه من
العبادات ، فدعاهم إلى الصلاة ، وعَقَّبَها بعد إثبات النبوة لأَن معرفة وجوبها من جهة
النبى صلى الله عليه وسلم لا من جهة العقل. ثم دعا إلى الفَلَاح، وهو الفَوْز والبقاء
فى النعيم المُقِيم ، وفيه إشعار بأُمور الآخرة من البعث والجزاء ، وهى آخر تراجم عقائد
الإسلام. ثم كَرَّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو مُتَّضَمِّن لتأكيد الإيمان ،
وتكرار ذِكْره(٤) عند الشروع فى العبادة بالقلب واللسان، وليدخُلَ المُصَلّى فيها على
بَيِّنَةٍ من أَمره وَبَصِيرة بإيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعَظَمة حق من يعبده وجزيل
(١) من الأية الثالثة من سورة التوبة.
(٢) قال النووى فى تهذيب الأسماء واللغات (ج ١ ص ٦ قسم اللغات): الأذان الإعلام وأذان الصلاة معروف ويقال
فيه الأذان والأذين والإيذان وقال الأزهرى الأذان اسم من قولك آذنت فلاناً بكذا أو ذنه إيذاناً أى أعلمته إعلاماً، إعلام الصلاة،
ويقال أذن المؤذن تأذيناً وأذاناً أى أعلم الناس بوقت الصلاة فوضع الاسم موضع المصدر ، قال : واصل هذا من الأذن كأنه
يلقى فى آذان الناس بصوته ما إذا سمعوه علموا أنهم قد ندبوا إلى الصلاة. وقوله صلى الله عليه وسلم ((ما أذن الله تعالى لشىء
كاذنه لنبى)) فقوله أذن بكسر الذال وقوله كأذنه بفتح الذال معناه ما استمع والله تعالى لا يشغله سمع عن ضمع
(٣) فى الأصل ((كانت)) والتصويب من شرح النووي على مسلم (ج٤ ص ٨٩) وقد أورد النووى هذه الفقرة
يطولها من كلام القاضى عياض فى الأذان .
(٤) فى الأصل: وتكرار ذلك وأثبتنا نقل النووى .
- ٥١٤ -

ثوابه)). انتهى كلام القاضى قال النووى: ((وهو من النفائس الجليلة [ وبالله التوفيق(١)]
قلتُ : قد أَلَّف الإمام الحافظ برهان الدين البقاعى(٢) رحمه الله جزءاً لطيفاً فى
أسرار الأَذان سَمَّه. ((الإيذان بفتح أَسرار النَّشَهِّد والأذَّان)). وأَنا مُورِدُ هنا ما ذكره
فى الأذان لُسْتَفَاد فإنه نفیس جدا .
قال رحمه الله بعدأن أَورد أحاديث بعض الأذان والتشهد: ((مقصودُه - أَى الأذان -
الإعلام بأوقات الصلاة تنبيهاً على أَن الدين قد ظَهَر، وانتشر عَلَمُ لوائه فى الخافقين
واشتهر ، وسار فى الآفاق على الرءوس فَبَهَر، وأَذَلَّ الجبابرة وقَهَر [ و]. أَعْلَمَ أَنه !
كان الدين المحمدى دين الإِسلام الذى لا يَقْبَلُ الله من أَحَد ديناً غَيْرَه ، قد عَلَا على
كَل دين ، فَظَهرَ كُلُّ مُخَالِفٍ ، وخفقت راياته بعد أَن كانت خَفِيَّة ، وانتشرت أَعلام
أَلْوِيَتِهِ بعد أن كانت مَلْوِيَّة، وبِعُنَاةِ أَهل الأَباطيل مَطْوِيَّةٍ. وقد كان الشِّرْكُ منذ أَزمان
فى غاية الظهور، والباطل هو المعمول به والمشهور، فَنَاسَبَ أَن يُصَرَّحِ بأَذَانِهِ، ويُشْدَى
به على غاية إعلانه، ولما كانوا يشركون به سبحانه، ويَتَعَبَّدُون بسواه ،
كان نَسَب الأُمور البَدَائِهِ بالتنبيه على تَفَرُّدِهِ / بالكِبْرِيَاءِ، وتَوَحِّدِه بالعَلَاءِ، فقال ١٠٢٥ ٠
بادئاً بالاسم الأعظم، الدَّالّ على الذَّات، المُسْتَجْمع لجميع الكمالات: ((الله)) أَى المَلِك
الذى لا كُفْء له ولا سَمِىّ، ولا ضِدّ ولا نظير، وأَتَّى بالخَبَرِ نَكرَةً لِيَدُلّ على إِسناده
إليه على الإطلاق، وأنه لا خَفَاء فى انفراده بذلك، فقال: ((أكبر))، ولم يَذْكُرْ
مُتَعَلِّقاً ، ذَهَاباً بالتعميم إِلى أَعلى الغايات وأَنْهَى النهايات ولما كان قد طال ما قَرَّرِ الشِّرْكُ
فى الأذهان، وَصَالَ به أَهْلُ الطُّغْيَانِ، اقتضى الحالُ تَأُكِيدَ ذلك ، ولأجل هذا ثَنَّى التكبيرَ
فى الإقامة مع أَنها فَرَادَى .
(١) زيادة مما يقله النووى عن عياض.
(٢) هو برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط البقاعى الشافعى المحدث المفسر المؤرخ ولد سنة ٨٠٩ « وتوفى
سنة ٨٨٥ « أخذ عن أساطين عصره كابن الجزرى وابن ناصر الدين وابن حجر وبرع وتميز وانتقد حتى على شيوخه وصنف
تصانيف عديدة منها : المناسبات القرآنية ، وعنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران، وتنبيه الغبى بتفكير عمر بن الفارض
وابن عربى وتناولته الألسن بسبب هذا التأليف وكثر الرد عليه فمن رد عليه السيوطى بكتابه : تنبيه الغبى بتبرئة ابن عربى ،
انظر شذرات الذهب ( = ٧ ص ٣٣٩: ٣٤٠) وقد ترجم له السخاوى فى الضوء اللامع ( ج ١ ص ١٠١ : ١١١)
ترجمة وصمه فيها بكل قبيح وقد جمعت أهاجى الشعراء فيه فى مجلد ومنها :
:
لك الحمد الجزيل بلا امتنان
وفضل بالعطاء بلا نزاع
وجنبنا الخبيث من البقاع
فطهر قلبنا من كل غل
هذا وقد سبق السخاوى الطعن فى معاصريه .
- ٥١٥ -

(ولما كان المراد [ من] جميع كلمات الأَذان مُجَرَّدَ الإِعلام بالوقت وبهذه المقاصد
المُرَادِ بها نَسْخُ ما عداه، قال مُؤَكِّداً من غير عَطْف لشىءٍ من الجُمَل: ((الله أكبر)).
ولما كان الحال من جميع الأكوان شديد الاقتضاء، لم يُذْكَر التأكيد لتطاول أَزمان
الشِّرْك قال مُلَذِّذَاً لأَسماع الموجودات، ومُرْوِياً لعِطَاش أَكياد الكائنات: ((الله أكبر)).
ولا تَمَّ تقرير ذلك فى الأذهان، وعُلِمٍ عِلْماً تاماً أَن التوحيد قد عَلَا، وقِهَر جميعَ الأَديان ،
ارتقب كُلُّ سامعٍ ما يُقَال بعده، فقال مبتدئاً دَوْراً جديداً من هذا الإِعلام(١) لمزيد
التقرير عند جميع الأنام: ((الله أكبر)).
(( قلما تعُلِمٍ أَن ذلك إلى غير نهاية، ولاحَدَّ تَقِفُ عِنده كُلُّ غاية، قَال مُتَّرْجِماً لما
أَنْتَجَه، مُلَقِّناً لكل سامعٍ ما وَجَب عليه من الجواب، مُسِرًّا(٢) بذلك بَعْضَ الأسرار،
إعلاماً بما كان من حال هذا الدِّين فى أول الأمر، بُرْهاناً على حُسْن هذا التأكيد: ((أَشَهْدُ))
أَىْ أَعْلَمُ عِلْمَاً فقَطْعِيًّا أَنى فى مُرِيد بَصَرى كالناظر إِلى مَحْسُوس هو فى غاية الجَّلَاءِ: ((أَلَّ
إله إلّ الله )). ولما كان المَقَام كما مَضَى شَدِيدَ الاقتضاء للتأكيد قال ثانياً: « أَشَهْدُ
ألّ إله إلا الله )».
(( فلما أَخَّذِ المَقَّامُ حَظَّهُ من التأكيد، ولم يَحْتَجْ إِلى مَزِيد، فَتَلَقَّى ذلك بالقَبُول
العَبِيدِ، فَثَبَتَتْ رَسَالةُ الذى أَتى بهذا الدين، وجاهد به الجاحدين، حتىَ قَهَرَهُمْ وَحْدَه
صاغِرِين أجمعين، قال على طريق النتائج المُسَلَّمَة: ((أَشهد أَن مُحَمَّداً)) ـ ذاكراً
أَشْهَرَ أَسمائه وأَطيبها وأظهرها - ((رسولُ الله))، مُخَصِّصاً وَصْفَ الرِّسَالةِ الذى هو بين
الحَقِّ والخَلْقِ، لِأَن المَقَامَ ذاعٍ إِليه، ومَقْصُورٌ عليه، ثم أَتْبَعَ ذلك ما اقتضاه الحال
من تأكيده فى تَعْظِيمه وتَمْجِيده فقال: ((أَشَهْدُ أَن محمداً رسولُ الله)). فلما أَخَذَ المَقَامُ
حَظَّه من التأكيد للإعلام؛ بما كان فيه للإسلام من الشدائد والآلام، أَتْبَعَه ما اقتضاه
١٠٢٦ ت الحال، من رَفْع الصَّوْت بهذا المقال مُشِيراً / مع ذلك إِلى أَن باطِنَ الدِّين وَظَاهِرَهُ سواءِ،
ليمن فيه حقيقة تُخَالِفُ شريعة، وخاصة أَن (٣) المُتَشَرِّعَ به يجب عليه أن يكون مِثْلَ
(١) فى الأصل : هذه الأعلام.
(٢) أسر إليه حديثاً أو صله وأعلبه وهو المقصود وليس أسره بمعنى كتته.
(٣) فى الأصل: وخاصاً على.

الشَّرْعِ، ظَاهِرُه وبَاطِنُه سواء، لا نِفَاق فيه بوَجْهِ أَصْلا، فقال: ((أَشهد أَلا إله إلا
الله)).
((فلما استقرَّ فى الأَذهان سِرُّ هذا الإعلان، أَتْبَعَهُ ما اقتضى الحال من الشهادة
للآتى بهذا الدِّين من صِدْق المَقَال، فى دَعْوَى الإِرسال، فقال: ((أَشهد أن محمداً رسولُ
الله))، ثم أَكَدَّه كما مضى فقال: ((أَشهد أن محمداً رسولُ الله)). ولما ثَبَتَ ذلك، وَانْجَلَتْ
دَيَاجِيرِ تلك الأمور الحَوَالِكِ، فَتَيَسَّرَ السُّلُوكُ لكل سالك، فى أَشرفِ المسالك
قال ذا كراً لما آثرته الرسالة من الخلاص من أَشْرَاك الضلالة، والرَّدّ على طُرُقها المَيَّالة،
وأَوْدِيتها المُغْتَالَة: ((حَىَّ على)) - أَى هَلَّمُّوا أَقْبِذُوا جَهَاراً غَيْرَ خائفين منْ أَحَدِ - إلى
((الصلاة))، بادئاً بما هو نِهَايَةُ الدِّين، الجَامِعِ لِشَمْلِهِ، المُمَيِّزُ لِأَهْلِهِ.
« ولما كان الناظر لذلك الحال، يستدعى عَجَباً من الوصول إلى هذا المآل، قال
مُؤَكِّداً: ((حَىَّ على الصلاة)). فلما تَقَرَّر ذلك كان كأَّنه قيل: هل من عَمَل غيرها؟!
فقال: ((خَّىَّ على الفلاح))، فكان ذلك، مع أنه دعاءٌ إلى كل عملى يوجب الفوز والظّفَر.
بكل مُرَادِ مُؤَكِّداً للدُّعَاء إلى الصلاة على أبلغ وَجْه . .
((ولا شَكَّ أَنه أَحْسَن مما ورد فى بعض الآثار الموقوفة فى المُوَطَّأ، رواية محمد بن
الحَبَّن، وجاء مع عبد الرَّزَّقِ عن ابن عُمَر رضى الله عنهما، وصَرَّحِ الحُفَّظ بأَنَّه لم
يَثْبُتْ عِن النبى صلى الله عليه وسلم [قَوْلُه: ((حَىَّ على خَيْرِ العَمَلِ))، لأنه مع كونه
لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (١) [ فقد صار شعار الرَّوَافِض لا يشمل جميع
الأعمال الصالحة ، وكان الوارد فى الصحيح أبلغ من وجهين : من جهة أَنه شاملٌ لكل
[خير ]، ومن جهة التعبير عن ذلك باللازم الذى هو الغاية المترتبة على العمل تحبيباً
فيه، وتشويقاً إليه، مع أنه كان يقوله بعد: ((حَىَّ على الفلاح)).
((ولما كان تطاول الصَّوْلَة بالإِذلال والقَهْر، مُوَجِبًا لاستبعاد الإقبال على كل عمل
من أَعْمَالِ الشَّرْع على سبيل القَهْرَ، أَكَّد هذا الكلام الدَّاعِى إِلى كل خير لهذا وللإِشارة
(١٠) زيادة من م ومقصود البقاعى أن إضافة الشيعة لعبارة ((حى على خير العمل)) فى أذان الصلاة معناها أن ما سبقها)
لا يشمل جميع الأعمال الصالحة. وتاريخ الأذان فى مصر وما استحدثه الشيعة فيه فصله المقريزى فى خططه ( جـ ٤ ص ٤٤:
٤٩) من طبعة المليجى بالقاهرة سنة ١٣٢٦ هـ.
- ٥١٧ : -

إِلى أَنه لِحُسْنِهِ جَدِيرٌ ((بالتأكيد، وأَهْلُ لأَن يُعْرَف بمقدار لجلالة آثاره، فقال: ((حَىّ
على الفلاح))، وفيه إشارة إلى أَن الأَمر خطير ، والطريق صَعْب، فلابُدَّ من التَّأَّهُّب له
بأعظم الزَّاد، لتحصل الراحة فى المآل والمَعَاد؟
(( ولما كان المَدْعُو قد يكون نائماً، وكان النوم قد يكون خيراً، إما بأَن يكون
١٠٢٧ت القَصْدُ به رَاحةَ البَدَن للتَّقَوِّى على الطاعة، أَو/ أن يكون للَّخَلِّى عن المعصية، وكان
أكثر ما يكون ذلك فى آخر الليل ، كان التثويب(١) خاصًّا بأَذان الصبح ، فقال فيه :
(( الصلاة)) - التى هى أعظم الفلاح، ومن أعظم مقاصد هذا الأَذان الإِعلامُ بوقتها والدُّعَاءُ
إليها - ((خَيْرُ من النوم)). ولما كان مَنْ يَغْلِبُهُ النوم مُحّتاجاً إلى الإزعاج، أَكَّد ذلك
بالتكرير، فقال: ((الصلاة خير من النوم)). ولما كان للصبح أَذَانَان كان التثويب ربما
كان فى الأول ، فكان دُعَاءٌ إلى قيام الليل الذى شُرِّع له ذلك الأَذَان، كما بَيِّن سِرَّه
فى بعض الروايات فى قوله: ((لِيَرْجِعَ قائِمُكُمْ وَيُنَبَّهَ نَائِمُكُم)). وربما كان فى الثانى ،
فكان دُعَاء إِلى فَرْض الصبح، وهو بالأَّول أَنسب، لأَن الفَرْضَ له حَاثٌّ يَحُثُّ عليه ،
وداعٍ مُلِحَّ يدعو إليه، وهو الوجوب الذى مَنْ أَخَلَّ به عُوقِب، ومَنْ جاوز حَدَّهُ لِيمَ
وعُذِّب .
(( ولما ثَّمَّ الدِّينُ بجُمْلَته، وكَمُل أصلاً وفرعاً، قولاً ونيةً وعَمَلًا، بِرُمَّتِهِ ، عَلَّل
الدُّعاء إليه مُرَغِّباً مُرَهِّباً، بقوله، مُذَكِّراً بما بَدَأَ الأَمْرَ به ، لاستحضار عظمته التى أَظهر
بها الدِّين، وأَذَلَّ بها المعتدين، بعد أن كانوا على ثقة من أنه لاغالب لهم، (( الله أكبر))،
ثم أكَّد بمسيس الحاجة إلى ذلك فى الترغيب والترهيب، فقال: ((الله أكبر)). فلما
ثَمَّ الأَمر، وَجَلَا التشويق والرَّجْر، لم تَدْعُ حَاجَةٌ إلى تربيع التكبير هنا كما كان فى الأول ،
(١) جاء فى النهاية (ج ١ ص ١٣٧): ((إذا ثوب بالصلاة فائتوها وعليكم السكينة)). والتشويب ههنا إقامة الصلاة
والأصل فى التثويب أن يجىء الرجل مستصرخاً ، فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر ، فسمى الدعاء تثويباً لذلك. وكل داع مثوب
وقيل إنما بمى تثويباً من ثاب يثوب إذا رجع ، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة وأن المؤذن إذا قال حى على الصلاة
فقد دعاهم إليها ، وإذا قال بعدها الصلاة خير من النوم فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها . ومنه حديث بلال : قال :.
أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أثوب فى شىء من الصلاة إلا فى صلاة الفجر وهو قوله: ((الصلاة خير من النوم))،
مرتين . وأورد الزبيدى فى التاج كلام ابن الأثير وأضاف : والثويب الصلاة بعد الفريضة . ويقال تثوب إذا تطوع أى
تنقل بعد المكتوبة ولا يكون التثويب إلا بعدها وهو العود الصلاة بعد الصلاة .
- ٥١٨ -

فخَتَم بما بدأَ به من التوحيد إِعلاماً بأنه لا يُقْبَل شىءٍ من الدِّين إلا به مُقَارِنا له من
ابتدائه إلى انتهائه ، فقال: (( لا إله إلا الله)).
(( ولما كان [قد] وصل إلى حَدٍ لا مَزِيد عليه، لم يَخْتَجْ إلى تأكيد، حتى ولا بلفظ
الشهادة إِعلاماً بأنه ليس وراء هذا إلا السيف لو تَوَقَّف عنه ، أَو ما عَانَدَ فيه . ولما كان
من أَجَلّ ما يُرادَ بالأَذان - كما مضى - الإِعلام بظهور الإِسلام على جميع الأديان ، وأنه
قد أَوْرَقَ عُودُه، وزكا وجودُه، وثَبَتَ عَمُودُه، وعَزَّ أَنصارُه وجنودُه ، جاء على سبيل
التعديد ، والتقرير والتأكيد ، من غير عاطفٍ ولا لافِتٍ عن هذا المُرَاد ولا صارِف تنبيهاً
على أَن كُلَّ جُمَلَةٍ منه رُكْنُ برأسه، مُسْتَقِلُ بذلك بنفسه، مُعْرِبٌ عما هو المُرَاد من
الإظهار بالنَّعْدَاد .
((هذا ما شرحه الله تعالى لعباده من الأَذَان فى حال النوم واليقظة ، فى الليل والنهار ،
على وفاءٍ لامزيد عليه، كما صَرَّح به فى قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم رَبّ هذه
الدعوة التامَّة، فمن زاد حَرْفاً فما فوقه فقد أساء / وتَعَدَّى وظَلَم)). ومن الواضح البَيِّنِ ١٠٢٨ت
أن المعنى فى إجابة السامع لأَنفاظه بها الإِيذان باعتقاده، والإذعان لمُرَادِه ، وأنه تخصیص
الجواب فى الدعاء إلى الصلاة والفلاح ، بالحوقلة، والمراد بها سؤال المعونة على تلك الأفعال
الكرام بالنَّبَرُّؤْ(١) من القدرة على شىء بغير تقدير الله، رَدًّا للأمر إِلى أَهلِه، وأَخْذَا
له من مَعْدِينِه وأَصْلِهِ ، والإقامة فرادى، لأَّنه لما ثَبَت بالأَذان أَمْرُ الوحدانية والرسالة ،
وعَلِمِ المَدْعُوِّ ما نُسِب إليه، صار الأَمْرُ غَنِيًّا عن التأكيد، فلم يَحْتَجْ إِلى غير الإعلام
بالقيام إلى ماقد دُعِىَ إِليه، وأعْلِمٍ بوقته، وأَكَّد التكبير بما ذكر فى الأَذان نَوْعَ تأكيد
لما تَقَدَّم من مزيد الاهتمام والإقامة لإِسراع مَنْ عنده بَعْضُ غَفْلَةٍ أَو تَوَانٍ)». انتهى.
الثالث: اخْتُلِف فى السنة التى فيها شُرِعٍ [ الأَذان]. قال الحافظ: ((والرَّاجح أَنه
فى السنة الأولى، وقيل بل فى الثانية)).
الرابع: قول ابن عُمَر: فقال عُمَر: ((أَوَ لاتبعثون رجلاً منكم يُنَادِى
بالصلاة). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يابلال قُمْ فنادٍ بالصلاة)). قال
(١) فى الأصل: تبرأ.
- ٥١٩ -

النووي(١): هذا الدعاء دُعاء إلى الصلاة غير الأَذان وكان قد شُرِّع قبل الأَذان. قال الحافظ: والظاهر
أَن إِشارة عُمَر بإرسال رجل ينادى بالصلاة كان عَقِب المشاورة فيما يفعلونه ، وأن رؤيا عبدالله
ابن زيد كانت بعد ذلك. وكان اللفظ الذى يُنَادِى به بلال [ هو] ((الصلاة جامعة»،
كما رواه ابن سعد، وسعيد بن منصور عن سعيد بن المُسَيِّب مُرْسلاً. وقد وقع للقاضى
أبى بكر العربى هنا كلامٌ غير مُحَرَّر طَعَنّ فيه فى صحة حديث ابن عُمَر الثابت فى الصحيح))
وقد بسط الحافظ الكلام على رَدِّه .
الخامس: روى الطبرانى أَن أَبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه رأَى الأَذان، وسَنَّدُه
واهٍ، ووقع(٢) فى الوسيط للغزالى أنه رآه بضعة عشر رجلاً .. وعبارة الجيلى فى شرح
التنبيه: أربعة عشر رجلا وأنكره ابن الصلاح(٣) [ فقال لم أجد هذا بغد إِمعان البحث(٤) ]
ثم النووى [ فى تنقيحه فقال: هذا ليس بثابت ولا معروف وإنما الثابت خروج عُمَر يَجُرُّ
رداءه](٤)، ونقل مغلطاى (٥) عن بعض كتب الفقهاء أنه رآه سبعة عشر رجلاً من
الأنصار. قال الحافظ: ((الحق أنه لايثبت شىء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد ، وقصة
عُمَر جاءت فى بعض الطرق)).
وروى الحافظ ابن أبى أُسامة عن كثير بن مُرَّةً (٦) أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(١) قال النووى فى شرحه لهذا الحديث الذى أخرجه مسلم (ج ٤ ص ٧٦): قال القاضى عياض: ظاهره إنه إعلام
ليس على صفة الأذان الشرعى بل إخبار بحضور وقتها، وهذا الذى قاله محتمل أو متعين فقد صح فى حديث عبد الله بن زيد
فى سنن أبي داود والتر مذى وغيرهما أنه رأى الأذان فى المنام فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فجاء عمر فقال: يا رسول
الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذى رأى. فهذا ظاهره أنه كان فى مجلس آخر.
(٢) هذا مما نقله المؤلف عن المواهب القسطلانى.
(٣) هو الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن، تقى الدين بن الصلاح (٥٧٧ هـ - ٦٤٣ هـ) من أئمة التفسير والفقه
والحديث وأسماء الرجال له كتاب الفتاوى وعلوم الحديث وأدب المفتى والمستفتى وغيرها وكان شيخاً لابن خلكان الذى ترجم له
فى وفياته (ج ١ ص ٣١٢: ٣١٣) كما ترجم له ابن العماد فى شذرات الذهب ( = ٥ ص ٢٢١ : ٢٢٢).
(٤) زيادة من شرح الزرقانى على المواهب ( ج ١ ص ٣٧٧).
(٥) هو مغلطاى بن قليج بن عبد الله علاء الدين البكجرى (٦٨٩ هـ - ٧٦٢ هـ) تولى مشيخة الحديث بالقاهرة
بالبيبرسية والضرغتمشية والناصرية. له الزهر الباسم فى سيرة أبى القاسم وشرح البخاري وإكمال تهذيب الكمال والمؤتلف والمختلف.
وشرح قطعة من سنن ابن ماجه. ترجم له ابن قطلوبغا فى تاج التراجم ( ص ٧٧ بغداد سنة ١٩٦٢ م) والسيوطى فى حسن المحاضرة
( ١ ص ١٦٨) وابن العماد فى شذرات الذهب ( = ٦ ص ١٩٧).
(٦) هو كثير بن مرة الحضرمى الحمصى أبو القاسم الرهاوى، تابعى، أدرك سبعين بدرياً، روى عن معاذ وأبى الدرداء وعبادة
ابن الصامت وطبقتهم ، وروى عنه خالد بن معدان ومكحول وسليم بن عامر وعبد الرحمن بن جبير ويزيد بن أبى حبيب
وثقه العجلى وقال النسائى : لا بأس به . قال أبو مسهرمات فى خلافة عبد الملك، انظر تذكرة الحافظ ( جـ ١ ص ٤٩ )
وخلاصة الخزرجى ص ٢٧٣ .
-٥٢٠ -.