النص المفهرس
صفحات 441-460
فى المُوَطَّأ. وعن أبى سعيد(١) مَوْلَى المَهْرِى - بالراءِ - أَنْه جاء إلى أبى سعيد الخُدْرِىّ ليالى الحَرَّة فاستشاره فى الجلاء عن المدينة وشكا إليه أَسْعَارَها وكثرة عياله، وأخبره أَلَّ صَبْرَ له على جَهْد المدينة ولأوائها. فقال له: وَيْحَكِ لا آمُرُكَ بذلك، الزم المدينة فإِى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يَصْبِرِ أَحَدٌ على لأُوائها فيموت إِلا كنت له شفيعاً أَو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً)). وفى حديث أخرجه مسلم(٢): ((لا يريد أحد أَهبل المدينة بسوء إِلا أُذابه الله فى النار ذوب الرصاص أو ذَوْبَ المِلْح فى الماء)». وعن عبد الله ابن عَمْرو رضى الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من صَبَرِ على لأوائها وشدتها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)). رواه مسلم . وعن أبى هريرة بنحوه رواه الترمذى وعن سهل بن سعد رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان له بالمدينة أَضْل فايتَمَسَّك به ، ومن لم يكن له بها أصلٍ فليجعل له بها أَصلاً، فليأتينَّ على الناس زمان يكون الذى ليس له بها أصل كالخارج منها المجتاز إلى غيرها))، وفى رواية : ((فليجعل له بها أصلاً ولو قَصَرَةٍ(٣))، رواه الطبرانى وابن شَبَّة بسند لا بأس به. وروى ابن شَبَّة عن الزُّهْرِى مُرْسَلاً: ((لا تتخذوا الأَّموالَ بمكة واتخذوها بدار هجرتكم، فإن المرء مع ماله)) . وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أُمِرْتُ بقرية تأكل القُرَى يقولون يثرب وهى المدينة تَنْفِى الناس كما ينفى الكير خَبَث الحديد (٤) )). (١) فى خلاصة الخزرجى : روى أبو سعيد مولى المھری عن أبى ذر وروى عنه ابنه سعد ویحیی بن أبي كثير (ص ٣٨٠ ) . (٢) صحيح مسلم ( بشرح النووي ج ٩ ص ١٥٧) عن أبى هريرة (٣) ورد هذا الحديث مختصرا فى النهاية (ج ٣ ص ٢٥٦): من كان له بالمدينة أصل فليستمسك به ومن لم يكن فليجعل له بها أصلا ولو قصرة)) وقال ابن الأثير فى شرح القصرة إنها - بالفتح والتجريك - أصل الشجرة وجمعها قصر. أراد فليتخذ له بها ولو نخلة واحدة. والقصرة أيضا العنق وأصل الرقبة. وفى الفائق الزمخشرى (ج ٢ ص ٣٥٣): وفسر قوله تعالى: (( بشرر كالقصر )) - فيمن حرك - بأنه جمع قصرة وهى أصل الشجرة ومستغلظها وبأعناق النخل وأعتاق الإبل . (٤) صحيح البخارى كتاب الحج باب فضل المدينة وأنها تنفى شرار الناس (ج ٣ ص ٥٠). -٤٤١ - وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أَن أعرابياً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأَصاب الأَعرابِىَّ وَعْك فسأل النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أقلنى بيعنى . ٤٣١ و فأبى. ثم جاءه فقال: أقلنى بيعتى. فأَبى. فخرج الأَعرابى. فقال رسول الله صلى / الله عليه وسلم: ((إِنما المدينة كالكير تنفى خَبَئها ويَنْصَع طيبُها)) رواه الشيخان. وعن زيد بن ثابت رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنها طيبة - يعنى المدينة - وإنها تنفى الخبث كما ينفى الكير خَبَث الفِضَّة))، رواه مسلم (١). والمراد هنا الإِقالة من الإِسلام وقيل من الهجرة [ كأنه كان قد بايع على هجرة الإقامة (٢) ]. وعن أبى هريرة رضى الله عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن آطام المدينة أَن تُهْدَم. وروى البزار بسَنَّد حَسَن عن عمر رضى الله عنه قال : غلا السعر بالمدينة فاشتد الجَهْد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اصبروا وأَبْشِروا فإنى قد باركتُ على صاعكم وعُدِّكم ، وكلوا ولا تتفرقوا فإِن طعام الواحد يكفى الاثنين وطعام الإثنين يكفى الأربعة وطعام الأَربعة يكفى الخمسة والسنة ، وإن البركة فى الجماعة ، فمن صَبّر على لأوائها وشدتها كنت له شفيعاً أَو شهيداً يوم القيامة ، ومن خرج رغبةً عنها أَبدل الله به من هو خَيْرُ منه فيها ، ومن أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب المِلْح فى الماء)». وروى البخارى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها أى المدينة طيبة تنفى الذنوب كما ينفى الكير حَبَث الفضة . تَنْيَهَاتُ الأول: قال القاضى رحمه الله: ((سئلت قديماً عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((كنيت شهيداً أو شفيعاً، ولِمَ خَصَّ ساكن المدينة بالشفاعة هنا مع عموم شفاعته وادِّخاره إياها لأُمته ؟ وأُجيب بأن ((أو)) ليست هنا للشك، خلافاً لمن ذهب إليه ، إذ قد رواه جابر ، وأبو هريرة ، وأَبو سعيد ، وسعد بن أبى وقاص ، وابن عُمَر ، وصفية بنت: أبى عبيد ، وأسماء بنت عُمَيْس رضى الله عنهم بهذا اللفظ ، ويبعد اتفاق الكل واتفاق رواياتهم على الشك، ووقوعه بصيغة واحدة ، بل الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قال كذلك (١) صحيح مسلم ( بشرح النووى ج ١ ص ١٥٥). (٢) بياض بالأصول والتكملة من السمهودى جـ ٢ ص ٢٩. - ٤٤٢ - ٢٠٠٠٠٠ هكذا، فإما أن يكون هو أَعلم بهذه الجملة هكذا، وإما أن تكون ((أو)) للتقسيم، ويكون النبى صلى الله عليه وسلم شفيعاً لبعض أهل المدينة وشهيداً لبعضهم [الآخر]، إِما شهيداً للطائعين وشفيعاً للعاصين ، أو شهيداً لمن مات فى حياته ، شفيعاً لمن مات بعده ، أَو غير ذلك مما الله أعلم به ، وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة لكافة المذنبين ، وعلى الشهادة لكافة الأُمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم فى شهداء أُحُد: ((أَنا شهيد على هؤلاء))، فيكون فى تخصيصهم زيادة منزلة، وقد تكون ((أو)) بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة شهيداً وشفيعاً بالشفاعة العامة. وإن جعلنا (أو)) للشك كما ذهب إِليه بعضهم ، فإن كانت اللفظة الصحيحة فلا إشكال ، إذ هى زائدة على الشفاعة المُدَّخَرة ، وإن كانت الصحيحة شفيعاً فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء فى عمومها وادخاره لجميع الأُمة أن هذه شفاعة أُخرى غير العامة التى هى لإخراج أمته من النار [ وإخراج(١) ] بعضهم منها بشفاعته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، وتكون هذه الشفاعة لأَهل المدينة زيادة فى الدرجات أو تخفيف الحساب بما شاء الله من إكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة. الثانى: قوله صلى الله عليه وسلم: (تَنْفِى الناس))، وفى لفظ ((الرجال))، قال القاضى: ((كان هذا يختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمُقَام معه بها إلا من ثيت إيمانه)). وقال النووى: (( ليس هذا بظاهر / لأَن عند مسلم لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شِرَارَها كما ينفى الكير خَبَث الحديد، وهذا والله أعلم زمن الدَّجَّال)). قال الحافظ: ((ويحتمل أن يكون المراد كُلاًّ من الزمانَيْن، وكان الأمر فى حياته صلى الله عليه وسلم السبب المذكور ، ويُؤَيِّدُه قِصَّة الأَعرابى الذى استقاله فإنه صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث مُعَلَّلاً بهِ خروجَ الأَعرابى وسؤالَه الإِقالة من البَيْعَة ، ثم يكون ذلك أيضاً آخِرَ الزمان ، عندما ينزل الدَّجَّال فترجف الأرض بأهلها فلا يبقى منافِقٍ ولا كافِرٍ إِلا خرج إليه)». ٤٣١ظ وقال السيد(٢): ((وقد أَبعد الله عنها أَرباب الخَبَث الكامل وهم الكُفَّار، وأَمَا غيرهم (أ) بياض بالأصل بنحو كلمة والتكملة يتقضيها السياق. . (٢) ما نقله المؤلف فيما يلى عن السمهودي يقع فى ص ٢٩، ٣٠ من الجزء الأول من وفاء الوفاء المطبوعة فى القاهرة سنة ١٣٢٦ هـ ولكن توجد اختلافات فى اللفظ وتقديم وتأخير وإغفال لبعض العبارات التى أوردها. السمهودى وأغفلها .. المؤلف ولكن المعنى فى مجموعه واحد أو متقارب وقد حافظنا على النص الذى نقله المؤلف وأوردنا بين أقولس ما يحسن إثباته لاستقامة المعنى مما أغفله المؤلف . - ٤٤٣ ٢ فقد يكون إِبعاده إن مات بها بنقل الملائكة له كما أَشار إِليه الأَقْشَهْرِى أَو المراد إبعاد أهل الخَبَث الكامل فقط وهم أهل الشقاء [والكفر لا أَهل السعادة والإِسلام لأَن القسم الأَول ليس قابلاً للشفاعة ولا للمَغْفِرة(١)]، أَو المراد، فيما عدا قِصَّة الأَعرابى والدَّجَّال أنها تُخَلِّص النفوس من شَرِّها وظلمات ذنوبها، بما فيها من اللأواء والمشقات ومضاعفة المثوبات [وتوالى الرحمات، وقد قال تعالى(١)]: (إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ(٢)، ويُحْتَمَل أَن يكون بمعنى أنه لا يخفى حال من انطوى فيها على خَبَث بل تظهر طويته كما هو مُشَاهَدُ بها، [ولم أَرَ إِلى الآن مَنْ نَصَّ على هذا الاحتمال وهو فى حفظى قديماً(١) ] ويؤيده ما فى غزوة أُحُد فى الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج إِلى أُحد رَجَعَ ناسٍّ من أصحابه أى وهم المنافقون فقال صلى الله عليه وسلم: ((المدينة كالكير)) (الحديث)، والذى ظهر لى [من مجموع الأحاديث واستقراء أحوال هذه البلدة الشريفة(١)]. أَّنها تنفى خَبَثَها بالمعانى الأربعة )) .... وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لو كانوا يعلمون)) أَى بفضلها من الصلاة فى المسجد النبوى أو ثواب الإقامة فيها وغير ذلك. ويحتمل أن ((لو)) بمعنى ((لَيْتَ)) ولا يحتاج إلى تقدير ، وعلى الوَجْهَيْنَ ففيه تَجْهيل لمن فارقها وآثَرَ غَيْرَها. قالوا : والمراد به الخارجون من المدينة رَغْبَةً عنها كارهين لها . وأَما من خَرَج لحاجة أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك فليس بداخل فى معنى الحديث . قال الطيب: ((الذى يقتضيه هذا المَقّام أن ينزل أولئك الذين ((لا يعلمون)) منزلة اللازم لتنتفى عنهم المعرفة بالكلية، ولو ذهبوا مع ذلك الثَّمَنِّى لكان أَبلغ لأن التمنى طلب مالا يمكن حصوله ، أى لَيْتَهُمْ كانوا من أَهل العلم تغليظاً وتشديداً)) . قال البيضاوى ((المعنى أنه يفتح اليمن، فيُعْجِب قوماً بلادُها، وعَيْشُ أَهلها ، فيحملهم ذلك على المهاجرة إليها بأنفسهم وأهليهم حتى يخرجوا من المدينة ، والحال أن الإقامة فى المدينة خير لهم لأنها حَرَمُ النبى صلى الله عليه وسلم وجِوَارُه ومهيط الوَحْى ومنزل البركات لو كانوا يعلمون" ما فى الإقامة بها من الفوائد الأخروية التى يُسْتَحْقَر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية (١) زيادة من السمهودي. (٢) من الآية الرابعة عشرة بعد المائة من سورة هوه. - ٤٤٤ - العاجلة بسبب الإقامة فى غيرها)). وقَوَّاه الطيبى لتنكير قومه ووصفهم بِكَوْنِهِم يَبُسُون ، ثم توكيده بقوله: لو كانوا يعلمون ، لأنه يشعر بأَنهم من رَكَن إلى الحظوظ البهيمية والحُطّامِ الفانى، وأَعْرَضَ عن الإقامة فى جِوَار النبى صلى الله عليه وسلم، ولذلك كَرَّر قوماً)) ووَصَفّهُمْ فى كل مرتبة بقوله يَبُسُّون [بسبب اتخاذهم(١)] لتلك الهيئة القبيحة. ٤٣٢و الثالث: فى بيان غريب ما سبق: ((يَبُسُّون)): بمثناة تحتية فموحدة مضمومة وتُكْسَر ، قال أبو عُبَيْدَة : معناه يسوقون دوابُّهُمْ والبَسُّ سوق الإِبل بقول بِس بِسْ عند السَّوْق وإرادة السرعة، ((الأَرياف)): جمع رِيف بكسر الراء ، موضع الخِصْب - بكسر الخاء المعجمة - والسعة فى المطعم. ((الَّلأُوَاء)): بالفتح والمد [الشدة وضيق المعيشة(٢)]. ((تَنْفِى الخَبَث)): أَى بإظهاره وإخراجه / (الكِير)) (٣): بكسر الكاف وسكون التحتية وهو المعروف بين الناس أنه الزِّقّ الذى يُنْفَخ فيه ، لكن أكثر أَهل اللغة على أن المراد بالكير كانون الحَدَّاد والصائغ ، وقيل الكير هو الزِّقّ والكانون هو الكور . ((خبث الحديد)): بضم الخاء المعجمة والموحدة فمثلثة (٤): وَسَخُه الذى تُخْرِجه النار، والمراد هنا لا يُتْرَكِ فيها مَنْ فى قلبه دَغَل [وغِشُّ ونفاق(٥) يُمَيِّزه(٦) عن القلوب الصادقة ويُخْرِجه [منها ] كما يميز الحَدَّاد ردىء الحديد من جَيِّده، ويُنْسَب التمييز للكير لكونه السبب الأكيد فى اشتعال النار التى يقع التمييز بها. ((تُنْصَع)): بمثناة فوقية فنون ساكنة فصاد فعين مهملتين من النصوع وهو الخلوص ، والمعنى أنها إذا نَفَتْ الخَبَث تَمَيَّز الطِّيبُ، واستقر بها طِيبُها. رواه الأكثر بالنصب على المفعولية [أَى تَنْصَعُ طِيبَها وذكر (٧)] بعضُ رواة الصحيح يَنْصَعُ طِيبُها على الفاعلية ((الآطام)): بالمَدّ جمع أُثُم بضمتين وهى الحصون التى تُبْنَى بالحجارة ، وقيل هو كل بيت مربع مُسَطَّح . (١) بياض بالأصل بنحو كلمتين والإضافة مما يقتضيها السياق. (٢) بياض بالأصل بنحو ثلاث كلمات والتكملة من النهاية . (٣) فى التاج : الكير بالكسر زق ينفخ فيه الحداد أو جلد غليظ ذو حافات وأما المبنى من الطين فكور بالضم. وقد عكس ذلك ابن الأثير فى النهاية ولكنه استدرك بقوله : وقيل الزق الذى ينفخ به النار والمبنى الكور . (٤) وردت فى النهاية والتاج بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة فى سياقة هذا الحديث . (٥) بياض فى الأصل بنحو كلمتين والتكملة مما يقتضيه السياق . (٦) فى المصباح التثقيل فى مادة ماز يميز مبالغة وذلك يكون فى المشتبهات نحو يمين الله الخبيث من الطيب وفى المختلطات نحوٍ وامتازوا اليوم أيها المجرمون . (٢) بياض بالأصل بنحو ثلاث كلمات واستعنا فى التكملة بالنهاية . - ٤٤٥ - الباب السابع فى وَعِيد من أَحْدَثَ بِ حَدَثاً أَوْ أَوَى مُحْدِثاً أَوْ أَرَادَهَا وَأَهْلَها بسوء أَو أَخافَهم والوَصِيَّة بهم روى الطبرانى برجال الصحيح عن أبى أُمَامة (١)، وعن عَلِيّ رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ أَحدث فى مدينتى هذه حَدَثاً أَو أَوَى مُحْدِثاً. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صُرْفاً ولا عَدْلاً)). وعن السائب بن خَلَّار (٢) أَنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَخاف أَهل المدينة ظُلْماً أَخافه الله عز وجل ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً ))، رواه الامام أحمد. وعن أبى سعيد رضى الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَّنْ أَرادها - يعنى المدينة - بسوء أَذابه الله كما يذوب المِلْحِ فى الماء)).، رواه الإِمام أحمد والشيخان . وعن مَعْقِل بن يسار (٣) رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدينة مهاجرى وفيها مَضْجَعى. ومنها مبعثى، حقيقٌ على أُمَّتِى حِفْظُ جيرانى ما اجتنبوا الكبائر ، ومَنْ حفظهم كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة ، ومن لم يحفظهم سُقِى من (١) يشترك فى هذه الكنية خمسة من الصحابة كما فى أسد الغابة لابن الأثير والمكثر فى الرواية منهم هو أبو أمامة الباهلى توفى سنة ٨١ هـ، أو سنة ٨٦ هـ ولعله هو الراوى لهذا الحديث . (٢) يوجد اثنان بهذا الاسم وهما : السائب بن خلاد الجهنى أبو سهلة، والسائب بن خلاد بن سويد بن ثعلبة. وحديث من أخاف أهل المدينة رواه عطاء بن يسار عن الأول مرفوعاً كما أسندت رواية الحديث نفسه إلى الثانى، وذكر ابن الأثير هذا فى ترجمة كل منهما (أسد الغابة = ٢ ص ٢٥١ و ٢٥٢) وذكر ابن حجر فى الإصابة ( ج ٣ ص ٥٩ ) أن النسائی روی حدیثا فی فضل المدينة عن الثانى وهو السائب بن خلاد بن سويد . (٣) هو معقل بن يسار بن عبد الله بن معبر (أو معير) بن حراق .. المزنى يكنى أبا عبد الله وقيل أبو يسار، ونأبو على، صحي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد بيعة الرضوان وروى عنه أنه قال: هايعناه على ألا نفر. سكن البصرة وإليه ينسب نهر معقل الذى بالبصرة وتوفى بها فى آخر خلافة معاوية وقيل أيام يزيد بن معاوية. انظر أسد الغابة جـ ٤ ص ٣٩٨ : ٣٩٩. - ٤٤٦ ٥ طينة الخّبَال))، قيل لمَعْقِل: وما طينة الخبال ؟ قال: عُصَارة أَهل النار (١)، رواه أَبو عمرو بن السِّمَاك ، وابن الجَوْزِى فى ((مثير الغرام السَّاكن(٢))). وروى الجندى(٣) أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أَيّما جَبَّر أَراد المدينة بسوء أَذابه الله كما يذوب المِلْح فى الماء)). وروى البَزَّار بسَنَّدٍ حَسَن عن سعد بن أبى وَقَّاص رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اكفهم من دَحَمَهُم ببأس - يعنى المدينة - ولا يريدها أَحَدٌ بسوء إِلا أَذابه الله كما يذوب المِلْح فى الماء)». وروى محمد بن الحسن المخزومى(٤) عن سعيد بن المُسَيَّب مُرْسَلًا(٥) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم من أرادفى وأَهْلَ بلدى بسوء فعَجِّلْ بهلاكه)). وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم /قال: ((من أَخَاف أهل المدينة أخافه الله))، رواه ابن حِبَّان. وعن عُبادة بن الصامت رضى اله عنه أن رسول الأُّصلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم من ظَلَمْ أَهل المدينة وأَخافَهم فأَخِفْهُ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صَرْفاً ولا عَدْلاً))، رواه الطبرانى بإسناد حَسَن . ٤٣٢ ظ (١) أورد ابن الأثير فى النهاية ( = ١ ص ٢٨٠) هذا الشرح ثم أضاف: والخبال فى الأصل الفساد ويكون فى الأفعال والأبدان والعقول . (٢) العنوان الكامل لهذا الكتاب وهو من مؤلفات أبى الفرج بن الجوزى المتوفى سنة ٥٩٧ ه، ((مثير الغرام الساكن فى فضائل البقاع والأماكن)) وأخطأ جرجى زيدان فى ذكر عنوانه إذ أورده: مثير العظم الساكن وذلك فى كتابه تاريخ آداب اللغة العربية (ج ٣ ص ٩٣ طبعة سنة ١٩٣١ م) ولم يصحح هذا الخطأ فى الطبعة المحققة التى قام بها شوق ضيف لكتاب زيدان ( = ٣ ص ١٠١). انظر فهر ست الزيات، دمشق ص ٨٢ نقلا عن مادة ابن الجوزى فى دائرة المعارف الإسلامية .. (٣) فى الأصول: وروى الجندى عن، ثم بياض بنحو عدة كلمات، ولم نوفق فى العثور على إسناد الحديث. (٤) فى ت وم: محمد بن الحسين المخزومى والتصويب من ميزان الاعتدال (ج ٣ ص ٥١٠ رقم ٧٣٨٠) واسمه كاملا : محمد بن الحسن بن زبالة المخزومى المدنى ، وقد كذبه أبو داود وقال النسائى والأزدى متروك وقال يحيى بن معين ليس بثقة وقال الدار قطنى منكر الحديث ، روى عن أسامة بن زيد بن أسلم ومالك وابن وهب وخلائق وروى عنه أبو خيثمة والزبير بن بكار ، انظر أيضا خلاصة الخزرجى ص ٢٨٣ . (٥) الحديث المرسل فى مصطلح الحديث هو ما سقط منه الصحابى سواء أكان الراوى المرسل تابعيا كبيرا أم صغيراً وموضعيف عند الشافعى فلا يحتج به، صحيح عند أبى حنيفة ومالك فيحتج به عندهما إذ لا يشترط فى الصحيح عندهما أن يكون متصل الإسناد . وقال ابن الصلاح: وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم يضعفه هو الذى استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر وتداولوه فى تصانيفهم، انظر الباعث الحثيث إلى معرفة علوم الحديث لابن كثير ص ٣٧ : ٤٠. - ٤٤٧ . - وفى المدارك(١) للقاضى قال محمد بن مَسْلَمة: سمعتَ مالكاً يقول : دخلت على المهدى فقال : أَوْصِنِى، فقلت : أُوصِيكَ بتقوى الله وَحْدَه والعطف على أَهل بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيرانه ، فإِنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المدينة مهاجرى ومنها مبعثى وبها قبرى وأَهلُها جيرانى ، وحقيق على أُمتى حفظ جيرانى ، فمَنْ حَفِظّهم فىّ كنت له شفيعاً أوشهيداً يوم القيامة، ومن لم يحفظ وَصِيَّتِى فى جيرانى سقاه الله من طينة الخَّبَال)). وقال مُصْعَب (٢): (( لما قَدِم المهدى المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال ، فلما بَصُرَ بمالك انحرف المهدى إليه فعانقه [وسَلَّم عليه(٣)] وسايَرَه فالتفت إليه مالك فقال : يا أمير المؤمنين إنك تدخل الآن المدينة ، فتمر بقوم عن يمينك ويسارك ، وهم أولاد المهاجرين والأنصار، فسَلِّمْ عليهم، فإن ما على وجه الأرض قوم خَيْرٌ من أهل المدينة ، ولا خَيْرٌ من المدينة قال: ومن أَيْنَ قُلْتَ ذلك يا أَبا عبد الله؟ فقال: لأنه لا يُعْرَف قَبْرُ نَبِىِّ اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن كان قبر محمد صلى الله عليه وسلم عندهم فينبغى أَن يُعْرَف فَضْلُهم على غيرهم . ففعل المهدى ما أمره به ، وفيه إشارة إلى التفضيل بمجاورة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))، ولم يخصّ جاراً دون جار . ومن تَأَّمَّل هذا الفضل لم يَرْتَبْ فى تفضيل سُكْنَى المدينة على مكة ، مع التسليم بمزيد المضاعفة لمكة ، [ إِذ جهة الفضل غير منحصرة فى ذلك(٤)] فتلك لها مزيد العَدَد، وهذه تُضَاعِف البركة والمَدَد ولتلك جِوار بيت الله ، ولهذه جِوار حبيب الله وأكرم الخلق على الله .. (١) العنوان الكامل لهذا الكتاب هو ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك: ومؤلفه القاضى عياض ترجم ابن فرحون له فى الديباج (ص ١٦٨: ١٧٢) ولد بسبتة سنة ٤٩٦ هوتوفى بمراكش سنة ٠٤٤ . (٢) رواية مصعب منقولة عن مدارك القاضى عياض كما نص على ذلك السهودى .: (٣٠) زيادة من السهودى ج ١ ص ٣٦. ( ٤) زيادة من السمهودي (ج ١ ص ٣٦) - ٤٤٨ - تَنْيَهَاتُ الأَولِ: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لايَدَعُها أَحَدٌ رَغْبَةَ عنها إِلا أَبدلِ الله فيها من هو خَيْرٌ منه )). قال القاضى: اختلفوا فيه فقيل هو مُخْتَصّ بمدة حياته صلى الله عليه وسلم ، وقال آخرون : هو عامّ أبداً ، وهذا أَصح . وقال المحب الطبرى : إِنه الأَظهر لقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الآخر: « سيأتى على الناس زمان يُفْتَح فيه فتحات الأَرض فيخرج الناس إلى الأرياف يلتمسون الرخاء)) .. إلى آخر ما تَقَدَّم. الثانى: قوله صلى الله عليه وسلم: (( [ ولا يريد أَحَدٌ أَهل المدينة بسوء(١)] إِلا أَذابه الله فى النار .. )) إلى آخر الحديث، قال القاضى عياض: قوله ((فى النار)) يدفع إِشكال الأحاديث التى لم تُذْكَر فيها هذه الزيادة، ويبين أَن هذا حُكْمُهُ فى الآخرة . وقال : قد يكون المراد به أَن من أرادها فى حياته صلى الله عليه وسلم، كُفِىَ المسلمون شَرّه واضمحلّ كَيْدُه كما يضمحل الرصاص فى النار ، قال: ((ويحتمل أن يكون المراد مَنْ كادها اغتيالاً وطلباً لغِرَّتِها فلا يتم له أَمر بخلاف من أَنى ذلك جهاراً)). قال: ((وقد يكون فى اللفظ تقديم وتأخير أَى أَذابه الله كذوب الرصاص فى النار ويكون ذلك لمن أرادها فى الدنيا فلا يُمْهِلُه الله ولا يُمَكِّنُ له سلطاناً ، بل يهلكه عن قُرْب ، كما انقضى شأن من حاربها أيام بنى أمية مثل مسلم بن عُقْبَة فأُهْلِك فى منصرفه عنها ، ثم هلك يزيد بن معاوية الذى أرسله على أثر ذلك [وغيرهما ممن صنع صنيعهما(٢)]. الثالث: فى بيان غريب ما سبق: ((الحَدَث)) بالتحريك الأَمر / الحادث المُنْكَرِ الذى ٤٣٣ و ليس بمعروف فى السُّنَّة. ((المُحْدِث)): بكسر الدال اسم فاعل: أَى من نَصَر جانياً وأَواه وأَجاره من خَصْمه وحال بينه وبين أَن يُقْتَصَّ منه، وبفتحها الأَمر المُبْتَدَع نفسه ، ويكون معنى الإِيواء الرِّضا، فإِنه إِذا رَضِى به وأَقَرَّ فاعِلَه من غير إِنكار فقد آواه . والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة فى الإبعاد من رحمة الله تعالى، والمراد بالَّلعْن هنا العذاب الذى (١) بياض بالأصل والتكملة من نص الحديث (٢) زيادة من السمهودى (ج ١ ص ٣٠) وأضاف السمهودى: وهذا الاحتمال الأخير هو الأرجح وليس فى الحديث ما يقتضى أنه لا يتم له ما أراد منهم بل الوعد بإهلاكه . ولم يزل شأن المدينة على هذا حتى فى زماننا هذا لما تظاهرت طائفة العياشى بإرادة السوء بالمدينة الشريفة لأمر اقتضى خروجهم منها حتى أهلك الله تعالى عتاتهم مع كثرتهم فى مدة يسيرة . - ٤٤٩ - (٢٩ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣) يستحقه على ذنبه فى أول الأَمر، وليس هو كَلَعْن الكافر. ((الصَّرْف والعَدْل)): بفتح أولهما: اخْتُلِف فى تفسيرهما فَيَعُدّ الجمهور الصَّرْف الفريضة، والعدل النافلة . وعن الأصمعى الصَّرْف التوبة، والعدل الفدية، وقيل غير ذلك(١). ((انماع (٢))): ذاب [وسال](٣). : (١) فى النهاية (جـ ٢ ص ٢٥٩): الصرف التوبة. وقيل النافلة، والعدل: الفدية وقيل الفريضة وذهب إلى هذا المعنى الفيروزابادى فى القاموس المحيط ولكنه أضاف بأنها تعنى العكس فقال: الصرف هو النافلة ، والعدل الفريضة أو بالعكس أو هو الوزن، والعدل الكيل أو هو الاكتساب، ومنه قوله تعالى: ((فا تستطيعون صرفاً ولا نصراً)) (الفرقان آية ١٩) أى ما يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب ومن الدهر حدثانه ونوائبه . ولكن الزمخشرى كان أكثر تحديدا فى شرح هذين اللفظين فى الفائق (جـ ٢ ص ١٩): الصرف التوبة لأنه صرف للنفس إلى البر عن الفجور، والعدل الفدية من المعادلة.، ( حيث ) سوى فى استيجاب اللعن بين الجانى فيها جناية موجبة للحد ، وبين من آوى الجانى ولم يخذله حتى يخرج فيقام عليه الحد . ولكن الزمخشرى عند تفسيره الآية السابقة فى الكشاف ( ج ٢ ص ٩٣) أضاف إلى معنى كلمة صرف : الحيلة من قولهم إنه ليتصرف أى يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو أن يحتالوا لكم . (٢) وردت كلمة ((إنماع)) فى حديث لم يذكره المؤلف وهو: لا يريدها (أى المدينة) أحد بكيد إلا انماع كما ينماع الملح فى الماء)). وهذا دليل آخر على أن المؤلف يشرح ألفاظاً لم يسبق له إيرادها فى صلب كتابه . (٣) بياض بالأصل وفى النهاية ( جـ ٤ ص ١١٨) شرح ابن الأثير انماع بقوله أى يذوب ويجرى ، من ماع الشىء يميع وانماع إذا ذاب وسال . - ٤٥٠ - الباب الثامن فى تفضيلها على البلاد لحلوله صلى الله عليه وسلم فيها نقل أبو الوليد الباجى(١) والقاضى عياض وغيرهما الإجماع على تفضيل ماضَمِّ الأَعضاء الشريفة حتى على الكعبة كما قاله أبو اليمن بن عساكر فى تحفته ، وجزم بذلك أبو محمد عبد الله بن أبى عُمَر البِسْكَرِى(٢) - بموحدة مكسورة وقيل بفتحها وسين مهملة ساكنة فكاف مفتوحة وكسرها فراء ، - رحمه الله . جَزَمَ الجميعُ بِأَنَّ خَيْرَ الأَرْض ما قَدْ حَاطَ ذَاتَ المُصْطَفَى وَحَوَاهَا (٣) وَنَعَمْ لَقَدْ صَدَّقُواْ بِسَاكِها عَلَتْ كَالنّفْسِ حِينَ زَكَتْ زَكَا مَأْوَاهَا" بل نقل القاضى تاج الدين السبكى(٤) عن ابن عقيل(٥) الحنبلى أَنها أَفضل من العَرْش ، (١) هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الأندلسى الباجى ولد سنة ٤٠٣ « بمدينة بطليوس وتوفى بالمرية سنة ٥٤٧٤ رحل إلى المشرق حيث أقام نحو ثلاثة عشر عاماً سمع فيها عن كثير من علماء العراق والشام والحرمين ومصر وعاد إلى الأندلس حیث ولی القضاء وأخذ عنه فى الأندلس کثیرون منهم أبو عمر بن عبد البر صاحب کتاب الاستيعاب ، وجرى بينه وبين أبى محمد بن حزم الظاهرى مجالس ومناظرات ، وللباجى تآليف كثيرة أهمها شروحه على الموطأ والمدونة وكتاب التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخارى فى الصحيح وغيرها وقد أورد ثبتا بها ابن فرحون فى الديباج المذهب حيث ترجم له ترجمة مطولة ( ص ١٢٠ : ١٢٢) وله ترجمة مختصرة فى ابن خلكان (جـ ١ ص ٢١٥) وفى شذرات الذهب ( ج ٣ ص ٣٤٤ : ٣٤٥) . (٢) نسبة إلى بلدة بسكرة التى تقع حالياً فى جمهورية الجزائر على خط عرض ٣٥ شمالى خط الاستواء وشرق خط طول ٥ شرق جرينيتش ، وذكرها يا قوت فى معجم البلدان وقال إنها بلدة بالمغرب من نواحى الزاب بينها وبين قلعة بنى حماد مرحلتان . (٣) هذان البيتان من قصيدة طويلة تقع فى ٤٧ بيتاً ختم بها السمهودى (ج ٢ ص ٤٥٤: ٤٥٦) كتابه وفاء وتحن من طرب إلى ذكراها . الوفاء ومطلعها : دار الحبيب أحق أن تهواها (٤) هو تاج الدين عبد الوهاب بن تقى الدين السبكى خلف أباه على القضاء والأب وللابن مؤلفات كثيرة فى الفقه والأصول وغيرهما ، توفى الأب سنة ٧٥٦ هـ وتوفى ابنه سنة ٧٧١هـ. (٥) هو أبو الوفا على بن عقيل بن محمد بن عقيل شيخ الحنابلة وصاحب التصانيف ومؤلف كتاب الفنون الذى يزيد على أربعمائة مجلد ، قال عنه الذهبي فى تاريخه لم يصنف فى الدنيا أكبر من هذا الكتاب ، وفى هذا الكتاب فوائد كثيرة جليلة فى الوعظ والتفسير والفقه والأصلين والنحو واللغة والشعر والتاريخ وفيه مناظراته ومجالسه التى وقعت له وخواطره ونتائج فكره قيدها فيه. ولد سنة ٤٣١ هوتوفى سنة٥١٣ « ترجم له ابن الجوزى فى المنتظم (٩٥ ص ٢١٢: ٢١٥) ولكن ابن رجب الحنبلى أورد له ترجمة مستفيضة فى كتابه الذيل على طبقات الحنابلة ( ج ١ ص ١٧٤ : ١٩٩ دمشق سنة ١٩٥١) م. - ٤٥١ - وجزم بذلك أبو عبد الله محمد بن رزين البحيرى الشافعى أحد السادة العلماء الأولياء فقال فى قصيدته فى الوفاة النبوية : من الأَرْضِ والسَّبْعِ السَّمَوَاتِ طُرَّةِ ولاشَكَّ أَنَّ القَبْرَ أَشْرَفُ مَوْضِعٍ مَقَالِ خِلَافٌ عند أَهْلِ الحَقِيقةِ وأَشْرَفُ من عَرْشِ المَلِيكِ ولَيْسَ فى وصَرَّح التاج الفاكهى(١) بتفضيلها على السموات ، قال : بل الظاهر المُتَعَيّن تفضيل جميع الأَرض على السماء لحلوله صلى الله عليه وسلم بها ، وحكاه الشيخ تاج الدين إمام الفاضلية عن الأكثرين لِخَلْقِ الأنبياء منها ودفنهم بها. وقال النووى: ((المختار الذى عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأَرض، أَى ما عدا ما ضَمَّ الأَعضاء الشريفة . وأَجمعوا بعد على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد ، واختلفوا فيهما ، فذهب عمر بن الخطّاب رضى الله عنه وبعض الصحابة وأكثر المدنيين(٢)، كما قال القاضى إِلى تفضيل المدينة ، وهو مذهب الإمام مالك، وإِحدى الروايَتَيْن عن الإِمام أحمد ، والخِلاَف فى غير الكعبة الشريفة فهى أفضل من بقية المدينة اتفافاً . وإيراد حجج الفريقين مِمّا يطول به الكتاب . ويدل لما ذُكِر من أَن النفس تُخْلَق من تربة الدَّغْن ما رواه الحاكم وصَحَّحَه عن أَبى ٤٣٢ظ سعيد رضى الله عنه قال: مَرَّ النبى صلى الله عليه وسلم بِقَبْرٍ، / فقال: ((قَبْرُ مَنْ هذا))؟ فقالوا: قَبْر فلان الحَبَشِىّ يا رسول الله. فقال: ((لا إله إلا الله سِيقَ من أَرضه وسمائه إِلى الثُّرْبَة التى منها خُلِقٍ )) . وتقدم فى أول باب من هذا الكتاب أَثَرُ كعب: ((أَن النبى صلى الله عليه وسلم خُلِق من القبضة التى أُخِذَتْ من قبره الشريف (٣))). وروى [يزيد الجريرى قال: سمعت (١) فى الأصول الفاكهانى وأثبتنا اسمه كما ورد فى السمهودي ولفظ الفاكهى كما فى وفاء الوفا. (جـ ١ ص ٢٠): قال : قالوا لاخلاف أن البقعة التى ضمت الأعضاء الشريفة أفضل بقاع الأرض حتى موضع الكعبة . (٢) المراد أهل المدينة النبوية فالنسبة إليها مدنى أما النسبة إلى غيرها من المدن فمدينى. (٣) لفظ الحديث الذى رواه كعب الأحبار ويسمى أثراً: ((لما أراد الله عز وجل أن يخلق محمداً صلى الله عليه وسلم أمر جبريل فأتاه بالقبضة البيضاء التى هى موضع قبره صلى الله عليه وسلم فعجنت بماء التسنيم ثم غمست فى أنهار الجنة وطيف بها فى السموات والأرض فعرفت الملائكة محمداً وفضله قبل أن تعرف آدم عليه السلام)) - السمهودى = ١ ص ٢٢ . - ٤٥٢ - ابن سيرين يقول(١): ] ((لو حَلَفْتُ لحَلَفْتُ صادقاً بارًّا غَيْرَ شَاكٌّ ولا مُسْتَثْنٍ أَن الله تعالى ما خَلَقَ نَبِيَّه صلى الله عليه وسلم ولا أَبا بكر ولا عُمَر إِلا من طينةٍ واحدة، ثم رَدَّهم إِلى تلك الطينة )) . وروى الإِمام أحمد والترمذى وحَسَّنَه ، والطبرانى والحاكم عن مَطَر بن عُكَّامِس(٢) - بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وكَسْر الميم فسين مهملة - والترمذى وصَحَّحَه عن أَبِى عَزَّة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِذا قَضَى اللّه لَعَبْدٍ أن يموت بأَرض جعل له إِليها حاجة)). قال الحكيم الترمذى: ((إِنما صار أَجَلُه هناك لأَنْه خُلِقٍ من تلك البتمعة وقد قال الله تعالى: ((مِنْهَا خَلَفْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى(٣))). قال : فإِنما يُعَاد [المَرْءُ من (٤) ] حيث بدئ منه)) . وروى ابن الجوزى فى الوفا(٥) عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ((لما قُبِض النبى صلى الله عليه وسلم اختلفوا فى دَفْنِهِ)) فقال عَلِّ رضى الله عنه: ((إِنه ليس [فى الأَرض(٦)] بقعة أكرم على الله من بقعة قُبِض فيها [نَفْسُ(٢) ] نبيه صلى الله عليه وسلم)). وروى أَبُو يَعْلى (٧) عن أبى بكر رضى الله عنه أنه قال: ((سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لايُقْبَضُ النبى إلا فى أَحب الأمكنة إليه(٨))). (١) بياض بالأصول بمقدار نحو سبع كلمات والتكملة من السمهودى جـ ١ ص ٢٣. (٢) هو مطر بن عكامس السلمى من بنى سليم بن منصور يعد فى الكوفيين، انظر أسد الغابة ( جـ ٤ ص ٣٧١) وخلاصة الخزرجى ( ص ٣٣٣) وفى الإصابة (ج ٦ ص ١٠٣): قال ابن حبان له صحبة وقال الطبرانى اختلف فى صحبته وقال عثمان الدارمى - سألت يحيى بن معين عن مطر ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال لا أعلمه وما يروى عنه إلا هذا. الحديث .. وأخرجه عبد الله بن أحمد فى زيادات المسند والترمذى قال حسن غريب ولا يعرف لمطر غير هذا الحديث وصححه الحاكم. وفى أصل كلمة عكامس قال ابن دريد فى الاشتقاق ( ص ٥٥٨) ليل ((عكامس إذا تراكبت ظلمته . وفى التاج كل شىء تراكب وتراكم وكثر حتى يظلم من كثرته فهو عكامس . (٣) آية ٥٥ من سورة طه. (٤) بياض بالأصول بنحو كلمتين والتكملة من السمهودي. (٥) عنوانه كاملا: ((الوفا فى فضائل المصطفى)) منه مخطوطة فى ليدن وأخرى فى المكتبة التيمورية. (٦) زيادة من السمهودي (ج ١ ص ٢٣). (٧) هو أبو يعلى الموصلى الحافظ توفى سنة ٣٠٧ هـترجم له الذهبى فى تذكرة الحفاظ (جـ ٢ ص ٢٤٨: ٢٤٩). (٨) فى رواية لهذا الحديث أخرجها محمد بن عيسى الترمذى فى الشمائل المحمدية (على هامش حاشية إبراهيم البيجوري ص ٢٣٢: ٢٣٣ بولاق سنة ١٢٩٠ هـ): عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فى دفنه فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ما نسيته قال: ((ما قبض اللّه نبياً إلا فى الموضع الذى يجب أن يدفن فيه)»، أدفنوه فى موضع فراشه . - ٤٥٣ - قال السيد (١): ((وأَحَبُّها إليه أَحَبُّها إِلى رَبِّه لأَن حُبَّه تابع لحّب رَبِّه. وما كان أَحَبّ إِلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل ؟ قال : ولهذا سلكت هذا المسلك فى تفضيل المدينة فقد صَحَّ قَوْلُه صلى الله عليه وسلم: ((اللهم حبِّبْ إِلينا المدينة كَحُبِّنا مكةَ أَو أَشَدّ، أَى (بل أَشَّد)) أَو ((وأَشَدّ))، كما رُوِى به. وأُجِيبَت دعوته حتى كان يُحَرِّك دابّتَه إِذا رآها من حُبُّها)). تنبيه: قال سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ((معنى التفضيل بين مكة والمدينة أَن ثواب العمل فى إحداهما أَكثر من ثواب العمل فى الأُخرى ، فيُشْكِل قول القاضى: ((أَجمعت الأُمة على أن موضع القبر الشريف أفضل))، إذ لا يمكن لأحد أن يعبد الله فيه . وأَجاب غيره بأَن التفضيل فى ذلك للمُجَاورة ولذا حُرِّم على المُحْدِثِ مَسّ جِلْدِ المصحف لا لكثرة الثواب وإلا فلا يكون جِلْدُ المصحف بل ولا المصحف أفضل من غيره لِتَعَذُّر العمل فيه . وقال شيخ الإسلام تقى الدين السبكى : قد يكون التفضيل بكثرة الثواب وقد يكون لِأَمْرٍ آخر ، وإن لم يكن عملاً ، فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه [وليس ذلك لمكان غيره(٢) ] فكيف لا يكون أفضل الأماكن؟ [وليس مَحَلّ عَمَلٍ لنا فهذا معنى غير تضعيف الأعمال فيه (٢) ]، وأيضاً فباعتبار ما قيل: إن كل أجد يُدْفَن فى الموضع الذى خلق منه، [ وأيضاً فقد تكون الأعمال مُضَاعَفَة فيها باعتبار أن النبى صلى الله عليه وسلم حَىّ وأَن أَعماله مضاعفة (٣) ] أكثر من كل أَحد [ فلا يَخْتَصّ التضعيف بأعمالنا نحن(٣) ] . قال السيد: (([ وهذا من النَّفَاسَة بمكان على أَنى أَقول(٤) ] الرحمات [والبركات]. النازلة بذلك المَحَلّ بَعُمّ فَيْضُها الأُمة وهى غير متناهية لدوام ترقياته صلى الله عليه وسلم [ وما تناله الأُمة بسبب نبيها هو الغاية فى الفضل ولذا كانت خير أُمة بسبب كون نبيها خير الأنبياء، (١) هذا النص فى وفاء الوفاء (جـ ١ ص ٢٣). (٢) زيادة من السمهودى (ج ١ ص ٢١). (٣) ساقطة من الأصول والتكملة من السمهودي. (٤) بداية كلام السمهودى الذى أغفل المؤلف نقله . - ٤٥٤ ـ- فكيف لا يكون القبر الشريف أفضل البقاع مع كونه(١)] منبع فيض الخيرات، [ألا ترى أَن الكعبة على رأى من (٢) ] منع الصلاة فيها ليست محل عملنا أفَيقول عاقل بتفضيل المسجد حولها عليها لأنه محل العمل مع أن الكعبة هى السبب فى إنالة تلك الخيرات ؟ ... (٣) وسيأتى أَن المجىء المذكور فى قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(٤))) الآية ، حاصِلٌ بالمجىء إلى قبره الشريف ، وكذا زيارته صلى الله عليه وسلم وسؤال الشفاعة منه والتوسُّل به إلى الله والمجاورة عنده من أفضل القربات، وعنده تُجَاب الدعوات أيضاً ، فكيف لا تكون أفضل وهو السبب فى هذه / الخيرات ؟ وأيضاً فهو روضة من رياض الجنة بل أفضل رياضها، وفى الحديث: ((لقاب قوس أحدكم [فى الجنة] خير من الدنيا وما فيها(٥) )) . ٤٣٤ و ١ (١) تكملة ضرورية من السمهودى لفهم ما جاء بعدها. (٢) بياض بالأصل بقدر عدة كلمات . (٣) هنا أغفل المؤلف إيراد أربعة سطور من كلام السمهودى وهى أيضاً من الحجج التى ساقها فى تفضيل المدينة وجاء فيها: « وأيضاً فاهتمامه صلى الله عليه وسلم بأمر أمته معلوم، وإقبال اللّه عليه دائم وهو بهذا المحل الشريف، فتكثر شفاعته فيه لأمته وإمداده إياهم ، وقد ورد فى حديث : وفاتى خير لكم ، بيان ذلك بأن أعمالكم تعرض على فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت غير ذلك استغفرت لكم، وفى رواية استوهبت اللّه ذنبوبكم وله شواهد تقويه وسيأتى. (٤) من الآية ٦٤ من سورة النساء . (٥) زاد السهودى (ج ١ ص ٢٢) بعد ذلك: وقد قال الحكيم الترمذى فى نوادره سمعت الزبير بن بكار يقول : صنف بعض أهل المدينة فى المدينة كتابا وصنف بعض أهل مكة فى مكة كتابا فلم يزل كل واحد منهما. يذكر بقعته بفضيلة يريد كل واحد منهما أن يبرز على صاحبه حتى برز المدنى على المكى فى خلة واحدة عجز عنها المكى وهى أن كل نفس إنما خلقت من التربة التى تدفن فيها بعد الموت وأن نفس الرسول إنما خلقت من تربة المدينة فحينئذ تلك للتربة لها فضيلة بارزة على سائر الأرض . - ٤٥٥ - الباب التاسع فى تحريمها عن سعد بن أَبِى وَقَّاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَى حَرَّمْتُ المدينة مابين لَبَتَيْهَا لا يُقْطَعِ عِضَاهُها ولا يُقْتَل(١) صَيْدُها))، رواه مسلم(٢). وعن أبى سعيد الخُدْرِىّ رضى الله عنه قال: (( سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إِنَى حَرَّمْتُ مابين لاَبَتَيْ المدينة، وفى رواية ما بين مأُزْميها، أَلَّ يُهْرَاقَ فيها دم ولا يُحْمَل فيها سلاح ولا يُخْبَطَ فيها شَجَرَ إِلا لِعَلْف)) وعن عَلِيّ رضى الله عنه أَن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى المدينة: ((لا يُخْتَلَى خَلاَها ولا ينفر صيدها ولا تحل (٣) لُقَطَتُهَا إِلا لمن أشادها ولا يصلح الرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال ولا يصلح أَن يُقْطَع منها شجر إلا أن يعلف رجل بعيره )) رواه الإمام أحمد وأبو داود . وعن على رضى الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدينة حرام ما بين عير إلى ثور(٤)))، رواه الخمسة. وعن أنس رضى الله عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أُحُد فقال: « هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّه، اللهم إن إبراهيم حَرَّم مكة وإنى أُحَرِّم ما بين لاَبَتَيْهَا)) ، يعنى المدينة ، رواه الشيخان . تَنْيَهَاتُ الأَول: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إِنِى حَرَّمْتُ المدينة))، حُجَّةً فى أَنْهَا حَرَمَ ، وبه قال الجمهور ، ونقله عن النبى صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرة من الصحابة خلافاً لمن قال بخلاف ذلك . وذِكْرُ دليل وروده مما يطول به الباب . الثانى : فى بيان غريب ما سبق: ((لابتى المدينة)): تثنية لاَبَة وهى الحَرَّة: أَرض ذات حجارة سود ، وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهى بينهما ، ويُقَال : لابة ولوبة ونوبة بالنون ثلاث لغات، وجمع (١) فى رواية : لا يصاد صيدها. (٢) صحيح مسلم بشرح النووي ( جـ ٩ ص ١٣٧). (٣) فى الأصول: تلتقط والتصويب من النهاية (جـ ٤ ص ٦٣) حيث شرح ابن الأثير الحكم الفقهى للقطة فى مكة كما ورد فى الحديث : لا تحل لقطتها إلا لمنشد والتفرقة بين لقطة الحرم ولقطة سائر البلدان. (٤) فى صحيح مسلم ( بشرح النووى = ٩ ص ١٤٣:١٤٢). - ٤٥٦ - اللَّبة فى القِلَّة لابات وفى الكثرة لابُ ولُوب: ((الِضَاه)). بالقَصْر وَكَسْر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة: كُلّ شَجَرٍ فيه شَوْك، واحِدَتُها(١) عِضاهَة وعَضِيهة. ((المأُزِمان(٢): بهمزة بعد الميم وبكسر الزاى تثنية مأَزِم : الطريق بين جَبَلَيْنِ ، أَى حَرَّم ما بين جَبَلَىْ المدينة. ((يُهْرَاق(٣))): يُصَبّ((يُخْبَط)): يُضْرَب (٤): ((العَلْف(٥))) بسكون اللام مصدر عَلَفْتُ وأَما العَلَف بالفتح فهو اسم للحشيش والنِّبْن ونحوهما. ((يُخْتَلَى)): يُجَزَّ ويُقْطَعَ ((الخَلاَ)): بالقصر الرَّطْب من الحشيش(٦) الواحدة خلاة ((لايُنَفَّر)): بمثناة تحتية فنون ففاء أى لا يُزْجَر ويُمْنَع من الرَّعْى. ((أَشاد))(٧): بشين معجمة ودال مهملةَ أَى أَشاعها والإِشادة رفع الصوت والمراد به تعريف اللُّقَّطَة. وإنشادُها (٨). ((عَيْر)): بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبالراء : الحمار، ويقال عَيْرِ جَبَل يسمى باسمه، ويمين الأَوَّل بالوارد والثانى بالصادر. ((ثَوْر)): بالمثلثة مرادف فحل البقر ، جبل صغير خَلْف أُحُد ، قال المَطَرى بعد أَن رَدَّ على من أنكر كون ثور بالمدينة وقال إنه خَلْفَ أُحُد من شمالِيِّه مُدَوَّرُ صغير يعرفه أَهْلُ المدينة خَلَفُ عن سَلَف. وقال القطب الحلبى: (( حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البَضْرى أنه خرج رسولاً إلى العراق / فلما رجع ٤٣٤ ظ (١) فى النهاية (ج ٣ ص ١٠٥) العضاه شجر أم غيلان وكل شجر عظيم له شوك الواحدة عضة وأصلها عضهة ((وقيل واحدته عضاهة وعضهت العضاة إذا قطعتها . (٢) المأزم المضيق فى الجبال حيث يلتقى بعضها ببعض ويتسع ما وراءه، والميم زائدة، وكأنه من الأزم القوة والشدة ، قاله ابن الأثير فى النهاية ( ج ٤ ص ٧٤). (٣) الهاء فى هراق بدل من همزة أراق يقال أراق الماء يريقه وهراقه يهريقه، بفتح الهاء هراقة ويقال فيه أهرقت الماء أهرقه إهرأقاً فيجمع بين البدل والمبدل كما جاء فى النهاية ( جـ ٤ ص ٢٤٧). (٤) فى الأصول: يسقط وليس هذا معنى يخبط ففى حديث تحريم مكة والمدينة: نهى أن يخبط شجرها، والخبط ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها ، واسم الورق الساقط خبط بالتحريك فعل بمعنى مفعول وهو من علف الإبل . (٥) من علف الحيوان يعلفه علفاً (طعمه العلف، وهو من باب ضرب، والعلف محركة هو ما تأكله الماشية وجمعه علاف مثل جمل وجمال . (٦) جاء فى النهاية ( ج ١ ص ٣١٩) فى حديث تحريم مكة: لا يختلى خلاها، الخلا مقصور هو النبات الرطب الرقيق ما دام رطباً ، واختلاؤه قطعه ، وأخلت الأرض كثر خلاها فإذا يبس الخلا فهو حشيش . (٧) وردت هذه الكلمة أيضا فى الحديث: من أشاد على مسلم عورة يشينه بها بغير حق شانه اللّه بها يوم القيامة، وشرحها ابن الأثير بقوله : يقال أشاده وأشاد به إذا أشاعه ورفع ذكره من أشدت البنيان فهو مشاد وشيدته إذا طولته فاستعير لرفع صوتك بما يكرهه صاحبك . (٨) من أنشد الضالة عرفها ودل عليها. -٤٥٧- إلى المدينة كان معه دليل أى من عرب المدينة، فكان يذكر له الأماكن والجبال ». قال: ((فلما وصلنا إِلى أُحُد إذا بِقُرْبِه جَبَلٌ صغير، فسألته عنه فقال: هذا يُسَمَّى ثَوْراً، فعَلِمْتُ صِحَّةَ الرواية)). وقال المحب الطَّرَى: ((أَخبرنى الثقة العالِم أبو محمد عبد السلام البَصْرى أَن حِذَاء أُحُد، عن يَسَارِهِ، جانحاً إلى ورائه جَبَلاً صغيراً يُقّل له ثَوْر، وأَخبرنى أنه تكرر عنه سؤالُه لطوائف من الأَعراب العارفين بتلك الأَرض وما فيها من الجِبّاك، فَكُلٌ أَخبر أَن ذلك الجبل اسمه ثَوْر ، وتواردوا على ذلك))،: ((فعلمنا أَن ذِكْر ثور فى الحديث صحيح وأن عدم علم أكابر العلماء به [هو ] لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه)) ، قال: ((وهذه فائدة جليلة )). - ٤٥٨ : الباب العاشر فى ذِكْر بعض خَصَائصها(١) وهى تزيد على المائة [فقد (٢)] امتازت بتحريمها على لسان أشرف الأنبياء بدعوته صلى الله عليه وسلم .. وكون المُتَعَرِّض. لصيدها وشجرها يُسْلَب كقتيل الكفار، وهو أَبلغ فى الرَّجْر بما فى مكة، وعلى القول بعدمه هو أَدَلّ على عظيم حُرْمتها حيث لم يُشْرَع له جزاء. ويجوز نقل ترابها للتداوى ، واشتمالها على أشرف البقاع وهو محل القبر الشريف، ودَفْن أَفضل الخَلْق بها وأفضل هذه الأُمة وكذا أكثر الصحابة والسلف الذين هم خير القرون ، وخَلْقِهم من تربتها ، وبعث أشراف هذه الأُمة يوم القيامة منها على ما نقله [عياض(٢)] فى المدارك عن الإمام مالك، قال: ((وهو لا يقول من عند نفسه)). وكونها محفوفة بالشهداء كما قاله الإمام مالك أيضاً ، وبها أفضل الشهداء الذين بذلوا أنفسهم فى ذات الله بين يَدَىْ نَبِيِّهم صلى الله عليه وسلم ، فكان شهيداً عليهم ، واختيار الله تعالى إِيَّاها لأَّفضل خلقه وأَحَبِّهم إليه، واختيار أَهْلِها للنِّصْرَةَ والإيواء ، وافتتاحها بالقرآن وسائر البلاد بالسيف والسُّنان ، وافتتاح سائر بلاد الإسلام منها ، وجعلها مظهر الدين ، ووجوب الهجرة إليها قبل فتح مكة والسكنى بها لنصرته صلى الله عليه وسلم ومواساته بالأنفس على ماقاله القاضى عياض أنه مُتَّفَقٌ عليه ، قال: ((ومن هاجر قبل الفتح فالجمهور على مَنْعِه من الإِقامة [بمكة](٢) بعد الفتح، ورَخَّص له ثلاثة أيام بعد قضاء نُسْكِهِ، والحَث على سُكْنَى المدينة وعلى اتخاذ الأَصل بها وعلى الموت بها ، والوَعْد على ذلك بالشفاعة أو الشهادة أَوهُمَا، واستحباب الدعاء بالموت بها ، وتَحْريضه صلى الله (١) ذكر السمهودى هذه الخصائص فى وفاء الوفاء (جـ ١ ص ٥٢: ٦٢) مرتبة ترتيباً عددياً ووصل بها إلى تسع". وتسعين وفى حاشية لناشر طبعة القاهرة سنة ١٣٢٦ هـ قال بأنه دخل تحت الخصيصة السادسة والخمسين خصيصتان فيكون مجموع الخصائص مائة . وعقد الزركشى فى كتابه إعلام الساجد فصلا تحت عنوان : ذكر جملة من الخصائص والأحكام والفضائل ، أى المتعلقة بالمدينة النبوية ( من ص ٢٤٢: ٢٧٣) . أورد منها أربعين بسط القول فيها ولم يوجز كما صنع السمهودي ومؤلف هذا الكتاب . (٢) إضافة يقتضيها السياق - ٤٥٩ - عليه وسلم على الموت بها وشفاعته أو شهادته لمن صبر على لأولبها وشِدَّتها ، وطلبه لزيادة البركة بها على مكة ودعاؤه بحبها ، وطرح الرداء عن منكبيه إذا قاربها ، وتسميته لها طَيْبة)) وغيرها مما سبق. ((وطيب ريحها، وللعِطْر بها رائحة لا توجد فى غيرها)) قاله ياقوت . وطيب العيش بها وكثرة أَسمائها ، وكتابتها فى التوراة مؤمنة وتسميتها فيها بالمحبوبة والمرحومة وإضافتها إلى الله تعالى فى قوله تعالى ((أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا(١) ))، وإلى النبى بلفظ البيت فى قوله تعالى: ((كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بالْحَقِّ(٢))) وإِقسام الله ٤٣٥و تعالى فى قوله تعالى: ((لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَدَدِ(٣))) والبداءة بها فى قوله تعالى: ((وَقُل رَّبِّ / أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ (٤)، مع أَن المخرج مُقَدَّم على المدخل. ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لها خصوصاً بالبركة ، ولثمارها ومكيالها وأسواقها وأَهلها . ولقوله إِنها تَنْفِى الذنوب وتنفى خَبَثَها، وأَنه لا يَدَعُها أَحَدٌ رَغْبَةً عنها إِلا أَبدل الله فيها خَيْراً منه ومن أَرادها وأَهْلَها بسوء أَذابه الله، الحديث، فَرَتَّبَ الوعيدَ فيها على الإرادة، كما قال تعالى فى حَرَم مكة. ((وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أليم (٥) )) والوعيد الشديد لمن أحدث فيها حَدَثاً أَو آوَى مُحْدِثاً. والحَدَث يشمل الصغيرة فهى بها كبيرة، أَى يَعْتُم جزاؤها لدلالتها على جرأة مرتكبها بِحَرَم سَيِّد المُرْسَلين وحضرته الشريفة. والوعيد الشديد لمن ظَلَم أَهْلَها أو أَخَافهم ، ووعيد من لم يُكْرِمِ أَهلها وأَن إكرامهم وتعظيمهم حَقٌّ على الأُمة ، وأَنه صلى الله عليه وسلم شفيعٌ أَو شهيدٌ لمن حَفِظَهم فيه ، وقوله : ((مَنْ أَخَافَ أَهْلَ المدنية فقد أَخاف ما بين جَنْبَِّ)). واختصاصها بِمَلَك الإيمان والحياء ، ويكون الإيمان يَأْرِزُ إليها ، واشتباكها بالملائكة وحراستهم لها، وإنها دار الإِسلام أبداً لحديث: ((إن الشياطين قد أَبِسَتْ أَن تُعْبَد (١) سورة النساء من الآية ٩٧. (٢٠) سورة الأنفال من الآية الخامسة. (٣) الآية الأولى من سورة البلد . (٤ ) سورة الإسراء من الآية الثمانين . (٥) سورة الحج من الآية ٢٥ . - ٤٦٠ -