النص المفهرس

صفحات 381-400

بُنِىَ غَيْرُه من المساجد ، فقد روى ابن أبى شيبة عن جابر رضى الله عنه قال : لقد لَبِئْنا
بالمدينة قبل أَن يَقْدَمَ علينا النبى صلى الله عليه وسلم سَنَّتَيْن نَعْمرُ المساجِدَ ونقِيمُ الصلاة ،
ولذا قيل : كان المُتَّقَدِّمُونَ فى الهجرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار
بقُبَاء قد بَنَوْا مسجدًا يُصَلُّون فيه ، يعنى هذا المسجد ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وَوَرَدَ قُبَاءَ صَلَّى بهم فيه إلى بيت المقدس، ولم يُحْدِث فيه شيئًا أَى فى أَوّل الأَمر
لأَن ابن شَبّة(١) - بالشين المعجمة والمُوَحَّدة المُشَدَّدَة المفتوحتَيْن - روى ذلك ، ثم روى
أن النبى صلى الله عليه وسلم بنى مسجد قُبَاءِ ، وقَدَّم القِيْلَة إلى موضعها اليوم وقال /: ٤١٩ و
((جبريل يَؤُمّ بى البيت(٧))).
وروى الطبرانى عن جابر بن سَمُرَة رضى الله عنه قال: (( لما سَأَلَ أَهْلُ قُبَاءِ النَّبِىَّ
صلى الله عليه وسلم أَن يبنى لهم مسجدًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لِيَقُمْ بعضكُمْ
فيركب الناقة ، [ فقام أبو بكر رضى الله عنه فَرَكِبَها فحرَّكها فلم تنبعث فرجع فقعد
فقام عُمَر رضى الله عنه فركبها فلم تَنبعث فرجع فقعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأَصحابه: ((لَيَقُمْ بعضُكم فيركب الناقة (٣))]، فقام عَلىِّ رضى الله عنه، فلما وَضَع
رِجْلَه فى غَرْزِ الرِّكاب وثَبَتَ به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَرْخِ زمَامَها وابْنُوا على
مَدَارها [فإنها مأُمورة(٣)]. وروى الطبرانى بَسَندٍ رَجاله ثقات عن الشَّمُوس -بفتح الشين المعجمة -
بنت النعمان(٤) رضى الله عنها قالت: ((نظرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
(١) فى الأصول: ابن أبى شيبة ولا يتفق هذا مع الضبط التالى الذى أورده المؤلف . فالمقصود عمر بن شبة أبو زيد
النميرى البصرى الحافظ الأخبارى الثقة كان حجة فى الأخبار والأنساب والقراءات والنحو واللغة أورد بن النديم فى الفهرست
ثبتا بمؤلفاته منها ما يتعلق بالبصرة والكوفة والمدينة ومكة وأشعار الشراء وغيرها ( انظر ص ١٦٣ : ١٦٤ ) توفى سنة
٢٦٢ « بسر من رأى عن تسعين سنة انظر ترجمته فى ابن خلكان ( ج ١ ص ٣٧٨: ٣٧٩) ومعجم الأدباء لياقوت ( = ١٦
ص ٦٠ : ٦٢) وغاية النهاية لابن الجزرى ( = ١ ص ٥٩٢ ١: ٥٩٣) وبغية الوعاة السيوطى (ص ٣٦١) وشذرات
الذهب ( = ٢ ص ١٤٦).
(٢) زاد السمهودى ( ج ١ ص ١٧٩) الذى نقل عنه المؤلف: وقد اختلف فى المراد بقوله تعالى: ((لمسجد أسس
على التقوى من أول يوم)) ( التوبة آية ١٠٨) فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء ولا ينافيه قول المصطفى: ((لمسجد
المدينة هو مسجد كم هذا)). إذ كل منهما أسس على التقوى .
(٣) زيادة من وفاء الوفا (ج ١ ص ١٧٩) الذى نقل عنه المؤلف.
(٤) كانت من المبايعات ونسبها كما ساقه ابن الأثير فى أسد الغابة (جـ٥ ص ٤٨٨) هو: الشموس بنت النعمان
ابن عامر بن مجمع الأنصارية ، وقال ابن الأثير إنها حضرت مع النبى صلى الله عليه وسلم حين أسس مسجد قباء .
- ٣٨١ -

قَدِمَ ونَزَلَ وأَسَّس هذا المسجد: مسجد قُبَاء، فرأيتُه يأُخذ الحجَر أَو الصَّخْرَة حتى يَهْصِرَهُ(١)
الحَجرُ ، وأَنظر إلى بياض التراب على بَطْنه أو سُرَّته فيأنى الرجل من أصحابه ويقول :
يا رسول الله بأَبى أنت وأمى اعْطِنِى أَكْفِكَ، فيقول: ((لا خُذْ مِثْلَه))، حتى أَسَّسَه، ويقول :
((إِن جبريل عليه السلام هو يَؤُمّ الكعبة)) قالت: فكان يُقَال: إِنه أَقْوَمُ مَسْجِدٍ قِبْلَةً(٢) .
قال السيد(٣): ((قد صَحَّ أَنه صلى الله عليه وسلم كان يستقبل بيت المقدس حتى نُسِخَ.
ذلك وجاء نقباؤهم فى صلاة الصبح فأخبرهم وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إِلى
الكعبة ، فيُحْتَمَلِ أَن جبريل عليه السلام كان يَؤُمّ [به] البيت ليُسْتَدَلّ به على جهة بيت
المقدس لتقابل الجهتَيْن ويُعْلِمه بما يؤول إليه الأَمر من استقبال الكعبة. أَو أَنه صلى الله
عليه وسلم كان مُخَيَّراً فى ابتداءِ الهجرة فى التَّوَجُّه إِلى بيت المقدس أَو إِلى الكعبة ، كما قاله
الربيع ، فَأَمَّ به جبريل البَيْتَ لذلك، واختيارُه الصلاةَ لبيت المقدس أولاً لاستمالة اليهود
أَو أَن استقبال الكعبة كان مشروعاً فى ذلك الوقت ثم نُسِخّ ببيت المقدس ثم نُسِخ بالكعبة
كما قاله القاضى أبو بكر بن العربى وغيره من أَن القبلة نُسِخَتْ مرتين، أَو أَن ذلك
تأسيس آخر غير التأُسيس الأول. ويدل على هذا ما قَدَّمناه من رواية ابن شَبَّة)).
وروى ابن شَبَّة أيضاً أن عبد الله بن رواحة كان يقول وهم يبنون فى مسجد قُبَاء :
(( أَفْلَحَ مَنْ يَعْمُرُ المساجِدَا))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المساجدا))، فقال عبد
الله: ((ويَقْرَأُ القرآن قائماً وقاعِداً))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وقاعِدَا))،
فقال عبد الله: ((ولا يبيتُ اللَّيْلَ عنه راقِدا))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رَاقِدَ)).
تنبيهات
الأَول: اختُلِف فى قَدْر إقامته فى بنى عَمْرو بن عَوْفٍ، ففى الصحيح عنْ
(١٠ ) هصر فلان الشىء يهصره هصراً من باب ضرب وهصر الغصن عطفه وأماله وفى النهاية ( = ٤ ص ٢٤٩).
أصل الحصر أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه . وفى حديث بناء مسجد قباء: فهصر الحجر إلى بطنه أضافه وأماله
(٢) استشكل ابن الأثير فى أسد الغابة ما جاء فى هذا الحديث فقال: قوله يؤم الكعبة فيه نظر فإن النبى صلى الله عليه
وسلم لما قدم المدينة وأسس مسجد قباء لم تكن القبلة إلى الكعبة إنما كانت إلى البيت المقدس ثم حولت إلى الكعبة بعد ذلك
( أسد الغابة جـ ٥ ص ٤٨٨: ٤٨٩) ونجد فيما أورده المؤلف نقلا عن السمهودى ردا على ذلك.
(٣) النص التالى فى وفاء الوفا (ج ١ ص ١٨٠: ١٨١)
- ٣٨٢ -

[ ابن شهاب عن عُرْوة بن الزبير(١)] أَنه صلى الله عليه وسلم لَبِثَ فيهم بضع عشرة ليلة .
وفيه عن أَنَس أَنه أَقام فيهم أربع عشرة ليلة ، وقدمه فى الإِشارة ، وقيل خمس ليال قاله
ابن إسحق . وقال ابن حِبَّان : أَقام بها الثلاثاء والأ ربعاء والخميس ، يعنى وخرج يوم
الجمعة فلم يَعْتَدْ بيوم الخروج . وقال ابن عباس وابن عُقْبَة : ثلاث ليال ، فكأنهما لم
يَعْتَدَّا بيومَىْ الخروج / ولا الدخول. وعن قَوْمٍ من بنى عَمْرو بن عوف أنه أَقام فيهم اثنين ٤١٩ ظـ
وعشرين يوماً .
الثانى: المُعْتَمَد أَنه صلى الله عليه وسلم دخل قُبَاء يوم الاثنين كما فى الصحيح ، قال
ابن عُقْبَة الهلال ربيع الأول أى أول يوم منه ، وفى رواية جرير بن حازم عن ابن إِسحق
قَدِمَها لليلتَيْنِ خَلَتًا من شهر ربيع الأول ، وفى رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحق :
قَدِمها لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، وعند أبى سعيد فى شرف المصطفى من طريق
أبى بكر بن حزم قال: قَدِم المدينة لثلاث عشرة من ربيع الأول، وهذا يُجْمَع بينه وبين
الذى قبله بالحمل على الاختلاف فى رؤية الهلال(٢).
الثالث : قال الحافظ: الأَكثر أنه قَدِم نهاراً، ووقع فى رواية مسلم ليلاً ويُجْمَع بأن
القدوم كان آخر الليل فدخل نهاراً .
الرابع: فى بيان غريب ما سبق: ((تَوَكَّفوا)): انتظروا(٣). ((الظهيرة)): بفتح الظاء
المعجمة وكسر الماء بعدها مثناة تحتية وهى نصف النهار. ((أَوفى)): طلع إلى مكانٍ عالٍ (٤).
(١) بياض بالأصول بقدر نحو ست كلمات والتكملة من صحيح البخارى كتاب المناقب باب هجرة النبى صلى الله عليه
وسلم وأصحابه إلى المدينة ( = ٥ ص ١٥٩) وإسناد هذا الحديث المطول (من ص ١٥٤ إلى ص ١٦٠): حدثنا يحيى
ابن بكير عن الليث عن عقيل قال ابن شهاب أخبرنى عروة بن الزبير أن عائشة رضى الله عنها قالت : ولكن قرب نهاية
الحديث بنحو صحيفة ونصف اقتصر فى الإسناد على ابن شهاب وعروة .
(٢) فى مواهب القسطلانى وشرح الزرقانى طائفة من الروايات عن هذه التحديدات الزمنية انظر شرح المواهب = ١ ص
٣٥١ ٫ ٣٥٢
(٣) فى الصحاح التوكف التوقع يقال ما زلت أتوكفه حتى لقيته، وهو من وكف المطر يوكف وكفا إذا وقع
قاله فى النهاية ( ج ٤ ص ٢٢٨) ، وتوكف الخبر إذا انتظر وكفه أى وقوعه .
(٤) فى النهاية (جـ ٤ ص ٢٢٣) فى حديث كعب بن مالك: أوفى على سلع أى أشرف واطلع.
- ٣٨٣ -

((الأُُ)): بضم أوله وثانيه وهو الحِصْن، ويقال بناء من حجارة كالْقصْر. ((مُبَيَّضين)): أَى عليهم
الثياب البيض التى كساهم إياها الزَّبير أَو طلحة . ((يزول بهم)) : أَى يرفعهم ويُظْهِرُهم .
(السَّراب)): الذى يكون نصف النهار لاطئاً بالأَرض كأنه ماء. ((قَيْلَة)): بفتح القاف
وسكون التحتية: الجَدَّة الكبرى للأنصار. ((جَدُّكم)): بفتح الجيم أَى حَظُّكم وصاحب
دولتكم الذى تَتَوَقَّعُونَهِ. ((طَفِى)): بكسر الفاء وفتحها أَى جَعَلَ. ((انحاز))، بالحاء المهملة
والزاى: مال ((جَوْفُ الَّلِيْل)»: وَسَطُهُ. ((اشْتَرَبْتُ شَأْنَه)): أَى شَكَكْتُ فيه. «يأْثُر ذلك)»:
أَى يُحَدِّث به. ((يَهْصِرُهُ)): يُمِيلُهُ. ((يؤُمّ)): بفتح المثناة التحتية بعدها همزة مضمومة
أَى يقصد. ((الغَرْز)): بغين معجمة مفتوحة فراء ساكنة فزاى: أَى ركاب الإِبل.
٣٨٤ -

الباب السادس
فى قدومه صَلَّى الله عليه وسلم باطِنَ المدينة وما آلَتْ إِلَيْه
وفَرَحُ أَهْلِ المدينة برسول الله صلى الله عليه وسَلَّم
روى الإمام أحمد والشيخان عن أبى بكر ، وسعید بن منصور عن عبد الله بن الزبير
رضى الله عنهم والبيهقى عن موسى بن عُقْبَةٍ (١) ، وابن إِسحق عن عويم بن ساعدة ، ويحي
ابن الحسن عن عُمَارة بن خزيمة أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يدخل المدينة
أرسل إلى بنى النَّجَّار، وكانوا أخواله لأَن أَم عبد المطلب منهم كما تقدم فى باب النَّسَب .
فجاءوا متقلدين السيوف، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولاً صحابه: ((ارْكَبُوا
آمنين مُطَاعِين)) . وكان اليوم يوم الجمعة فلما ارتفع النهار دعا رسول الله صلى الله عليه
وسلم براحلته وحُشِدُ المسلمون ولَبِسُوا السلاح، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقَتَه
القَصْوَاءِ(٢) والناس معه عن يمينه وعن شِمَاله وخلفه منهم الماشى والراكب فاجتمعت بنو
عَمْرو بن عَوْف فقالوا : يا رسول الله أَخَرَجْتَ ملالاً لنا أم تريد داراً خيراً من دارنا ؟
قال: ((إِى أُمِرْتُ بقريةٍ تَأُكل القُرَى فخَلُّوهَا - أَ ناقته - فإنها مأمورة)) ، فخرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم من قُبَاء يريد المدينة فَتَلَقَّاه الناس فخرجوا فى الطرق وعلى الأَ باعر
(١) هو موسى بن عقبة بن أبى عياش مولى بنى الزبير بن العوام من تلاميذ الزهرى ممن ألفوا فى المغازى هو ومعمر
ابن راشد ومحمد بن إسحق والثلاثة من الموالى توجد قطعة من مغازيه نشرت فى برلين سنة ١٩٠٤ م وعن كتابه مقتبسات
فى روايات الواقدى وطبقات ابن سعد والإصابة لابن حجر وتاريخ الخميس للديار بكرى ، وكان يوثقه مالك بن أنس
. إذ قال عليكم بمغازى موسى بن عقبة فإنه ثقة ويستنتج من المقتبسات الكثيرة التى أوردها ابن سعد أن کتاب موسی کان يحتوى
على قوائم بأسماء المهاجرين إلى الحبشة والمشتركين فى بيعتى العقبة وغزوة بدر وروى أن مالكا قال عن هذه القوائم : من كان فى
كتاب موسى قد شهد بدراً فقد شهدها ومن لم يكن فيه فلم يشهدها . ترجم له الذهبى ترجمة موجزة وقال إنه توفى سنة ١٤١ هـ .
انظر خلاصة الخزرجى ص٣٣٦ والإعلان بالتوبيخ السخاوى والمغازى الأولى ومؤلفوها لهوروفتس ترجمة نصار (القاهرة
سنة ١٩٤٩ م ص ٦٩ : ٧٣).
(٢) فى الأصول القصوى: وفى النهاية ( = ٣ ص ٢٦٠) أنه خطب على ناقته القصواء والقصواء هى الناقة التى قطع
طرق أذنها . هذا وقد تعددت أسماء هذه النوق فى الأحاديث فنها العضباء والجدعاء والصلماء شرح معانيها ابن الأثير وجاء فى
السيرة الحلبية ( ج ٢ ص ٥٧) أن تلك التوق لم يكن بها شىء من ذلك بل إنها ألقاب لناقة واحدة .
- ٣٨٥ -
( ٢٥ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

٤٢٠ و وصار الخدم والصبيان يقولون: ((الله أكبر، جاءنا رسول الله جاء محمد)) قال أَنَس / فيما
رواه البيهقى: ((إنى لأَسعى مع الغلمان إِذ قالوا محمد جاء فننطلق فلا نرى شيئاً، حتى
أقبل وصاحبه أبو بكر فكنا فى بعض جُدُر المدينة وبعثا رجلاً من أهل البادية ليُؤَذِن بهما
الأَنصار فاستقبلهما زُهَاء خمسمائة من الأَنصار ، حتى انتهوا إليهما فقالت الأَنصار :
انطلقا آمِنَيْن مُطَاعَيْنِ. فَأَقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم [وصاحبه (١)] بين أَظْهُرِهم،
فخرج أهل المدينة حتى أَن العوائق لَفَوْقَ البيوت بَتَرَاءيْنَه بَقُلْنَ : أَيُّهم هو ؟ أَيُّهم هو ؟
فما رأينا منظراً شبيهاً به يومئذ .
روى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس رضى الله عنه أنه قال: ((لما قَدِمِ رسول الله
صلى الله عليه وسلم المدينة لَعِبَتْ الحبشة بحرابها فرحاً بقدومه)) . وروى البيهقى ورزين عن
عائشة رضى الله عنها قالت: ((لما قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء
والصبيان والولائد يَقُلْنَ :
مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا
ما دَعَا للهِ دَاع
وَجَبَ الشكرُ علينا
زاد رزين :
(أَيُّها المَبْعُوثُ فِينَا جِئْتَ بِالأَمْرِ المُطَاعِ
وروى البخارى عن البراء رضى الله عنه أنه قال: ((ما رَأَيْتُ أَهْلَ المدينة فَرِحُوا بشىء
فَرَحَهُم برسول الله صلى الله عليه وسلم)). وروى ابن ماجه عن أَنَس رضى الله عنه أنه قال :
(لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أَضَاء منها كُلُّ شىءٍ» .
وروى ابن أبى خيثمة رضى الله عنه قال: ((شَهِدْتُ يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة فلم أَرَ يوماً أَحْسَنَ منه ولا أَضواً)).
فلم يَمُرّ رسولُ الله ◌ِصلى الله عليه وسلم بدار من دور الأَنصار إلا قالوا: ((هَلُمَّ يا رسول
الله إلى العِزّ والمَنَعة والثروة)). فيقول لهم خَيْراً ويدعو أَو يقول: ((إِنها مأمورة خَلُّوا سبيلَها))،
فَمَرَّ ببنى سالم فقام إليه عِنْبَان - بكسر العين المهملة - ابن مالك ، ونَوْفَل بن عبد الله بن
(١) بياض بالأصول والتكملة من البداية والنهاية لابن كثير (ج ٣ ص ١٩٧).
- ٣٨٦ -

مالك بن العَجْلان، وهو آخِذُ بِزِمام راحلته ، فقال : ((يا رسول الله انْزِلْ فينا فإِن فينا
العَدَد والعشيرة والحَلْقَة، ونحن أَصحاب [الفضاءِ(١)] والحدائق [والدَّرَكِ (١)]، يا رسول الله
قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البُخْرَة(٢) خائفاً فيلجأُ إِلينا فنقول له : قَوْقِلْ(٣)
حيث شئت)). فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَبَسَّم ويقول: ((خَلُّوا سبيلَها فإنها
مأمورة))، فقام إليه عُبادة بن الصامت، وعباس بن [عُبَادة بن(٤)] نَضْلَة بن [مالك
ابن(٤)] العَجْلان، فجعلا يقولانْ: ((يا رسول الله انْزِلْ فينا))، فيقول النبى صلى الله عليه
وسلم: ((بَارَكَ الله عليكم إِنها مأمورة)).
فلما أتى مسجد بنى سالم وهو المسجد الذى فى الوادى : وادى رانوناء(٥)، أَدركته الجمعة
هناك فَصَلَّاها فيه وكانت أول جُمُعَة صَلَّها فى المدينة، وقيل إنه كان يُصَلِّى الجُمُعَة
بمسجد قُباء ، وعند ابن سعد أنه صلى معه الجمعة مائة نفس(٦) ، ثم أخذ رسول الله صلى
(١) بياض بالأصل والتكملة من وفاء الوفا للسمهودى (ج ١ ص ١٨٣). وفى الصحاح الدرك يسكن ويحرك التبعة،
يقال: ما لحقك من درك فعلى خلاصه . وفى النهاية ( جـ ٢ ص ٢٠ ): الدرك اللحاق والوصول إلى الشىء أدركته إدرا كا
ودركا ، ومنه الحديث : لو قال إن شاء اللّه لم يحنث و کان دركا لحاجته .
(٢) جاء فى الفائق الزمخشرى (ج١ ص ٦٤): أن النبى صلى الله عليه وسلم شكا عبد اللّه بن أبى بن سلول إلى
سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله اعف عنه فوالذى أنزل عليك الكتاب لقد جاء اللّه بالحق، ولقد اصطلح أهل البحرة
على أن يعصبوه بالعصابة فلما رد اللّه ذلك بالحق الذى أعطاك شرق بذلك أراد بالبحرة المدينة ، يقولون هذه بحرتنا أى أرضنا
وبلدتنا، وأصل البحرة فجوة فى الأرض تنبحر أى تنبسط وتتسع . هذا وقد رويت أيضا مصغرة : بحيرة .
(٣٠) فى الاشتقاق لابن دريد ( ص ٤٥٦): القوقلة التغلغل فى الشىء والدخول فيه .
(٤) تكملة نسبه من أسد الغابة (ج ٣ ص ١٠٨ : ١٠٩) والإصابة ( جـ ٤ ص ٣٠)، هذا وقد كان لعباس
ابن عبادة الفضل فى شد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيعة العقبة.
(٥) فى معجم البلدان لياقوت (ج ٤ ص ٢١٤) أن النبى صلى الله عليه وسلم أدركته الجمعة فى بنى سالم وأنه صلاها
فى المسجد الذى فى بطن الوادى : وادى رانوناء ، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. ثم قال ياقوت: وهذا لم أجده فى غير
كتاب ابن إسحق الذى لخصة ابن هشام .. ورانوناء بوزن عاشوراء . هذا ولم يرد ذكر لرانوناء فى معجم البكرى ولا
فى الفصل الثامن الذى عقده السمهودى فى الجزء الثانى من كتابه وفاء الوفا (ص٢٣٩: ٣٩٤) عن بقاع المدينة وأعراضها
حيث رتب أسماءها ترتيبا أبجديا ولكنه فى ص ٢١٤ من الجزء الثانى أورد ما قاله المطرى بأن رانوناه ينتهى إلى مسجد الجمعة
ببنى سالم ثم يصب فى بطحان أما ابن زبالة فروى أنه صلى اللّه عليه وسلم صلى الجمعة ببنى سالم فى ذى صلب لا رانوناء وحاول
السمهودى التوفيق بين الروايتين بقوله: هما وإن افترقا فى بعض الأماكن فينتهيان إلى مجتمع واحد ، ولذا قال ابن شبة :
ثم يقترن بذى صلب فيسمى برانوناء لمرورها عليه .
(٦) لفظ ابن سعد: ((فلما أتى مسجد بنى سالم جمع بمن كان معه من المسلمين وهم مائة (الطبقات ج ١ ص ٢٢٣)
- ٣٨٧ -

الله عليه وسلم عن يمين الطريق [حتى جاء بنو الحُبْلَى(١)]، فأراد أن ينزل على عبد الله
ابن أبىّ [بن سلول(٣) ])، وهو يومئذ سَيِّد الخزرج فى أَنفسها فقال: اذْهَبْ إِلى الذين
دعوك فانْزِل عليهم . فقال سعد بن عُيَادة: ((لا تَجِدْ يا رسول الله فى نفسك من قوله ،
٤٢٠ ظ فقد / قَدِمْتَ علينا والخزرج تريد أَن تُمَلِّكَه عليها، فلما رَدَّ الله ذلك بالحق الذى أَعطاك
شَرِقٍ بذلك ولكن هذه دارى، ذكره [موسى بن] عُقْبَة ورَزِين. قال السيد(٣): ((الذى
فى الصحيح ذِكْرُ سعد [بن عُبَادة] لذلك فى قصة عيادته صلى الله عليه وسلم له من مَرَض
بعد سُكْنَاه بالمدينة)). قُلْتُ ويُحْتَمَل أَن سَعْداً قال ذلك مَرَّتَيْن ، والله أعلم .
فَمَرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببنى ساعدة فقال له : سعد بن عُبَادة ، والمُنْذِر بن
عَمْرو، وأَبو دُجَانة: ((هَلُمَّ يا رسول الله إلى العِزّ والثروة والقوة والجَلَد))، وسَعْد يقول :
((يا رسول الله ليس من قومى رَجُلٌ أَكثر عَذْقاً(٤) ولا فم بئرٍ منى مع الثروة والجَلَد والعدد
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أَبا ثابت خَلِّ سبيلَها فإنها مأمورة)). فمضى
، واعترضه سَعْد بن الرَّبيع، وعبد الله بن رَوَاحَة، وبَشير بن سعد، فقالوا: ((يارسول الله
لا تُجَاوِزْنَا فإِنا أَهْلُ عَدَد وثروةٍ وحَلْقَة))، قال: ((بارك الله فيكم، خَلُّوا سبيلها فإنهما
مأمورة))، واعترضه زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، من بنى بياضة، فقالا: ((يارسول
اللّه هَلُمَّ إِلى المواساة والعِزّ والثروة والعَدَد والقوة، نحن أهل الدرك يا رسول الله)) ،" فقال
رسول الله: ((خَلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة)). وفى حديث البَرَاء قال: ((إنىِّ أَنزل على أَخوال.
عبد المطلب أُكْرِمُهم بذلك)). ثم مَرَّ ببنى عَدِىّ بن النَّجَّار وهم أخواله فقام أبو سَلِيط
(١) زيادة من السمهودى (ج ١ ص ١٨٣). وقد شرح المؤلف كلمة حبلى فيما بعد عند إيراده لبيان غريب ما سبق
على اعتبار أنها وردت فى صلب تصنيفه غير أن عدم ورودها يدل على أنه نسى إثباتها فيما ينقله عن غيره ويستبعد أن يكون
النساخ لجميع النسخ الخطية من كتاب المؤلف قد أغفلوها . هذا والحبلى لقب لقب به سالم بن غنم لعظيم بطنه ومن ولده بنو
الحبلى بطن من الأنصار والنسبة إلى حبلى حبلى وبضمتين حبلى وبضمة ففتحة كجهنى انظر القاموس المحيط .
.. (٢) فى السهودى (ج ١ ص١٨٣): فلما رآه ابن أبى وهو عند مزاحم أى الألم محتبياً قال: ((اذهب إلى الذين
دعوك .. )) وقد شرح المؤلف فيما بعد : مزاحم ومحتبيا مما يدل على أنه أغفل إثبات هذا النص فى صلب كتابه سهوا . وفى
معجم بقاع المدينة فى وفاء الوفا (ج٢ ص٣٧٣) قال السمهودى: مزاحم بالضم وكسر الخاء المهملة ألم كان بين ظهراني بيوت
بنى الحبلى ، وكان بزقاق ابن حيين سوق يقوم فى الجاهلية وأول الإسلام يقال لموضعها مزاحم كما سبق فى سوق المدينة .
(٣) السيد أى السمهودى والعبارة التى نقلها المؤلف عنه فى ج ١ ص ١٨٤ من وفاء الوفا
(٤) العذق بالفتح النخلة وبالكسر العرجون بما فيه الشماريخ ويجمع على عذاق قاله فى النهاية ( جـ ٣ ص ٧٧).
- ٣٨٨ -

وصِرْمَة بن أَبِى أَنَس فى قومهما فقالا: ((يا رسول الله نحن أَخْوَالُك هَلُمَّ إِلى العَدَدِ والمَنْعَة
والقوة مع القرابة، لا تُجَاوِزْنَا إِلى غيرنا يارسول الله، ليس أَحَدُ من قومنا أَوْلَى بكَ منا
لقرابتنا بك)). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خَلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة)).
فسار حتى إذا أَنت دار بنى عِدِىّ بن النَّجَّار قامت إليه وجوههم ، ثم مضى حتى انتهى
إلى باب المسجد ، فَبَرَكَتْ [راحلته] على باب مسجده صلى الله عليه وسلم وذكرالأَ قْشَهْرِى
فى روضته عن ابن نافع صاحب مالك فى أثناء كلام نقله عن مالك أن ((ناقته صلى الله
عليه وسلم لما أنت موضع مسجده بركت وهو عليها وأخذه الذى كان يأُخذه عند الوَحْى)).
ثم وثبت فسارت غير بعيد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضِحٌ لها زِمَامَها لا يثنيها به ،
ثم التفتت خَلْفَها فرجعت إلى مَبْرَكِها أول مرة ، فبركت فيه ثم تلحلحت(١) وأَرْزَمَتْ(٢)،
ووضعت جِرَانَها . وجعل جَبَّار بن صخر ينخسها رجاء أن تقوم فتنزل فى دار بنى سَلَمَة
فلم تفعل (٣). فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وقال: ((هنا المنزل إن شاء الله))
(وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِى مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينِ(٤)) وجاء أَبو أَيوب فكَلِّمُوه فى
النزول عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَىُّ بيوت أَهلنا أَقرب؟)) فقال أَبو
أيوب: أَنَا يانَبِىّ الله، هذه دارى وهذا بابى وقد خُطَطْنَا رَحْلَكَ فيها. قال: ((فانْطَلِقْ
فَهَيِّئ لنا مقيلاً))، فذهب فَهَيَّاً لهما مقيلاً. وروى الطبرانى عن عبد الله بن الزبير أنه
كان هناك عَرِيشْ يَرُشُّونَه ويَعْمُرُونَه ويبتردون فيه حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن راحلته فأَوَى إلى الظُّلّ فنزل فيه فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله منزلى أقرب
(١) فى ط وت وم تخلفت وفى ص تجلجلت وهى تصحيف تحلحلت بحامين مهملتين وقد وردت فى رواية ابن إسحق
ويرى السهيلى ( ج ٢ ص ١٢) أنها مقلوبة من تلحلحت فيكون معناها لصقت بموضعها وأقامت وذلك على المعنى الذى فسره
به ابن قتيبة . والحلحلة معناها الحركة فى كل من الصحاح والقاموس حلحل القوم أى أزعجهم أو أزالهم عن مواضعهم
وهذا يتنافى مع استقرار الناقة فى مكانها ولذلك فالأولى إثبات كلمة لحلح بتقديم اللام على الحاء لاتفاق معناها مع سكون
الناقة جاء فى الفائق ( = ٢ ص ٤٥٦) تلحلح ضد تحلحل أى إذا ثبت فى مكانه ولم يبرح وفى النهاية ( = ٤ ص ٥٢)
تلحلحت أى أقامت ولزمت مكانها .
(٢) أرزمت أى صوتت والإرزام الصوت لا يفتح به الفم قاله فى النهاية والجران باطن عنق البعير.
(٣) قال السهودى (ج ١ ص ١٨٦): لما وجد أبو أيوب جبار بن صخر أما بنى سليمة ينخس الناقة برجله
قال أبو أيوب : يا جبار : عن منزلى تنفسها ؟ أما والذى بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف.
(٤) سورة المؤمنين آية ٢٩
- ٣٨٩ -

المنازل إِليه فانقل رَحْلَك . قال: ((نعم))، فذهب بِرَحْلِه إلى المنزل، فأتاه آخر فقال :
يا رسول الله انْزِلْ عَلَىَّ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((المَرْءُ مع رَحْلِه حيث كان))، فَمَضَتْ
مَثَلاً فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى منزل أبى أيوب وقَرَّ قرارُه واطْمَأَنَّتْ دارُه ونزل
معه زيد بن حارثة .
وذكر ابن سعد أَن أَسعد بن زُرَارة أَخذ بزمام النَّاقة فكانت عنده . وعند عائذ وسعيد
ابن منصور أَن ناقته استناخت به أولاً فجاءه ناس فقالوا : المنزل يا رسول الله ، فقال :
((دَهُوها))، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد ثم تلحلحت فنزل عنها
فأتاه أبو أيوب فقال: منزلى أقرب المنازل فائذن لى أَن أَنقل رَحْلَك. قال: ((نعم))،
فنقل رَحْلَه وأَناخ الناقة فى منزله .
وروى الحاكم وأبو سعيد النيسابورى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل على أبى
أيوب خرج جوارٍ من بنى النَّجَّار يَضْرِبْنَ بالدفوف ويَقُلْنَ :
نحن جوارٍ من بنى النَّجَّار يا حَبَّذا محمدٌ من جار :
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَتُحْبِبْنَنِى؟)) قُلْنَ: نعم يا رسول الله . فقال:
((وأَنا والله أُحِبُّكُنَّ))، قالها ثلاثاً. وذكر ابن إسحق فى المُبْتَدَأ وابن هِشَام فى التيجان أَن
بيْت أَبِى أَيوب الذى نزل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مَقْدِمَهُ المدينة بناه تُبَّع الأول
واسمه تُبَان - بضم المُثَنَّاة الفوقية وتخفيف المُؤَحَّدة - أَسعد(١)، وكان معه أربعمائة
حَبْر ، فتعاقدوا على أَلَّ يخرجوا منها. فسأُلهم تُبَّع عن سِرّ ذلك، فقالوا: إنا نجد فى
كُتُبِنا أَن نَبِيّاً اسمُه محمد هذه دار هجرته ، فنحن نُقيم لعلنا نلقاه. فأَراد تُبَّع الإقامةَ
معهم ، ثم بنى لكل واحد من أولئك داراً واشترى له جارية وزَوَّجها منه وأعطاه مالاً
جزيلاً وكتب كتاباً فيه إِسلامُه ومنه :
رسولٌ مِنَ اللهِ بَارى النَّسَمْ
شَهدْتُ على أحمد أنه
(١) فى ط: تبان بن أسعد وفى القاموس أسعد تبان وقد ذكر السهيلى (جـ ١ ص٢٣) أن تبان أسعد اسمان جعلا اسما.
واحداً وأن تبان من التبانة وهى الذكاء والفطنة وفى الصحاح تبن يتبن (من باب فرح) تبناً بالتحريك صار فطنا فهو تبن . ومنه
تبن بالتشديد وفى الفائق (جـ ١ص١٢٥) التبانة هى الفطنة والمراد التعمق والإغماض فى الجدل وأداء ذلك إلى التكلم بما ليس بحق.
- ٣٩٠ -

فلو مُدَّ عُمْرَى إِلى عُمْرهِ لكُنْتُ وزيراً له وابْنَ عَمْ
[وَجَاهَدْتُ بالسيف أَعداءه وفَرَّجْتُ عن صَدْرِهِ كُلَّ هَمْ)(١)
وَخَتَمَهُ بالذهب ودفعه إلى كبيرهم وسأله أن يدفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم إِن
أَدْرَكَهُ وإِلا فَمَنْ أَدركه من وَلَدِهِ أَو وَلَدَ وَلَدِهِ ، وبنىّ للنبى صلى الله عليه وسلم داراً يَنْزِلُها
إِذا قَدِمِ المدينةَ ، فتداول الدَّارَ المُلَّك إلى أن صارت لأَّبِى أَيوب ، وهو من وَلَد ذلك العالِمِ ،
وأَهْلُ المدينة الذين نَصَرُوه [كُلُّهم] من أولاد أولئك العلماء. ويقال إِن الكتاب الذى
فيه الشِّعْر كان عند أبى أيوب حتى دفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو غريب(٢) .
فما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى بيته .
وروى الترمذى وصَحَّحَه، ويحيى بن الحَسَن العلوى عن عبد الله بن سلام رضى الله
عنه قال: قال: ((لَمَّا قَدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ انْجَفَلَ الناس [إِليه]
فجئت لأَنظر إليه ، فلما تبيَّنْتُ وَجْهَه عَلِمْتُ أَنْ وَجْهَهُ ليس بوجه كَذَّب ، فكان أَوَّلُ
شىءٍ سَمِعْتُه يتكلم به أن قال: ((يا أَيُّهَا النَّاس أُفْشُوا السَّلامَ وأَطْعِمُوا الطَّعَام [وصِلُوا
الأَرْحَامَ (٣)]، وَصَلُّوا والنَّاسُ نِيَامُ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ [بسلام(٣)]. وروى ابنُ إِسجق ومسلم
عن أبى أيوب رضى الله عنه قال: ((لَمَّا نَزَلَ عَلَىَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى بَيْتِى
نَزَلَ فى السِّفْلِ وأَنا وَأُمُّ أَيوب فى العُلْوِ، فَقُلْتُ له : يانَبِىَّ الله، بأَبى أَنت وأَمِّى، إنى
(١) زيادة من السهيلى (ج ١ ص ٢٤) وزاد فى المعارف لابن قتيبة (ص ٢٨) بيتا رابعاً: وألزم طاعته كل
من على الأرض من عرب أوْ عجم .
. (٢) الحديث الغريب هو ما انفرد به راو عمن يجمع حديثه كأن ينفرد رجل فى الحديث عن الزهرى وشبهه وينقسم
إلى غريب متناً وإسناداً وإلى غريب إسناداً لا متناً ولا يوجد غريب متناً لا إسناداً ولعل الغرابة فى هذا الحديث ترجع إلى
إسناده دون متنه وقد ذكر السهيلى (ج ١ ص ٢٤ ) إيمان تبع بالنبى صلى الله عليه وسلم إذ قد روى عنه: لا تسبو تبعا
فإنه كان مؤمنا وبلفظ: لأنه كان قد أسلم، عند الإمام أحمد، ورواه عبد الرزاق عن وهب بن منبه قال: نهى النبى صلى
الله عليه وسلم عن سب أسعد وهو تبع. غير أن عبد الرزاق روى حديثا آخر عن أبى هريرة مرفوعاً: لا أدرى أتبع لعين
أم لا. وهذا فى نظر السمهودى ( ج ١ ص ١٣٤) محمول على أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم بحاله . وفى المعارف
لابن قتيبة أن أسعد أبا كرب الحميرى آمن بالنبى صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنه وأضاف ( ص ٢٨) أنه
كان أول من كسا البيت الأنطاع والبرد .
(٣) زيادة من صحيح التر مذى عن يحيى عن عبد الله بن سلام نقلا عن السمهودى (جـ١ ص ١٨٨).
- ٣٩١ -

لَأَكْرَهُ وَأُعْظِمُ أَن أَكون فَوْقَك وتكون تحتى ، فاظهر أَنْتَ فَكُنْ فى العُلْوِ ، ونَنْزِل نحن
فنكون فى السُفْل، فقال: ((إِنّ أَرْفَق بنا وبِمَنْ يَغْشَانا أن نكون فى سِفْل البيت)). قال:
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سُفْلِه وكُنَّا فوقه فى المَسْكَن، فلقد انكسر حُبُّ(١)
لنا فيه ماءِ ، فَقُمْتُ أَنا وأُمّ أَيوب بقطيفة لنا مالنا لِحَافُ غَيْرُها نُتَشِّفُ بها الماء [تَخَوُّفاً
أَن (٢) ] يَقْطُرَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شىءٍ فيؤذيه. وذُكِرٍ أَن أَبا أَيوب لم
يزل يَتَضَرَّع إلى النبى صلى الله عليه وسلم حتى تَحَوَّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى العُلْووأبو
أيوب فى السُّفْل .
قال أبو أيوب: وكُنَّا نصنع له العَشَاء ثم نبعث به إليه، فإِذا رَدَّ علينا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ
أَنا وأُمّ أَيوب مَوْضِعَ يده فأَكلنا منه نبتغى بذلك البَرَكَة، حتى بعثنا إليه لَيْلَةً بَعَشَائِه
وقد جعلنا له فيه بَصَلاً أَوْ ثَوْماً ، فَرِدَّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أَرَلِيَدِهِ فيه أَثَراً .
قال : فجِئْتُهُ فَزِعاً فقُلْتُ: يا رسول الله بأَبِى أَنت وأُمِّى رَدَدْتَ عَشَاءك، ولم أَرَ فيه مَوْضِع
يَدِكُ وكُنْتَ إِذا رَدَدْتَه علينا تَيَمَّمْتُ أَنا وأُم أَيوبِ مَوْضِعَ يَدِك نبتغى بذلك البَرَكَة . قال:
(إِى وَجَدْتُ فيه رِيحَ هذه الشَّجَرَة وأَنَا رَجُلٌ أُنَاجى، فأَما أَنتم فكلوه)). قال: فأَ كلناه
ولم نضع له تلك الشجرة بعد .
وفى كتاب أخبار المدينة ليحيى بن الحَسَن(٣)، عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال :
(١) الحب بضم الحاء المهملة والباء الموحدة المشددة هو ما يجعل فيه الماء كالجرة والخابية والجمع أحباب وحبية وحباب.
والحب فارسى معرب قال أبو حاتم أصله خنب فعرب فقلبوا الخام حاء وحذفوا النون فقالوا حب: انظر المعرب مجواليق
( ص ١٢٠) .
(٢ (( بياض بالأصول والتكملة من ابن هشام ( ج ٢ ص ١١٦).
(٣) فى السمهودي (ج١ ص ١٨٩) وفى كتاب يحيى عن زيد بن ثابت، ولم يذكر لنا من هو يحيى هذا؟ وفى ميزان
الاعتدال (جـ٤ ص٣٦٨): يحيى بن الحسين العلوى اتهمه الذهبى بوضع الأحاديث وقال إنه رافضى متأخر، وذكر السخاوى فى
الاعلان بالتوبيخ ( ص ١٢٩: ١٣٠) ثبتا بأسماء مؤرخى المدينة النبوية منهم الشريف يحيى بن الحسن الحسنى العلوى،
وهو الذى يقصده المؤلف ولم يذكر لنا السخاوى شيئا عنه سوى اسمه كما أن المستشرق فرانز روزنتال فى ترجمته الإنجليزية
لكتاب الإعلان الذى ذيل به كتابه علم التاريخ عند المسلمين (ليدن سنة ١٩٥٢ م ص٣٩٨) لم يذكر شيئا عنه فى تعليقاته
كما صنع مع غيره مما يدل على أنه لم يقف على خبر له . ومما يذكر فى هذا الصدد أن السخاوى ( المتوفى سنة ٩٠٢ هـ) لما
ذكر السمهودى ( المتوفى سنة ٩١١ هـ) بين مؤرخى المدينة قال عن كتابه فى الإعلان بالتوبيخ (ص ١٣٠) إنه مفتقر
إلى تحرير ونظر . فإذا صح أن كتاب وفاء الوفا الذى صنف فى أواخر القرن التاسع الهجرى فى حاجة إلى التحرير والنظر
فهو بلا شك أكثر احتياجا لذلك فى أواخر القرن الرابع عشر الهجرى .
- ٣٩٢ -

(لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى أيوب لم يدخل منزل رسول الله هدية وأول
هدية دخلتُ بها عليه قَصْعَة مثرودة خُبْزَ بُرِّ وسَمْناً وَلَبَناً، فأَضعها بين يديه ، فقلت :
((يا رسول الله أرسلت بهذه القَصْعَة أُمِّى))، فقال: ((بَارَكَ اللهُ فيها))، ودعا أصحابَه فأ كلوا
فلم أَرِمْ (١) البابَ حتى جاءته قصعة سعد بن عُبَادة ، على رأس غُلامٍ مغطاة فأَقف على باب
أبى أيوب فأَكشف ◌ِطَاءَهَا لأَّنظر فرأيتُ ثريداً عليهْ عُرَاق (٢)، فَدَخَلَ بها على رسول الله صلى
الله عليه وسلم)). قال زيد: ((فلقد كُنَّا فى بنى مالك بن النَّجَّار ما مِنْ ليلةٍ إلا على باب
رسول الله صلى الله عليه وسلم منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام ويتناوبون بينهم حتى
تَحَوَّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم (من بيت أبى أيوب وكان مُقَامُه فيه سبعة أَشهر (٣)]
وما كانت تخطئه جَفْنَة سعد بن عُيَادة وجفنة أَسعد بن زُرَارة كل ليلة)) . وفيه أَنْه قيل
الأُم أيوب: ((أَى الطعام كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم عرفتم ذلك
المُقَامِهِ عندكم ؟ قالت: ما رأيتهُ أَمر بطعام فصُنِعٍ له بعينه ، ولا رأيناه أُتِىَ بطعام فَعَابَهُ.
وقد أَخبرنى أبو أيوب أَنْه تَعَثَّى عنده ليلة من قَصْعَةٍ أَرسل بها سعد بن عُبَادةٍ طَفَيْشَلَ(٤).
فقال أبو أيوب : فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهل تلك القِدْر ما لم أَرَهُ ينهل
غيرها ، فكنا نعملها له ، وكنا نعمل له الهريس وكانت تُعْجِبُه. وكان يحضر عَشَاءه
خمسة إلى ستة عشر كما يكون الطعام فى الكثرة والقِلَّة)).
قال ابن إسحق: ((وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زَيْد بن حارثة وأَبا رافع
إلى مكة وأعطاهما بَعِيرَيْن وخمسمائة درهم فقَدِما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنَتَيْه
وسودة [ بنت زمعة] زوجته وحمل زيد بن حارثة امرأته أُمّ أَيْمَن مع ابنها أُسَامة بن
زيد ، وخرج عبد الله بن أبى بكر بعيال أبى بكر فيهم عائشة وأختها أسماء زوج الزبير
(١) فى النهاية (ج ٢ ص ١١٨: ١١٩) قال العباس: لا تبرم من منزلك غدا أنت وبنوك، أى لا تبرح، يقال
رام يريم إذا برح وزال من مكانه وأكثر ما يستعمل فى النفى .
(٢) العرق بالسكون العظم إذا أخذ منه معظم الحم وجمعه عراق وهو جمع نادر يقال عرقت العظم واعترقته وتعرفته
إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك - قاله فى النهاية ( = ٣ ص ٧٧ ).
(٣) زيادة من طبقات ابن سعد (ج ١ ص ٢٢٤) والبداية والنهاية (= ٣ ص ٢٠٢).
(٤) فى القاموس المحيط الطفيشل بوزن سميدع نوع من المرق.
- ٣٩٣ -

وأُم رومان [ أُم عائشة(١)] فلما قَدِمُوا المدينة أُنْزلوا فى بيت حارثة بن النعمان. وذكر
وزين أن أبا بكر أرسل عبد الله بن أُرَيْقط مع زيد ليأتيه بأهله .
قال ابن إسحق: ((وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَبْقَ بمكة
منهم أحد إلا مفتون أَو محبوس . ولما اطمأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم دَارُه ،
وأَظهر الله بها دينَه، وسَرَّه بما جمع إليه من المهاجرين والأنصار من أَهل ولايته ، قال
أَبو قيس صِرْمَة بن أبى أَنَس، أَخو بنى عَدىّ بن النَّجَّار، يذكر ما أكرمهم الله به من
الإِسلام وما خَصَّهُم به من نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم :
يُذَكِّرِ لو يَلْقَى صَدِيقاً مُوَاتِيَا (٣)
ثَوَى(٢) فِى قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةً حِجَّةً
فلم يَرَ مَنْ يُؤْوِىِ ولم يَرَ دَاعِيَا
ويَعْرِضُ فى أَهْلِ المَوَاسِمِ نَفْسَهُ
فَأَصْبَحَ مسروراً بِطَيْبَةَ رَاضِيَا
فَلَمَّا أَتَانا أَظْهَرَ اللهُ دِينَهُ
وَكَانَ لَنَا (٥) عوناً من الله بَادِيَا
وأَلْفَى صديقاً واْمَأَنَّتْ بِهِ النَّوَى (٤)
وَمَا قَالَ مُوسَى إِذ أَجَابَ المُنَادِيَا
يَقُصُّ لَنَا ما قَال نُوحٌ لِقَوْمِْهِ
قَرِيباً ولا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ نَائِيَا(٦)
فَأَصْبَحَ لا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ وَاحِداً
وأَنْفُسَنَا عند الوَغَى وَالتَآسِيَا(٨)/
بَدَّلْنَا لِه الأَمْوَالَ من حِلِّ(٧) مَالِنا
ونَعْلَمُ أَن اللّهَ أَفْضَلُ هَادِيَا (٩)
٤٢٢ و
ونَعْلَمُ أَن اللّهُ لا شَْءَ غَيْرُهُ
(١) فى الأصول: ((فيهم عائشة وأختها أسماء وأمهما أم رومان)) وقد أخطأ المؤلف هنا لأن أم رومان لم تكن أماً :
لأسماء بنت أبى بكر فأسماء كانت أختاً لعائشة لأبيها وكانت أسن منها . وأم أسماء تدعى قيلة. وقيل قتيلة بنت عبد العزى بن أسعد
ابن جابر بن مالك فهى قرشية من بنى عامر بن لؤى . وقد توفيت أم رومان فى سنة ست من الهجرة وأورد ابن حجر فى الإصابة
(ج ٨ ص ٢٣٢: ٢٣٤) بيانا مطولا عن الخلاف فى تاريخ وفاتها، انظر ترجمة أسماء فى أسد الغابة (جـ ٥ ص ٢٩٣:
٢٩٤ ) وفى الإصابة (= ٧ ص ٧ : ٨).
(٢) ثوى أقام .
(٣) مواتيا موافقاً .
(٤) النوى البعد .
(٥) فى رواية: وكان له عوناً، والضمير فى له يعود على الصديق.
(٦) فى رواية : باغيا .
(٧) فى رواية : من جل مالنا بالجيم .
(٨) الوغى الحرب والتأسى التعاون وتقرأ أيضا بتشديد السين.
(٩) عجز البيت فى البداية لابن كثير (ج ٣ ص ٢٠٤)؛ وأن كتاب الله أصبح هاديا، هذا واختلاف الروايات
من أبن كثير والشرح من الخشنى ( ج ١ ص ١٣٧ : ١٣٨).
٨
- ٣٩٤ -

نُعَادِى الذى عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ
أَقُولُ إِذا أَدْعُوكَ (١) فى كُلِّ بَيْعَةٍ (٢)
أَقُولُ إِذا جَاوَزْتَ أَرْضاً مَخُوفَةً
فَطَأْ مُعْرِضاً(٤) إِنّ الحُتُوفَ كثيرةٌ
فَوَاللهِ مَا يَدْرِى الفَتَّى كَيْفَ يَنَّقِى
ولا تَحْفِلِ النَّخْلُ المُعِيمةُ (٥) رَبَّها
جَمِيعاً وإِنْ كَانَ الحَبيبَ المُصَافيًا
تَبَارَكْتَ قد أَكْثَرْتَ لاسمِكَ دَاعِيًا
حَتَانَيْكَ(٣) لاتُظْهِرْ عَلَىَّ الأَعَادِيَا
وإِنَّكَ لا تُبْقِى لِنَفْسِكَ باقِيَا
إِذا هو لم يَجْعَلْ لَهُ اللهُ وَاقِيَا
إذا أَصبحت رِيًّا (٦) وأَصبح ثَاوِيًا(٧)
تنبيه : فى بيان غريب ما سبق
((حَشَدَ)) المسلمون بالدال المهملة: اجتمعوا(٨). ((مُتَقَلِّدِين)) السيوف: جعلوا
سيورَها فى أَعناقهم إِلى جَنْبهم الأَيسر، عادة العَرَب الآن لا كفِعْل الأتراك وغيرهم
بجَعْلها فى أوساطهم. ((مَلَالاً)): سآمةً. ((الدَّار)): هنا القبيلة وكل قبيلة اجتمعت
فِى مَحَلَّهُ سُمِّيَتْ تلك المَحَلَّة داراً، وسُمِّى ساكنوها بها مجازاً، أَى أَهْلُ الدَّار
((تَأْكل القُرَى)): يأْتى بيانُه فى بيان أَسماء المدينة. ((كَمِنَّا)): بفتح الكاف
(١) فى رواية: إذا صليت.
(٢) بيعة أى مسجد قاله الخشنى .
(٣) حنانيك أى تحننا بعد تحنن والتحنن الرأفة والرحمة.
(٤٠) فطأ معرضا أى متسعا عند الخشنى ولكن شرحها فى الصحاح أدق: يقال طأ معرضا حيث شئت أى ضع رجليك
حيث شئت ولا تتق شيئا وقد أمكنك ذلك . وأورد الزبيدى هذا الشرح فى التاج ومما ذكره من الشواهد بيت عدى بن زيد
سره ماله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسدير. هذا وقد ذكر ابن هشام ( ج ٢ ص ١٣٤ و ١٣٥) أن البيت الذى
يبدأ صدره فطأ معرضاً ، والبيت الذى يليه هما لأفنون التغلبى صريم بن معشر. وقد أوردهما له ابن قتيبة مع بيتين آخرين
فى الشعر والشعراء ( طبعة ليدن بتحقيق دى غوى سنة ١٩٠٤ م ص ٢٤٩) غير أن الزبيدى فى التاج ذكر أن ابن دريد
أنشد للبحيث البيت الذى أوله فطأ معرضا .
(٥) النخل المعيمة كما يقول الخشنى هى العاطشة من، العيمة وهو العطش وأكثر ما يقال فى اللبن وفى الصحاح العيمة
شهوة اللبن وقد عام الرجل يعيم ويعام عيمة فهو عيمان وامرأة عيمى وعند ابن السكيت العيم إفراط الشهوة إلى اللبن اكالقرم إلى
المحم .
(٦) قال الخشنى: ريا: معناه سروية من الماء (بالسين) وهو خطأ والصواب مروية من الماء . ونذكر بهذه المناسبة
أن طبعة المستشرق برونله لشرح السيرة الخشنى ( القاهرة سنة ١٩١١ م) مليئة بالأخطاء والتصحيفات وحبذا لو أعيد طبعه
محققا .
(٧) فى رواية ناويا من النوى والنوى عند الخشنى الهلاك ولم ترد بهذا المعنى فى المعجمات فالنوى البعد.
(٨) حشد يستعمل لازما ومتعدياً فحشد القوم حشوداً من باب ضرب اجتمعوا وحشد القوم حشداً من باب نصر
جمعهم .
٣٩٥ -

وكسر (١) الميم بعدها نون مُشَدَّدَة، أَى اسْتَتَرْنَا. ((زُهَاء (٢)): بضم الزاى وبالمَدّ أَى قَدْر .
(((العَوَائِقِ)): جمع عائق وهى الشابَّة أول ما تُدْرِك، وقيل هى التى لم تَبِنْ (٣) من والدتها ولم
تُزَوَّج وقد أَدْرَكَتْ وشَبَّتْ ((الولائد)): جَمْع وليدة وهى الأُنثى، والوليد الطفل جَمْعُهُ
وِلْدان. ((الثَّنِيَّات)): جَمْع ثَنِيَّة وثَنِيَّةُ الوَداع بفتح الواو. قال المَجْد اللغوى(٤): ((هى
ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة ، وقيل من يريد الشام [واختُلِف فى تسميتها
بذلك فقيل لأنها موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكة ، وقيل لأَن النبى صلى الله
عليه وسلم وَدِّع بعض من خَلَّفَه بالمدينة فى آخر خَرْجَاته ، وقيل فى بعض سراياه المبعوثة
عنه، وقيل الوَدَاع اسم وادٍ بمكة، والصحيح أنه اسم جاهلى قديم سُمِّىَ به لتوديع
المسافرين(٥)،] هكذا قال أَهْلُ السِّيَر [والتاريخ (٥) ] وأصحاب المسالك إِنها من جهة مكة ،
وأهل المدينة [ اليوم ) يظنونها من جهة الشام، وكأنهم اعتمدوا قول ابن قَيِّم الجوزية
فى هَدْيِهِ، [فإنه قال(٥)]: ((من جهة الشام ثَنِيَّاتُ الوَدَاع ولا يطؤها القادم من مكة
[البتة(٥) ])). ووجه الجمع أن كلتا الثَّنِيَّتَيْن تُسَمِّى بثنية الوداع)). [انتهى كلام،
المجد (٥) ].
قُلْتُ: وقال ياقوت (٦) فى المُشْتَرِك: ((ثنية الوداع مشهورة قُرْب المدينة وسُمِّيت بذلك
لأن الناس كانوا يودعون المسافرين إلى مكة عندها(٧))). فاقتضى كلامُه أَنه بطؤها قاصِدُ
(١) وبفتح الميم أيضا فى القاموس المحيط: كن له كنصر وسمع كموناً استغنى.
(٢) زهاء فى العدد وزان غراب يقال هم زهاء ألف أى قدر ألف ويقال كم زهاؤهم؟ أى كم قدرهم. قاله فى المصباح.
(٣) من بان يبين بيناً وبينونة والبين الفراق والوصل وهو من الأضداد، قاله فى الصحاح .
(٤) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم. المجد الفير وزابادى الشيرازى اللغوى صاحب القاموس المحيط وغيره من
المؤلفات والتصانيف ولد سنة ٧٢٩ هـ وتوفى سنة ٨١٧ هـ. انظر السخاوى فى الضوء اللامع (= ١٠ ص٧٩: ٨٦ رقم ٢٧٤).
والفير وزابادى عن المدينة النبوية كتاب أسماء: ((المغانم المطابة فى معالم طابة)). ذكره السخاوى فى ثبت مؤلفاته فى ترجمته له
(ص ٨٢) ، وذكره السخاوى مرة أخرى عند ذكره لمن كتبوا فى تاريخ المدينة وذلك فى كتابه الإعلان بالتوبيخ لمن ذم
التاريخ ص ١٣٠.
(٥) زيادة من وفاء الوفا السمهودى (ج ٢ ص ٢٧٧) الذى نقل عبارة المجد ونقلها من بعده مؤلف هذا الكتاب.
(٦) لياقوت الحموى المتوفى سنة ٦٢٦ هـ صاحب معجم البلدان ومعجم الأدباء كتاب اسمه المشترك وضعاً والمفترق
صقعا تناول فيه البلاد التى تتشابه فى أسمائها ولكن تختلف فى مواقعها طبعه وستنفلد فى جوتنجن سنة ١٨٤٦ م.
(٧) أورد ياقوت فحوى هذه العبارة فى معجم البلدان ( ج ٣ ص ٢٥): إذ قال: ثنية الوداع مشرفة على المدينة
يطقرها من يريد مكة ، ثم أورد بعد ذلك أقوالا مختلفة فى سبب تسميتها .
- ٣٩٦ -

مكة، وتَبَعَه على ذلك فى التقريب وسبقهما إليه القاضى ، وأَيَّدَ السَّيِّد كلام صاحب الهَدْى
فقال : الروايات متظاهرة على أَن هذه الثَّنِيَّة هى المعروفة بذلك ، اليوم : شامِىّ المدينةُ بين
مسجد الرَّاية الذى على ذُبَابٍ (١) ومَشْهَدِ النَّفْس الزَّكِيَّةَ، يَمُرُّ فيها المارّ بَيْنَ صَدَّيْنِ(٢)
مرتفعين قُرْب سَلْع(٣)، ومن تَأَمَّل كلام ابن شَّة فى المنازل [وغيرها](٤) لم يَرْتَبْ فى ذلك،
ويوضحه ما رواه ابن اسحق فى غزوة الغابة (٥) قلت : وسيأتى سياقه فيها .
ثم قال السَّيِّد(٩): ((وكَوْنُها شامىّ المدينة لا يمنع كون هذه الأبيات أَنْشِدَتْ عند الهجرة
لأنه صلى الله عليه وسلم رَكِبَ ناقتَه وأَرْخَى لها زِمَامَها وقال: ((دَعُوها فإنها مأمورة))،
ومَرَّ بِدُور الأَنصار كما سبق حتى مَرَّ ببتى ساعِدة، ودارُهم شامىّ المدينة قُرْب ثّنِيَّة الوَدَاعِ ،
فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية [حتى أتى منزله بها(٧)]. وقد عَرَج النبى صلى
الله عليه وسلم فى رجوعه من بَدْر إِلى ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ، كما ذكره ابن عُقْبَة: [أَنه صلى الله
عليه وسلم سَلَك حين خرج إلى بدر حتى ثُقْب (٨) بنى دينار، ورَجَعَ حين رَجَع من ثّنِيَّة
الوداع (٩)])). قُلْتُ: فَتَحَصَّلَ من كلامه أَن تَنِيَّة الوَدَاع ليست من جهة مكة وإنما هى
(١) فى معجم بقاع المدينة (جـ ٢ ص ٣٠٨) من وفاء الوفا: ذباب كغراب وكتاب لغتان. قال البكرى ذباب جبل
بجبانة المدينة وسبق فى المساجد بيان أنه الجبل الذى عليه مسجد الراية ، وتقدم فى الخندق ما يقتضى أن اسمه ذوباب أيضا .
(٢) فى التاج: الصد بالفتح وبالضم الجبل والسين لغة فيه. قال أبو عمرو: يقال لكل جبل صد وصد - يفتح الصاد
وضمها - وسد وسد - بفتح السين وضمها - والصد والصد ناحية الوادى والشعب وهما صدان والجمع أصداد وصدود ،
وصدا - يفتح الصاد وتشديد الدال ـ الجبل ناحيتاه فى مشعبته .
.(٣) فى معجم البكرى (ج ٣ ص ٧٤٧) سلع بفتح أوله وإسكان ثانيه بعده عين مهملة جبل متصل بالمدينة . وفى الأغانى
(جـ ١٥ ص ١٣٨) أنشدت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك وكان شديد الكلف بها ونشأت بسلح: لعمرك إنى لأحب.
سلعا لرؤيتها ومن بجنوب سلع. ثم تنفست الصعداء فقال لها : لم تنفسين والله لو أردته لنقلته إليك حجرا حجرا فقالت :
وما أصنع به إنما أردت ساكنيه . هذه الرواية نسبها السمهودى (ج٢ ص٣٢٤) إلى الأصمعى.
(٤) زيادة من السمهودى (ج ٢ ص ٢٧٦٠).
(٥) فى ابن هشام ( ج ٣ ص ٣٢٣): فى غزوة ذى قرد كان سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمى أول من نذر
بالمشركين فغدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله .. حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف فى ناحية سلع
ثم صرخ : واصباحاه ثم خرج يشتد فى آثار القوم .
(٦) لفظ السمهودى (ج ٢ ص ٢٧٦): ولعل ذلك كان فى قدومه من غزوة تبوك قلت وذلك لأن ثنية الوداع
ليست من جهة طريق مكة على أنى أقول إن ذلك لا يمنع من كونه عند الهجرة قدم من قباء لأنه صلى الله عليه وسلم ركب
ناقته
(٧) زيادة من السمهودي ..
(٨) فى معجم البلدان لياقوت (= ٧ ص ٣٨٣): مثقب (بدلا من ثقب) اسم الطريق التى بين مكة والمدينة.
(٩) زيادة من السمهودي ( ج ٢ ص ٢٧٦).
- ٣٩٧ -

شابىّ المدينة، خَرَج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى جهتها فى دخوله باطن المدينة ،
ولا حُجَّةَ لمن قال إنها من جهة مكة إلا ما سَبَق من قول الولائد: ((طَلَعِ البَدْرُ علينا من
ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ))، وقد عَلِمْتَ ما فيه .
وروى البخارى عن السائب بن يزيد قال: ((أَذْكُر أَنِى خَرَجْتُ مع الصبيان نَتَلَفَّى
٤٢٢ظ النبى صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مَقْدمه من تَبُوك)). قال / الحافظ فى فتح البارى:
((أَنِكر الداوُدى هذا، وتَبعَه ابن القَيِّم وقال: ثَنِيَّةُ الوَدَاع من جهة مكة لا من جهة
تَبُوك بل هى فى مقابلها كالمَشْرِق من المَغْرِب إلا أن يكون هناك ثَنِيَّة أُخرى فى تلك الجهة)».
قال ابن حجر: ((ولا يمنع كونها من جهة مكة (١) أن يكون الخروج إلى الشام من جهتها.
وهذا أوضح كما فى دخول مكة من ثنية والخروج منها من أخرى ، وينتهين كلهن إلى
طريق واحدة )) . قلتُ : وقد راجعت الهَدْى فى غزوة تَبُوكِ فرأيته ذكر أن ثنية الوَدَاع
شائِّ المدينة كما نقله عنه صاحب القاموس والسَّيِّد لا كما نقله عنه الحافظ ولم يَذْكُرْ
فى الهَدْى فى الكلامِ على الهجرة شيئاً من ذلك(٢).
(١) فى الأصول: الحجاز . وذكر الحجاز لا يفيد فى تحقيق موقع ثنيات الوداع بالمدينة لأن المدينة تعد من الحجاز
ولذلك آثرنا إثبات عبارة السمهودي ..
٠
(٢٠) حاول كثير من كتاب السير تحقيق موقع ثنيات الوداع التى وردت فى كتب الحديث والسيرة النبوية وكثر.
النقاش حولها ابتداء من عهد القاضى عياض المتوفى سنة ٥٤٤ ٨ ومن أبرز من اشترك فيه ابن القيم وابن حجر ثم استأنف
البحث فيه السمهودى المتوفى سنة ٩١١ فى كتابه وفاء الوفا والقسطلانى المتوفى سنة ٩٢٣ ه فى المواهب اللدنية ومؤلف هذا
الكتاب المتوفى سنة ٩٤٢ هـوالديار بكرى المتوفى سنة ٩٨٢ هـ وعلى بن إبراهيم الحلبى صاحب السيرة الحلبية المتوفى سنة ١٠٤٤ھ
وأخيرا محمد بن عبدالباقى الزرقانى المتوفى سنة ١١٢٢ هـ. وذلك فى شرحه لمواهب القسطلانى وتتفاوت کتابات هؤلاء فىعرضها
وإيرادها للروايات المختلفة الخاصة بثنيات الوداع ونقدها والموضوع يتصل بما يسمى حديثاً بالجغرافية التاريخية وأقدر من كتب
فيه هو من أتيحت له فرصة الإقامة فى المدينة والتجوال فى ربوعها وبقاعها مثل السمهودى . وقد أورد المؤلف جانباً مما
كتبه فى هذا الصدد غير أن أوفى تلخيص له نجده فيما كتبه الديار بكرى فى تاريخ الخميس ( ج ١ ص ٣٤٢) حيث قال :
فى خلاصة الوفا للسمهودى : ثنية الوداع شامى المدينة خلف سوقها القديمة بين مسجد الراية ومشهد النفس الزكية قرب سلع .
وقال عياض هى موضع بالمدينة بطريق مكة . وفى المواهب أنشئ هذا الشعر عند قدومه. رواه البيهقى فى دلائل النبوة وأبو الحسن
ابن مقرى فى كتاب الشمائل له عن ابن عائشة وذكره المحب الطبرى فى الرياض النضرة . وسميت ثنية الوداع لأن المسافر
من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديماً . وصحح القاضى عياض هذا واستدل عليه بقول نساء الأنصار حين قدم عليه
السلام. طلع البدر علينا من ثنيات الوداع فدل على أنه اسم قديم . وفى صحيح البخارى وسنن أبي داود والترمذى عن السائب
إين يزيد قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع وهذا صريح بأنها من جهة
الشام. وقال ابن القيم فى الهدى النبوى: ((هذا وهم من بعض الرواة فإن ثنية الوداع هى من جهة الشام لا يراها القادم من
مكة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك)). لكن قال زين الدين العراقى : يحتمل أن تكون
الثنية التى من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع . ثم أضاف الديار بكرى قائلا : يشبه أن يكون هذا هو
الحق ويؤيده جمع الثنيات إذ لو كان المراد بها الموضع الذى هو من جهة الشام لم يجمع ، ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر=
- ٣٩٨ -

((أَضوأَ): أَنْوَر. ((المَنَّعَة)): بفتح النون يقال فلان فى مَنَعَة أَّى فى عِزّ من قومه
فلا يقدر عليه من يريده. ((الثروة)): بفتح الثاء المثلثة كثرة المال. ((البُحَيْرَة)): يأتى
الكلام عليها فى باب أَسماء المدينة . ((قَوْقِل)): بقاف مفتوحة فواو ساكنة فقاف مكسورة
أَى سِرْ حيث شئت فإنك آمن. ((رانوناء)): [وهو وادٍ فى المدينة صلى فيه النبى الجمعة (١)].
((على فَتْرةٍ من الرُّسُل)): أَى على انقطاعٍ بَعْثُهم ودروس أَعلام دينهم. ((ولو بِشِقّ تُمْرَة)):
بكسر الشين المعجمة أَى نصف تَمْرَة، يريد لا يستقلون (٢) من الصَّدَقة شيئاً. ((مُزَاحِم)):
[ بضم الميم فزاى وكسر الحاء المهملة أُطُم كان بين ظهرانى بنى الحُبْلَى(٣)]. ((بنو الحُبْلَى)).
[الحُبْلَى لقب سالم بن غَنْم بن عَوْف لُقِّب به لِعِظَمِ بطنه ومن وَلَدِهِ بنو الحُبْلى بَطْنٌ
= مرة عند قدومه من مكة ومرة عند قدومه من تبوك فلا ينافى ما فى صحيح البخارى وغيره ولا ما قاله ابن القيم عن جابر إنه
كان لا يدخل أحد المدينة إلا من ثنية الوداع، فإن لم يعشر بها مات قبل أن يخرج فإذا وقف على الثنية قيل قد ودع فسميت
ثنية الوداع حتى قدم عروة بن الورد ( وهو شاعر جاهلى أخباره فى الأغانى ج ٣ ص ٨٣: ٨٨ طبعة دار الكتب
سنة ١٩٢٩ م) فلم يعشر ثم دخل فقال: يا معشر يهود ما لكم وللتعشير ؟ قالوا : لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشر
بها إلا مات ولا يدخلها أحد من ثنية الوداع إلا قتله الهزال ، فلما ترك عروة التعشير تركه الناس ودخلوا من كل ناحية
كذا فى وفاء الوفا. وجاء فى التاج: وعشر الحمار تعشيرا تابع النهيق عشرا ووالى بين عشر ترجيعات فى نهيقه فهو معشر،
ونهيقه يقال له التعشير . قال عروة بن الورد: وإنى وإن عشرت من خشية الردى نهاق حمار إننى لجزوع ، وفى رواية
لصدر هذا البيت : وإنى إن عشرت فى أرض مالك . ومعناه أنهم يزعمون أن الرجل إذا ورد أرض وباء وضع يده خلف
أذنه فنهقٍ عشر نهقات نهيق الحمار ، ثم دخلها أمن من الوباء .
(١٠) بياض بالأصول والتكملة من معجم البلدان لياقوت (ج ٤ ص ٢١٤) أوردناها مختصرة . وذكر ياقوت فى مادة
رانوناء أنه لم يجدها فی غیر کتاب ابن إسحق الذی خصه ابن هشام ، مع أنه وردت روايات كثيرة عن وادی رانونا.
ذكرها السمهودى فى وفاء الوفا (جـ ٢ ص ٢١٢: ٢٢٠) فى الفصل الخامس الذى عقده بعنوان: بقية أودية المدينة
ومجتمعها ومغايضها . فقال : ومن هذه الأودية وادى رانوناء ويقال رانون. قال ابن شبة وأما سيل رانون فإنه يأتى من
قة جبل فى يمانى عير ومن حرس شرقى الحرة ثم يصب على قرين صريحه ثم سد عبدالله بن عمروعمروبن عثمان ثم يتفرق فى الصفاصف .
فيصب فى أرض إسماعيل ومحمد ابنى الوليد بالقصبة ثم يستبطن القصبة حتى يعترض قباء يمينا .. وفى رواية لابن زبالة
عن عبد الله بن السائب قال: رانوناء تأتى من بين سد عبد الله بن عمرو بن عثمان وبين الحرة وتلتقى هى وواد آخر عند الجبل.
الذى يقال له مقمن أو مكمن .. ويلى ذلك تحقيقات جغرافية طريفة عن أودية المدينة ومسارها ومغايضها ومنها وادى رانونا.
لا يتسع المقام لذكرها .
(٢) فى النهاية (جـ ٢ ص ٢٣٠): اتقوا النار ولو بشق تمرة أى نصف تمرة أى لا تستقلوا من الصدقة شيئا.
واستقل الشىء وتقاله إذا رآه قليلاً .
(٣) بياض بالأصل بقدر عدة كلمات والتكملة من السمهودي (جـ ٢ ص ٣٧٣) وأضاف السمهودى قائلا : وكان
بزقاق ابن حيين سوق يقوم فى الجاهلية وأول الإسلام يقال لموضعها مزاحم كما سبق فى سوق المدينة .
: ٣٩٩

من الأَنصار(١)]. (مُخْتَبياً)): أَى جمع ظَهْرَه وساقيه بثَوْب أُو غَيْرِهِ، وقد يَحْتَبى بيده
والاسم الحِبْوَة بالكسر(٢). ((شَرِقٍ لذلك)): بشين معجمة مفتوحة فراء فقاف ، أَى ضاق
ضَبْرُه كمْن غَصَّ(٣). ((تجلجلت)) بجيمين: تَحَرَكَّت (٤). ((الأَغْشَهْرِى)): [هو أَبو عبد
الله محمد بن أحمد بن أمين الأَقشهرى عمل كتاباً سماه الروضة فيه أسماء من دُفِن
بالبَقِيع (٥)] . ((أَرْزَمَتْ (٦): براء فزاى صَوَّتَتْ ((الجِرَان)): بكسر الجيم: مُقَدَّم عُثُق
البعير من مذبحه إلى مَنْحَرِهِ، فإذا بَرَك البعير ومَدَّ عُنُقَه على الأرض قيل أَلتى جِرَانَه
بالأرض. (انجفلى(٧) الناس)): أسرعوا. ((الحُبّ))(٨): بضم الحاء المهملة: الخابية ويقال
لها الزير. ((تَيَلَّمْتُ)): قصدت. ((القطيفة))(٩): دِثَارٌ له خَمْل. طَفَيْشَل: بفتح الطاء
المهملة وفتح الفاء وسكون المثناة التحتية وفتح الشين المعجمة وباللام : نوع من المَرَّق .
(١) بياض بالأصل بقدر عدة كلمات والتكملة من القاموس المحيط وزاد الفيروز ابادى قائلا: ((والنسبة إليها حبلى
بالهم وبضمتين وكجهنى . وفى الاشتقاق لابن دريد ( ص ٤٥٨: ٤٥٩) ومنهم بنو الحبلى: سمى بذلك لعظم بطنه ومن
بتى الحبل عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين.
(٢٠) فى القاموس المحيط: الحبوة بالفتح ويضم من احتبى بالثوب اشتمل أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها.
.(٣) من غص بالماء يغص غصا وغصصاً وقف فى حلقه فلم يكد يسيغه فهو غاص وغصان .
(٤) لم نعثر على تجلجلت بجيمين فى كتب غريب الحديث. ولكنها وردت فى النهاية (= ٤ ص ٥٢) تلحلحت
بحامين مهملتين أى أقامت ولزمت مكانها ولم تبرح وهو ضد تحلحل . هذا وإذا كان المراد أن تكون الناقة قد تحركت
فيمكن أن يقال تحلخلت بحامين مهملتين مع تقديم الحاء على اللام. وذكر هذا المعنى أيضا الزمخشرى فى الفائق ( ج ٢ ص ٤٥٦)
: (٥) بياض بالأصول بقدر عدة كلمات والتكملة من كتاب الإعلان بالتوبيخ السخاوى (ص ١٣٠) وينتسب صاحب
الروضة إلى بلدة أق شهرفى شمال شرق الأناضول وتوفى الأقشهرى سنة ٧٣١ « أو سنة ٧٣٧ هـ أو سنة ٧٣٩ هـ كما فى الدرر
الكامنة ( = ٣. ص ٣٠٩) ويقول فرانز روزنتال فى كتابه علم التاريخ عند المسلمين (ص ١١٢) إن الأقشهرى قام
يأبحاث أثرية فى المدينة ..
(٦) فى النهاية (ج ٢ ص ٧٩): إن ناقته تلحلحت وأرزمت أى صوتت والإرزام الصوت لا يفتح به الفم.
وفى القاموس المحيط الرزمة محركة صوت الصبى والناقة وذلك إذا رعت ولدها تخرجه من حلقها وأرزم الرعد اشته صوته
أو صوت غير شديدٍ وأرزمت الناقة حنت على ولدها .
(٧١) فى النهاية (ج ١ ص ١٦٨): لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قبله أى ذهبوا مسرعين
نحوه يقال جفل وأجفل وانجفل. هذا وجفل يحفل جفولا من باب ضرب مضى أو أسرع.
(٨) الحب - كما أشرنا إلى ذلك فى حاشية سابقة - فارسى معرب خنب، وهو وعاء كالزير والجرة والجمع أحباب
وحبية وحباب .
(٩٠) القطيفة كساء له خمل عن النهاية أو دثار ذو أهداب كأهداب الطنافس. وجمع قطيفة قطائف وقطف بضمتين،
والحمل هدب القطيفة ونحوها فما ينسج وتفضل له فضول .
٤ -
٠