النص المفهرس
صفحات 181-200
كما نَجَّى عيسى (منهم](١). ثم سَمُّوه فى الشاة ، فلم تزل تلك الأُكْلَة تُعَادُّه حتى قطعت أَبْهَره [ كما قال عند الموت ](١) . وقال ابن أَبِى جَمْرَة : لأنهما أَقرب الأنبياء عهداً بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال ابن دِحْية : كانت حالة عيسى ومُقَامه معالجة بنى إسرائيل والصبر على معاداة اليهود وحِيّلهم ومَكْرهم ، وطلب عيسى الانتصار عليهم بقوله : ( مَنْ أَنصارى إِلى الله ) أَى مع الله؟ ( قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ(٢) ) فهذه كانت حالة نبينا صلى الله عليه وسلم فى السنة الثانية من الهجرة ، ففيها طلب الأَنصار للخروج إلى بدر العظمى فأجابوا ونصروا ، فلقاؤه لعيسى فى السماء الثانية تنبيه على أنه سيلقى مِثْلَ حاله ومُقَامه فى السنة الثانية من الهجرة . وأما لقاؤه ليوسف عليه السلام فى السماء الثالثة فإنه يُؤْذِن بحالة ثالثة تشبه حال يوسف بما جرى له مع إخوته الذين أخرجوه من بين أَظهرهم ثم ظَفِر بهم فصَفَح عنهم وقال : ( لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللّه لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)(٣) وكذلك نَبِيُّنا عليه الصلاة والسلام أخرجه قومه ثم ظفر بهم فى غزوة الفتح فعفا عنهم وقال : ( أَقول كما قال أُخی یوسف: ( لا تثريب عليكم) . قال ابن أبى جمرة : لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة على صورته ، زاد ابن أَقرص(٤) وإشارة إلى جعله على خزائن الأرض . وقال ابن دحية : مناسبة لقائه ليوسف فى السماء الثالثة أن السنة الثالثة من سنى الهجرة اتفقت فيها غزوة أحد وكانت على المسلمين لم يُصَابوا بنازِلةٍ قبلها ولا بعدها مِثْلها ، فإنها كانت وقعة أَسَفِ وحُزْن . وأَهل التعبير يقولون: مَنْ رأَى أَحَداً اسمه يوسف آذَنَ ذلك من حيث / الاشتقاق ومن حيث ٣٧٠و (١) التكملة من الروض الأنف ج ١ ص ٢٠٠ السهيلى الذى نقل عنه المؤلف. (٢) من الآية الثانية والخمسين من سورة آل عمران. (٣) سورة يوسف آية ٩٢ . (٤) لم نتبين حقيقة هذا الاسم فى معجمات رواة الحديث ولعله ابن قبيصة، وهو إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب الخزاعى، صدوق روى عن أبيه وكعب الأحبار وروى عنه برد بن سنان وعثمان بن عطاء بقى إلى حدود العشرين ومائة ، عن خلاصة الخزرجی ص ٢٥ . - ١٨١ - قصة يوسف عليه السلام بأَسَف يَنَالُه . قال ابن دِحْية : فإن كان يوسف النبى فالعاقبة حميدة والآخرة خَيْرٌ من الأُولى . وما اتفق فى غزوة أَحُد من المناسبة شيوع قتل المصطفى فناسب ما حصل للمسلمين من الأسف على فقد نبيهم ما حصل ليعقوب من الأَسف على يوسف لاعتقاده أَنه فُقِد إِلى أَن وَجَد رِيحَه بعد تطاول الأَمَد . ومن المناسب أيضا بين القصتين أَن يوسف كِيدَ وأُلْقِى فى غيابة الجُبّ حتى أَنقذه الله تعالى على يد من شاء. قال ابن إسحاق: وكُبَّت الحجارة على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش حتى سقط لجنبه فى حُفْرَة كان أبو عامر الفاسق قد حَفَرها مكيدةً للمسلمين، فأخذ علىٌّ كَرَّم الله وَجْهَه بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتضنه طلحة حتى قام . قال السهيلى: (( ثم لقاؤه لإدريس عليه السلام فى السماء الرابعة وهو المكان الذى سَمَّاه الله ( مَكَانًا عَلِيّاً )(١). وإِدريس أول من آتاه الله الخط بالقلم فكان ذلك مُؤْذِناً بحال رابعة وهى علوّ شأنه عليه السلام حتى خافه الملوك وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو سفيان وهو عندمَلِك الروم حين جاءه كتاب النبى صلى الله عليه وسلم ورأى ما رأَى من خوف هِرَفْل: لقد أمَرٍ (٢) أَمْرُ ابن أبى كبشة حتى أصبح يخافه مَلِك بنى الأصفر، [ وكتب. عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشى وملك عمان ، ومنهم من هادنه وأهدى إليه وأتحفه كَهِرفْل والمقوقس، ومنهم من تَعَصَّى عليه فأَظهره الله عليه ، فهذا مَذَامُ عَليّ وخط بالقلم كنحو ما أوتى إدريس عليه السلام.](٣) (( ولقاؤه فى السماء الخامسة لهارون المُحَبَّب فى قومه يُؤْذِن بحُبّ قريش وجميع العرب له بعد بُغْضِهم فيه)). وقال ابن أَبِى جَمْرَه: إنما كان هارون فى الخامسة لقربه من أَخيه موسى ، وكان موسى أَرفع منه بفضل كلام الله تعالى . وقال ابن دحية ما نال هارون من بنى إِسرائيل من الأذى ثم الانتصار عليهم والإيقاع بهم وقَصْر التوبة فيهم على القتل . دون غيره من العقوبات المُنْحَطَّة عنه ، وذلك أَن هارون عندما تركه موسى فى بنى إسرائيل (١) من الآية ٥٧ من سورة مريم. (٢) أمر الأمر أى اشتد . (٣) ما بين معقفين تكملة لما نقله المؤلف عن السهيلى (الروض الأنف ج ١ ص ٢٥٠). - ١٨٢ - وذهب لموعد المناجاة تَفَرَّقوا على هارون وتَحَزَّبوا عليه وداروا حول قتله ونقضوا العَهْد وأَخلفوا المَوْعِد واستضعفوا جانِبَه كما حكى الله تعالى ذلك عنهم وكانت الجنَاية العظمى التى صدرت منهم عبادة العِجْل فلم يقبل الله تعالى منهم التوبة إِلا بالقتل فقُتِل فى ساعة واحدة سبعون ألفاً كان نظير ذلك فى حقه صلى الله عليه وسلم ما لقيه فى السنة الخامسة من الهجرة من يهود قُرَيْظة والنضير وقَيْنُقَاع، فإنهم نقضوا العهد وحَزَّبوا الأَحزاب وجمعوها وحشدوا وحشروا وأظهروا عداوة النبى صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله . وذهب إِليهم قبل الوقعة بزمن يسير يستعينهم فى دية قتيلَيْن فأظهروا إِكرامه وأَجلسوه تحت جدار ثم تواعدوا أَن يُلْقوا عليه رحى ، فنزل جبريل فأخبره بمكرهم الذى هَمُّوا به . فمن حينئذ عزم على حربهم وقتلهم ، وفعل الله تعالى ذلك ، وقتل قُرَيْظة بتحكيمهم سعد بن مُعَاذ ، فَقُتِلُوا شَرَّ قِتْلة وحاق المَكْرُ الْسّىء بأَهله. ونظير استضعاف اليهود لهارون استضعافهم المسلمين فى غزوة الخندق كما سيأتى بَسْطُ ذلك . ولقاؤه فى السماء السادسة لموسى يُؤْذن بحالة تشبه حالة موسى / حين أَمر بغزو الشام ، ٣٧٠ظ فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها وأدخل بنى إِسرائيل البلد الذى خرجوا منه بعد إِهلاك عدوهم ، وكذلك غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك من أرض الشام وظهر على صاحب دُومة(١) حتى صالحه على الجزية بعد أَن أُتِىَ به أَسيراً ، وافتتح مكة ودخل أصحابه البلد الذى خرجوا منه . وقال ابن دِحْية: ((يُؤْذِن لقاؤه فى السادسة بمعالجة قومه فإن موسى ابتُلي بمعالجة بنى إِسرائيل والصبر على أذاهم ، وما عالجه المصطفى فى السنة السادسة لم يُعَالِيج قبله ولا بعده مِثْلَه ، ففى هذه السنة افتتح خيبر وفَدَك وجميع حصون اليهود وكتب الله عليهم الجلاء وضربهم بِسَوْط البلاء وعالج النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه السنة كما عالج موسى من قومه ، أراد أن يقيم الشريعة فى الأرض المقدسة وحَمَل قَوْمَه على ذلك فتقاعدوا عنه وقالوا : (١) هى دومة الجندل بضم أوله وأنكر ابن دريد الفتح وتقع بين الشام والمدينة قرب جبلى طىء وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبنى بالجندل . وفى السنة التاسعة من الهجرة بعث النبى صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد لفتحها فغزاها وأسر صاحبها أكيدر الذى عاد به أسيراً إلى المدينة فأسلم وكتب له النبى كتاباً له ولأهل دومة . هذا ودومة الجندل هى غير دومة الحيرة. انظر سيرة ابن هشام ج ٤ ص١٨١ و١٨٢ وفتوح البلدان البلاذرى طبعة القاهرة سنة ١٩٠١ م ص٦٨: ٧٠ ومعجم البلدان لياقوت ج ٤ ص ١٠٦: ١٠٩ وتاريخ الطبرى طبعة القاهرة سنة ١٣٢٦ هـ ج ٣ ص ١٤٦ : ١٤٧. = ١٨٣ - إِن فيها قوماً جَبَّارين وإنا لن ندخلها أبداً حتى يخرجوا منها. وفى الآخر سَجَّلوا بالقنوط فقالوا : إِنا لن ندخلها أَبدا ما داموا فيها ، فغَضِب الله عليهم وحَالَ بينهم وبينها ، وأوقعهم فى التيه . وكذلك أَراد النبي صلى الله عليه وسلم فى السنة السادسة أن يدخل بمن معه مكة يُقيم بها شريعة الله وسُنَّةَ إِبراهيم، فصَدُّوه فلم يدخلها فى هذا العام ، فكان لقاؤه لموسى تنبيهاً على التَّأَسِّى به وجميل الأثر فى السنة القابلة. ثم لقاؤه فى السماء السابعة لإبراهيم عليه السلام [ لحكمتين: إحداهما أنه رآه ](١) عند البيت المعمور مُسْنِداً ظَهْرَه إِليه . والبيت المعمور حيال الكعبة وإليه تحج الملائكة ، كما أَن إِبراهيم هو الذى بنى الكعبة وأَذَّن فى الناس بالحَجّ إليها [والحكمة الثانية أَن ](١) آخر أحوال النبى صلى الله عليه وسلم حجه إلى البيت الحرام وحج معه فى ذلك العام نحو من سبعين ألفا [ من المسلمين(١)]. ورؤية إبراهيم عند أهل التأويل تُؤْذِن بالحج لأَنه الداعى إليه والرافع لقواعد [ الكعبة المحجوجة ](١) وقال ابن أبى جمْرَة: ((وإنما كان إبراهيم فى السماء السابعة لأنه الأَب الأخير ، فناسب أن يتجدد النبى صلى الله عليه وسلم بلقائه أُنْسُ لتوجهه بعده إلى عَالَم آخر ، وأيضاً فمنزلة الخليل تقتضى أرفع المنازل ، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته فلذلك ارتفع النبى صلى الله عليه وسلم عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى)). وقال ابن دِخْيَة: ((مناسبة لِقائه لإبراهيم عليه السلام فى السماء السابعة أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر عُمْرَة القضاء فى السنة السابعة من الهجرة، ودخل مكة وأصحابه مُلَبِّينَ مُعْتِمِرين مُحْيِيًا لسُنَّة إبراهيم ومُقيما لرسمه الذى كانت الجاهلية أَماتت ذِكْرَه وبَدَّلَتْ أَمْرَه. وفى بعض الطرق أنه رأى إبراهيم مُسْتِداً ظهره إلى البيت المعمور فى السماء السابعة ، وذلك - والله تعالى أعلم - إشارة إلى أنه يطوف بالكعبة فى السنة السابعة وهى أول دخلة دخل [فيها] مكة بعد الهجرة . والكعبة فى الأَرض قبالة البيت المعمور. وفى قوله ٣٧١و صلى الله عليه وسلم فى وصف البيت المعمور: ((فإذا هو يدخله كل يوم سبعون / ألفاً ٦٠٢٢ (١) زيادة من السهيلى الذى نقل عنه المؤلف (الروض الأنف ج ١ ص ٢٥١). - ١٨٤ - لا يرجعون إليه إلى آخر الدهر إشارة إلى أنه إذا دخل البيت الحرام لا يرجع إليه لأنه لم يدخله بعد الهجرة الا عام الفتح ولم يعاوده فى حجة الوداع . التنبيه الخمسون : فإن قيل كيف أَمَّ الأنبياء فى بيت المقدس وسَلَّم عليهم وعرفهم ثم سأل عنهم ثم يراهم تلك الليلة فى السموات ويسأل عنهم جبريل؟ فإنه لو رآهم وعرفهم لما احتاج إلى سؤال جبريل عنهم . والجواب أنه لما اجتمع بهم ببيت المقدس وأَمَّهم على الهيئة البشرية تحقق وجودهم فى الأرض ، ثم لما وصل إلى الملكوت العدوى لم يجدهم على تلك الحالة التى شاهدهم عليها ، وإنما هم على صفات روحانية يُشَكِّل الله تعالى لهم أشكالاً لائقة بالملكوت العلوى تأنيساً لهم بأصلهم البشرى وتكريماً لهم وتعظيما للقُدْرة الإلهية حيث شاهدهم تلك الساعة فى الأرض ثم رآهم فى منازلهم فى السماء ، فلذلك سأل عنهم استثباتاً لا تعجباً ، فإنه عالِمٌ أَن الله تعالى الذى أَصعده إلى هذا المكان فى لحظة قادرٌ على نقلهم إلى السموات فى أسرع من طَرْفَة عين سبحانه وتعالى . التنبيه الحادى والخمسون : واستُشْكِل رؤية الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فى السموات مع أن أجسادهم مستقرة فى قبورهم فى الأرض . وأُجيب بأَن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أَو أُخْضِرَتْ أَجمادهم لملاقاة النبى صلى الله عليه وسلم تلك الليلة تشريفاً وتكريماً ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عند البيهقى وغيره: ((وبُعِث له آدم فمن دونَه من الأنبياء )). وقال ابن أبى جمرة: ((رؤيته لهؤلاء الأنبياء يَحْتَمِل وجوهاً: الأول: أن يكون عليه / السلام عاين كل واحد منهم فى قبره فى الأرض على الصورة التى أُخبر بها عن الموضع الذى عاينه فيه فيكون الله عز وجل قد أعطاه من القوة فى البصر والبصيرة ما أدرك به ذلك . ويشهد لهذا الوجه قوله صلى الله عليه وسلم: ((رأَيْتُ الجنة والنار فى عُرْض الحائط)). وهو مُخْتَمَل : لوجهين أحدهما: أن يكون صلى الله عليه وسلم رآهما من ذلك الموضع كما يقال رأيتُ الهلال من منزلى من الطاق والمراد من موضع الطاق ، الثانى: أن يكون مُثِّل له صورتهما فى عُرْض الحائط، والقدرة صالحة لكليهما. الثانى: أن يكون صلى الله عليه وسلم عايَن أرواحهم هناك فى صورهم . الثالث : أن يكون الله عز وجل لما أراد الإسراء بنبينا رفعهم من - ١٨٥ - قبورهم لتلك المواضع إ كراماً لنبيه عليه السلام وتعظيماً له حتى يحصل له من قِبَلهم ما أَشَرْنَا إليه من الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نُشِرْ إليه ولا نعلمه نحن ، وإظهاراً له عليه الصلاة والسلام القدرة اننى لا يغلبها شىء ولا تعجز عن شىء وكل هذه الأَوجُهُ(١) مُحْتَمَلة ولا ترجيح لِأَحَدِها على الآخر لأَن القدرة صالحة لكلها . وقال ابن القيِّم فى كتاب الروح (٢) ((الأَّرواح قسمان: أَرواح مُعَلَّبة وأَرَوَاح مُنَعَّمة، ٣٧١ظ فالمُعَلَّبة فى شُغْل بما هى فيه / من العذاب عن التزاور والتلاقى. والأرواح المُنَعَّمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها فى الدنيا وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح معها رفيقها الذى هو على مثل عملها . وروح نبينا صلى الله عليه وسلم فى الرفيق الأعلى. قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالَّرَسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشهَدَاءِ والصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً (٣) ) وهذه المَعِيّة ثابتة. فى الدنيا وفى دار البرزخ وفى دار الجزاء والمرء مع من أَحَبّ . ثم ذكر حديث أبى هريرة: (( لما أُشْرِى برسول الله صلى الله عليه وسلم لَفِىَ إِبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أَمْرَ الساعة)) . الحديث. قال: فهذا نَصّ فى تذاكر الأرواح العلم ، وقد أخبر الله تعالى عن الشهداء أنهم أحياء عند ربِّهم يرزقون وأنهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه: أحدها: أَنهم أحياء عند الله وإِذا كانوا أحياء عند الله فهم يتلاقون . الثانى: أنهم إنما يستبشرون بإخوانهم لقدومهم عليهم ولقائهم لهم . الثالث : أَن افظ يستبشرون يُفيد فى اللغة أنهم يُبَشِّر بعضهم بعضا مثل يتباشرون وقد تواترت المرائى(٤) بذلك فذَكَر عدة منامات . ثم قال: وقد جاءت سُنَّة صريحة بتلاقى الأرواح وتعارفها . قال ابن أبى الدنيا(٥) : حدثنى محمد بن عبد الله (١) ذهب الزرقانى إلى أنه: ((بقى احتمال رابع جزم به أبو الوفاء بن عقيل وهو أن أرواح هؤلاء الأنبياء مستقرة فى الأماكن التى رآهم المصطفى فيها متشكلة بصور أجسادهم لكنه إنما يظهر فى الذين رآهم فى السموات لا فى بيت المقدس ، (شرح المواهب ج ٦ ص ٧٣) . (٢) نشر كتاب الروح لابن قيم الجوزية فى حيدر أباد سنة ١٣٥٧ هـ. (٣) سورة النساء آية ٦٩. (٤) المرأى المنظر وجمعها مرائى ويقصد بها الرؤى المنامية . (٥) هو عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان الأموى مولاهم أبو بكر بن أبى الدنيا البغدادى الحافظ صاحب التصانيف سمع خلف بن هشام وخالد بن خداش وأبا نصر التمار وغيرهم وقال ابن أبى حاتم صدوق ، توفى سنة ٢٨١ هـ انظر نذكرة الحفاظ ج ٢ ص ٢٢٤ و ٢٢٥ وخلاصة الخزرجى ١٨٠. - ١٨٦ - ابن بَزِيغ - بفتح الموحدة وكسر الزاى والغين المعجمة - أَنبأَنا الفضيل بن سليمان النُمِيْرى حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن أبى أُنَيْسة عن جَدِّه قال : لما مات بِشْر بن البَرَاء بن معرور - بمهملات - وجدت أُم بشر عليه وجداً شديداً ، فقال : يا رسول الله إنه لا يزال الهالك يهلك من بنى سَلِمة - أَى بكسر اللام - فهل يتعارف الموتى فأُرْسِل إلى بشر السلام ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعم والذى نفسى بيده يا أُم بِشْر، إِنهم ليتعارفون. كما يتعارف الطير فى رءوس الشجر» . وذَكَر الحديث وآثاراً تؤيد ذلك، ثم قال: (( والروح ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وتجىء ، وتتحرك وتسكن ، وعلى هذا أَكثر من مائة دليل قد ذكرناها فى كتابنا : معرفة الروح والنفس ، وبيَّنَّا بُطْلان ما خالف هذا القول من وجوه كثيرة ، وأَن مَنْ قال غَيْرَه لم يعرف نفسه وقد وصفها الله تعالى بالدخول . والخروج ، والقَبْض والتَّوِّى والرجوع ، وصعودها السماء وفتح أبوابها وغَلْقِها عنها ، وقد ذُ كرت آيات وأحاديث کثیرة تشهد بما قاله )). ثم قال: ((وأَما إِخْبارُه صلى الله عليه وسلم عن رؤية الأنبياء ليلة الإسراء به، فقد زعم بعض أهل الحديث أن الذى رآه أَشباحهم وأرواحهم ، قال : فإنهم أحياء عند ربهم يُرْزَقون . وقد رأَى المصطفى إبراهيم مُسْنِداً ظَهْرَه إلى البيت المعمور ورأَى موسى قائماً فى قبره يصلى، وقد نَعَت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لما رآهم بنعت الأشباح)). ونازعهم آخرون وقالوا: هذه الرواية إنما هى لأرواحهم دون أجسادهم، والأجساد فى الأرض قطعاً وإنما تُبْعَث يوم تبعث الأَجساد ، ولا تُبْعَث قبل / ذلك ، إِذ لو بُعِثت قبل ذلك لكانت قد انشَقَّت عنهم الأَرض قبل يوم القيامة ، وكانت تذوق الموت عند نفخة الصور ، وهذه موتة ثالثة وهذا باطل قَطْعاً ، ولو كانت قد بُعِثْت الأجساد من القبور لم يُعِدْهُمْ الله تعالى إليها ، بل كانت فى الجنة وقد صحَّ عن النبى صلى الله عليه وسلم قوله إن الله تعالى حَرَّم الجنة على الأنبياء حتى يدخلها [ هو ] ، فهو أُول من يَسْتَفْتِح باب الجنة ، وأول من تَنْشَقُّ عنه الأَرض على الإطلاق ، ولم تنشق عن أَحَد قبله ، ومعلوم بالضرورة أن جسده صلى الله عليه وسلم فى الأرض طری . ٣٧٢, - ١٨٧ - وقد سأله أَصحابه: كيف تُعْرَض عليك صلاتنا وقد بَلِيَت؟ فقال: ((إِن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء))(١) ولو لم يكن جسده فى ضريحه [ طرياً ] لما أُجاب بهذا الجواب. وقد صَحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أَن الله تعالى وَكَّل بقبره ملائكة يُبَلِّغونه عن أمته السلام، وصَحَّ عنه صلى الله عليه وسلم لما خرج بين أبى بكر وعمر قال: ((هكذا نُبْعَث)). هذا مع القطع بأَن روحه الكريمة فى الرفيق الأعلى فى أَعلى عِلِّيِّين مع أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . وقد صَحَّ أَنه رأَى موسى عليه السلام قائماً يصلى فى قبره ليلة الإسراء ورآه فى السماء السادسة أو السابعة ، فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن فى القبر وإشراق عليه وتَعَلُّق به بحيث تصلى فى قبره وتَرُدّ سلام من سَلَّم عليه وهو فى الرفيق الأعلى ولا تنافى بين الأَمْرِين فإن شأْن الأَرواحِ غَيْرُ شأْن الأبدان، فأَنت تجد الروحَيْن المتلائمتَيْنِ المتناسبتَيْن فى غاية التجاور والقُرْب وإن كان بين بَدَنَيْهما غاية البُعْد، وتَجد الروحَيْن المُتَنافرتَيْن المتباغضتَيْن فى غاية البُعْد وإن كان جسداهما متجاوِرَيْن متلاصقَيْن ، وليس نزول الروح وصعودها ، وقُرْبُها وبُعْدُها من جنس ما للبَدَن فهى تصعد إلى فوق سبع سموات ثم تببط إلى الأرض ما بين قَبْضها ووضع الميت فى قبره، وهو زَمَنُ يسير لا يصعد البدن وينزل فى مثله، وكذلك صعودها وعودها إلى البدن فى النوم واليقظة.(٢) وقد مَثَّلها بعضهم بالشمس فى السماء وشعاعها فى الأرض . (١) رواه أبو داود وابن ماجه عن أوس رفعه، وروى الزبير بن بكار من مرسل الحسن: ((من كلمه روح القدس لم تأكل الأرض لحمه)). وروى البيهقى عن أبى العالية: ((أن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. وجاء فى شرح الزرقانى على المواهب جـ ٥ ص ٣٣٠: قال الشيخ أبو الحسن المالكى فى شرح الترغيب: ((وحكمة عدم أكل الأرض أجساد الأنبياء ومن ألحق بهم أن التراب يمر على الجسد فيطهره والأنبياء لا ذنب لهم فلم يحتج إلى تطهير هم بالتراب)) . (٢) نقض ابن حجر والقسطلانى فى فتح البارى وفى المواهب ما ذهب إليه ابن القيم فى كتابه الروح فى ترجيجه أن رؤيته صلى الله عليه وسلم للأنبياء أنها لأرواحهم فقط على اعتبار أن الأجساد فى الأرض إنما تبعث يوم القيامة ولو بعثت قبل ذلك لكانت انشقت عنهم الأرض قبلها وكانت تذوق الموت عند نفخ الصور وهذه موتة ثالثة وبأنها لو بعثت الأجساد لم تعد إلى القبور بل كانت فى الجنة مع أنها محرمة على الأنبياء حتى يدخلها نبينا فهو أول من يستفتح باب الجنة ولا تنشق الأرض عن أحد قبله . وهذا فى نظرهما باطل قطعاً لأنه إنما يصح لو كانت أرواح هؤلاء الأنبياء مفارقة لأجسادهم فى قبورهم وليس كذلك . بل هم أحياء فى قبورهم بحياة حقيقية يأكلون ويشربون وخروجهم من قبورهم ومجيئهم لهنا ليس الخروج المقتضى للبعث فلا يعد بذلك مفارقاً للجسد والذى يعد به مفارقاً هو ما يحدث بحيث لا يعود إليه بل يقوم للقيامة وبهذا سقط كلامه : انظر الزرقانى على المواهب ج ٦ ص ٧٣ . - ١٨٨ - قال(١) شيخنا - يعنى أبا العباس الحَرَّانى(٢): وليس هذا مثالاً مطابقاً فإن نفس الشمس لا تزول من السماء والشعاع الذى على الأرض لا هو الشمس ولا صفتها بل عَرَضٍ حصل بسبب الشمس والجِرْم المقابل لها ، والروح نفسها تصعد وتنزل وبَسَطَ الكلام على ذلك ولهذا مزيد بيان فى باب حياة النبى صلى الله عليه وسلم فى قبره . التنبيه الثانى والخمسون : فى الكلام على البيت المعمور : قال أبو عبيدة : معنى المعمور الكثير الغاشية ويسمى الضُّرَاح - بضم الضاد المعجمة - ويقال المهملة (٣). قال الزمخشرى(٤) فى وبيع الأبرار وهو غلط صُرَاح، وبالضُّرَاحِ تُسَمِّيه الملائكة، وسُمّى به لأَنّه ضَرَح عن الأَرض أَى بَعُد(٥) قال مجاهد: ((البيت المعمور وهو الضريح)) يعنى بالمعجمة وهو فى اللغة : البعيد، وأكثر الروايات على أنه فى السماء السابعة . وروى ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن أَنَس رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم ، قال: (( البيت المعمور فى السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة)). ورواه الطبرانى وابن مردويه عن ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعاً أيضا . وروى إسحق بن راهويه عن على رضى الله عنه أنه سئل عن البيت المعمور، قال: ((بيت الله فى السماء السابعة بحيال البيت، وحُرْمَتُه كحرمة هذا فى الأرض ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه )). وفى حديث أبى هريرة عند ابن مَرْدَوِيه والعُقَيْلى وابن أبى حاتم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فى السماء [ السابعة ] بيت يقال له البيت المعمور وفى السماء الرابعة نهر (١) القائل هو شمس الدين محمد بن أبى بكر بن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ ٨. (٢) شيخ ابن القيم هو العلامة تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحرانى المعروف بابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ ه. (٣) جاء فى النهاية (ج ٣ ص ١٦) الضراح بيت فى السماء حيال الكعبة ويروى الضريح وهو البيت المعمور من المضارحة وهى المقابلة والمضارعة وقد جاء ذكره فى حديث على ومجاهد ومن رواه بالصاد فقد صحف . (٤ ) ذهب إلى مثل هذا الزمخشرى فى كتابه الفائق فى غريب الحديث (ج ٢ ص ٥٩ القاهرة سنة ١٩٤٧ م) وأضاف: يقال ضارح صاحبك فى رأيه ونيته ، بمعنى المعارضة والمقابلة . ثم قال: وسألنى عنه بعض المشيخة المتعاطين لتفسير القرآن وأنا حدث فطفق يلاحتى ويزعم أنه بالصاد حتى رويت له بيت المعرى : نثاك وزار من سكن الضريحا وقد بلغ الضراح وساكينه وأريته كيف قصد أبو العلاء الجمع بين الضراح والضريح ليجنس ، فسكن ذلك من جماحه . (٥) فى تاج العروس: ضرحه كمنعه دفعه ونحاه وفى اللسان الضرح أن يؤخذ شىء فيرمى به فى ناحية وعبارة الصحاح والأساس واللسان تفيد أن الضرح هو الدفع مطلقاً . وفى المعجم الوسيط : ضرح الشىء دفعه وأبعده ناحية . - ١٨٩ - يقال له الحيوان ، يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسة ثم يخرج فينتفض انتفاضة فيخرّ عنه سبعون ألف قطرة ، يخلق الله من كل قطرة مَلَكاً يُؤْمَرون أَن يأْتُوا البيت المعمور فَيُصَلُّون فيه فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبداً ، ويُولِىَّ عليهم أحدهم ثم يُؤْمَر أَن يقف بهم فى السماء موقفاً يُسَبِّحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة)). وإِسناده ضعيف(١). والصحيح. أنه ليس بموضوع كما بيَّنْتُه فى: ((الفوائد المجموعة فى بيان الأحاديث الموضوعة))(٢). وروى أبو الشيخ(٣) من طريق الَّيْث قال: حدثنى خالد بن سعيد قال: ((بلغنى أَن إِسرافيل مُؤَذِّن أهل السماء يَسْمَع تأُذينه مَنْ فى السموات السبع ومن فى الأرض ، إِلا الجِنَّ والإِنس، ثم يتقدم عظيم الملائكة فيصلى بهم))، قال: (( وبلغنا أن ميكائيل يؤم الملائكة بالبيت المعمور )). واسْتُدِلّ بهذه الأحاديث على أن الملائكة أكثر المخلوقات ، لأَنّه لا يعرف من جميع العوالم مَنْ يتجدَّد من جنسه فى كل يوم سبعون ألفاً غير ما ثبت فى هذه الأحاديث(٤). التنبيه الثالث والخمسون: قوله: ((فُرُفِع إلىّ البيت المعمور))، معناه أنه أُرِىّ له . وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع والرؤية معاً ، لِأَنَّه قد يكون بينه وبين البيت عوالم حتى لا يقدر على إدراكه ، فرُفِع إليه وأُمِدٌّ فى بَصَرِه وبصيرته حتى رآه ، ويحتمل أن تكون (١) جزم بضعف هذا الإسناد ابن حجر فى فتح البارى وذلك فى شرحه لحديث بدء الخلق، وقال الزرقانى: ورواه أيضاً ابن المنذر بدون ذكر النهر من طريق صحيحة عن أبى هريرة لكن موقوفاً . لكن حكم هذا الحديث الرفع إذ لا يقال رأياً ، فاعتضد ضعف طريق رفعه. ولذا قال الشامى - أى مؤلف هذا الكتاب -: ((الصواب أنه ليس بموضوع كما زعمه بعضهم )). انظر شرح المواهب ج ٦ ص ٨١ . (٢) لشيخ الشامى وهو جلال الدين السيوطى المتوفى سنة ٩١١ « كتاب يتناول هذا الموضوع من الأحاديث اسمه: ((اللآلئ المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة)) طبع فى القاهرة طبعة ثانية فى مجلدين فى سنة ١٣٥٢هـ. (٣) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصارى - وحيان بفتح الحاء المهملة والمثناة التحتية الثقيلة - ويعرف بأبى الشيخ . وهو حافظ أصبهان ومسند زمانه كتب العالى والنازل ولى الكبار وقال ابن مردويه ثقة مأمون صنف التفسير والكتب الكثيرة فى الأحكام ومن كتبه التى يشير إليها المؤلف أكثر من مرة كتاب العظمة ، ترجم له الذهبى فى تذكرة الحفاظ ( ج ٣ ص ١٤٧: ١٤٩) حيث جعله من حفاظ الطبقة الثانية عشر وأورد عن أبى نعيم قوله بأنه توفى سنة ٣٦٩ هـ . (٤) مما يوضح ما ذهب إليه المؤلف من كثرة عدد الملائكة قول القسطلانى: ((إنه ليس فى السماء ولا فى الأرض موضع شبر إلا وملك واضع جبهته هناك ساجداً )). وفى فتح البارى استدل على أن الملائكة أكثر المخلوقات لأنه لا يعرف فى جميع العوالم من يتجدد من جنسه فى كل يوم سبعون ألفاً غير الملائكة . انظر شرح الزرقانى على المواهب ج ٦ ص ٨٠ و٨١. - ١٩٠ - تلك العوالم التى كانت بينه وبين البيت المعمور أُزيلت حتى أَدركه بَصَرُه . وقد يحتمل أن يكون العالم بقى على حاله والبيت على حاله ، وأُمِدَّ فى بَصَرِه وبصيرته حتى أَدركه وعاينه، والقدرة صالحة للكُلّ، يشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((رُفِع إِلىّ بيت المقدس على ما سيأتى فيه )) ، والتأويل فيه كالتأويل فى البيت المعمور. وأكثر الروايات: ((رُفِعْتُ إِلى سِدْرة المنتهى))، بضم الراء وسكون العين وضم التاء من (( رفعت))، وبَعْدَه حَرْف الجَرّ. ولبعضهم ((ورُفِعَتْ)) بفتح العين وسكون التاء ، أى ((السدرة لى)) باللام أى من أَجْلِيٍ، ويُجْمَع بين الروايتين بأَن المراد أنه رُفِع إليها أى ارْتُقِى بها فظهرت له والَّرفْعُ إلى الشىء يُطْلَق على التقريب منه . التنبيه الرابع والخمسون: / وَجْه مُنَاسبَة المعراج الثامن إِلى سِدْرةِ المُنْتَهَى لما اشتملت ٣٧٣و عليه السنة الثامنة من الهجرة . إن السنة الثامنة اشتملت على فتح مكة ، ومكة أُمّ القُرَى وإليها المنتهى ومنها المبتدأ ، على ما ورد أَن الأَرض كلها دُحِيت(١) من مكة ، فلذلك سُمِيت أُمِ القُرَى، أَو هى أُمّ القُرَى لأَن أَهل القُرَى يرجعون إليها فى الدين والدنيا حَجًّا واعتماراً وجِوَاراً وكَسْبًا واتجاراً قال الله تعالى ( جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ(٢) ) أَى تقوم بأبدانهم وأَديانهم. وقال تعالى ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (٣)) قيل هى الأَجْرِ والتجارات فى الموسم. فبين سِدْرة المُنْتَى وأُم القُرَى من المناسبة ما لا يَخْفَى، إِذ سِدْرة المنتهى ينتهى إليها عِلْمُ الخلائق ، ومكة ينتهى إليها أَهْلُ الآفاق شرقاً وغرباً وفيها يكون الاجتماع . فكان بلوغه إلى سِدْرة المنتهى . تنبيهاً على بلوغه إلى فتح مكة أُم القُرَى فى العام الثامن، وقد غشى السدرة الجراد والفَرَاش والغربان الذى هو جُنْدٌ من جُنْد الله كما غشى مكة فى الفتح جندُ الله وحِزْبُه وغشيها أَيضاً أَجناسٌ من الخَلْقِ (١) من دحا يدحو دحواً، دحا الشىء بسطه ووسعه. وفى التنزيل: ((والأرض بعد ذلك دحاها)) أى بسطها وقيل سواها. وعن ابن عباس: خلق الله الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألف عام ثم دحيت الأرض من تحت البيت . انظر تفسير القرطبى ج ١٩ ص ٢٠٢ و٢٠٣. (٢) سورة المائدة آية ٩٧ وقياماً للناس انتعاشاً لهم فى أمر دينهم ودنياهم ونهوضاً إلى أغراضهم ومقاصدهم فى معاشهم ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم ( الكشاف ج ١ ص ٢٢٨) وعند القرطبى (ج ٦ ص ٣٢٥) قياماً الناس أى صلاحاً ومعاشاً لأمن الناس بها وعلى هذا يكون قياماً بمعنى يقومون بها أو يقومون بشرائعها . (٣) سورة الحج آية ٢٨. - ١٩١ - وأَلْوانٌ من الأسود والأحمر . وجاء اللفظان معا فى الحديث ، كما غشى سدرة المنتهى ألوان لا يعلمها إلا الله تعالى: فلما غشيت الأَلوانُ السِّدْرَةَ حَسُنَت إِلى أَن لا يُحْسنَ أَحَدٌ أَن يَنْعَتَهَا لِفَرْطِ الحُسْن. كما أَن أَلوان الخَلْقِ لما غَشِيت مكة يوم الفتح حَسُنَت حينئذٍ بالإِيمان وبأهل القرآن حتى لا يُحْسِنِ أَحَدٌ أَن يَصِف حالها حينئذ من عِظَم الشأن . ثم كان ظهور الأنهار الأربعة حينئذٍ دليلاً على أن تلك الأُمة ستبلغها ويُحَقِّقُه أَيضا قولُه صلى الله عليه وسلم: ((زُوِيَتْ لى الأَرض مشارِقُها ومغارِبُها وسيبلغ مُلْك أُمّى ما زُوِىَ لى منها )). التنبيه الخامس والخمسون : وقع فى حديث ابن مسعود رضى الله عنه عند مسلم (١) أن السدرة فى السماء السادسة وظاهر حديث أنس رضى الله عنه أنها فى السابعة ، قال القرطبى (٢): ((وهذا تعارض لاشك فيه))، وهو الذى يقتضيه وَصْفُها بكَوْنِها التى ينتهى إليها عِلْمُ كل ذَبِيّ مُرْسَل وكل مَلَك مُقَرِّب، ((ويتَرِّجح حديث أنس بأنه مرفوع وحديث ابن مسعود بأنه موقوف)). قال الحافظ: ((كذا قال ولم يَعْرُج على الجمع بل جزم بالتعارض ولا يعارض قَوْله إنها فى السادسة ما دَلَّت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل فى السماء السابعة لأَّبّه يُحْمَل على أن أصلها فى السماء السادسة وأغصانها وفروعها فى السابعة وليس فى السادسة منها إلا أصل ساقها(٣). (١) لفظ هذا الحديث كما أخرجه مسلم: ((لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انتهى بى إلى سدرة المنتهى وهى فى السماء السادسة وإليها ينتهى ما يعرج من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها)) (صحيح مسلم بشرح النووي «٣ ص ٢) . (٢) يقصد المؤلف هنا أبا العباس القرطبى أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصارى المالكى الفقيه المحدث المتوفى بالإسكندرية سنة ٦٥٦ ه وليس صاحب التفسير واسمه أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى المتوفى سنة ٦٧١ هـ . وكان الأول شيخا للثانى بدليل أن ابن فرحون فى الديباج المذهب ص ٣١٧ قال فى ترجمته القرطبى المفسر إنه سمع من أبى العباس القرطبى جانبا من شرح الأخير المسمى بالمفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم . ويبدو من سياق شرح الزرقانى المواهب اللدنية أنه نسب كتاب المفهم للقرطبي المفسر لأنه بعد أن أورد الأقوال التسعة فى سدرة المنتهى التى ذكرها القرطبى فى تفسيره ( = ١٧ ص ٩٥) ولفظه: ((وقد أطنب القرطبى فعد تسعة أقوال لم سميت بذلك)) قال: كما زعمه فى المفهم، والضمير فى زعمه يعود إلى القرطبى المفسر وهذا خطأ. ((انظر شرح الزرقانى على المواهب ج ٦ ص ٧٦ و ٧٧ (فالمفهم الشيخ القرطبى المفسر وهو أبو العباس القرطبى، راجع ترجمة القرطبى المفسر فى الديباج ص ٣١٧ و ٣١٨ وترجمة شيخه فى الديباج ص ٦٨ : ٧٠ غير أن ابن فرحون أخطأ فى تاريخ مولد أبى العباس القرطبى وكذلك فى تاريخ وفاته ، إذ قال بأنه ولد سنة ٥٩٨ هوالصحيح أنه ولد سنة ٥٧٨ هـ وذلك فى قرطبة كما قال بأنه توفى سنة ٦٢٦ هوالصواب سنة ٦٥٦ هـ، راجع ترجمة أبى العباس القرطبى فى نفح الطيب للمقرى طبع بولاق سنة ١٢٧٩ هـ ج ٢ ص ٦٤٣ . (٣) هذا نص عبارة ابن حجر فى فتح البارى وقد نقلها عنه القسطلانى فى المواهب - ١٩٢ - التنبيه السادس والخمسون: قال ابن أبى جَمْرَة: (( والأُظهر أَن شجرة المنتهى مفروشة بأَرض بدليل قوله: ((ونهران باطنان)) ولا يُطْلَق هذا اللفظ وما أشبهه إلا على ما يُفْهَم؛ والباطن لابد أن يكون سريانه تحت شىء ، وحينئذ يُطْلَق عليه اسم الباطن(١) .. /. ٣٧٣ ظ التنبيه السابع والخمسون : قال القاضى رحمه الله : دَلَّ الحديث على أَن أَصل سِدْرة المنتهى فى الأرض لكوْنه قال: ((إن النيل والفرات يخرجان من أصلها))، وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم فيه أن يكون أصل السدرة فى الأرض . وتعقّبه النووى بأن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنَّبْع من الأرض ، والحاصل أن أَصلهما من الجنة وهما يخرجان أولاً من أصل السِّدْرة إلى أن يستَقِرًّا فى الأرض ثم ينبعان. التنبيه الثامن والخمسون: قال ابن أبى جمرة رحمه الله: قَوْلُه صلى الله عليه وسلم: ((فى أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران))، هذا اللفظ يُحْتَمَل أن يكون على الحقيقة ، ويُحْتَمَل أن يكون من باب تسمية الشىء بما قَاربه ، فإن كان على الحقيقة فتكون هذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها فتكون الشجرة طعمها نَبق وأصلها ينبع منه الماء ، والقدرة لا تعجز عن هذا. وإن كان من باب تسمية الشىء بما قاربه فتكون الأنهار تنبع قريبًا من أصل الشجرة )) . التنبيه التاسع والخمسون: فى قوله(٢): (( أما الباطنان فنهران فى الجنة))، دليل على أن الباطن أَجَلّ من الظاهر، لأَّنه لما كان الباطنان أصلاً جُعِلا فى دار البقاء، ولما كان الظاهران أَقَلّ أُخْرِجا إلى دار الفناء، ومن ثَمَّ كان الاعتماد على ما فى الباطن ، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم(٣)). (١) جاء فى المواهب: ((وقال العارف ابن أبى جمرة: وهل الشجرة مفروسة فى شىء أم لا؟ يحتمل الوجهين لأن القدرة صالحة لكليهما فكما جعل الله تعالى فى هذه الدار الأرض مقرا للشجر كذلك يجعل الهواء لعلك مقرا وكما رجع صلى اته عليه وسلم يمشى فى الهواء ولأن بالقدرة أنعقرت الأرض مع أنها على الماء فلا مانع من أن تكون الشجرة فى الهواء ويحفل أن تكون مفروسة بأرض وأن تكون تلك الأرض من تراب الجنة والله قادر على ما يشاء . وقد استظهر ابن أبى جمرة نفسه هذا الاحتمال لقوله : ونهران باطنان ولا يطلق هذا اللفظ وما أشبههه إلا على ما يفهم والباطن لابد أن يكون سريائه تحت شىء وحينئذ يطلق عليه اسم الباطن . (٢) أى فى قول جبريل عليه السلام (٣) تمامه فى رواية أبى هريرة:)) إن اللّه تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (( انظر الجامع الصغير جـ١ ص٧٤. ١٩٣٠ س ( ١٣ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣) التنبيه الستون : فى حديث أبى سعيد: (( فإِذا فيها - أَى السماء السابعة - عَيْنٌ تجرى يقال لها السلسبيل فينشق منها نهران أحدهما نهر الكوثر والآخر يقال له نهر الرحمة . ( ويمكن أَن يُفَسَّر بهما النهران الباطنان المذكوران فى الحديث، وكذا رُويَ عن مقاتل ، قال: ((الباطنان السلسبيل والكوثر)). التنبيه الحادى والستون: قال النووى فى هذا الحديث: ((إِن أَصل النيل والفُرَات من الجنة وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ثم يسيران حيث شاء الله تعالى ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها ثم يخرجان منها . وهذا لا يمنعه العقل وقد شهد به ظاهر الخَبَر فليُعْتَمَد )) . ٣٧٤و التنبيه الثانى والستون :/ استُدِلّ بهذا الحديث على فضيلة ماء النيل والفرات لِكَوْن منبعهما من الجنة . وروى مسلم عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة)). قال العلماء: والمراد به أَن فى الأَرض أربعة أَنهار أَصلها من الجنة . وحينئذ لم يثبت لسيحان وجيحان أنهما ينبعان من أصل سِدْرة المُنْتَهَى ، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك ، وأَما الباطنان المذكوران فى الحديث فهما غير سيحان وجيحان. قال القرطبي(١): ((لعل تَرْك ذِكْرهما فى حَدِيث الإِسراء لكونهما ليسا أَصلاً برأسهما وإنما يحتمل أن يتفرَّعا من النيل والفرات)). التنبيه الثالث والستون : قيل: إنما أُطْلِقٍ على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهاً لها بِأَنْهَار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحُسْن والبركة. قال القرطبى(١): والأَّوْلى أنها من أنهار الجنة . وقال غيره : صورة انصبابها كانصباب المطر متفرقاً ثم يجتمع فى مواقعها فى الأرض إلى أن ينساق كل منها إلى مستقره ومجراه . ويحتمل أن يكون انصبابها فى نواحى الأرض النائية المتصلة بمبادئ هذه الأنهار فإنه لم يقف أَحَدٌ على مَّادِيها حتى الان . وروى أبو الشيخ فى العَظَمة وأَبو طاهر المُخْلِص - بوزن اسم الفاعل - بَسَند من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح قال : حدثنى الليث بن سعد قال : بلغنى أنه كان رجل من بنى (١) وهو أبو العباس أحمد بن عمر القرطبى صاحب الفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم. - ١٩٤ - العيص يقال له حائد بن شالوم بن العيص بن إسحق بن إبراهيم عليهما السلام ، خرج هارباً من مَلِك من ملوكهم حتى دخل أرض مصر ، فأَقام بها ، فلما رأَى أَعاجيب نيلها ، جعل لِلّهِ عليه أَلَّ يفارق ساحلها حتى يبلغ منتهاه ومن حيث يخرج أو يموت فسار عليه ، قبل ثلاثين سنة فى الناس ، وثلاثين سنة فى غير الناس ، وقبل خمس عَشْرَة كذا وخمس عشرة كذا حتى انتهى إلى بحر أخضر ، فنظر إلى النيل ينشق مُقْبلاً ، وإِذا رجل قائم يصلى تحت شجرة تفاح، فلما رآه استأنس به وسَلَّم عليه ، فقال له : من أنت ؟ قال : أَنا حائد بن شالوم بن العيص بن إسحق بن إبراهيم عليهما السلام فمن أنت ؟ قال : أَنا عِمْران بن فلان بن العيص ، فما الذى جاء بك يا حائد ؟ قال : جئت من أَجْل هذا النيل وهل بلغك فى الكتب أن أحداً من بنى آدم يبلغه ولا أظنه غيرك قال كيف الطريق إليه ؟ قال : سِرْ كما أَنت على هذا البحر فإنك ستأتى دابَّة ترى آخرها ولا ترى أَولها فلإِ يهولنَّك آخِرُهَا، وهى معادية للشمس إذا طلعت أَهْوَت إليها لتلتقِمها وإِذا غَرَبَتْ أَهْوَت إليها كذلك ، فَاركَبْها تذهبٍ بك إلى جانب البحر ، فَسِرْ عليها فإنها ستبلغ أرضاً من حديد، فإِن جُزْتَها وقعت فى أرض من ذهب / فيها ينتهى ٣٧٤ظ إليها عِلْمُ النيل . فسار حتى انتهى إلى أرض من الذهب فسار فيها حتى انتهى إلى سور من ذهب ، وشرفة من ذهب وقبة من ذهب لها أربعة أبواب ، فنظر إلى ما ينحدر من فوق ذلك السور حتى يستقر فى القبة ثم ينصرف فى الأبواب الأربعة ، فأما الثلاثة فتفيض فى الأرض وأما واحد فيسير على وجه الأرض وهو النيل(١) . فشرب منه واستراح وهوى إلى السور ليصعد فأتاه مَلَك فقال له: (( يا حائد قف فإنه قد انتهى إليك علم هذا النيل ، وهذه الجنة ، وإنما ينزل من الجنة . التنبيه الرابع والستون: قال ابن أبى جمرة فى قول جبريل عليه السلام: ((أما الباطنان .. ففى الجنة، وأَما الظاهران فالنيل والفرات))، دليلٌ على أن النيل والفرات ليسا من الجنة (١) هذه القصة لا تتجاوز فى كشفها لمنابع النيل منطقة بلاد النوبة حيث الذهب والحديد وإيراد المؤلف لها يدل على أنه لم يطلع على مؤلفات الجغرافيين والرحالة العرب فى القرنين الثالث والرابع الهجريين الذين أوردوا معلومات وغيرة عن مجرى النيل جنوبي بلاد النوبة . ١٩٥٠ - لأن النبى صلى الله عليه وسلم أخبر أن جبريل أخبره أن هذه الأنهار منبعها من سدرة المنتهى١، فيسير الباطنان إلى الجنة ، والنيل والفرات ينزلان إلى الدنيا ، وسدرة المنتهى ليست فى الجنة حتى يقال إنهما يخرجان منها بعد نبعهما من الجنة. وهذا مُعَارِضُ لما رواه مسلم عن أبى هريرة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( سيحان وجيحان والنيل والفرات كُلُّ من أنهار الجنة)). والجمع بينهما - والله تعالى أعلم - أن النيل والفرات منبعهما من سدرة المنتهى، وإذا نزلا يسلكان أولاً [طريقاً](١) إلى الجنة فيدخلانها ثم ينزلان إلى الأرض. التنبيه الخامس والستون : قال ابن أبى جمرة : وردت الأخبار أَن من شرب من ماء الجنة لا يموت ولا يَفْنَى وأنه ليس له فضلة تخرج على ما يُعْهَد فى دار الدنيا خروجه وإِنما خُرُوجُهُ رَشْحُ مِسْكِ على البدن ، فجعل فيه هذه الخاصِّيَّة العظيمة ، ثم لما شاءت الحكمة نزوله إلى هذه الدار نُزِعت منه تلك الخصوصية ، وبقى جوهره بحاله ، وكل الخواص مثله فى هذا المعنى، إن شاء الله عز وجل أبقى له الخاصية وإن شاء سلبها مع بقاء جوهره وليس ◌ِذَوَات الخواص تأثير بل الخاصية خَلْقُه والجوهر خَلْقُه وإنما القدرة هى المؤثرة [ فى كلها](٢) التنبيه السادس والستون: قول ابن كثير: ((المراد - والله أعلم - أن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة فى صفائها وعذوبتها وجريانها من جنس تلك فى هذه الصفات كما قال فى حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((العجوة من الجنة)) (٣) أَى تشبه ثَمَرَ الجَنَّة لا أنها مجتناة من الجنَّة فإن الحِسّ يشهد بخلافه. فيتعيّن أن يكون المراد غيْرَه، وكذلك أَصل منابع هذه الأنهار مشاهدة من الأَرض)). انتهى. وهو مُتَعَقَّب ٣٧٥و بأنه لا يلزم من كونها كذلك ألاّ تكون من الجنة، لِما قَدَّمنا من / كيفية النزول . وقد جزم النووى (٤) وغيره أنها من الجنة، ولا يُشْكِل ذلك لأَن فى ماء الجنة خواصّ ليست فى هذه الأنهار لما سبق فى كلام ابن أبى جمرة . (١) إضافة يقتضيها السياق . (٢) إضافة من الزرقانى فى شرحه على المواهب -٦ ص ٧٦. (٣) روى أبو نعيم فى الخلية: العجوة من فاكهة الجنة، وروى الإمام أحمد فى مسنده : العجوة من الجنة وهى شفاء من السم . (٤) بلغ من تأكيد النووى لهذا المعنى أنه عد من المنكر التعبير بما يوحى أقل شك فى أن هذه الأنهار من الجنة فقد جاء في كتابه تهذيب الأسماء واللغات ( = ٢ من تهذيب اللغات ص٧٨) وأما قول ابن باطيش: ((يقال إنه من أنهار - - ١٩٦ - التنبيه السابع والستون: وقع فى رواية شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فى السماء الدنيا نهرَيْن يَطَّرِدان فقال له جبريل: ((هما النيل والفُرَاتِ عُنْصُرُهما)). وفى رواية غيره: ((رآهما فى السماء السابعة)). قال ابن دِحْية، والجَمْع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سِدْرَة المنتهى مع نَهْرَىْ الجنة، ورآهما فى السماء الدنيا دون نَهْرَى الجنة وأَراد بالعُنْصُر عنصر انتشارهما . التنبيه الثامن والستون: روى أبو نعيم والضياء عن أنس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أُخدوداً فى الأَرض، لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض)) - الأُخدود شق فى الأَرض مستطيل . التنبيه التاسع والستون: روى الحارث بن أَبِى أُسَامة فى مُسْنَدِهِ والبيهقى فى الشُّعَب عن كعب الأحبار قال: ((إن نهر العسل نهر النيل ونهر اللبن نهر دجلة ونهر الخمر بهر الفُرات ونهر الماء نهر سيحان)). التنبيه السبعون: قوله فى السِّدْرة: ((يغشاها جرادٌ من ذهب)). قال البيضاوى: ((ذِكْرُ الجراد والفَراش وقع على سبيل التمثيل لأن من شأن الشجر أن يسقط عليه الجراد وَشِبْهُهُ، وجَعْلُها من ذهب لصفاء لونها وإضاءتها فى نفسها)). وقال الحافظ: ((ويجوز جَعْلُها من الذهب حقيقةً، ويَخْلُق الله فيها الطيران، والقدرة صالحة لذلك)). انتهى . التنبيه الحادى والسبعون: قولُه: ((فَغَفَر لى ما تقدَّم من ذنبى وما تَأْخَّر))، قال شيخ الإسلام تقى الدين السبكى(١) رحمه الله: ((المراد تشريف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، أَى لو كان له ذنوب لعُفِرت ولم يكن له ذنب البتة)). وحكى الشيخ رحمه الله فى كتابه المُحَرَّر ، فى الكلام على هذه الآية اثنى عشر قولاً ، ونقل عن السبكى فساد خمسة منها وبَيَّن الشيخ فساد الباقى، ثم قال: ((وأما الأقوال المقبولة ففى الشفا / للقاضى ٣٧٥ظ = الجنة، فعبارة قبيحة من أقبح العبارات وأنكر المنكرات ، فإن هذه العبارة لاتقال. فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنها تقتضى تشكك القائل فى معناها نسأل الله التوفيق والهداية فقد ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن النيل والفرات يخرجان من أصل سدرة المنتهى)). (١) هو على بن عبد الكافى: السبكى المتوفى سنة ٧٥٦ ٨ ترجم له ولده تاج الدين السبكى المتوفى سنة ٧٧١ هـ فى كتابه : طبقات الشافعية الكبرى (ج ٦ ص ١٤٦ : ٢٢٧). - ١٩٧ - قبل إِن النبى صلى الله عليه وسلم لَمَّا أُمِرَ أَن يقول: ( وَمَا أَدْرى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ(١)) سُرّ بذلك الكُفَّار فأَنزل الله تعالى: ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ(٢)) وأَخبر بمآل المؤمنين فى الآية الأُخرى بعدها ، فَمَقْصِد الآية أَنْك مغفورٌ لك غَيْرُ مُوَّاخذ بِذَنْبٍ . وهذا الأثر رواه ابن المنذر فى تفسيره عن ابن عباس رضى الله عنهما ، بدون قوله وأخبر بمآل المؤمنين إلى آخره، وروى الإمام أحمد والترمذى والحاكم نحوه . قال القاضى : قال بعضهم : المغفرة هنا تنزيه من العيوب ، وقال بعض المحققين : المَغْفِرة هنا كِنَاية عن العِصْمَةِ أَى فَعُصِمْتُ فيما تَقَدَّم من عُمْرى وفيما تَأَخَّر منه ، وهذا القول فى غاية الحُسْن . وقد عَدَّ البلغاء من أساليب البلاغة فى القرآن أنه يُكَنِّى عن التخفيفات بلفظ المَغْفِرة والعفو والتوبة، كقوله عند نَسْخ قيام الليل : ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ (٣) ) وعند نَسْخ تقديم الصدقة بين يَدَى النَّجْوَى (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ(٤) ) وعند نَسْخ تحريم الجماع ليلة الصيام: ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنّ(٥) ). ثم نُقِلِ عن السبكى أنه قال: ((قد تأَمَّلْتُ هذه الآية بذهنى مع ما قبلها وما بعدها فوجدتها لا تحتمل إلا وجهاً واحداً وهو تشريف النبي صلى الله عليه وسلم ، من غير أن يكون هناك ذنب ، ولكنه أُرِيد أَن تُسْتَوْعب فى الآية جميع أنواع النعم من الله تعالى على عباده . وجميع النعم الأخروية شيئان: سلبية وهى غُفْران الذنوب ، وثبوتية وهى لا تتناهى وقد أشار إليها بقوله (ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ (٦) ) وجميع النعم الدنيوية شيئان : دينية أَشار إليها بقوله: ( ويَهْدِيَكَ صِرَاطَاً مُسْتَقِيماً(٦) ) ودنيوية وإِن كان المقصود بها الدين وهى قوله (١) سورة الأحقاف الآية التاسعة. وجاء فى سبب نزول هذه الآية: قال عطاء عن ابن عباس أن اليهود شمتوا بالنبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما نزل قوله تعالى: ((وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم))، وقالوا : كيف نتبع رجلا لا يدرى ما يفعل به؟ فاشتد ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ((إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)) ( سورة الفتح آية ١ و ٢). انظر أسباب النزول للواحدى طبعة القاهرة سنة ١٣١٥ ص٢٨٥. (٢) سورة الفتح الآية ٢ (٣) سورة المزمل آية ٢٠ (٤) سورة المجادلة آية ١٣ (٥) سورة البقرة آية ١٨٧ (٦) سورة الفتح من الآية الثانية . - ١٩٨ - تعالى: (ويَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزيزاً (١) ) وقَدَّم الأُخروية على الدنيوية تقديماً للأَّهَمّ ، فانتظم بذلك تعظيم قدر النبى صلى الله عليه وسلم بإتمام أنواع نِعَم الله تعالى المتفرقة فى غيره)) . وبعد أَن وقفتُ على هذا المعنى رأيت ابن عطية قد وقع عليه فقال: ((وإِنما المعنى تشريف النبى صلى الله عليه وسلم بهذا الحكم ، ولم تكن ذنوباً البتة )) . وقد وُقُّق فيما قاله . التنبيه الثانى والسبعون: قوله: (( ثم أَخذ على الكوثر حتى دخل الجنة)). قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام(٢) فى تفسيره: ((هذا الحديث دليل على أَن السدرة ليست فى الجنة)). وَزَم به ابن أَبِى جمْرَة. وقال ابن دحية: ((ثُمَّ هنا ليست للترتيب كما فى قوله تعالى ( ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا(٣) ) إِنما هى مثل الواو للجمع والاشتراك فهى بذلك خارجة عن أصلها، قال صاحب فتح / الصفا: ((وهى خِلاف الظاهر)). ٣٧٦و التنبيه الثالث والسبعون: قال بعض العلماء فى توجيه كون درهم القَرْض بثمانية عشر : إِن درهم القرض بدرهمين من دراهم الصدقة كما ورد ، ودرهم الصدقة بعشرة ، ودرهم القرض يرجع للمُفْرِض بَدَلُه، وهو بدرهمين من جملة مبلغ أصله عشرون يتأخر للمُفْرض منه ثمانية عشر . وسمعت شيخنا الإِمام العلامة نور الدين المَحَلِّ(٤) يذكر ذلك [ فى ] الأُصول. ثم رأيت فى ((نوادر الأصول(٥))) الحكيم الترمذى(٦) ما نَصُّه: ((معنى الحديث أَن المُتَّصَدِّق (١) سورة الفتح آية ٣ ( ٢) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبى القاسم السلمى من أعلام القرن السابع الهجرى توفى سنة ٦٦٠ هـ ترجم له التاج السبكى ترجمة مستفيضة فى طبقات الشافعية الكبرى ( جـ ٥ ص ٨٠ : ١٠٧). (٣) سورة البلد آية ١٧ . (٤) لم يتيسر لنا الوقوف على ترجمته من بين أعلام النصف الثانى من القرن التاسع وذلك فى الضوء اللامع السخاوى وأعلام أوائل القرن العاشر فى النور السافر للعيدروسى ومن المستبعد أن يكون جلال الدين المحلى المتوفى سنة ٨٩٤ « والذى أكمل الجلال السيوطى تفسيره وهو التفسير المعروف باسم تفسير الجلالين ، إلا أن يكون المحلى شيخا للمؤلف مجازا على اعتبار دراسته لمؤلفاته . وفى الضوء اللامع ( جـ ٧ ص ١٦ وص ٧٦ ) اثنان باسم محمد بن أحمد بن المحلى نستبعد أن يكون أحدهما شيخا للمؤلف . (٥) الاسم الكامل لهذا الكتاب هو: نوادر الأصول فى معرفة أخبار الرسول ، وله شرح بقلم مصطفى بن إسماعيل الدمشقى اسمه: مرقاة الوصول إلى نوادر الأصول، طبع فى اسطنبول سنة ١٢٩٣ هـ وحبذا لو أعيد طبع هذا الكتاب محققا مع شرحه إحياء لمراجع السيرة النبوية (٦) ينتمى إلى ترمذ إحدى بلاد ما وراء النهر وهى التى ينتسب إليها الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى السلمى الترمذى = ت ١٩٩ - حُبِبِ نه الدرهم الواحد بعشرة ، فدرهم صدقته وتسعة زائدة فصارت له عشرة ، والقَرْض ضوعف له فيه بدرهم والتسعة مضاعفة فهذه ثمانية عشر ، ودرهم القَرْض لم يُحْسَب لأنه يرجع إليه ، فيبقى التضعيف وهو ثمانية عشر ، وفى الصدقة لم يرجع إليه فصارت له عشرة . التنبيه الرابع والسبعون: قال ابن دحية: ((فى عَرْض الجنة عليه كرامة عظيمة لأَنّه كان يعرض الجنة على أُمته ليشتروها كما قال عن ربه تبارك وتعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ فِيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ العَظِيمُ (١) ) . فَأَراد الله تعالى أن يُعَايِن نَبِيُّه صلى الله عليه وسلم ما يَعْرِضه على أُمته ليكون وصفه لها عن مشاهدة ولأنه كان يدعو الناس إلى الجنة وهى الدار التى هَيَّأَها الله تعالى لضيافة عباده المؤمنين وبعثته صلى الله عليه وسلم داعياً إليها فأَراد الله تعالى أَن يُرِيَه الداروكثرة ما أَعَدَّ فيها من النعيم والكرامة لئلا يَضِنَّ بالدعوة وليعلم أنها تَسَعَ الخلائق كلهم ولا تمتلى حتى ينشئ الله لها خَلْقاً، كما ثبت فى الحديث. ويُحْتَمَل أَنه إنما أَراه إياها ليعلم خِسَّة الدنيا فى جنب ما رآه فيكون فى الدنيا أزهد وعلى الشدائد أَصبر . فقد قيل : حبذا محنة تؤدى بصاحبها إلى الرخاء وبؤس نعمة تؤدى بصاحبها إلى البلاء . ويحتمل أن الله تعالى أراد ألاّ يكون لأحد كرامة إلا ولمحمد مثلها ، ولما كان لإدريس كرامة دخول الجنة قبل يوم القيامة أَراد الله سبحانه وتعالى أَن يكون [ ذلك (٢) ] أيضاً لصَفِيّه ونَجِيِّه محمد صلى الله عليه وسلم)). = المتوفى سنة ٢٧٩ ( مؤلف الجامع الصحيح أحد الكتب الستة المعتمدة فى الحديث أما الحكيم الترمذى فهو أبو عبد الله محمد ابن على بن الحسن الحافظ الزاهد صاحب التصانيف لم يورد لنا الذهبى فى ترجمته له فى تذكرة الحفاظ (ج ٢ ص ١٩٧) تاريخ مولده أو وفاته إنما ذكر أنه قدم نيسابور فى سنة ٢٨٥ هـ كما لا نظفر بالكثير من ترجمة أبى نعيم له فى الحلية (جـ ١٠ ص ٢٣٣: ٢٣٥) وكذلك طبقات الصوفية للسلمى (ص ٢١٧: ٢٢٠) وطبقات الشافعية السبكى (جـ ٢ ص ٢٠٠) ومؤلفات الحكيم التر مذى تكاد كلها تكون مخطوطة ومنها نقول فى الإحياء للغزالى والفتوحات المكية لابن عربى وكتاب الروح لابن قيم الجوزية وغيرها . انظر بيانا مفصلا عن مراجع ترجمته وثبتا بمؤلفاته فى بحث بقلم المستشرق هير فى كتاب عالم الإسلام المشتمل على دراسات إسلامية تكريماً لفليب حتى ، لندن سنة ١٩٦٠ م ص.١٢١ : ١٣٤. ( ١) سورة التوبة آية ١١١ ( ٢) إضافة يقتضيها السياق. - ٢٠٠ -