النص المفهرس

صفحات 21-40

٢
به . وأما قصة لوط فالمعنى: سِرْ بهم على ما يتحملون عليه / من دابة ونحوها ، هذا معنى ٣٢٦ظ
قراءة القطع . ومعنى الوصل : سِرْ بهم ليلاً، ولم يأت مثل ذلك فى الإِسراء ، إلا أنه لا يجوز
أَن يُقال: ((سَرَى بعبده)) بوجه من الوجوه (١) )) .
قال الحافظ والنسفى: ((الذى جزم به إنما هو من هذه الحيثية التى قَصَر فيها الإِشارة
إِلى أَنه سار ليلاً على البُرَاق . والآن لوقال قائل : سِرْتُ بزيد بِمَعْنَى صاحبته لكان المعنى
صحيحاً .
السادس : فى الكلام على العبد :
أجمع المسلمون على أن المراد بالعبد هنا سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وهو لُغَةًّ المملوك من نوع مَنْ يَعْقِل. قال فى المُحْكَمِ(٢): ((العَبْدُ الإِنسانُ حُرّاً كان أو رقيقاً،
لأَّنه مملوك لبارئه)). وقال غيره: ((إِنه مُشْتَقٌّ من التَّعَبُّد وهو التَّذَلُّل)».
قال ابن الأَّنبارى: ((العبد الخاضع الله، من قولهم: طريق مُعَبَّد إذا كان قد وَطِئَها
الناس)).
وللإمام جمال الدين بن مالك بيتان فى جموع عَبْد، وذَيَّل الشيخ رحمة الله عليهما
يمثلهما ووَطَّأَ قبلهما ببيت ، فقال :
وَزِدْتُ عليها مِثْلَها فَاسْتَفِدْ وَجُدْ
جُمُوعٌ لِعَبْدٍ لابنِ مَالِكِ نَظْمُها
أَعَابِدُ مَعْبُودا مُعَبَّدَةٍ عُبُدْ
عِبَادٌ عَبِيدٌ جَمْعُ عَبْدٍ وَأَعْبُدٍ
كَذَاكَ العِبَدَّى وَامْدُدْ آن شِئْتَ أَنْ تَمُدْ
كَذَلِكَ عُبْدَانٌ وعِبْدَانُ أُثْبِشَا
وخَفِّفَ بِفَتْح والعِدَّانِ [إِن] تَشُدْ
وقد زِيدَ أَعْبَادٌ عُبُودٌ عِدَّةٌ
عَبِيدُونَ مَعْبُودا بِقَصْرٍ فَخُذْ تَسُدْ
وأَعْبِدَةٌ عَبْدُونَ ثُمَّتَ بَعْدُها
الإِسنوى رحمه الله تعالى: ((قال سيبويه: العبد فى الأصل صفة ، ولكنه استُعْمِل
استعمال الأَسماء)).
(١) الروض الأنف (١٧ ص ٢٤٢: ٢٤٣).
(٢) من معاجم اللغة الهامة وهو لعلى بن إسماعيل المعروف بابن سيده المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. وفيات الأعيان ج١
ص ٠٣٤٢
- ٢١ -

الشيخ زكريا رحمه الله تعالى فى فتح الرحمن ((قال [تعالى(١)]: ((بِعَبَّدِهِ)) دون نبيه
أَو حبيبه لئلا تُضِلَّ أُمته أَو لأَن وصفه بالعبودية المضافة إِلى الله تعالى أشرف المقامات)).
الأُستاذ أَبو على الدَّقَّاق(٢) رحمه الله تعالى: ((ليس للمؤمن صفة أَتَمّ ولا أَشرف من
العبودية ، ولهذا أطلقها الله تعالى على نبيه فى أَشرف المواطن ، كقوله: (سُبْحَانَ الذى
أَسْرَى بِعَبْدِهِ(٣)، (الحَمْدُ للهِ الَّذِى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب (٤) )، (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ
ما أَوْحَى(٥))، (تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الفُرْقَانَ على عَبْدِهِ (٦) ) .
الشيخ عبد الباسط البلقيني (٧) رحمه الله: ((ومن هنا يؤخذ الجواب عن وصفه صلى
الله عليه وسلم بذلك ووصف يحيى عليه السلام بالسيادة فى قوله [تعالى]: (وسَيِّداً ،
وَحَصُوَرَأَ(٨).
الأُستاذ أبو القاسم القشيرى(٩) رحمه الله: (( فى معناه أَنشدوا :
يعرفه السَّامع والرَّانى
يَا قَوْمٍ قلبى عند زَهْرَاءِ
فإنه أَشرف أسمائی(١٠))
لا تَدْعُنِى إِلا بيا عَبْدها
العَوْفِى رحمه الله: ((والسبب فى ذلك أن الإلهية والسيادة والربوبية إنما هى فى الحقيقة
لله عز وجل لا غير . والعبودية فى الحقيقة لمن دونه . فإذا كان فى مقام العبودية فهو فى
٣٢٧ ورتبته الحقيقية ، والرتبة الحقيقية أشرف المراتب ،/ إذ ليس بعد الحقيقة إلا المجاز ،
ولا بعد الحق إلا الضلال)).
(١) إضافة يقتضيها السياق.
(٢) هو أبو على الحسن بن على الدقاق النيسابورى من أعلام الصوفية توفى سنة ٤١٢ ٨ ترجم له ابن الجوزى فى المنتظم
(ج ٨ ص ٧) وانظر أيضاً شذرات الذهب (جـ ٣ ص ١٨٠ : ١٨١).
(٣) الآية الأولى من سورة الإسراء.
(٤) الآية الأولى من سورة الكهف،
(٥) سورة النجم آية ١٠ .
(٦) الآية الأولى من سورة الفرقان.
(٧) هو عبد الباسط بن محمد بن أحمد. البلقيني ترجم له السخاوى فى الضو اللامع (جـ ٠٤، ٢: ٢٩) وقال
بأنه ولد سنة ٨٧٠ هولم يذكر سنة وفاته لأنه عاش بعد وفاة السخاوى سنة ٩٠٢ هـ .
(٨) سورة آل عمران آية ٣٩.
(٩) هو عبد الكريم بن هوازن القشيرى صاحب الرسالة القشيرية توفى سنة ٤٦٥ ٨، انظر فى ترجمته ابن خلكان
(جـ ١ ص ٢٩٩: ٣٠١) والتاج السيكى فى طبقات الشافعية ( ج ٣ ص ٢٤٣: ٢٤٨).
(١٠) أورد القرطبى هذين البيتين فى تفسيره (ج ١ ص ٢٣٢) و (= ١٠ ص ٢٠٥) حيث نقل عن القشيرى أنه
قال: (( لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية ألزمه اسم العبودية تواضعاً للأمة)).
- ٢٢ -

البرهان النسفى رحمه الله: ((قيل لما وصل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الدرجات العالية
والمراتب الرفيعة فى المِعْراج ، أَوحى الله تعالى إليه: يا محمد أشرفك ؟ . قال : يارَبّ
تنسبنى إِلى نفسك بالعبودية، فأنزل الله تعالى: ((سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ) الآية .
وأقوال القوم فى العبد والعبودية كثيرة ، والأَّلفاظ مختلفة معانيها ، وكل أحد يتكلم
بلسان حاله على قدر مقامه، فقال أبو حفص النيسابورى رحمه الله: ((العبد هو القائم إِلى
أوامر سيده على حَدّ النشاط حيث جعله محل أَمره)).
ابن عطاء رحمه الله: ((العَبْد الذى لا مِلْك له)) ..
الجَريرى - بفتح الجيم -: ((حقيقة العبد هو الذى يَتَخَلَّقُ بأخلاق رَبِّه)).
رُوَيْم رحمه الله تعالى : ((يتحقق العبد بالعبودية إذا أسلم القياد من نفسه وتَبَرَّأَ من
حوله وقوته ، وعلم أن الكل له وبه)).
عبد الله بن محمد رحمه الله: ((حُزْتَ صِفَةَ العبودية إن كنتَ لا ترى لنفسك مِلْكاً ،
وتعلم أنك لا تملك لها نفعاً ولا ضرًا. ورحم الله من قال :
فلما أَتانى الحِلْمُ وارتفع الجَهْلُ
وكنتُ قديماً أَطلب الوصل منهم
فإِن قربوا فَضْلٌ وإِن أَبعدوا عَدْلُ
تَيَقَّنْتُ أَن العبد لا مطلب له
وإِن ستروا فالستر من أجلهم يحلو
وإِن أَظهروا لم يُظْهِروا غيروَصْفِهِم
الامام الرازى رحمه الله ، دل قوله بعبده على أن الاسراء كان بجسد رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، لأَن العبد اسم للجسد والروح ، قال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِى يَنْهَى، عَبْدًا
إِذا صَلَّى(١)).
السابع: فى الكلام على قوله تعالى: ((لَيْلاً)) .
الحافظ رحمه الله تعالى: ((ليلاً ظرف للإِسراء وهو للتأكيد ، وفائدتُه رَفْع تَوَهُم المجاز ،
لأَّنه قد يُطْلَق على سَيْر النهار أيضاً، ويُقَال بل هو إشارة إلى أن ذلك وقع فى بعض الليل
لا فى جميعه، والعرب تقول: سَرَى فلان ليلاً إِذا سار بَعْضَه، وسَرَى فى ليلة إِذا سار فى
(١) سورة العلق آية ٩ و١٠.
- ٢٣

جميعها. ولا يقال أَسرى ليلاً إلا إذا وقع سَيْرُه فى أثناء الليل، وإِذا وقع فى أوله يقال
أَذْلَجَ ، ومن هذا قوله تعالى فى قصة موسى وبنى إسرائيل : (فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً(١))، أَى
من وَسَط الليل)).
أبو شامة رحمه الله تعالى: ((إِنما نُسِب السُّرَى إِلى الليل لما كان السُّرَى واقعاً فيه
كقوله تعالى: (والنَّهَارَ مُبْصِراً(٢))، أَى يُبْصَر فيه ، فهو من باب قوله: لَيْلُ نائم وساهر ،
أَى يحصل فيه النوم والسَّهَر ، وهذا باب من أبواب المجاز معروف)).
واستشكل كثير من الناس كون ((ليلاً)) ظرفاً للإِسراء . ووجه الإِشكال أنه قد تَقَدَّم
أن الإِسراء هو سَيْرُ الليل، فإِذا أُطْلِقِ الإِسراء فُهِمَ أَنه واقعٌ ليلاً، فهو كُالصَّبُوح فى شُرْب
الصباح ، لا يحتاج إلى قوله : شَرِبْتُ الصَّبُوحَ صباحاً .
وجوابه أَن الأَمر وإِن كان كذلك إلا أَن العرب تفعل مثل ذلك فى بعض الأَّوقات
إِذا أرادت تأكيد الأُمور. والتأكيد نَوْعٌ من أنواع كلامهم وأُسلوبٌ منه . والعرب تقول :
أَخذ بيده ، وقال بلسانه . وفى القرآن العزيز : (وَلَا طائِرٍ يَطِيرُ بِجِنَاحَيْهِ(٣))، (يَقُولُونَ
بِأَفْوَاهِهِم(٤))، (فَخَرَّ عَلَيْهِمِ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهم (٥) ) ، وقال جرير :
سَرَى نحوها ليلاً كأَن نجومه
قناديلُ فيهن الذُّبَال المُفَتَّل(٦)
النُّبَال : جمع ذُيَالة - بضمّ الذال المعجمة وهى الفتيلة .
الجوهرى : ((وإنما قال ليلاً، وإِن كان السُّرَى لا يكون إلا بالليل للتأكيد ، كقولهم :
٣٢٧ ظـ سِرْتُ أَمس / نهاراً والبارحة ليلاً .
الزمخشرى : [فإن قلتَ الإِسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذِكْرُ الليل ؟ قلت(٧)]:
أراد بقوله ليلاً بلفظ التنكير تقليل مدة الإِسراء وأنه وقع السُّرَى به فى بعض الليل من
(١) سورة الدخان آية ٢٣ .
(٢) سورة يونس آية ٦٧ .
(٣) سورة الأنعام آية ٣٨.
(٤) سورة آل عمران آية ١٦٧ .
(٥) سورة النحل آية ٢٦ .
(٦) فى الأصول : المفضل والتصويب من ديوان جرير ص ٤٥٦، وفى القاموس ذبال مفتل شدد للكثرة وصدر.
البيت فى الديوان : سرى نحوكم ليل كأن نجومه .
(٧) إضافة من الكشاف (جـ ١ ص ٤٤٧) يقتضيها السياق.
١
- ٢٤ -

مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أَن التنكير فيه قد دَلَّ على معنى البعضية ،
ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحُذَيْفَة ((من الليل)) أَى بعض الليل كقوله تعالى: (وَمِنَ الَّيْلِ
فَتَهَجَّدْ به نَافِلَةً لَك(١)) يعنى الأمر بقيام الليل فى بعض الليل(٢).
قال أبو شامة: ((وهذا الوجه لا بأس به ، وقد زاد شيخنا أبو الحسن - يعنى السخاوى(٣)
فى تفسيره أيضاً وتقريراً، فقال: وإِنما قال: ((ليلاً))، والإِسراء لا يكون إلا بالليل، لأَن
المدة التى أُسْرِىَ به فيها لا تُقْطَع فى أقل من أربعين يوماً ، فقُطِعَت به فى ليل واحد من كذا
إِلى كذا ، وهو موضع التعجب)). قال: ((وإِنما عُدِل عن لَيْلةٍ إلى ليل، لأَنهم إذا قالوا :
سَّرَى ليلةً، كان ذلك فى الغالب لاسْتيعاب الليلة ، فقيل: ليلاً أَى فى ليل)).
وَتَعَقَّب صاحب الفوائد كلام الزمخشرى بكلام تَعَقّبه فيه الطيبى ، ثم قال الطيبي :
((ويمكن أن يراد بالتنكير التعظيم والتفخيم، والمقام يقتضيه، أَلا ترى كيف افْتُتِحت
السورة بالكلمة المُنَبِثَة عنه ؟ ثم وصف المُسْرَى به بالعبودية ، ثم أردف تعظيم المكانين
بالحرام وبالبركة لِمَا حَوْلَه ، يُعَظِّم الزمان ثم يُعَظِّم الآيات بإضافتها إلى صيغة التعظيم ،
وجَمَعَهَا لتشمل جميع أنواع الآيات، وكُلُّ ذلك شاهِدُ صِدْق على ما نحن بصدده ، والمعنى
ما أَعْظَمَ شأن مَنْ أُسْرِى [به] مِمَّن حُقِّق له مقام العبودية، وصُحِّح له استنهاله للعناية
السرمدية ليلاً ، أَى ليل له شأن جليل .
ابن المنير رحمه الله تعالى: ((وإِنما كان الإِسراء ليلاً لأَنه وقت الخَلْوَة والاختصاص
.(١) سورة الإسراء آية ٧٩.
(٢) كذا فى الأصول وفى الكشاف : بالقيام فى بعض الليل.
(٣) فى الأصول: البخاري وقد تقرأ النجارى والتصويب أولا من ترجمة أبى شامة فى فوات الوفيات (جـ ١ ص ٥٢٧ :
٥٢٩) وجاء فيها إن أبا شامة (المتوفى سنة ٦٦٥ هـ): جمع القراءات كلها سنة ست عشرة (وستمائة) على الشيخ علم الدين
السخاوى ، ثانياً ترجم أبو شامة لشيخه هذا فى كتابه : الذيل على الروضتين ( القاهرة سنة ١٣٦٦ هـ. ص ١٧٧ ) وذلك
فى وفيات سنة ٦٤٣ هـ. وجاء فيها: ((توفى شيخنا علم الدين أبو الحسن على بن محمد السخاوى رحمه الله، علامة زمانه
وشيخ عصره وأوانه )) .
وهناك ترجمة أخرى لأبى الحسن السخاوى فى بغية الوعاة ( ص ٣٤٩) ، هذا ويشترك فى النسبة إلى سخا مع أبى الحسن ،
علماء آخرون منهم محمد بن عبد الرحمن السخاوى صاحب الضوء اللامع المتوفى سنة ٩٠٢ هـ .
- ٢٥ -

عُرْفاً ، ولأنه وقت الصلاة التى كانت مفروضة عليه فى قوله تعالى: (قُمِ الَّليْلَ إِلَّا قَلِيلًا)(١)
وليكون أَبْلَغَ للمؤمن فى الإِيمان بالغيب ، وفِتْنَةً للكافر)).
ابن دحية رحمه الله: ((أُكْرِم نبينا صلى الله عليه وسلم ليلاً بأُمور منها: انشقاق القمر،
وإيمان الجِنّ به، ورَأَى أَصحابُه نيرانَهم، كما فى صحيح مسلم(٢)، وخرج إلى الغار ليلاً ..
واليل أَصل ، ولهذا كان أَول الشهور ، وسوادُه يجمع ضَوْءُ البَصَر، ويُحِدّ كليلَ النَّظَرِ ،
ويُسْتَلَذُّ فيه بالسَّمَر. وكان أكثر أَسفاره ليلاً. وقال عليه الصلاة والسلام: ((عليكم -
بالدُّلْجَة فإِن الأَرض تُطْوَى بالليل (٣)). والليل وقت الاجتهاد للعبادة . وكان صلى الله عليه
وسلم يقوم حتى تَوَرَّمت قدماه . وكان قيام الليل فى حَقِّه واجباً ، فلما كانت عبادته ليلاً
أُكْرِمِ بالإِسراء [به] فيه ليكون أَجْرُ المُصَدِّق به أكثر، ليدخل فيمن آمن بالغَيْب دون
من عاينه نهاراً ، وقَدَّم الحَقُّ تبارك وتعالى اللَّيْلَ فى كتابه على ذِكْر النهار ، فقال عز وجل :
(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ(٤))، ( وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّلِيْلَ والنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ
يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا(٥)) إلى غير ذلك من الآيات)).
وصَحَّ أَنْه صلى الله عليه وسلم قال: ((يَنْزِلِ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلى السَّمَاءِ
الدُّنْيَا حِيْنَ يَبْقَى ثُلْثُ الَّيْلِ الآخِرُ، يَقُول: مَنْ يَدْعُونِى فأَستجيب له، مَنْ يَسْأَلُنِى
فَأَعْطِيه، ومن يَسْتَغْفِرُنى فَأَغْفِرِ له)) ، الحديث (٦).
وهذه الخَصِميصة لم تُجْعَل للنهار ، نَّه بها صلى الله عليه وسلم لِمَا فى ذلك الوقت من
(١) سورة المزمل آية ٢.
(٢) أحاديث انشقاق القمر أخرجها مسلم فى صحيحه بشرح النووى ( جـ ١٧ ص ١٤٣: ١٤٦) مسندة إلى عبد الله
ابن مسعود وأنس بن مالك. وعن الأول قال: ((انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقتين فستر الجبل
فلقة وكانت فلقة فوق الجبل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم اشهد)). وعن الثانى أن أهل مكة سألوا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين)).
كما أخرج مسلم فى صحيحه بشرح النووى ( جـ ٤ ص ١٦٧: ١٧٠ ) فى باب الجهر بالقراءة فى الصبح والقراءة على
الجن أحاديث فى هذا الصدد مسندة إلى ابن عباس وابن مسعود .
(٣) أخرجه أبو داود فى سننه .
(٤) سورة الإسراء آية ١٢.
(٥) سورة الفرقان آية ٦٢.
(٦) أخرجه البخارى فى صحيحه (ج ٨ ص ١٢٧: ١٢٨) فى كتاب الدعوات باب الدعاء نصف الليل، مسنداً إلى
أبى هريرة ، كما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه .
- ٢٦ -

الليل من سُعَة الرحمة ومضاعفة الأجر وتعجيل الإِجابة، ولإِبطال كلام الفلاسفة أَن / ٣٢٨ و
الظُّلْمَة من شأنها الإِهانة والشّرّ ، لأَن الله تعالى أكرم أقواماً فى الليل بأَنواع الكرامات
كقوله فى قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم : (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّلَيْلُ(١)) الآية. وفى لفظ
بقوله : (فَأَسْرِ بِأَهْلِكِ بِقِطْعٍ مِن الَّلَيْلِ(٢)). وفى موسى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثلاثين لَيْلَةً (٣))
وناجاه ليلاً ، وأمره بإخراج أهله ليلاً.
بعض أهل الإِشارات(٤): ((لما محا الله آية الليل، (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً(٥) )
انکسر اللیل ، فَجُپر بأَن أُسْرِئَ فیه بمحمد صلى الله عليه وسلم)) . انتھی .
أَبو أُمَامة بن النَّقَّاش رحمه الله: ((ليلة الإسراء أفضل من ليلة القَدْرِ فى حق النبى صلى
الله عليه وسلم ، وليلة القَدْر أَفضل فى حق الأُمة، لأَنها لهم خَيْرٌ من عَمَلٍ أكثر من ثمانين
سنة ممن كان قبلهم . وأَما ليلة الإسراء فلم يأتِ فى أَرجحية العمل فيها حديث صحيح
ولا ضعيف ، ولذلك لم يُعَيِّنها النبى صلى الله عليه وسلم)) .
ويؤخذ من قول الإمام البلقينى رحمه الله فى قصيدته التى مدح فيها النبى صلى الله عليه
وسلم :
أَوْلَاكَ رُؤْيَتَه فى لَيْلَةٍ فَضُلَتْ
لَيَالَى القَدْرِ فيها الرَّبُّ أَرْضَاكَا
أَن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القَدْر .
قال فى الاصطفاء: ((ولعل الحكمة فى ذلك اشتمالها على رؤيته تعالى التى هى أفضل كل
شىء ، ولذا لم يجعلها ثواباً عن عمل من الأعمال مطلقاً ، بل مَنَّ بها على عباده المؤمنين
يوم القيامة تَفَضُّلاً منه تعالى ..
(١) سورة الأنعام آية ٧٦ .
(٢) سورة هود آية ٨١.
(٣) سورة الأعراف آية ١٤٢.
(٤) أهل الإشارات هم المحققون من الصوفية والإشارات هى الحقائق التى يأخذونها من نص القرآن ولا يقصدون
أن ما أخذوه تفسير صريح النص ( شرح المواهب ج ٦ ص ٨).
(٥) سورة الإسراء آية ١٢ .
+ ٢٧ =
:

تنبيه: اختُلِف هل الليل أَفضل من النهار؟ فَرَجَّح كُلٌّ مُرَجِّحون(١). وقد أَلّف الإِمام
أبو الحسين بن فارس (٢) اللغوى كتاباً فى التفضيل بينهما فذكر وجوهاً فى تفضيل هذا
[ ووجوهاً فى تفضيل هذا (٣)].
الثامن : فى الكلام على قوله تعالى ( مِنَ المَسْجِدِ الحرام ) :
((مِن)) ههنا لابتداءِ الغاية.
الزركشى رحمه الله فى كتابه: ((إِعلام الساجد بأَحكام المساجد)): ((المَسْجِد لُغَةً
مَفْعِل بالكسر إِسم لمكان السجود وبالفتح إِسم للمصدر(٤)).
قال أبو زكريا الفَرَّاء: ((كل ما كان على فَعَل يَفْعُل كدَخَل يَدْخُل، فالمَفْعَل مِنِه
بالفتح إِسما كان أو مصدراً، فلا يقع فيه الفرق مثل دَخَل مَدْخَلًا. ومن الأَسماء
ما أَلزموها كَسْرَ العين منها: المَسْجِد والمَطْلِعِ والمَغْرِب والمَشْرِق وغيرها ، فجعلوا الكَسْر
علامةً للاسم ، وربما فتحه بعض العرب. وقد رُوِىَ المَسْجِد والمسْجَد والمَطْلِعِ والمَطْلَع».
قال: ((والفتح فى كله جائز وإِن لم نسمعه )).
قال فى الصحاح: ((والمَسْجَدَ بالفتح جبهة الرجل حيث يصيبه السجود .
(١) لابن منظور صاحب اللسان كتاب فى هذا الموضوع تعرض فيه لهذه المفاضلة أسماه نثار الأزهار فى الليل والنهار،
طبعة الجوائب سنة ١٢٩٨هـ ص ٩ وما بعدها .
(٢) هو أحمد بن فارس بن زكريا الرازى اللغوى توفى سنة ٣٩٠ «ترجم له ابن خلكان ج ١ ص ٣٥ : ٣٦.
وكتاب ابن فارس فى الليل والنهار ذكره محب الدين الخطيب فى ثبت مؤلفات ابن فارس فى مقدمة كتاب الصاحبى فى فقه
اللغة وسنن العرب فى كلامها ، ( القاهرة سنة ١٩١٠ م) .
(٣) إضافة يقتضيها السياق كما وردت فى عبارة نقلها رفاعة رافع الطهطاوى فى كتابه نهاية الإيجاز فى سيرة ساكن الحجاز
.
( القاهرة سنة ١٢٩١ هـ ص ١٠٥) عن السيوطى جاء فيها: قال الحافظ السيوطى - رحمه الله -: ((وقد وقفت على تأليف
فى التفضيل بين الليل والنهار لأبى الحسين بن فارس اللغوى صاحب المجمل ، فذكر فيه وجوهاً فى تفضيل هذا ووجوها
فى تفضيل هذا فما ذكره فى تفضيل الليل ... )).
وأورد رفاعة فى هذه المفاضلة أقوالا مختلفة ( ص ١٠٤ : ١٠٧) انتهى فيها إلى أن الأزمان متكافئة فى حد ذاتها.
والفضل إنما هو بالخصوصيات المنسوبة إليها .
(٤) هى ٢٦ من نسخة الإعلام التى نشرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بتحقيق فضيلة الشيخ أبى الوفا المراغى
( القاهرة سنة ١٣٨٥ هـ) .
- ٢٨ -

وقال أبوحَفْص الصَّقَلىِّ(١) - بفتحتين - فى كتاب تثقيف اللسان ((ويقال مسجد بفتح الميم،
حكاه غير واحد ، فتحصلنا فيه على ثلاث لغات)).
والمِسْجَد بكسر الميم الخُمْرة(٢) بضم الخاء المعجمة وهى الحصير(٣) الصغير ، قاله
العسكرى (٤).
وأَما عرفاً فكل موضع من الأَرض لقوله صلى الله عليه وسلم: ((جُعِلت لىَ الأَرضُ
مسْجِدًاً وطَهُوراً(٥)) . قلتُ وسيأتى الكلام على هذا الحديث فى الخصائص .
ولما كان السجود أَفضل أَفعال الصلاة لقُرْب العبد من رَّبِّه اشتُقُّ اسم المكان منه،
فقيل مَسْجِد ، ولم يقولوا مَرْكِع. ثم إِن الْعُرْف خَصَّص المَسْجِد بالمكان المُهَيَّأ للصلوات
الخمس حتى يخرج المُصَلَّى المُجْتَمَع فيه للأعياد ونحوها ، فلا يُعْطَى حُكْمُه ، وكذلك
الرُّبُط (٦) والمدارس فإنها هُيِّئْت لغير ذلك .
التاسع : فى الكلام على قوله : الحرام /
٣٢٨ ط
أبو شامة : أَصل الحرام المنع ، ومنه البيت الحرام ، وفلان حرام أَى محرم وهو ضد
الحلال ، وذلك لما مُنِعٍ منه المُحْرِم مما يجوز لغيره ، ولِمَا مُنِع فى الحرم مما يجوز فى غيره
من البلاد .
الماوردى رحمه الله فى كتاب الجزية من حاويه (٧): ((كلُّ مَوْضِع ذَكَر اللهُ تعالى [فيه] (٨)
(١) هو على بن جعفر بن على المعروف بابن القطاع، السعدى الصقلى توفى سنة ٥١٥، (ابن خلكان ج ١ ص ٣٣٩:
٣٤٠ ) .
(٢) الخمرة بضم الخاء المعجمة الحصيرة أو السجادة تنسج من سعف النخل وترمل بالخيوط، عن المعجم الوسيط .
(٣) من معانى الحصير البساط المنسوج. وفى تاج العروس: الحصير وجه الأرض ، وقيل: وبه سمى ما يفرش
على الأرض حصيراً لكونه يلى وجهها والجمع أحصرة وحصر بضمتين .
(٤) قاله العسكرى فى كتابه الذى أسماه: ((التصحيف والتحريف وشرح ما يقع فيه)) وقد نشر الجزء الأول منه
فى القاهرة فى سنة ١٣٢٦ هـ والعبارة التى نقلها عنه الصالحى تقع فى نهاية ص ١١٣. والعسكرى هو الحسن بن عبد الله بن سعيد
أحد أئمة الأدب توفى سنة ٣٨٢ هـ ( ابن خلكان جـ ١ ص ١٣٢).
(٥) طرف حديث خرجه البخارى (جـ ١ ص ١٤٩) فى كتاب التيمم عن جابر بن عبد الله.
(٦) الربط جمع رباط ويطلق على ملجأ الفقراء من الصوفية .
(٧) كتاب الحاوى فى الفقه الشافعى لمؤلفه أبى الحسن على بن محمد بن حبيب البصرى الماوردى المتوفى سنة ٤٥٠
يقع فى نيف وعشرين جزءاً. انظر ترجمة مؤلفه فى طبقات الشافعية للتاج السبكى (جـ ٣ ص ٣٠٤ : ٣١٤).
(٨) إضافة يقتضيها السياق كما وردت فيما نقله الزركشى عن الماوردى فى كتابه إعلام الساجد ص ٦٠.
- ٢٩ -

المَسْجِدَ الحرام فالمراد به الحَرَمِ ، إِلا فى قوله تعالى: ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِد الحَرَامِ(١) )
فإنه أَراد به الكعبة .
الحافظ رحمه الله تعالى: ((لفظ المسجد الحرام فى الأصل حقيقة الكعبة فقط ، وهو
المَعْنِىُّ بقوله تعالى: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِع للنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وهُدًى لِلعَالَمِينَ(٢))،
وبقوله صلى الله عليه وسلم لما سأله أَبو ذَرّ عن أول مسجد وُضِع فى الأرض فقال: ((المسجد
الحرام (٣)). واستعمله بعد ذلك فى المسجد المحيط بالكعبة فى قوله: ((صلاةٌ فى المسجد
الحرام بكذا وكذا صلاة(٤)))، على وجه التغليب المجازى . وفى قوله تعالى: (سُبْحَانَ
الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً من المَسْجِدِ الحَرَام (٥)) على قول من يقول المراد به مكة ،
لأنه كان فى بيت أم هانى. وفى دور مكة والحرم حولها فى قوله: ((ذلك لمن لم يكن أهله
حاضرى المسجد الحرام)). كل ذلك من باب التغليب المُسَوِّغ للمجاز المُتَوَّسَّع فيه وإلا
لَزِم الاشتراك فى موضع لفظ المسجد الحرام ، والمجاز أولى منه ، وكيف يقال بالاشتراك ؟
والفهم ما تبادر عند الإطلاق إلى الكعبة ، أَو إِليها مع المسجد حولها ، ولا يتبادر إلى مكة
كلها إِلا بقرينة)). انتهى مُلَخَّصاً .
العاشر : فى الكلام على الأقصى :
البرهان النسفى رحمه الله: ((اتفقوا على أن المراد به مسجد بيت المقدس، وسُمِّىَ
بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام)) .
(١) سورة البقرة آية ١٤٤.
(٢) سورة آل عمران آية ٩٦ .
(٣) فى الصحيحين عن أبى ذر رضى الله عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أول مسجد وضع
على الأرض فقال: ((المسجد الحرام)). قلت : ثم أى ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت : وكم بينهما ؟ قال : أربعون عاماً
ثم الأرض لك مسجد فحيمًا أدركتك الصلاة فصل . وقال البخارى فى بعض طرقه: أينما أدركتك الصلاة فصل فيه فإن الفضل
فيه . خر جه فی ذ کر الأنبياء .
(٤) روى النسائى فى سننه من حديث ميمونة - رضى الله عنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول : صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الكعبة ، وروى أيضاً من حديث أبى هريرة :
((إلا الكعبة)). وأخرج ابن ماجه (جـ ١ ص ٤٥) عن جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((صلاة في
مسجدى أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه .
(٥) الآية الأولى من سورة الإسراء
= ٣٠ -

الزمخشرى رحمه الله: ((سُمِى الأقصى لأنه لم يكن وراءه مسجد)).
الكفيل: فثبَتَ له هذا النَّعْتِ وإِن كان وراءه بعد مساجد هى أَقصى منه، لأَن
العَلَمية إذا أُثْبتَتْ لسبب لم يَضُرّ زَوَالُ السبب)».
ابن دحية رحمه الله: ((وهو مَعْدِن الأنبياء من لدن الخليل صلى الله عليه وسلم ، ولذا "
جُمِعُوا له هناك كلهم ، وأنهم فى محلتهم ودارهم ، ليدل ذلك على أَنه الرئيس المُقُدَّم ،
والإمام الأعظم صلى الله عليه وسلم)).
أبو شامة: (( هو بيت المقدس الذى عَمَرَهُ نَبِىُّ الله سليمان صلى الله عليه وسلم بأمر
الله عز وجل، وما زال مُكَرَّماً مُخْتَرَماً، وهو أَحد المساجد الثلاثة التى لا تُشَدُّ الرِّحالِ شرعاً
إلا إليها(١)، أى لا تقصد بالزيارة والتعظيم من جهة أَمر الشارع إلا هذهِ الثلاثة. وكان أَبعد
مسجد عن أَهل مكة أَو من النبى صلى الله عليه وسلم ، والأَّقصى أَفعل من القَضِىّ والقاصى
هو البعيد)).
ابن أبى جَمْرَةٍ(٢) - بفتح الجيم وبالراء - رحمه الله: ((والحكمة فى إسرائه صلى الله عليه
وسلم أولاً إلى بيت المقدس ، لإِظهار الحق على من عائد ، لأنه لو عُرج به من مكة إلى
السماء، لم يجد لمعاندة الأَعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح. فلما ذكر أَنْ أُسْرى به إِلى
بيت المقدس سألوه عن أشياء من بيت المقدس كانوا رَأَوْها وعَلِموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك.
فلما أخبرهم بها حصل التحقق بصدقه فيما ذكر من الإِسراء به إلى بيت المقدس فى ليلة .
وإِذا صَحَّ خَبَرُه فى ذلك لَزِم تصديقه فى بقية ما ذُكِرَ)). انتهى .
وقيل : ليحصل له العروج مستوياً من غير تعويج لِمَا رُوِى عن كعب أَن باب السماء
الذى يقال له مَصْعَد الملائكة يقابل باب بيت المقدس ، قال: وهو أقرب الأرض إلى السماء
بثمانية عشر ميلاً .
(١) أخرج البخارى فى صحيحه (ج ٢ ص ١٣٦) عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تشد الرحال
إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومسجد الأقصى)).
(٢) هو أبو محمد عبد الله بن سعد بن أبى جمرة مؤلف مختصر البخارى وشرحه بهجة النفوس توفى سنة ٦٩٩ه.
ترجم له أحمد بابا التمكتي فى نيل الابتهاج بتطريز الديباج على هامش الديباج المذهب لابن فرحون، ( القاهرة سنة ١٣٥١ م
من ١٤٠ ) .
- ٣١ -
٢

٣٢٩ و
الحافظ / : ((وفيه نظر. وقيل ليجمع بين القِبْلَتَيْن، لأَن بيت المقدس كان هجرة
غالب الأنبياء فحصل له الرحيل إليه فى الجملة ليجمع بين أسباب الفضائل . وقيل لأَّنه
محل الحَشْرِ ، فأَراد الله تعالى أَن تطأَه قَدَمُه ليسهل على أُمته يوم القيامة وقوفهم ببركة
أَثر قدميه . وقيل أراد الله سبحانه وتعالى أَن يُرِيَه القبلة التى صلى إليها مدة ، كما عُرِفت
الكعبة التى صلى إليها . وقيل لأنه مجمع أرواح الأنبياء فأَراد الله تعالى أن يُشَرِّفهم
بزيارته صلى الله عليه وسلم . وقيل لتفاؤل حصول التقدير له حِسًّا ومعنى .
ابن دحية : ((ويحتمل أن يكون الحق سبحانه وتعالى أَراد أَلَّ يُخْلِيَ تربةً فاضلةً من
مشهده وَوَطْءٍ قَدَمَيْه ، فتَمَّم تقديس بيت المقدس بصلاة سيدنا محمد فيه . فلما تمم تقديسه
به، أخبر صلى الله عليه وسلم أنه: لا تُشَدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام
لأَّنه مولده ومسقط رأسه وموضع نُبُوَّته ، ومسجد المدينة ، لأنه محل هجرته وأرض
تربته، والمسجد الأَقْصَى، لأنه موضع معراجه صلى الله عليه وسلم)) .
رموز الكنوز: ((فإِن قيل الإِسراء والمِعْراج كانا فى ليلة واحدة، فَهَلَّا أَخبرهم تعالى
بعروجه إلى السماء ؟ قلت : استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإِسراء أولاً ، فلما ظهرت أَمَارات
صدقه ، وصَحَّت لهم براهين رسالته ، واستأنسوا بتلك الآية الخارقة ، أَخبرهم بما هو
أَعظم منها وهو المعراج ، فحدّثَّهم النبى صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الله تعالى سورة
النَّجْمِ)) .
الإِمام الرازى والبرهان: ((أعلم أن كلمة ((إِلى)) لانتهاء الغاية فمدلول قوله تعالى :
(إِلَى المَسْجِد الأَقْصَى) أَنه وَصَل إِلى حَدّ ذلك المسجد، ولا دلالة فى اللفظ على أنه دَخَل)).
قلت : قال المحققون: إِذا كانت ((إِلى)) لانتهاء الغاية، فإن دلَّت قرينة على دخول
ما بعدها عُمِل بها ، نحو قرأت القرآن من أَوَّله إلى آخره . فالقرينة هنا ذِكْرُ الآخر
وجَعْلُه غاية . وقيل القرينة هى كون الكلام مسبوقاً لحفظ القرآن كله ، وذلك مُنَاف
لخروج الغاية، فَتَعَيَّن دخولُها، أَو دَلَّت القرينة على خروج ما بعدها عُمِل بها نحو :
(أَيِّمُوا الصِّيَامَ إِلى الَّيْلِ(١)). والقرينة فى آية الإِسراء العِلْمُ بأَنَه لا يُسْرَى به إِلى البيت
(١) سورة البقرة من الآية ١٨٧.
- ٣٢ -
:

المقدس ولا يدخله وصَرَّحَت السّنّة الصحيحة بما اقتضته القرينة من دخوله صلى الله عليه
وسلم بيت المقدس .
الحادى عشر: معنى قوله: (بَارَكْنَا حَوْلَه ) :
الراغب رحمه الله: (( البَرَكة ثبوت الخير الإلهى فى الشىء، والمُبَارَك ما فيه ذلك
الخير)) .
المصباح: ((البركة الزيادة والنَّمَاء، وبَارَكَ اللهُ تعالى فيه فهو مُبَارَك، والأصل مُبَارَك
فيه )).
الأُنموذج : فإن قيل: كيف قال : (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) ، ولم يَقُل باركنا عليه أَو فيه ،
مع أَن البركة فى المسجد تكون أَكثر من خارج المَسْجِد وحَوْله ، خصوصاً المسجد الأَقْصَى ؟
قلنا أراد البركة الدنيوية كالأنهار الجارية والأَّشجار المُثْمِرة ، وذلك حوله لا فيه .
وقيل أراد البركة الدينية فإنه مقر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ومُتَعَبَّدهم ومهبط
الوحى والملائكة . وإنما قال : (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) لتكون بركته أَعَمّ وأَشمل ، فإنه أَراد بما
حوله ما أَحاط به من أرض الشام وما قاربه منها ، وذلك أوسع من مقدار بيت المقدس ،
ولأنه إذا كان هو الأَّصل، وقد بَارَكَ فى لواحقه وتوابعه من البقاع كان هو مُبَارَكاً فيه
بالطريق الأَوْلَى بخلاف العكس . وقيل أَراد بالبركة : الدينية والدنيوية وَوَجْهُهُما ما مَرْ.
وقيل المراد : باركنا ما حوله من بَرَكَةٍ نشأت / منه، فَعَمَّت جميع الأَرض، لأن مياه ٣٢٩ ظ
الأرض كلها أصل انفجارها من تحت صخرة بيت المقدس(١)). انتهى.
الكفيل: ((فإن قيل إذا كانت البَرَكة حول المسجد الأقصى فماذا يتميز عليه المسجد
الحرام ؟ قلت : البَرَكَة حول المسجد الأقصى باعتبار الدنيا ورفاهيتها وخصبها ، والبركة
(١) لسنا فى حاجة إلى التعليق على هذا التعليل العجيب الذى أورده المؤلف وهو أن مياه الأرض كلها أصل انفجارها
من تحت صخرة بيت المقدس لأنه يتناقض مع حقائق العلوم الجغرافية فأنهار العالم فى القارات الست تستمد مياهها من مناطق سقوط
الأمطار فى الكرة الأرضية، وهى مناطق لا علاقة لها البتة بصخرة بيت المقدس . وإيراد المؤلف لهذا التعليل إنما يدل على تدهور
العلوم الجغرافية عند المسلمين ابتداء من القرن العاشر الهجرى تلك العلوم التى عنى بها المسلمون فى العصور السابقة ونهضوا بها
نهضة عظيمة . ومن العجيب أن يقول المؤلف هذا فى وقت كان معاصراً فيه لحركة الكشف الجغرافى التى كشف فيها الأوروبيون
طريق رأس الرجاء الصالح وقارتى أمريكا الشمالية والجنوبية .
- ٣٣ -
(٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

حول المسجد الحرام باعتبار الدين والفضل وتضعيف الحسنات فيه للطائفين والعاكفين
والمتوطنين والوافدين، لأَن الأَجر يكون على قدر النَّصَب، وهو واد غير ذى زَرْعِ، نَزَّهه
الله عن خصب الدنيا وسعتها ، لئلا يكون القصد إليه ممزوجاً بقصد الدنيا ، فهذه البَرَكة
الدينية أفضل من تلك البركة الدنيوية)). انتهى.
((وحَوْلَهُ)) منصوب على الظرف أَى أَوقعنا البَرَكَة حَوْلَه، وقيل تقديره: بَارَكْنَا
ما حوله .
أبو عبيد الهَرَوِى رحمه الله تعالى: ((رَأَيْتُ الناسِ حَوْلَهُ وحوالَيْه وحَوْلَيْه وحَوَاله
ويُجْمَع أَحوالا)» .
الراغب: حَوْلَ الشىء جانِبُه الذى يمكن أَن يَتَحَوَّل إليه والضمير راجع إلى المسجد
الأقصى)).
الثانى عشر : فى الكلام على قوله تعالى: ( لِنُرِيَهُ من آيَاتِنَا ) .
السَّمِين وابن عادل: ((قرأ العامة بنون العَظَمة، جَرْياً على ((بَارَكْنَا))، وفيه التفات من
الغيبة فى قوله: (أَسْرَى بِعَبْدِهِ) إلى التكلم فى ((باركنا)) و ((لنُرِيَه))، وقرأَ الحسن (لِيُرِيَه))
بالمثناة التحتية أَى الله تعالى)).
وعلى هذه القراءة فى الآية أَربع التفاتات، لأنه التفت أولاً من الغيبة فى ((أَسْرَى))
إِلى التكلم فى ((باركنا)). ثم التفت ثانياً من التكلم فى ((باركنا)) إِلى الغيبة ((لِيُرِيَه)).
ثم التفت ثالثاً إِلى التكلم فى ((آيَاتِنا)). ثم التفت رابعا إلى الغيبة فى (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
البَصِير) .
الزمخشرى: ((وطريقة الالتفات من طرق البلاغة)) ..
الطيبي: ((وذكرك أَن قوله: ((سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِه)) يدل على مَسْرَاه من عالَم
الشهادة إِلى عالم الغَيْب، فهو بالغيب أَنسب . وقوله : (الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ) دالٌ على إِنزالِ
البركات وتعظيم شأن المُنْزِل، فهو بالحكاية على التفخيم أَخْرَى. وقوله: ((لِيُرِيَهُ)) بالياء
إِعادة إلى مقام السِّرِّ والغيبوبة من هذا العَالَم، فالغيبوبة بهما أَلْيَقِ. وقوله: ((مِنْ آيَاتِنَا))
- ٣٤ -

عَوْدٌ إلى التعظيم على ما سَبَق . وقوله: (إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ البَصير) إِشارة إلى مقام اختصاصه
بالمَنْحِ والزُّلْفَى وَغَيْبَة شهوده فى عين ((بى يسمع وبى يُبْصر)) فالعود إلى الغيبة أَوْلَى)) انتهى.
ومعنى الرؤية هو. ما أُرِىَ تلك الليلة من العجائب والآيات الدَّالَّة على قُدْرَة الله تعالى
ومنها ما ذكره فى القصة .
أَبو شامة: ((مِنْ)) هنا للتبعيض، وإِنما أُتِىَ بها هنا تعظيماً لآيات الله ، فإن هذا الذى
رآه محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان جليلاً عظيماً فهو بعض بالنسبة إلى جملة آيات
. الله وعجائب قدرته وجليل حكمته . والآية العلامة الظاهرة على ما يلازمها ، فمن عَلِم
ملازمة العِلْم للطريق المنهاج ، ثم وجد العِلْم على أنه وجد الطريق ، وكذا إِذا وجد شيئاً
مصنوعاً، فإِنه يعلم أنه لابُدَّ له من صانع ، فآية الشىء علامته الظاهرة ، ثم غلب ذلك
على صدق الرسل ، وعلى الإلهية وكرامات الأولياء وما أشبه ذلك)).
البرهان النسفى: ((فإن قيل الآية تدل على أنه تبارك وتعالى ما أَراه إلا بعض الآيات
وقال فى حق إِبراهيم صلى الله عليه وسلم (وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوات
والأَرْضِ))(١)، يدل على أنه تعالى أَراه جميع الآيات، فيلزم أن يكون مِعْراج إبراهيم أفضل
من معراج محمد صلى الله عليه وسلم ، فنقول: ملكوت السموات والأرض بعض آيات
الله أيضاً بعضاً مخصوصاً ، والبعض المطلق أفضل من البعض المخصوص ، إِذ المطلق يُصْرَف
إلى الكامل / . والجواب المشهور عنه هو أن بعض آيات الله أفضل من ملكوت السموات
والأَّرض . انتهى .
٣٣٠ و
الثالث عشر : فى الكلام على قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير) .
السمين: ((الصحيح أن الضمير فى ((إِنَّه)) لله تبارك وتعالى)).
الطيبي: ((ولا يبعد أن يرجع الضمير إِلى العبد ، كما نقله أبو البقاء عن بعضهم ،
قال: ((إِنه السميع))، لكلامنا، ((البصير)) لذاتنا. وأَما تَوَسّط ضمير الفعل فللإِشعار
باختصاصه بهذه الكرامة وَحْدَهُ ، ولعل السِّرّ فى مجىء الضمير مُحْتَمِلاً للأَّمرَيْن الإِشارة إِلى
المطلوب وأنه صلى الله عليه وسلم إنما رأى رب الغِزَّة وسمع كلامه به)) .
(١) سورة الأنعام آية ٧٥ .
- ٣٥ -

الماوردى : ((فى الحكمة بالإِتيان بالسميع والبصير هنا وجهان : أحدهما : أَنه تعالى
وصف نفسه بهما ، وإن كانا من صفاته اللازمة لذاته فى الأحوال كلها، لأَّنه حِفْظٌ لرسوله
عند الإِسراء به فى ظلمة الليل ، فلم يَضُرّه أَلَّا يُبْصِر فيها، وسمع دُعَاءه فأَجابه إلى ماسأَل.
الثانى : أَن قومه لما كذَّبوه حين أخبرهم بإسرائه، فقال: السميع ، يعنى لما يقولونه من
تصديق أو تكذيب (و) . البصير، فيما يفعله من الإسراء والمعراج.
الزمخشرى: ((إنه هو السميع)) لأَقوال محمد، ((البصير)) بأفعاله(١)، العالِم بتَهَذُّبِها
وخلوصها فيُكْربه ويُقَرِّبه على حسب ذلك .
ولم يَتَعَقَّب ذلك الطيبى ولا السَّكُونى - بالفتح والضمّ - فى التمييز مع مبالغته فى
التنكيب(٢) والاعتراض عليه. وقال صاحب الكفيل: ((ذَكَر صِفَتَىْ السمع والبصر تنبيهاً
على أنه عَلِمٍ حيث يجعل رسالاته وكراماته ، والبصير بآياته ، وكما أنه أَعلم فهو أسمع
وأَبصر . والمراد أنه السميع لمن صَدَّق بالإِسراء البصير بمن كَذَّب به))، ثم ذكر كلام
الزمخشرى السابق، ثم قال: ((وفى كلامه هذا إيماء إلى القول بإِيجاب الجزاء وتلويح
إلى اعتقاد (٣) أَن فضائل النبوة مكتسبة ، فاحذر هذه العقيدة . انتهى.
الغزالى رحمه الله: المقصد الأَسنى: ((السميع هو الذى لا يعزُب عن إِدراكه مسموع
وإِن خَفِى ، فيسمع السِّرَّ والنجوى ، بل ما هو أدق وأَخفى ،ويدرك دبيب النملة السوداء
فى الليلة الظلماء على الصخرة الصَّمَّاء، يسمع بغير أَصْمِخَةٍ وآذان، وسَمْعُهُ مُنَزَّه [عن](٤).
أَن يتطرّق إِليه الحَدثَان. ومهما نَزَّهْت السمع عن تغير المسموعات وقَدَّسْتَه عن أن يسمع
بأُذن وآلة عَلِمْتَ أَن السمع فى حقه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات .
و [مَنْ] لم يدقق نظره فيه وقع بالضرورة فى بحر (٥)التشبيه فخُذْ حِذْرَك (٦) ودَقِّق فيه
نَظَرَك)» .
(١) فى الأصول : لأفعاله والتصويب من الكشاف.
(٢) التنكيب التنحيه نكبه تنكيباً نحاه ، عن القاموس.
(٣) الأفضل أن تكون العبارة: وتلويح إلى الشبهة فى اعتقاد أن فضائل النبوة مكتسبة.
(٤) إضافة من المقصد الأسنى فى شرح أسماء الله الحسنى للغزالى ص ٤١ طبع القاهرة دون تاريخ .
(٥) في المقصد : في محض التشبيه .
(٦) فى المقصد : قخذ منه حذرك .
- ٣٦ -

وقال أيضاً: ((البصير هو الذى يُشَاهِد ويَرَى ولا يعزُب عنه ما تحت الثَّرى، وإبصاره
مُتَزَّهُ عن أَن يكون بحَدَقَة وأَجفان، مُقَدَّس عن أَن يرجع عن انطباع الصور والألوان
فى ذاته تعالى ، كما تنطبع فى حَدَقة الإنسان ، وإِن ذلك من التغير والتأثير المقتضى
للحَدَثان. وإِذا نُزِّه عن ذلك كان [البَصَر] (١) فى حقه عبارة عن الصفة التى ينكشف بها
كمال نعوت المصنوعات ، والله تعالى أعلم بالصواب)) .
(١) إضافة من المقصد الأسنى.
- ٣٧ -

الباب الثانى
فى تفسير أول سورة النجم
قال الله سبحانه وتعالى: ( بسم الله الرحمن الرحيم. والنَّجْمِ إِذا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ
وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقِ عَن الهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ
فَاسْوَىَ. وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّ. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنٍ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَىّ
عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الفُوَّادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى.
عِنْدَ سِدْرَة المُنْتَهَى. عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرةَ مَا يَغْثَى. مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى.
لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّه الكُبْرَى ) .
الكلام على هذه الآيات من وجوه : الأول : فى سبب نزولها .
النهر: (( سَبَبُه قول المشركين إِن محمداً يختلق القرآن)).
الثانى : فى مناسبة هذه السورة لما قبلها :
قال الإِمام الرازى والبرهان النسفى رحمهما الله ، قد قيل : إِن السُّوَر التى تقدمت وهى
التى أَقسم [الله تعالى](١) فيها بالأَسماء دون الحروف: الصَّافَّات والذاريات والطور، وهذه
السورة(٢) بعدها، فالقَسَم فى الأُولى لإثبات الوحدانية ، كما قال: ( إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ(٣))
وفى الثانية لوقوع الحَشْر والجزاءية كما قال تعالى: (إِنَّمَا تُوعِدُون لَصَادِقٌ. وَإِنَّ الدِّينَ
لَوَاقِعٌ(٤)) . وفى الثالثة لدوام العذاب بعد وقوعه كما قال تعالى: ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ .
مَالَهُ مِنْ دَافِعٍ (٥)) وفى هذه السورة(٦) لبيان النبوة كما قال تعالى (والنَّجْمِ إِذَا هَوَى) إلخ
لتكمل الأصول الثلاثة : الوحدانية والحشر والنبوة)).
والوجه الآخر فى المناسبة لما قبلها هو أن الكفرة بالغوا فى المكابرة والمعاندة فى حق النبى
(١) إضافة يقتضيها السياق.
(٣) سورة الصافات آية ٤.
(٥) سورة الطور آية ٧ و ٨.
(٢) أى سورة النجم.
(٤) سورة الذرايات آية ٥ و٦ .
(٦) أى سورة النجم.
- ٣٨ -

صلى الله عليه وسلم ، وطعنوا فيما نطق به من الكلام ، كما مَرَّ بيانُه فى تلك السورة ، فقال
فى هذه ما يَدُلْ على صدقه فى دعواه، وصِدْق ما نطق به وأَجراه مُؤَّكِّدًا بالقَسَم .
وأَما مناسبة أول هذه السورة إلى آخر ماقبلها فمن وجوه : أَحدها : أَن اختتام تلك
السورة بالنجم وافتتاح هذه السورة بالنجم(١) مع القَسَم. ثانيها : أنه تعالى أمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالصبر فى آخر تلك السورة ، كما قال تعالى (واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ(٢))؛
والصَّبْرَ أَمْرٌ صعب ، فذكر فى أول هذه السورة ما يدل على علوّ منزلته وعظم شأنه ليسهل
عليه ذلك الأمر.
ثالثها : لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( وَمِنَ الَّلَيْلِ فَسَبِّحْه وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٣))،
بَيَّن له أَنِهِ جَزَاهُ بخير، فقال: ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) (٤) وزاد الشيخ رحمه الله
تعالى ، فى مناسبته وجهاً آخر، وهو أَن [سورة] الطور فيها ذِكْر ذُرِّية المؤمنين وأنهم تَبَعٌ
لآبائهم(٥)، وهذه فيها ذِكْر ذُرِّية اليهود فى قوله تعالى: ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ
الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فى بُطُونِ أَمَّهاتِكُمْ (١)) .
فقد رَوَى ابنُ المُنْذِر وابن حِبَّان(٧) عن ثابت بن الحرث الأنصارى قال: ((كانت
اليهود تقول إذا هلك لهم صَبِىّ صغير هو صِدِّيق ، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال :
((كَذَبَتْ يهود، ما من نَسَمة يخلقها الله فى بطن أُمِّه إِلا أَنه شقّ أَو سعيد)). فأنزل الله تعالى
عند ذلك : ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأْكُمْ مِنَ الأَرْضِ ) الآية . ولما قال الله تعالى هناك فى
(١) الآية الأخيرة فى سورة الطور السابقة لسورة النجم تختم بكلمة النجوم والأخيرة تبدأ بالقسم بالنجم.
(٣) سورة الطور آبة ٤٩.
(٢) سورة الطورآية ٤٨.
(٤) سورة النجم آية ٢ .
(٥) وذلك فى الآية٢١ من سورة الطور ((والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم
من ثبىء كل امرئ بما كسب رهين .
(٦) سورة النجم آية ٣٢.
(٧) ابن حبان فى ت وم، وأبو حاتم فى ط غير أن: إسناد هذا الحديث فى كل من أسباب النزول الواحدى (ص
٢٩٨، طبعة القاهرة سنة ١٣١٥ هـ) وتفسير القرطبى (جـ ١٧ ص ١١٠ (جاءفيه : روى ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد
عن ثابت بن الحرث الأنصارى .
- ٣٩ -

المؤمنين: ((أُلْحَقنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهم من شىءٍ(١) ) أَى مانقصنا الأباء
مما أَعطينا البَنِين مع نفعهم بعمل آبائهم ، قال هناك فى الكفار أَو فى الكبار : ( وَأَن لَيْسَ
لْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى(٣))، خلاف ما ذكر فى المؤمنين الصغار)). انتهى.
أبو حَيَّان رحمه الله: ((هذه السورة مكية، ومناسبتها لآخر ما قبلها ظاهر، لأَنه تعالى
قال : ( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ(٣) ) أَى اختلق القرآن، ونسبوه إلى الشِّعر ، وقالوا هو كاهن ،
هو مجنون، فأَقسم تعالى أنه صلى الله عليه وسلم ما ضَلَّ، وأَن ما أَتى به هو الوَحْى من الله .
٣٣١ و وهى / أول سورة أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءتها فى الحرم ، والمشركون يسمعون ،
وفيها سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس غير أَبى لهب فإِنه رفع حفنة من
تراب إلى جبهته وقال يكفى هذا)). قلت : ذكر أَبى لهب هنا غريب .
روى الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود قال : أول سورة نزلت فيها سجدة ، النجم ،
فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسجد الناس كلهم إلا رجلاً رأيته أَخذ كفّا من
تراب فسجد عليه ، فرأيته قُتِل كافرًا وهو أمية بن خلف(٤). وروى ابن مردويه وابن خلف
عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فى النجم وسجد
من حضر من الجن والإنس والشجر ، زاد ابن أبى شيبة إلا رجلين من قريش أرادا بذلك
الشهرة ، وسمى أَحد الرجلين المُبْهَميْن فى الرواية السابقة ، والثانى الوليد بن المغيرة كما عند
ابن سعد(٥) . وروى البخارى عن ابن عباس قال: سجد النبى صلى الله عليه وسلم بالنجم
وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس .
(١) سورة الطور آية ٢١.
(٣) سورة الطور آية ٣٣.
(٢) سورة النجم آية ٣٩.
(٤) هذه القصة ذكرها كل من ابن سعد فى الطبقات الكبرى (طبعة القاهرة سنة ١٣٥٨ ٨ جـ ٢ ص ١٨٩ و ١٩٠)
والطبرى فى تاريخه ( طبعة الحسينية بالقاهرة سنة ١٣٢٦ هـ ج ٢ ص ٢٢٦ و٢٢٧) والسهيلى فى الروض الأنف (طبعة القاهرة
سنة ١٩١٤ م -١ص ٢٢٩) والقرطبى فى تفسيره ( جـ ١٢ ص ٧٩: ٨٦).
(٥) جاء فى طبقات ابن سعد (ج ٢ ص ١٩٠): ((ثم مضى ( النبى - صلى الله عليه وسلم - فقرأ السورة كلها"
(سورة النجم) وسجد القوم جميعاً ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه ، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود ،
ويقال إن أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ تراباً فسجد عليه ورفعه إلى جبهته وكان شيخاً كبيراً . فبعض الناس يقول إنما الذى
رفع التراب الوليد وبعضهم يقول أبو أحيحة وبعضهم يقول كلاهما جميعاً فعل ذلك)). وفى تاريخ الطبرى (ج ٢ ص ٢٢٦)
وسيجد من فى المسجد من المشركين من قريش وغيرهم ... فلم يبق فى المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة
وكان شيخاً كبيراً فلم يستطع السجود فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها)). وناقش القرطبى فى تفسيره ما جاء فى هذه
القصة .
- ٤٠ -