النص المفهرس
صفحات 541-560
تنبيه فى بيان غريب ما سبق الدِّين : بالنصب على نزع الخافض أَى يدينان بدين الإسلام ، أو هو مفعول به على التجوز . ابتلى المسلمون : أَى بأَذى المشركين لما حَصروا بنى هاشم والمطَّب فى شِعْب أبى طالب وأذن النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه فى الهجرة إلى الحبشة . بَرْك - بباء موحدة مفتوحة وتكسر فراء ساكنة فكاف . الغماد بغين معجمة مكسورة وقد تضم فميم مخففة فألف فدال مهملة : موضع على خمس ليال من مكة . ابن الدّغْنَةُ - بدال مهملة فغين مضمومتين فنون مشددة عند أهل اللغة، وعند أهل الرواية : بفتح أوله وكسر ثانيه وتخفيف النون . وثبت بالتخفيف والتشديد عند بعض رواة الصحيح وهي أُمُّه وقيل أُم أَبيه ومعنى الدغنّة: المسترخية، وأَصلها الغَمامة الكثيرة المطر . واختلف فى اسمه فقال الزهرى ، كما رواه البلاذرى : الحارث بن يزيد . وحكى السُّهيلى أَن اسمه مالك . القارَة - بالقاف وتخفيف الراء ، وهى قبيلة مشهورة من بنى المُون - بالضم والتخفيف- ابن خُزَيْمة بن مُذْركة ابن الياس بن مضر، ويُضْرب بهم المثلُ فى قوة الرَّمى . قال الشاعر · قد أَنصفَ القارَة من رامَاها(١) » أسيح - بسين وحاء مهملتين بينهما مثناة تحتية : أَسير . لا يَخْرج مثله . بفتح أوله أَى من وطنه باختياره على نية الإقامة فى غيره مع ما فيه من النفع المتعدِّى لأهل بلده ولا يُخْرَج بضم أوله أَى ولا يخرجه أَحد بغير اختياره للمعنى المذكور . (١) قال أبو ذر: هو بيت رجز وقبله: إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها . وكانت القارة رماة لا يقوم لهم أحد، فجاء قوم من رماة الفرس فعارضوهم فى الرمى فقال الناس : قد أنصف القارة من راماها . فجرى مثلا . شرح السيرة ص ٧٩ . - ٥٤١ - فلم تكذِّب قريش : أَى لم تردّ عليه قوله فى أَمان أبى بكر ، وكل من كذَّبك فقد ردّ عليك قولَك ، فأطلق التكذيب وأراد لازمه .. بجوَار - بكسر الجيم وضمها وآخره راء . الفنَاء - بكسر الفاء وتخفيف النون: سعَة أمام البيت وقيل ما امتدَّ من جوانبه . بدا - ظهر له رأى غير الأول . يتقصَّف : بمثناة تحتية فمثناة فوقية فقاف فصاد مهملة مشددة مفتوحتين : يزدحمون عليه حتى يَسْقط بعضُهم على بعض فيكاد ينكسر ، وأُطلق يتقصّف مبالغة . بَگّاء : بالتشديد : كثير البكاء . ذِمتك : أَمانك . ٢٠ نُخْفرك - بضم أوله وبالخاء المعجمة وبالفاء. مُقَرِّين لأبى بكر الاستعلان : أَى لا نسكت عن الإنكار عليه للمعنى الذى ذكروه . بجوار الله : أَى أَمانه وحمايته . قِبَل المدينة - بكسر القاف وفتح الموحدة أى جهة المدينة . على رِسْلك : بكسر الراء : أى على مهلك، والرِّسْل السير الرفيق. ودل قول أبى بكر رضى الله عنه: ما أَحْلَمك على جواز قول: ما أَعظم الله. وقدـ بسطت الكلام على ذلك فى كتاب ((رياض الأبرار فى الدعوات والأذكار)) والله أعلم . - ٥٤٢ - الباب الحادى والعشرون فى نقض الصحيفة الظالمة قال ابن إسحاق : ثم إنه قام فى نقض الصحيفة التى تكاتبت فيها قريش على بنى هاشم وبنى المطلب جماعةٌ من قريش ، ولم يُبلَ فيها بلاءٌ أَحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث رضى الله عنه . وذلك أنه كان ابن أَخى نَضْلة ابن هاشم بن عبد مناف لأُمه ، فكان هشام لبنى هاشم واصلاً ، وكان ذا شرف فى قومه فكان يأتى ليلاً بالبعير قد أَوْقَره طعاماً بالليل وبنو هاشم وبنو المطلب بالشِّعْب حتى إذا أَقْبَلَه فَمَ الشِّعبِ قَلِع خِطَامه من رأسه ثم ضرب على جَنْبه فيدخل عليهم الشعبَ ، ويأتى بالبعير قد أَوْقره بُرًّا فيفعل مثل ذلك . قال ابن سعد : وكان أَوْصَل قريش لبنى هاشم حين حُصِروا فى الشعب ، أدخل عليهم فى ليلة ثلاثة أحمال طعاماً ، فعلمت بذلك قريش فمشوا إليه حين أصبح فكلَّموه فى ذلك فقال : إِنى غيرُ عائد لشىء خالَفكم. فانصرفوا عنه. ثم عاد الثانيةَ فأُدخل عليهم ليلاً حِمْلا أَو حِمْلين فغالظَتْه قريشٌ وهمَّت به. فقال أَبَو سفيان بن حرب: دَعُوه، رجلٌ وصَل أَهْلَ رَحِمه ، أَمَا إِنِى أَحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أَحْسنَ بنا . ثم إِن هشاما مشى إلى زهير بن أبى أُمية رضى الله عنه، وأُمه عاتكة بنت عبد المطلب ، فقال له : يا زهير أَرضيتَ أَن تأكل الطعامَ وتلبس الثياب وتنكح النساء وأَخوالُك حيث قد علمتَ لا يُبَايَعون ولا يُبْناعِ منهم، ولا يَنْكحون ولا يُنْكَح إليهم ؟ أَمَا إنى أَحلف بالله أَنْ لو كانوا أَخوالَ أَبى الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أَجابَك إليه . فقال : ويحك يا هشام فماذا أَصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معى رجل آخر لقمتُ فى نَقْضها. قال : قد وجدتَ رجلاً. قال: من هو ؟ قال : أَنا : فقال له زهير : ابْغِنا رجلاً ثالثا . فذهب إلى المطْعِم بن عدىّ فقال له : يا مطعم أَرضيتُ أَن يَهْلك بَطْنان من بنى عبد مناف وأَنْت شاهدٌ على ذلك موافق لقريش فيه؟ أَمًا والله لئن مكَّنتموهم من هذه لتجدنّهم - ٥٤٣ - إليها منكم سِرَاعا. فقال: ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد . قال : قد وجدتَ ثانيا . قال : من هو؟ قال : أَنا . قال : ابغنا ثالثا . قال : قد فعلتُ . قال : من هو ؟ قال زهير ابن أَبِى أُمية . قال : ابغنا رابعا . فذهب إلى أبى البَخْترىّ بن هشام فقال له نحوًا مما قال للمطعِم بن عدىّ فقال : وهل أَحدُ يعين على هذا الأمر ؟ قال : نعم . قال : من هو ؟ قال : زهيرُ ابن أمية والمطعم بن عَدِىّ وأنا معك . قال : ابغنا خامسا . فذهب إِلى زَمْعَة بن الأَسود فكلَّمه وذكر له قرابتَهم وحقَّهم فقال: وهل على هذا الأمر الذى تَدْعونى إِليه من أحد؟ قال: نعم. وسَّى له القَوم. وعند الزبير ابن أبى بكر : أَن سهيل بن بَيْضاء الفِهْرى هو الذى مشى إليهم فى ذلك ويؤيده قولُ أبى طالب فى قصيدته الآتية : ﴿ هُمُ رجعوا سَهْلَ بن بيضاء راضياً (١) * وزاد ابن سعد فى الجماعة : عدىَّ بن قيس . وأسلم منهم هشام وزهير وسهيل وعدى ابن قيس . فاتَّعَدُوا خطم الحَجُون ليلاً بأَعلى مكة ، فاجتمعوا هنالك ، فأَجمعوا أَمرَهم وتعاهدوا على القيام فى نقض الصحيفة حتى ينقضوها ، وقال زهير : أَنا أَبدَؤكم فأَكون أَولَ من يتكلم . فلما أصبحوا غدَوْا إِلى أَنديتهم وغدا زهير وعليه حُلَّة فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس فقال: يا أَهل مكة أَنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هَلْكى لا يُبَاعون ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تُشقّ هذه الصحيفةُ القاطعة الظالمة . فقال أبو جهل ، وكان فى ناحية المسجد : كذبتَ والله لا تُشَقّ . قال زَمْعة بن الأَسود : أَنت والله أَكْذَب ما رضينا كتابتها حين كُتبت . قال أبو البخترىّ : صَدق زَمْعة لا نرضى ما كُتب فيها ولا نُقرّ به . (١) عجزه كما سيأتى : وسر أبو بكر بها ومحمد. - ٥٤٤ - قال المطعم : صدقتما وكذَب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها . وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك . فقال أبو جهل : هذا أمرٌ قُضى بليل تُشوور فيه فى غير هذا المكان. وأبو طالب جالس فى ناحية المسجد . وقام المطعم بن عدىّ إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأَرَضَة قد أَكلتها إلا: ((باسمك اللهم)) كما تقدم . قال ابن عباسٍ رضى الله عنهما : إِنهم مكثوا مَحْصورين فى الشِّعب ثلاثَ سنين . رواه أبو نعيم . وقال محمد بن عمر الأَسلمى : سألت محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز : متى خرج بنو هاشم من الشعب ؟ قالا : فى سنة عَشْر يعنى من المبعث قبل الهجرة بثلاث سنين . وقال صاعِد فى الفُصُوص : إنه صلى الله عليه وسلم خرج من الشعب وله تسع وأربعون سنة قال ابن إسحاق : فلما مزِّقت الصحيفة وبطَل ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أَمر أولئك النفر الذين قاموا فى نقضها يمدحهم : أَلا هل أَتَى بَحْريَّنا صنعُ ربنا فيخبرهم أَن الصحيفة مُزِّفست تراوَحها إِفْكٌ وسِخْر مجمَّيعِ فمن ينس من حُضَّار مكة عزةً نشأنا بها والناسُ فيها قلائل ونُطْعِم حتى يترك الناس فضلَهم جزّى اللّه رَهْطًا بالحَجُون تتابعَوا قعودٌ لدى خَطْمِ الحَجُون كأَّهم أَعان عليها كلُّ صقر كأَنّه على تَأْيِهِمِ والله بالناس أَرْوَدُ وأَنْ كل مالم يَرْضّه الله مُفْسَدُ ولم يُلْفَ سحرٌ آخر الدهر يَصْعَدُ فِعِزَّتنا فى بطن مكة أَتْلَدُ فلم نتفكِكْ نزداد خيرا ونُحْمَدُ إذا جعلت أيدى المفيضين تُرْعَدُ على ملاٍ يهدى لَزْم ويرْشِدُ مَقَاولةٌ. بل هم أَعْزُّ وأَمْجَدُ إِذا ما مشى فى رَفْرِف الدِّرْعِ أَحْرَدُ - ٥٤٥ - ( ٣٥ - سبل الهدى والرشاد ج ٢ ) جرىء علَى جُلَّى الخطوب كأَّنه من الأكرمين من لؤى بن غالبٍ أَلظَّ بهذا الصلح كلُّ مبرّاً قضوا ما قضوا فى ليلهم ثم أَصبحوا همُ رجعوا سهل بن بيضاء راضيا مَنَّ شرك الأقوامُ فى جُلِّ أَمرنا وكنا قديما لا نُقر ظُلَامَةً فيالَقُصَىِّ هل لكم فى نفوسكم فإنى وإياكم كما قال قائل. شِهَابٌ بكفىّ قابس يتوقدٌ إذا سِيمَ خسفاً وجهُه يتربَّدُ عظيمِ اللواء أَمْرُه ثم يُحْمَدُ على مَهل وسائِرِ الناسِ رُقَّدُ وسُرَّ أَبو بكر بها ومحمدُ وكنا قدبما قبلها نُتَودَّدُ وندرك ما شِئنه ولا نتشدَّدُ وهل لكمُ فيما يجىء به غدُ لدَيْك بيانٌ لو تكلَّمْتَ أَسْوَدُ(١) [ تفسير الغريب ] البحرىّ : هنا يراد به من كان هاجر من المسلمين إلى الحبشة فى البحر . تأيهم : بعدهم. أَرْوَد : أَرفق . يُراوحها(١) بمثناة تحتية فراء فألف فواو فحاء مهملة أَى تعتمد على الإفك مرة وعلى السُّخْر المجمع أُخرى . يُلْفَ : بالفاء: يوجّد . فمن ینس : أراد ینسی فحذف الألف. أَثْلَد : أَقْدَم . الخير : الكرم . المُفِيضون : بميم مضمومة ففاء مكسورة فمثناة تحتية فضاد معجمة : المراد بهم هاهنا : الضاربون بقِدَاح الميْسر ، وكان لا يفيض معهم فى الميْسر إلا سَخىّ . الحَجُون : بحاء مهملة مفتوحة فجيم مضمومة : موضع بأَعلى مكة . (١) الروض الأنف ٢٣٣/١ (ط الجمالية). (٢) كذا، والذي سبق فى الأبيات : تراوحها. بالتاء. - ٥٤٦ - خَطْم الحجون : قال فى الصجاح الخُطْمة بالضم(١): رَعْنُ الجبل أَى أَنفَه المتقدم . وقال فى موضع آخر : أَنف كل شىء أوله وأَنف الجبل بارز يشخص منه . الرَّهْط : بسكون الهاء وتحريكها دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة أَو منها إلى الأربعين . الملأّ : جماعة الناس وأَشرفهم . المَقَاولة : الملوك . رَفْرف الدرع : ما فضل من درعها . أَحْرَد: بالحاء والدال المهملتين : بطىء المشى لثقل الدرع التى عليه . جُلّ الخطوب: معظمها ويروى جُلَّ وهى الأمر العظيم . قابِس : مُوقد . سيم : بكسر أوله كلِّف. الخسْف : بالخاء المعجمة والسين المهملة : الذل . يترَبَّدُ : بالراء والباء الموحدة : يتغير إلى السواد . أَلظَّ : لزم ولعّ . أسود: قال الخشنى اسم رجل وأراد يا أسود ؛ وهو مثل يُضْرب للقادر على الشىء ولا يفعله . وقال السهيلى: هو هنا اسم جبل كان قُتل عنده قتيل لم يُعرف قاتله ، فقال : أولياء المقتول هذه المقالة، يعنون بها أن هذا الجبل لو تكلّم لأَبان عن القاتل ويعرف الجانى ، ولكنه لا يتكلم فذهبت مقالتهم مثلا(٢). (١) الصحاح : الخطمة: بالضم . (٢) الروض الأنف ٢٣٤/١. - ٥٤٧ - الباب الثانى والعشرون فى إِسلام الطُّفيل بن عمرو الدَّوْسى رضى الله عنه روى ابن سعد عن أَبى عَوْن الدَّوسى ، والبيهقىُّ عن ابن إسحاق، وابن جَرير وأبو الفرج الأُموى عن العباس بن هشام ، عن أَبيه أَن الطفيل بن عمرو حدَّث أَنه قدِمِ مكةً ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بها ، فمشى إليه رجالٌ من قريش ، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعر! لبيباً فقالوا له : يا طفيل إِنك قدِمْت بلادَنا وهذا الرجل الذى بين أَظْهُرنا قد أَعْضَل بنا وفرَّق جماعتنا وشَّت أَمرَنا، وإِنما قوله كالسِّحر يفرِّق بين المرء وأَبيه وبين الرجل وأَخيه وبين الرجل وزوجته ، وإِنا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا فلا تكلِّمه ولا تَسْمع منه . قال : فوالله ما زالوا بى حتى أَجمعت أَن لا أَسمع منه شيئا ولا أُكلِّمه وحتى حَشْوت فى أُذنى حين غدوتُ إلى المسجد كُرْسُفاً فَرِقاً من أَن يَبْلغنى شىء من قوله . فغدوت إِلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلِى عند الكعبة فقمت قريبا منه ، فأَبَى اللّه تعالى إِلا أَن يُسْمعنى بعضَ قوله، فسمعت كلاماً حَسناً فقلت فى نفسى: إِى لَرجل لبيبٌ شاعرٌ ما يخفى علىَّ الحَسَنُ من القبيح ، فما يمنعنى من أَن أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإِن كان الذى يأتى به حَسناً قبلتُ وإن كان قبيحا تركت ؟ فمكثت حتى انصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فتبعته فقلت : إِنَّ قومك قد قالوا لى كذا وكذا ، وإنى شاعر فاسمع ما أقول . فقال النبي صلى الله عليه وسلم هات . فأَنشدتُه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أقول فاسمع. ثم قرأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحدٌ)) إلى آخرها و ((قل أعوذ برب الفلق)) إلى آخرها و ((قل أعوذ برب الناس)) إِلى . . آخرها وعرَض على الإِسلامَ فلا والله ما سمعتُ قولاً قطُّ أَحسنَ منه ولا أمراً أَعْدَل منه - ٥٤٨ - فأُسلمتُ وقلت: يانبيَّ الله إنى امرء مُطَاع فى قومى، وإنى راجعٌ إليهم فداعيهم إلى الإِسلام فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عَوْناً عليهم . فقال: اللهم(١) اجعل له آية . فخرجت إلى قومى فى ليلة مَطِيرة ظَلْماء حتى إذا كنت بثَنِيّة تُطْامنى على الحاضر وقع نورٌ بين عَيْنى مثل المصباح. فقلت: اللهم فى غير وجهى إنى أَخشى أن يظنوا أنها مُثْلَة وقعت فى وجهى فتحوَّل فوقع فى رأس سَوْطى كالقنديل المعلَّق ، وأَنا أَهبط عليهم من الثنيّة حتى جئتهم فلمانزلت أَتانى أبى فقلت : إليك عنى يا أبت فلستَ منى ولستُ منك . فقال : لِمَ يابنىَّ ؟ فقلت: قد أسلمتُ وتابعت دينَ محمد . قال: أَىْ بُىِّ فدِينِى دينُك . فقلت : فاغتسل وطهِّر ثيابك ففعل ثم جاء ، فعرضتُ عليه الإِسلامَ فأَسلمَ . ثم أَتتنى صاحبتى فقلت : إليك عنّى فلستُ منكِ ولستٍ منَّى. قالت: ولم بأبى أنت وأمى ؟ قلت : فرِّق بينى وبينك الإِسلامُ وتابعتُ دين محمد(٢) قالت: فدينى دينك . فقلت : اذهبى فتطهَّرى ففعَلَتْ فعرضتُ عليها الإِسلامَ فأسلمت ولم تُسْلمِ أمى . ثم دعوت دَوْساً فأَبطأُوا علىَّ ثم جئت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يانبي الله إنه قد غلبنى على دَوْس الزِّنا فادع الله عليهم . فقال : اللهم اهدِ دَوْساً وائت بهم . ارجع إلى قومك وارفُقْ بهم . فرجعتُ فلم أَزَلْ بأرض قومى أدعوهم حتى هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومضى بَدْرُ وأَحُدٌ والخندق فقدِعْتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أَسْلَم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، حتى نزلتُ المدينةَ بسبعين أو ثمانين بيتا من دَوْس ، ثم لحقْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأَسْهَم لنا مع المسلمين . وقال الطُّفَيْل لمّا أَسْلَم : أَلا بلِّغ لديك بنى لؤىِّ على الشَّنآن والغضب المُرَّدِّى بأَن الله ربَّ الناس فَرْدٌ تعالى جَدُّه عن كل نِدُّ دليل هُدَى ومُوضِح كلِّ رُشْدٍ وأن محمداً عَبْدُ رسولٌ بأن سبيله يَهْدى لقصدٍ رأيت له دلائِل أَنبأَتْنى (١) ط : إليهم . (٢) ت : تابعت محمدا . - ٥٤٩ - وأَعْلِى جَدُّه فى كل مجد وأَن الله جَلَّله بَهَاءُ فإن(١) مقاله كالغُرِّ ◌ُغْدِى. وقالت لى قريش عَدِّ عنه سمعتُ مقالَه كمَفُورٍ شَهْدِ فلما أَن أَمَلْتُ إِليهِ سَمْعى وبَدَّل طالعى نحسى بسَعْدِى وأَلهمنى هدايا الله عنه وفاز محمدٌ بصفاء ودِّى(٢) ففُزْت بما حبّاه الله قلبى [ تفسير الغريب ] أَعْضَل بنا : أَى اشتد أمره، يقال أَعضل الأمر إذا اشتد ولم يوجد له وجه ومنه الداء المُعْضِل . الكُرْسف : بضم الكاف وإسكان الراء وضم السين المهملة ففاء وهو القطن . الثنيّة : الطريق فى الجبل . الحاضر : القومُ النازلون على الماء . أبطأُوا : بهمزة مضمومة آخره أَى تأخروا . (١) ت، م: كأن. (٢) قصة إسلام الطفيل فى سيرة ابن هشام ٣٨٢/١. وسيرة ابن كثير ٧٢/٢ والخصائص الكبرى ٣٣٦/١. - ٥٥٠ - الباب الثالث والعشرون فی قصتی الإراشى والزبیدی اللذين ابتاع أبو جهل إبلهما قال ابن إسحاق : حدثنى عبد الملك بن أبى سفيان الثقفى وكان واعية ، قال : قدِم رجل من إِراش بإبل له فابتاعها منه أبو جهل بن هشام ، فمطله بأثمانها ، فأقبل حتى وقف على نادى قريش ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم جالس فى ناحية المسجد ، فقال : يا معشر قريش مَنْ رجلٌ يعيننى على أبى الحكم بن هشام ؟ فإنى غريب وابن سبيل وقد غلَبنى على حقِّى . فقال له أَهلُ ذلك المجلس: أَترى ذلك الرجلَ - لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم - يَهْز أُون به لِمَا يَعْلمون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة ، اذهب إليه فهو يُعينك عليه . فأقبل الإِراشىُّ حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ، فقام معه فلما قام معه قالوا لرجل ممن معهم : اتبعه فانظر ماذا يصنع . وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال: من هذا ؟ قال محمد . فاخرج إلىّ . فخرج إليه وما فى وجهه من رائحة لقد انْتُقِع لَوْنُه، فقال: أَعط هذا حقَّه . قال : نعم لا تَبْرح حتى أُعطیه الذی له . فدخل ثم خرج إليه بحقه فدفعه إليه . فأقبل الإراشىّ حتى وقف على ذلك المجلس فقال : جزاه الله خيراً فقد والله أخذ لى بحقى . وجاء الرجلُ الذى بعثوا معه فقالوا : ويحك ماذا رأيت ؟ قال : رأيت عجباً من : العجب! والله ما هو إلا أَنْ ضرب عليه بابَه فخرج إليه وما معه روحه فقال : أَعط هذا حقّه. قال: نعم لا تبرح حتى أُخرج إليه حقَّه فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه . ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء فقالوا : ويلك مالك ؟ والله ما رأينا مثلَ ما صنعته قط . قال : ويحكم والله ما هو إلا أَن ضَرب علىَّ بابى فسمعتُ صوته فملئت رعبا ثم خرجت إِليه - ٥٥١ - وإِنَّ فوق رأْسِه لَفحلاً من الإِبل ما رأيتُ مثل هامته ولا قصرته ولاأنيابه لِفحل قط، والله لوأَبَيْتُ لِأَكلنى (١). [ تفسير الغريب ] الإِراشى هذا : اسمه كَهْلة الأصغر بن عصام بن كهة الأَكبر ينسب إلى جد له اسمه إِراشة . قال الرشاطىّ: رأيته بخط عبد الغنى بن سعيد بفتح الهمزة، وضبطَه ابن الأثير بكسرها فى جامعه . من رائحة أَى بقية روح قال السهيلى : فكأن معناه روح باقية . انتُقْع لونُه مبنى للمفعول أَى تغير لونه . هامته : بتخفيف الميم : الرأس . قصرته أَصل عنقه . وروى محمد بن عمر الأَسلمى عن يزيد بن رُومان ، وأَبو نعيم عن أبى يزيد المدنى ، وأَبى فرعة الباهلىّ ، أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس فى المسجد معه رجال من أَصحابه إِذ أَقبل رجلٌ من زُيَيْد يقول: يا معشر قريش كيف تدخل عليكم المادّة أَو يُجْلب إليكم جَلَبٌ أَو يحلّ تاجر بساحتكم وأنتم تَظْلمون من دخل عليكم فى حَرَمكم ؟ يقف على الحَلَقِ حَلْقة خَلْقة ، حتى انتهى إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فى أصحابه . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن ظَلِمك؟ فذكر أنه قد قدِمِ بثلاثة أَجْمَال كانت خير إِبله فسامه أبو جهل ثُلْث أَثمانها ، ثم لم يَسُمْه بها لِأَجل أَبى جهل أَحدٌ شيئا ثم قال : فأَكْسَد علىّ سِلْعَتى وظلَمْنى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأَين جِمَالك؟ قال هى هذه بالخَزْوَرة . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام أصحابه فنظر إلى الجمال فرأى جمالا فُرْهاً فساوَم الزُّبَيْدى حتى أَلحقه برضاه ، فأخذها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فباع جَملين منها بالثمن (١) سيرة ابن هشام ٣٨٩/١. - ٥٥٢ - وأَفْضل بعيرا باعه وأُعطَّى أراملَ بنى عبد المطلب ثمنه، وأبو جهل جالس فى ناحية السوق لا يتكلم ثم أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا عمرو إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابى فترى منى ماتكره فجعل يقول : لا أَعود يا محمد لا أعود يا محمد فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأقبل أُميةُ بن خَلَف ومن حضر فقالوا : ذَلَلْت فى يدى محمد فإما أن تكون تريد أَن تَتْبعه وإِما رُعْب دَخلك منه. فقال : لا أَتبعه أبداً إِن الذى رأيتَ منى لِمَا رأيت معه ، قد رأيت رجالاً عن يمينه وشماله معهم رِماح يَشْرعونها إلىّ لو خالفتُه لكانت إياها. أى لأَنَوْا على نَفْسی . زُبَيْد : بزاى مضمومة فباء موحدة مفتوحة . المادّة : بتشديد الدال(١). أَو يَحُل : بضم الجاء أى يَنْزل . خير إبله : بتشديد المثناة التحتية وتخفيفها أى أفضلها . الحزْوَرة : بحاء مهملة مفتوحة فزاى ساكنة فواو فراء مفتوحتين فتاء تأنيث وزن قَتْوَرة وتقدم الكلام على ذلك بأبسط مما هنا . فُرْهاً يضم الفاء وإسكان الراء والفاره: الخاذق بالشىء. يَشْرعونها : أَى يميلونها . (١) المادة هنا: السلع والتجارات . - ٥٥٣ - الباب الرابع والعشرون فی وفد النصارى الذين أسلموا قال ابن إسحاق : ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجالاً أو قريبا من ذلك من النصارى حين بلغهم خبرهُ من الحبشة ، فوجدوه فى المسجد فجلسو إليه فكلَّموه وساءلوه، ورجالٌ من قريش فى أَنديتهم حول الكعبة ، فلما فرغوا من مَسْأَلَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآنَ فاضت أَعينُهُم من الدمع ثم استجابوا الله وآمنوا به وصدَّقوه وعرَفوا منه ما كان يُوصَف لهم فى كتابهم من أَمْرِه . فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام فى نفر من قريش فقالوا لهم: خيَّبكم الله مِن رَكْبٍ !بعثكم مَنْ وراءكم من أهل دينكم تَرْنادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسُكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدَّقتموه بما قال ؟! ما نَعْلم رَكْبًا أَحمقَ منكم . أَو كما قالوا لهم . فقالوا : سلامُ عليكم لانُجَاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نَّأْلُ أَنفسَنا خيراً . ويقال إن النفر كانوا من أَهل نَجْران . فالله أعلم أَىّ ذلك كان . فيقال: والله أعلم - إن فيهم نزلت هذه الآيات: ((الذين آتَيْناهم الكتابَ مِنْ قَبْله)) أى القرآن. (هُمْ به يؤمنون. وإِذا يُتْلَى عليهم)) القرآنُ ((قالوا آمنًا به إِنه الحقُّ مِن ربِّنا إِنا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلمين)) موحِّدين. ((أُولئك يُؤْتَوْن أَجْرَهم مرَّتين)) بإيمانهم بالكتابين (((بما صَبروا)) بصَبْرهم على العمل بهما ((ويَدْرَءُون)) أَى يدفعون ((بالحسَنةِ السيئة)) منهم ((وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون)) يتصدقون (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوِ)) الشّم والأذى من الكفار (( أَعْرَضُوا عنه وقالوا لنا أعمالُنا ولكم أعمالكم سَلام عليكم)) سلامَ مُتَارَكة أَى سلمتم منا من الشّم - ٥٥٤ - وغيره ((لا نَبْتَغِى الجاهلين (١)) لا نصحبهم قال ابن إسحاق : وقد سأَلتُ ابن شهاب الزهرى عن هؤلاء الآيات فيمن نزَلْنَ فقال لى: مازلت أسمع من علمائِنا أنهن نزلن فى النجاشى وأصحابه . والآيات من سورة المائدة. قول الله عز وجل: ((وَتَجدَنَّ أَقْرَبهم مَودَّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نَصارى، ذلك)) أى قرب مودتهم المؤمنين ((بأنَّ)) أَى بسبب أن ((منهم قِسِّيسين)) علماء ((ورُهْباناً)) عُبَّاداً. ((وأنهم لا يَسْتكبرون)» عن اتباع الحق كما يستكبر اليهود وأهلُ مكة ((وإذا سَمِعوا ما أُنْزِل إلى الرسولِ)) من القرآن («تَرى أَعينَهم تَفيضُ من الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا من الحق))(٢) الآيات . [ تفسير الغريب ] نَجْران : بفتح النون وإسكان الجيم : بلدة معروفة ، كانت منزلا للنصارى ، وهى بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة . الأَنْدِية : جمع نادٍ وهو متحدَّث القوم . يَرْتادون لهم: يطلبون لهم الأخبار . الحُمْقِ : بإسكان الميم وضمها : قِلَّةُ العقل . لم نَأْلُ أَنفسنا خيرا : أَى لم نقتصر بها عن بُلوغ الخير ، يقال ما أَلَوْت ، أَى ما فعلت كذا وكذا ، أى ما قصرت . (١) سورة القصص ٥٢ - ٥٥ (٢) سورة المائدة: ٨٢ ٨٣٫. - ٥٥٥ - الباب الخامس والعشرون فى سبب نزول أَول سورة ((عَبَس)) روى الترمذى وحسَّنه وابن المنذر وابن حبّان عن عائشة وعبد الرزاق وعبد بن حُمَيْد وأَبوْ يَعْلىَ عن أَنس، وابنُ جرير وابن مَرْدَوَيْه عن ابن عباس ، وسعيد بن منصور عن أَبِى مالك ، وابنُ سعد وابن المنذر عن الضحَّك ، وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى رجلاً من أشراف قريش فدعاه إلى الإِسلام وهو يرجو أَن يُسْلم. قال ابن إسحاق: وهو الوليد بن المغيرة . وقال أَنس وأَبو مالك: أمية بن خَلَف وقالت عائشة ومجاهد : كان فى مَجْلس فيه ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل بن هشام " وُثْبة بن ربيعة وأمية بن خلف فيقول لهم: أَليس حسناً ما جئتُ به ؟ فيقولون بلى والله وفى رواية هل ترون بما أَقول بَأْساً ؟ فيقولون : لا . فجاء ابنُ أمِّ مَكْتوم الأَعمى وهو مشتغل بهم فسأَله ولم يَدْر أَنه مشغول بذلك وجعل يستقرئه القرآنَ ويقول : يا رسول الله أَرشِدْنى علِّمنى مما علَّمك الله. فشقَّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أَضْجَره، وذلك أَنه شَغله عما كان فيه من أَمْر أولئك النفر وما طمع فيه من إِسلامهم ، فلما أَكثَر على رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرفَ عن ابن أم مكتوم وتر که . فعاتبه الله تعالى فى ذلك فقال ((عَبَس)) النبيُّ صلى الله عليه وسلم كلَح وجهه: ((وتولَّى) أَعرض لأَجْل (( أَنْ جاءِه الأَعْمَى)) عبد الله بن أم مكتوم . قال السُّهيلى: وفى ذِكْرِه إِياه بالعَمى من الحكمة والإِشارة اللطيفة التنبيه على موضع العَتْب لأَّنه قال: ((أَن جاءه الأعمى)) فذكر المجىء مع العَمى، وذلك كله يُنْىء عن تجشّم كُلْفةٍ ومن تجثَّمِ القَصْدَ إِليك على ضَعْفه فحقُّك الإِقبال عليه لا الإِعراضُ عنه . وفائدة أُخرى : وهى تعليق الحكم بهذه الصفة منى وجدت وجب تركُ الإعراض، فإذا كان النبى - ٥٥٦ - صلى الله عليه ومعلم معتوبا على تولِّيه عن الأعمى فغَيْرِه أَحقُّ بالعَنْب (١). ((وما يُدْريك)) يُعْلمك ((لَعَلَّه) أَى الأَعمى أَو الكافر ((يَزَّكَّى)) فيه إِدغام التاء فى الأصل فى الزاى ((أَو يَذَّكَّر)) أَى يتعظ ((فتنفعُه الذكرى)) العظة المسموعة منك. وفى قراءة بنصب تنفعه جواب الترجِّى . (( أَمَّا من استغنى)) بالمال. فأَنت له تصدَّى. وفى قراءة بتشديد الصاد وبإدغام الثانية فى الأصل فيها، أَى تُقْبل وتتعرَّض ((وما عليك أَلَّ يَزَّكى)) يؤمر ((وأَما من جاءك يسعى)) حال من فاعل جاء ((وهو يَخْشَى)) اللّهَ حالٌ من فاعل يسعى وهو الأَعمى. ((فأَنت عنه تَلَهَّى )) فيه حذف التاء الأُخرى فى الأصل أَى تتْشاغل ((كلَّ)) لا تفعل مثلَ ذلك. فلما نزلت هذه الآيات دعاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فأكرمَه ، واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة كما ذكره أبو عمر. ويأتى بيانها فى ترجمته عند ذكر مؤذِّنيه صلى الله عليه وسلم ، وكان يقول له إذا جاءه: مرحباً بمَنْ عاتبنى فيه ربى! ويَبْسُط له رداءه . تَنْيَهَاتٌ الأول : ما ذكرتْه عائشةُ ومجاهد جامِعٌ بين الأَّقُوال السابقة فى تفسير الْمُبْهَمْ. الثانى: قال الحافظ: لم يختلف السَّلَفُ فى أَن فاعل ((عَبس)) النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأَغْرَب الداوودىُّ فقال : هو الكافر . الثالث : من الغرائب قولُ القاضى أَبِى بكر بن العربِّ: قولُ علمائنا: إن الرجل المبهم الوليد بن المغيرة وقال آخرون إنه أمية بن خلف والقياس على هذا كله باطل وجَهْل من المفسرين، وذلك أَن أُمية والوليد كانا بمكة وابن أم مكتوم كان بالمدينة وما حضر معهما ولا حضَرا معه، وكان موتهما كافرين أحدهما قبل الهجرة والآخر فى بدر ولم يقصد قط أُميةُ المدينةَ ولا حَضر عنده مُفْرَدا ولا مع أحد كذا نقله عنه تلميذُه السُّهيلىّ والقرطبى أَقْرَّاه . وهو كلامٌ خرجَ من القاضى عن غير رويّة لأَن ابن أم مكتوم من أهل مكة بلا خلاف ، (١) الروض الأنف ٢٢٨/١. - ٥٥٧ - وهو ابن خال خديجة أُم المؤمنين ، أَسْلَم قديما وكان من المهاجرين الأَولين ، قَدِمِ المدينةِ قبل أن يهاجر النبى صلى الله عليه وسلم. وقيل بل بعدَه وصحَّحوا الأُول، وسورة عبس مَكْية بلا خلاف ، فأَى شىءٍ يمنع من اجتماع ابن أم مكتوم والوليد أو أُمية ؟. ثم القائل لذلك إنما هو الصحابة والتابعون كما تقدم ، نقل ذلك عنهم وهم أَعْلّم من غيرهم ، ولو كانت سورة عبس نزلت بالمدينة أو أن ابن أم مكتوم أَسْلَم بها لصح ما قاله ، والحالُ أَن الأَمر بخلاف ذلك ولم أَرَ مْن نبّه على ذلك. وعجبتُ من سكوت صاحب الزَّهْر عن ذلك مع أَنه يناقش فى أَسْهَل شىء. الرابع : من الغرائب أيضا قولُ السُّهيلى: إن ابن أم مكتوم لم يكن آمن بعدُ أَى حين أنزلت سورة عبسَ وبسط الكلام على ذلك . قال فى الزهر : ينبغى أَن يُتَنَّبَّت فى هذا الكلام ، فإنى لم أَر من قاله جزما ولا نَقْلا من مؤرخ ومفسِّر ، فيُنْظَرِ قَولُ جميعهم فيه : قديمُ الإِسلام يردّه . قال : ثم إن السُّهيلى أَكدَّ ذلك بقوله: استدنينى يا محمد. ولم يقل يا رسول الله . قال مُغْلَطاى، ولفظة ((استدنينى يا محمد)) لم أرها، فتُنْظر. قلت : أَما لفظ السيرة التى شرحها السهيلى: فكلّم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقرئه القرآنَ . ولفظ رواية الترمذى وحسَّنها وصححها ابنُ حبّان عن عائشة : فجعل يقول يا رسول الله أرشدنى. الخ ولفظ رواية ابن عباس عند ابن مردويه: فجعل عبدُ الله يستقرىء النبيَّ صلى الله عليه وسلم آية من القرآن . قال بارسول الله علِّمنى مما علَّمك الله. - ٥٥٨ - الباب السادس والعشرون فى سبب نزول ((قل يأيها الكافرون)) روى ابن جرير وابن أبى حاتم والطبرانى عن ابن عباس ، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنبارى فى المصاحف عن سعيد بن مينا ، وعبد الرزاق عن وهب ، و(١) عن ابن إسحاق قالوا : اعترض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة الأسودُ بن المطّلب والوليدُ ابن المغيرة وأمية بن خلف والعاصى بن وائل السهمى ، وكانوا ذوِى أَسنان فى قومهم فَدَعوه إلى أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء فقالوا : هذا لك يا محمد وكُفّ عن شَتْم آلهتنا ولا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإِنَا نَعْرض عليك خَصْلَةٌ واحدة فيها صَلاحٌ . قال ماهى ؟ قالوا : تعبد آلهتنا سنة ونَعْبد إِلهُك سنةً . وفى لفظ: هلمّ يا محمد فلنَعْبد ما تعبد وتَعْبد ما نَعْبد فنشترك نحن وأنت فى الأمر ، فإن كان الذى نعبده خيرا مما تعبد كنت قد أخذت منه بحظك ، وإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا منه بحظّنا . فأنزل الله تعالى: ((قل يا أيها الكافرون. لا أَعبدُ)) فى الحال (( ما تعبدون)) من الأصنام ((ولا أَنتم عابدون)) فى الحال (( ما أَعْبدُ)) وهو الله تعالى وحده ((ولا أَنا عابدٌ)) فى الاستقبال ((( ما عَبْدِتم ولا أنتم عابدون)) فى الاستقبال ((ما أَعبد)) علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون وإِطلاق ((ما)) على الله تعالى على جهة المقابلة ((لكم دينكم)) الشِّرْك ((ولِيَ دِين)) الإِسلام، وهذا قبل أن يُؤْمر بالحرب، وحذف ياء الإضافة السبعةُ ، وقفاً ووصلا وأثبتها يعقوب فى الحالين(٢). (١) بياض بالأصول. والخبر فى سيرة ابن هشام ٣٦٢/١. (٢) تفسير الطيرى: ٢١٤/٣٠ ( ط الأميرية). - ٥٥٩ - الباب السابع والعشرون فى سبب نزول أول سورة الروم روى الإمام أحمد والترمذى وحسَّنه، والنسائى والبيهقى والضياء المقدسى عن ابن عباس وابن جرير والبيهقى من وجهٍ آخر عنه ، وابن جرير عن ابن مسعود وأبو يعلى وابن أَن حاتم عن البراء بن عازب ، والترمذىُّ وصححه والطبرانى عن خيار - بنون مكسورة فمثناة تحتية مخففة - ابن مُكْرَم - بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء - وابنُ عبد الحكَمـ فى فتوح مصر ، وابن أبى حاتم عن ابن شهاب ، وابن جرير عن عكرمة : أن الروم وفارس اقتتلوا فى أدنى الأرض، وأَدنى الأَرض يومئذ أَذْرعات بها التقوا، فهُزمت الرومُ ، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابَه وهو بمكة ، فشقَّ ذلك عليهم ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأُميُّون من المجوس على أَهل الكتاب من الروم ، وفرح الكفارُ بمكة وشمتوا ، فلقوا أَصحابَ النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا : إِنكم أَهلُ كتاب وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إِخوانكم من أهل الكتاب ، وإِنكْم إِذا قاتلتمونا لنَظهرنَّ غليكم . فأنزل الله تعالى: ((ألم (١))) الله أَعلم بمراده به ((غُلبت الرومُ)) وهم أَهل كتاب غلبَتها فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأَوثان ((فى أَدْنَى الأَرض)) أَى أَقرب أَرض الروم إِلى فارس بالجزيرة ، التقى فيها الجيشان والبادىء بالغزو الفُرْس . ((وهم)) أَى الروم ((من بعد عَلَبهم)) أَضيف المصدر إلى المفعول ، أَى غلبة أَهل فارس إياهم ((سيَغْلبون)) فارسَ ((فى يضْع سنين)) هو ما بين الثلاث إلى التسع أَو العشر، فالتقى الجيشان فى السنة السابعة من الالتقاء الأُول وغلبت الرومُ فارسَ . (( اللَّه الأَمرُ من قَبْلُ ومن بعدُ )) من قبل غلَب الروم ومن بعده . المعنى أَن غلبة فارس أولا وغلبة الروم ثانيا بأمر الله أَى بإرادته ((ويومئذ)) أَى يوم يَغْلب الرومُ ((يفْرح ( ١ ) سورة الروم ١ - ٦ - ٥٦٠ -