النص المفهرس
صفحات 481-500
وأمر به فجرًّ ثم ألقاه فى الرمضاء فمر به جُعْلٌ فقال : أليس هذا ربك فقال : الله ربى خلقنى وخلقك وخلق هذا الجُعْل فغلط عليه وجعل يَخْنقه ومعه أخوه أُبىّ بن خلف يقول : زِدْه عذابًا حتى يأتى محمد فيخلصه بسحْره، فأَخرَجه نصفَ النهار فى شدة الحرّ مقيدًا إلى الرمضاء ووضع على بطنه صخرة فدلع لسانُه فلم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد مات ، ثم أَفاق فمرّ به أبو بكر رضى الله عنه فاشتراه وأعتقه(١). وروى ابن سعد عن محمد بن كعب القُرَظى قال: كان أَبو فُكَيْهة يعذَّب حتى - لا يدرى ما يقول (٢) ومنهم عمّار بن ياسر وأبوه وأمه سُمَّيَّة وأَخوه عبد الله رضى الله عنهم . روى البلاذرى والبيهقى عن مجاهد قال : أول من أَظهر الإِسلام أبو بكر وبلال وحَبَّاب وصُهَيْب وعمَّار، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه، وأَما أَبو بكر فمنعه قومه ، وأَما الآخرون فأُلْبسوا دروعَ الحديد وصُهروا فى الشمس حتى بلغ الجهد منهم ، وجاء أبو جهل إلى سُمَيَّة فطعنها فى قلبها فهى أول شهيدة فى الإِسلام(٣). وروى ابن سعد عن محمد بن كعب القُرظى قال : أَخبرنى من رأَى عمار بن ياسر متجردا فى سراويل . قال : ونظرت إلى ظهره فإذا فيه حَبَط فقلت : ما هذا ؟ قال : هذا ما كانت قريش تعذِّبنى فى رَمْضاء مكة (٤) . وروى البلاذُرى عنه أيضا قال : كان عمار يعذَّب حتى لا يدرى ما يقول(٥). وروى البلاذرى عن أم هانئ رضى الله عنها أن عمار بن ياسر وأباه ياسرًا وأَخاه عبدالله ابن ياسر وسُمَّيّة بن عمار كانوا يعذَّبون فى الله فمرَّ بَهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال : (١) أنساب الأشراف ١٩٤/١. (٢) أنساب الأشراف ١٥٨/١. (٣) أنساب الأشراف ١٥٨/١. (٢٤) أنساب الأشراف ١٥٨/١. (٥) أنساب الأشراف ١٥٨/١. - ٤٨١ - (٣١ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) صَبْرًا آل ياسر فإِن موعدكم الجنة ، فمات ياسر فى العذاب وأغلظت سمية لأَبى جهل قطعنها فى قلبها فماتت، ورُمى عبد الله فسقط(١). ومنهم جارية بنى المؤمل بن حبيب : قال البلاذرى : وكان يقال لها فيما ذكر أبو البخترىّ : لَبِيبة(٢)، أَسلمت قبل إِسلام عمر بن الخطاب فكان عمر يعلِّبها حتى يَفْتر فيدَعها ثم يقول: أما إنى أَعتذر إليك بأَنى لم أَدَعْك إِلاسامة(٣) فتقول: كذلك يعذبك ربك إِن لم تُسْلمِ . وروى ابن سعد عن حسان قال : قدمت مكة معتمرا والنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه يؤذَوْن ويعذَّبون ، فوقفتُ على عمر وهو متوزر(٤) يَخْنق جارية بنى عمرو بن المؤمل حتى تسترخى فى يديه فأقول قد ماتت . فاشتراها أبو بكر فأعتقها (٥). ومنهم زِيِّيرة - بزاى فنون مشددة مكسورتين فمثناة تحتية ساكنة وهى فى اللغة الحصاة الصغيرة ويروى : زَنْبَرة بزاى مفتوحة فنون ساكنة فباء موحدة - الرومية كان عمر بن الخطاب وأَبو جهل يعذِّبانها . قال البلاذرى : قالوا وكان أبو جهل يقول أَلا تعجبون لهؤلاء واتباعهم محمدًا ؟ فلو كان ما أتى به محمدٌ خيرا وحقا ماسبقونا إِليه أَفسبقَتْنا زِّيرة إِلى رُشْد وهى من ترون . وكانت زنيرة قد عذِّبت حتى عميت فقال لها أبو جهلَ: إِن اللات والعزَّى فعلنا بك ما ترين . فقالت ، وهى لا تبصر : وما تدرى اللات والعزى من يَعْبدهما، ولكن هذا أمرٌ من السماء وربيِّ قادر على أن يرد بصرى. فأَصبحت تلك الليلة وقد رد الله بصرها، فقالت (١) أنساب الأشراف ١٩٠/١. (٢) كذا وفى أنساب الأشراف : لبينة. (٣) فى أنساب الأشراف: إلا عدامة . ولعله تحريف. (٤) كذا فى ط . وفى بقية النسخ: وهو موتور. وفى أنساب الأشراف: مؤتزر . (٥) أنساب الأشراف ١٩٥/١، ١٦٦. - ٤٨٢ - قريش : هذا من سِحْر محمد فاشتراها أبو بكر رضى الله عنه فأعتقها (١). # ومنهم أُم عُنَيْس - بعين مهملة مضمومة فنون فمثناة تحنية فسين مهملة - ويقال عبيس بباء موحدة فمثناة تحتية . أَمَة لبنى زُهْرة ، وكان الأَسود بن عبد يغوث يعذبها فابتاعها أَبو بكر(٢). # ومنهم النَّهْدية وابنتها . وكانت مولَّدة لبنى نهد بن زيد فصارت لامرأة من بنى عبدالدار فكانت تعذبهما وتقول: والله لا أَقْلعت عنكما أَو يعتقكما بعضُ من صبأَبكما(٣). فمر بهما أَبو بكر رضى الله عنه وقد بعثَتْهما فى طَحِين لها وهى تقول: والله لا أَعتقكما أبدًا فقال : حل يا أُم فلان فقالت حل أَنت واللّه أَفسدتهما فأَعْتِقْهما . قال : فبكم هما ؟ قالت : بكذا وكذا. قال : قد أخذتهما به وهما حُرَّتان أَرجعا إِليها طحينها قالتا: أَوْ نفرغ منه يا أَبا بكر ثم نرده إِليها قال : أَو ذاكما إن شئتما . ومنهم أُم بِلاَل حمامة . ذكرها أَبو عمر فى الدُّرَر فيمن كان يعذّب فى الله فاشتراها أبو بكر وأَعتقها. وأَهملها أَبو عمر فى الاستيعاب واستدركوها على الاستيعاب . والحاصل مما تقدم : أن أبا بكر رضى الله عنه اشترى جماعة من كان يعذب فى الله تعالى، وهم بلال وأُمه وعامر بن فهيرة وأبو فكيهة وجارية بنى المؤمل والنهدية وابنتها وزِنِّيرة . وروى الحاكم وصححه عن عبد الله بن الزبير قال: قال أبو قحافة لأبى بكر رضى الله عنهما : يا بنى أَراك تعتق رقابًا ضعافا فلو أنك فعلت ما فعلت فأَعتقت رجالا جُلَداء يمنعونك ويقومون دونك ؟ فقال أبو بكر رضى الله عنه: يا أبت إنما أُريد ما أُريد لله (١) أنساب الأشراف ١٩٦/١. (٢) أنساب الأشراف ١٩٦/١. (٣) أنساب الأشراف : لا أقلعت عنك أو يعتقك بعض من صباتك. - ٤٨٣ - عز وجل. فأنزل الله تعالى: ((فَأَمَّا من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى)) إلى آخر السورة(١). قال عمار بن ياسر رضى الله عنه يذكر بلالا وأصحابه الذين أعتقهم أبو بكر مما كانوا فيه من البلا وكان اسم أبى بكر عَنِيقا : عَتِيقا وأَخْزى فاكها وأبا جهلٍ جزى الله خيراً عن بلالٍ وصَحْبه ولم يَحْذَرا ما يحذر المرءُ ذو العقل عشيَّة هَمَّا فى بلال وصحبه شهدت بأن الله ربى على مَهْلٍ بنوحيده ربَّ الأنام وقوله لِأُشْرِك بالرحمن من خِيفة القَتْلِ فإن تقتلونى تقتلونى ولم أكن وموسى وعيسى نّجِّنى ثم لا تُمْلٍ. فياربَّ إبراهيم والعبد يُونٍسٍ على غير حق كان منه ولا عَدْل لمن ظل يَهْوَى العز من آل غالب [ تفسير الغريب ] رمضاء مكة : الحجارة التى أحرقتها الشمس . . الجُعْل - بضم الجيم وسكون العين: دابة من الحشرات . أَنَّبه: بالَغ فى توبيخه. الدَّعت - بذال معجمة فعين مهملة: الخَنْقِ والدَّعت بالدال والذال : الدفع العنيف. والدعت أيضا : المَعْك فى التراب . لأَتخذنه حَنانا : يعنى لئن قتلتموه وهو على هذه الحالة لأُتخذنه حنانا أَى أَتخذنٌ قبره مَسْكَنا ومُسْتَرْحما ، والحنان : الرحمة . كذا ذكر عُرْوةُ قولَ ورقة هنا فدلَّ على أَنه عاش بعد البعثة . وتقدم الكلام على ذلك فى باب بدء الوحى . سَواديًّا : أَى من أَهل سَوَاد العراق . ماء مَتْنه : بمدّ ماء قال فى الصحاح : مَتُن الشئ بالضم متانة فهو متين أَى صُلْب . ومَتْنا الظهر : مُكْتَنفا الصُّلْب عن يمين وشمال من عَصب ولحم، يذكَّر ويؤنث القَيْن : الحدَّاد . صَهروهم : أحرقوهم . الرَّضْف : الحجارة المحمّاة. ◌ُلَداء بضم الجيم وبالمد جمع جَلْد بالفتح وهو القوىّ الشديد . (١) سيرة ابن كثير ٤٩٣/١. - ٤٨٤ - الباب السادس عشر فى الهجرة الأولى إلى الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين وكانت فى شهر رجب سنة خمس من المبعث . قال ابن إسحاق فلما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابَه من البلاء وما هو فيه من العافية من الله تعالى ثم من عمه أبى طالب، وأنه لا يَقْدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها مَلِكًا لا يُظْلَم عنده أحد وهى أرض صِدْق، حتى يجعل الله تعالى لكم فَرَجًا مما أنتم فيه . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله تعالى بدينهم فكانت أولَ هجرة كانت فى الإسلام. وكانوا - فيما قيل - اثنى عشر رجلا وامرأتين. وقيل عشرة رجال. وبه قال ابن إسحق وابن هشام وقيل اثنى عشر رجلا وثلاث نسوة . وقيل اثنى عشر رجلا وأربع نسوة . وقيل : اثنى عشر رجلا وخمس نسوة . وجزم به العراقىّ فى الدُّرَر . وكان أول من هاجر منهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . روی يعقوب بن سُفْیان رحمه الله تعالی عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط . وعبد الرحمن بن عوف . وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ومعه امرأته سَهْلة بنت سُهَيْل بن عمرو. والزبير بن العوام بن ربيعة (١). ومُصْعَب بن عُمَيْر، وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة ، وعثمان بن مَظْعون ، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبى حَثْمة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد ، (١) كذا بالأصل، والذى فى ابن هشام ٣٢٢/١: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد. - ٤٨٥ - قال الحافظ الوقشى : كذا وقع وإِنما هو غانم بن عامر بن عبد الله بن عَبِيد بفتح العين المهملة - ابن عَوِيج بفتح العين المهملة وكسر الواو فمثناة تحتية فجيم وأقره الخُشِى وذكر أبو عمر مثله . وروى الطبرانى بسند صحيح عن ليلى بنت أبى حَثْمة قالت : كان عمر بن الخطاب من أَشد الناس علينا فى إِسلامنا، فلما تَهَيأْنا للخروج إلى أرض الحبشة أَنانا عمر بن الخطاب وأَنا على بنيرى وأنا أريد أَن أَتوجه فقال: أَين يا أُمّ عبدِ الله ؟ فقلت : آذيتمونا فى ديننا فنذهب فى أرض الله حيث لا نُوَّذى. فقال: صَحِيكم الله . ثم ذهب فجاء زوجى عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رِقَّة عمر فقال: ترجِّين أَن يُسْلم ؟ والله لا يسلم حتى يسلم حمارُ الخطاب ! وسهيل بن بَيْضاء وأَبو سَبْرة بن أبى رُهْم العامرى ويقال بدله : حاطب بن عمرو العامرى . زاد بعضهم: وأم كلثوم بنت سُهَيْل بن عمرو امرأَة أَبى سَبْرة بن أبى رُهْم ، وعبد الله بن مسعود وجَزم ابن إِسحاق بأَّنه إِنما كان فى الهجرة الثانية وصححه الحافظ . قال ابن هشام وكان عليهم عثمان بن مَظْعون فيما ذكر لى وأنكر ذلك الزُّهْرِى وقال : لم يكن لهم أَمير . فخرجوا متسلِّلين سرًّا حتى أَتوا الشُّعَيْبِية منهم الراكب ومنهم الماشى، ووفق الله للمسلمين ساعةً جاءوا سفينتين للتجار حمَلوهم فيهما بنصف دينار وخرجت قريش فى آثارهم حتى جاءواً البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحداً . قالوا : وقدِمْنا أَرضَ الحبشة فجاوَرْنا بها خيرَ جار أَمِنَّا على دِيننا وعبَدْنا الله تعالى لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئًا نكرهه . وكان المشركون يقولون : لو ذكر محمد آلهتنا بخير قَرَّرناه وأصحابَه ولكنه لا يذكر من خالفه من اليهود والنصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما نال أصحابَه من أذاهم وتكذيبهم وَأَحْزَنْه ضلالتهم ، وكان يتمنى هداهم ، فاتفق أنه قرأَ يومًا سورة النجم وكان يرتل - ٤٨٦ - قراءته فلما بلغ: ((أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الآخرى(١))) ارتصده الشيطان فى سَكْنة من سكتاته فأَلقى عندها : وإنهن الغَرانيق العُلاَ وإنّ شفاعتهن لترتجى. محاكيًا نَغْمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قول النبى صلى الله عليه وسلم وأشاعها فوقعت فى قلب كل مشرك بمكة وزلَّت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا . فلما بلغ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آخرَ النَّجم سجد وسجد معه كلٌّ مُشْرك غير الوليد بن المغيرة كان شيخا كبيرا ملاًّ كفَّه ترابا فسجد عليه فعجب الفريقان كلاهما % من جماعتهم فى السجود بسجود النبي صلى الله عليه وسلم ، وعجب المسلمون لسجود المشركين معهم ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطانُ كما قاله موسى بن عُقْبة ، وأَما المشركون فاطمأنوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه . وفشَتْ تلك الكلمة فى الناس وأَظهرها الشيطان حتى بلغت أرضَ الحبشة ومن بها من المسلمين . ولما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذلك ساءه فأنزل الله تعالى: (( وما أُرسَلْنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تَمَنِىّ)) قرأ ((ألقى الشيطانُ فى أُمْنيته)) أَى فى قراءته كما قال الفرّاء ويؤيده ما رواه ابن جرير وعلقه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس فى قوله تعالى : (( إذا تمىَّ أَلقى الشيطان فى أُمنيته)) قال: إذا حَدَّثْ أَلتقى الشيطانُ فى حديثه(٢) (( فَيَنْسِخُ الله)) يُبْطل (( ما يُلْقِى الشيطان ثم يُحكم الله آياته)) يثبتها ((والله عليمٌ)) بإلقاء الشيطان ماذكر (( حَكِيم)) فى تمكينه منه يفعل ما يشاء إلى آخر الآية . والذى قدمناه من قصة الغرانيق له طرق كثيرة ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهى مَراسيل يَحتجّ بمثلها من يحتج بالمرسَل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها بعضًا روى الأُولَ : ابنُ جَرِير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس . قلت : ورواه الحافظ ضياء الدين المقدسى فى صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . (١) سورة النجم ١٩، ٢٠. (٢) صحيح البخارى كتاب التفسير (سورة الحج). ٦ - ٤٨٧ - والثانى : رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام . والثالث : رواه ابن جرير عن أبى العالية . قال الحافظ : وقد تجرَّأَ أَبو بكر بن العربى كعادته فقال : ذكر الطبرى فى ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها . وهو إِطلاق مردود عليه . وكذا قول القاضى : هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقةٌ بسند سليم إلى آخر كلامه . قال الحافظ : جميع ذلك لا يتمشّى على القواعد ، فإِنَّ الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلَّ ذلك على أن للقصة أصلا(١) . انتهى وسيأتى الكلام على ذلك بأَبْسط مما هنا فى أبواب عصمته صلى الله عليه وسلم . # قال ابن إسحاق فلما أَن بلغ المسلمين الذين بأرض الحبشة ذلك وأن أهل مكة أَسلموا حتى إِن الوليد بن المغيرة وأَبا أُحَيْحة قد سجدًا خلفَ النبى صلى الله عليه وسلم فقال القوم : فمن بقى بمكة إِذا أَسلم هؤلاء ؟ وقالوا : عشائرنا أَحبُّ إلينا . فخرجوا راجعين حتى إِذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركْبًا من كِنَانة فسأَلوهم عن قريش وعن حالهم فقال الركب : ذكَر محمدٌ آلهتهم بخير فتابعه الملاُّ ثم رجع فعاد لشَتْم آلهتهم وعادوا له بالشرّ فتركناهم على ذلك . فائتمر القومُ بالرجوع إلى الحبشة ثم قالوا : قد بَلَغْنا نَدْخل فننظر ما فيه قريش ويُحْدِثُ عَهْدًا من أراد بأَهله ثم يرجع . ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفياً إِلا ابن مسعود فإِنه مكث يسيرا ثم رجع (١) قصة الغرانيق هذه مفتراة لا أصل لها، كما ذكر ابن العربى وغيره ص ٣٥٤ الاكتفاء. قال السهيل : وأهل الأصول يدفعون هذا الحديث بالحجة .. ثم قال : والحديث على ما خيلت غير مقطوع بصحته . وقال القاضى عبد الجبار فى كتابه: ((تنزيه القرآن عن المطاعن)) ص ٢٤٣: ((فإن قيل: فما المراد بقوله: ((إلا إذا تمنى التى الشيطان فى أمنيته)) وكيف يصح ذلك على الأنبياء؟ وجوابنا : أن المراد: إذا تلا يلحقه السهو فى قراءته وذلك معروف فى اللغة، فلذلك قال بعده: (( فينسخ الله ما يلق الشيطان ثم يحكم الله آياته)) ولو كان المراد غير ما ذكرناه من التلاوة لم يصح ذلك. فأما ما يرويه الحشوية من أنه صلى الله عليه وسلم ذكر فى قراءته أصنامهم وقال: إن الغرانيق العلا شفاعتهن ترتجى. حتى فرح الكفار فلا أصل له ، ومثل ذلك لا يكون إلا من دسائس الملحدة» . - ٤٨٨ - إلى أرض الحبشة وكانوا خرجوا فى رجب سنة خمس فأقاموا شعبان ورمضان ، وكانت السجدة فى رمضان وقدموا فى شوال من السنة المذكورة . وكان من قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من أقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بَدْرا ومنهم من حُبس عنه حتى فاته بدر وغيره ، ومنهم من مات بمكة . ودخل عثمانُ بن مَفْعون بجوارٍ من الوليد بن المغيرة . فلما قدم أولئك النفر مكة اشتد عليهم قومهم وسطَتْ عليهم عشائرهم ولقوا منهم أَذى شديدًا . ولما رأَى عثمان بن مَظْعون ما فيه أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وهو يغدو ويروح فى أَمان الوليد بن المغيرة قال: والله إنّ غدوِّى ورواحى آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك وأَصحابى وأَهلُ دِينِى يَلْقون من البلاءِ والأُذى فى الله ما لا يصيبنى لَنقصٌ كبير فى نفسى . فمشى إلى الوليد فقال يا أبا عبد شمس وفَتْ ذِمتُك وقد ردَدْتُ إليك جوارك . قال: لِمَ يا بن أَخى، لعله آذاك أَحد من قومى؟ قال: لا ولكنى أَرْضَى بجوار الله عز وجل ولا أُريد أَن أَستجير بغيره . قال : فانطلقْ إلى المسجد فاردُدْ علَّ جوارى علانية كما أَجَرْتُك علانيةً. فانطلقا حتى أَنيَا المسجد فقال الوليد : هذا عثمان قد جاء يردّ علىّ جوارى . قال : صَدَق قد وجدتُه وفيًّا كريم الجوار ولكننى قد أحببت ألا أستجير بغير الله عز وجل فقد رددت عليه جواره . ثم انصرف عمّان ولَبِيد بن ربيعة بن مالك فى مجلس من قريش يُنْشدهم قبلَ إِسلامه ، فجلس عثمان معهم فقال لبيد : أَلا كل شىء ما خلاَ الله باطلٌ فقال عثمان : صدقتَ . فقال لبيد : وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ فقال عثمان : كذبتَ ، نعيمُ الجنة لا يزول . قال لبيد : يا معشر قريش والله ما كان - ٤٨٩ - يُؤْذى(١) جَلِيسكم فمتى حَدث هذا فيكم ؟ فقال رجل من القوم: إِن هذا سفيه فى سفهاء معه قد فأرقوا دِيننا فلا تجدنٌ فى نفسك من قوله . فردَّ عليه عثمان حتى شَرِى أَمرُهما فقام ذلك الرجل فلطَم عينه فخَضَّرها(٢) والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلَغ عثمان فقال: أَمَا والله يا ابن أَخِى إِنْ كانت عينُك عما أَصابها لَغَنّة ولقد كنت فى ذمة مَنِيعة . فقال عثمان: بل والله إِن عينى الصحيحة لَفقيرة إلى مثل ما أصاب أَختها فى الله عز وجل وإنى لفى جوار من هو أَعزّ منك وأَقْدر يا أَبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلّ يا ابن أَخِى إِن شئت إلى جوارك فعُدْ . فقال : لا . ولما أَجار أبو طالب أَبا سلمة بن عبد الأَسد مشى إليه رجالٌ من بنى مخزوم فقالوا له : يا أَبا طالب هذا منعتَ ابنَ أَخيك محمدًا فمالك ولصاحبنا تمنعه ؟ فقال : إِنه استجار بى وهو ابن أُختى وإِن أَنا لم أَمنع ابنَ أَخْتِى لم أَمنع ابنَ أَخى. فقام أَبو لهب فقال : يامعشر قريش والله لقد أَكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون توثَّبون عليه فى جواره من بين قومه ، والله لتنتهن عنه أَو لنقومن معه فى كل ما قام فيه حتى يَبْلغ ما أَراد . قالوا : بل ننصرف عما تكره يا أَبا عتبة . وكان لهم وليًّا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَبَقَوْا على ذلك . فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول ورجا أن يقوم معه فى شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو طالب يحرِّض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم : لفى رَوضةٍ ما إِنْ يُسَام المظالما إِن امرءاً أَبو عتيبة عمُّه أَبا معتب ثّبِّت سوادك قائِما أقول له وأين منه نصيحتى تُسَبُّ بها إِمّا هبطت المواسم ولا تقبلن الدهرَ ما عشت خُطَّةً فإنك لم تُخْلق على العجز لازمًا وولِّ سبيل العَجْز غيرك منهم أَخا الحرب يعطِى الخسفَ حتى يُسالِما وحارب فإِن الحرب نصْف ولن ترى (١) ط : ما كان يؤذيكم. (٢) خضرها: ورمها. - ٤٩٠ - ولم يخذُلوك غاماً أَو مُغَارِمبا وكيف ولم يَجِنُوا عليك عظيمةً وتيْمًا ومَخْزوما عُقُوقًا ومَأْنَمَا جزَى الله عنا عبدَ شمسٍ ونوفلا جماعتنا كَيما ينالوا المحارمَا بتفريقهم من بعد ودٌّ وألفة كذبتم وبيتِ الله نُبْزَى مُحَمَّدًا ولمّا تروا يومًا لدى الشِّعْب قائمًا (١) تَبْيَهَاتٌ الأول : ظاهر كلام ابن إسحاق أَن رجوع من هاجر إلى الحبشة كان بعد أَن صار المسلمون هناك زيادة على الثمانين، فإنه بعد أن ذكر خروجَ أَصحاب الهجرة الأُولى ذكر خروج جعفر وأصحابه ، ثم ذكر بعد ذلك أن المهاجرين إلى الحبشة بلغَهم إِسلامُ أَهل مكة فأقبلوا لمّا بلَغهم ذلك. فذكر نحو ما تقدم ، وأَن الراجعين : عثمان بن عفان، وأبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة ، وامرأته سهلة بنت سُهَيْل، وعبد الله بن جحش، وعُنْبة بن غَرْوان ، والزبير بن العوَّام، ومُصْعَب بن عمير ، وسُوَيْبط بن سعد ، وطُلَيْب بن عمرو ، وعبد الرحمن ابن عوف ، وعبد الله بن مسعود، وأبو سلمة بن عبد الأَسد، وامرأته أم سلمة ، وشَمَّاس ابن عثمان ، وسلمة بن هشام بن المغيرة حبسه عمّه بمكة فلم يَقْدم إلا بعدَ بَدْر وأُحد والخندق ، وعَيَّاش بن أبى ربيعة ، وعمار بن ياسر - شكّ فيه أَ كان خرج - ومُعَتِّب بن عوف ، وعثمان ابن مَظْعُون، وإبنه السائب بن عثمان، وأَخوا عثمان: قُدَامة وعبد الله، وخُنَيْس بن حُذَافة ، وهشام بن العاصى حُبس بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى قدم بعد بدر وأحد والخندق. وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبى حَثْمة بن غانم وعبد الله ابن مَخْرَمة ، وعبد الله بن سهيل بن عمرو وكان حُبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة حتى كان يوم بدر فانحاز من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معه بدراً ، وأَبو سَبْرة بن أَبى رُهْم وامرأته أم كلثوم بنت سهل بن عمرو ، والسَّْران بن عمرو وامرأته سَوْدة بنت زَمْعة ، مات بمكة قبل مُهَاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسعد بن خَوْله ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وعمرو بن الحارث بن زهير وسهيل ابن بيضاء ، وعمرو بن أبى سَرْح . (١) سيرة ابن هشام ٣٧٠/١ - ٠٣٧١ - ٤٩١ - قال : فجميع من قدم مكةً من أصحابه من أرض الجبشة ثلاثة وثلاثون رجلا(١). انتهى . وموسى بن عقبة ذكر أن الراجعين من الحبشة للسبب السابق هم المهاجرون أولاً وبه صرح فى الطبقات والعيون والإِشارة والمورد . الثانى : ذكر موسى بن عُقْبة أَن ابن مسعود مكث بمكة قليلا ورجع إلى الحبشة حتى قدم فى المرة الثانية مع من قدم وتعقبه فى زاد المعاد بأَن عبد الله بن مسعود شهد بدلًا وأَجهز على أَبى جهل ، وأصحاب هذه الهجرة إِنما قدموا المدينة مع جعفر وأصحابه بعد بدر بأَربع سنين أَو خمس ، وبسَط الكلام على ذلك. ثم قال : وقد ذكر - يعنى ابن عُقْبة - فى هذه الهجرة الثانية عثمانَ بن عفان وجماعة من شهدوا بدرًا، فإِما أَن يكون هذا وَهْمًا وإما أن يكون لهم قَدْمةٌ أُخرى قبل بدر ، فيكون لهم ثلاث قَدماتٍ : قَدْمة قبل الهجرة . وقَدْمَة قبل بَدْر ، وقَدْمَة عام خَيْبر . قلت : هذا هو الصحيح بلا شك . قال : وعلى هذا فيزول الإِشكال . انتهى ملخصا . التنبيه الثالث فى بيان غريب ما سبق الشُّعَيْبة : بضم الشين المعجمة وفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر الموحدة تصغير شعبة مكان على ساحل البحر بطريق اليمن . الغرانيق: بالغين المعجمة ها هنا الأصنام وهى فى الأصل الذُّكور من طَيْر الماء وقيل طير الماء مطلقا إِذا كان أبيض طويل العنق واحدها تُرْنوق بضم الغين وفتح النون . وغِرْنَيْق بكسر الغين وفتح النون ، سمِّى به لبياضه وقيل هو الكرْكِىّ. وكانوا يزعمون أَن الأصنام تقرِّبهم من الله وتشفع لهم خشبِّهت بالطيور التى تَعْلُو فى السماء وترتفع (١) سيرة ابن هشام ٣٦٤/١ - ٣٦٩. - ٤٩٢ - الباب السابع عشر فى إِسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ابن إسحاق : وكان إسلام عمر عقب الهجرة الأولى إلى الحبشة . قال فى ((الزَّهْر)): وكان إِسلامه فى ذى الحجة سنة ست من المبعث وله ست وعشرون سنة فيما ذكره ابن سعد عن ابن المسيَّب .. وقال ابن الجوزى : سنة خمس . قال أبو نعيم : بعد إِسلام حمزة بثلاثة أيام . قال ابن إسحاق : وكانوا - أَى المسلمون - قريبا من أربعين من رجال ونساء وتقدم ذكرهم فى الباب الثالث من أبواب المبعث . وقال ابن المسيّب فيما رواه ابن سعد: كانوا أربعين رجلا وعشر نسوة . وروى إسحاق بن بشر عن ابن عباس أنهم كانوا يومئذ تسعة وتسعين(١) رجلا وثلاثا وعشرين امرأة ثم إن عمر أَسْلَم . قال فى الزَّهْر : ولعل هذا هو الصواب ، فقد كان فى الحبشة ثلاثة وثمانون كما ذكر ابن إسحاق . قلت : ابن إسحاق إِنما ذكر ذلك فى الذين هاجروا ثانياً وإسلام عمر كان بين الهجرتين . كما تقدم عن ابن عباس ، فالزيادة على الأربعين حصلت بعد إسلام عمر وإسحاق كذَّاب يَضع ، لا يُصَادم ما رواه ما ذكره الثقات . والله أعلم . واختلف فى سبب إسلامه كما سأُبينه . وقد روى قصة إسلامه ابنُ إسحاق ، وابن سعد ، وأبو يعلى ، والحاكم عن أنس ، والبزار والطبرانى عن أَسْلَم مولاه عنه ، وأَبو نُعَيْم عن ابن عمر . (١) كتب فوقها فى ط: وثلاثين. وعليها حرف ظ. - ٤٩٣ - قال أَسْلَم مولاه عنه : أَتحبون أن أعلمكم بإِسلامى ؟ قلنا : نعم قال : كنت أَشد الناسِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلست يومًا مع أبى جهل بن هشام أَو شيبة ابن ربيعة ، فقال أبو جهل : يا معشر قريش إن محمدا قد شتم آلهتكم وسفَّ أحلامكم وزعم أن من مضى من آبائكم يتهافتون فى النار ، أَلا ومن قتل محمدًا فله علىّ مائة ناقة حمراء وسوداء وألف أوقية من فضة . قال عمر : فخرجت متقلدًا السيفَ مُتَنكِّبا كِنانتِى أَريد النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فمررت على عِجْل وهم يريدون ذَبْحه فقمت أَنظر إليهم فإِذا صائح يصيح من جوف العجل : يالَذريح"، رجل يصيح ، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قال عمر: فقلتفى نفسى إِن هذا لأَمرُ مايراد به إِلا أَنا . قال : ثم مررت بغنم فإِذا هاتف يهتف ويقول : ما أَنتَم وطائِش الأحلامِ (١) يا أيها الناس ذَوُوا الأَجسام فكلكم أَوْرَه کالکھامِ ومُسْند الحكم إِلى الأَصنام من ساطع يَجْلو دُجَى الظلامِ أَمَا ترون ما أَرى أَمامى أكرمه الرحمنُ من إِمام قد لاحَ للناظر من تهـام والبرِّ والصِّلات للأرحام قد جاء بعدَ الكفر بالإِسلام فبادِروا سبقًا إلى الإِسلام . ويزجُر الناس عن الآثام بلا فتور وبلا إِحجام قال عمر: فقلت والله ما أراه إِلا أَرادنى. ثم مررت بالضِّمار وإذا هاتف يهتف من جوفه: قبلَ الصلاة مع النبى محمدٍ تُرك الضمار وكان يُعْبَد مرةً بعد ابن مريم من قريش مهتدِى إِنّ الذى وَرث النبوة والهدَى ليت الضمارَ ومثلَه لم يُعْبَدِ سيقول من عبدَ الضمارَ ومثلَه يأتيك عِزّ غير عز بنى عَدِى فاصبر أبا حفص فإنك امرؤٌ (١) كذا . وقد سبقت رواية الأبيات بغير هذا الترتيب فى باب الهواتف بنيوة محمد صلى الله عليه وسلم. ٠ - ٤٩٤ - حقًّا يقينا باللسانِ وباليسدِ(١) لا تَعْجلن فأَنت ناصرُ دِينه قال عمر : فوالله لقد علمت أنه أَرادنى . فَلَقِيُ رجل من قريش . قال ابن إسحاق : هو نُعَيم بن عبد الله النخَّام وكان قد أَسلم وكان يخفى ذلك فرقًا من قومه . فقال : أين تذهب يابن الخطاب ؟ قلت : أُريد هذا الصابىء الذى فرَّق أَمرَ قريش وسفَّه أَحلامها وعاب دينها وسبَّ آلهتها فأَقتله . فقال له نعيم : والله لقد غَرَّتك نفسك من نفسك يا عمر أَترى بنى عبد منافٍ تاركيك تمشى على وجه الأرض وقد قتلتَ محمدًا؟ أَفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أَمرَهم ؟! قال : وأَىّ أَهل بيتى؟ قال : خَتَنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمر وأُختك فاطمة بنت الخطاب ، فقد والله أَسْلَما وتابعًا محمدا على دينه فعليك بهما . وإِنما فعل ذلك نُعَيم ليَصرف عمرَ عن أَذى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فرجع عمر عامدًا إلى أُخته وخَتَنه . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَسلم بعضُ من لا شئٍ له ضمَّ الرجلَ والرجلين إلى الرجل يُنْفق عليه، وكان ضمَّ رجلين من أصحابه إلى زوج أُخت عمر فقرع عمر عليهم الباب وعندهم خبّاب بن الأَرت معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها فلما سمعوا حسّ عمر تغيَّب خبَّابٌ فى مَخْدَع لهم أوفى بعض البيت وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة . فجعلتها تحت فخذها وقد سمع حين دنا من البيت قراءةً خَبَّاب عليهما ، فلما دخل قال : ما هذه الهَيْنمة التى سمعتُ ؟ قالا له : ما سمعتَ شيئا . قال : بلى والله لقد أخبرت أَنكما تابَعْما محمدًا على دينه. وبطشَى بختَنه سعيد بن زيد فقامت إِليه أُخته بنت الخطاب لِتكفَّه عن زوجها ، فضربها فشجَّها فلما فعل ذلك قالت له أخته وخَتَنه : نعم قد أَسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك . فلما رأَى عمر ما بأُخته من الدم ندم على ما صنع فارعوَى وقال لأُخته أَعطينى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرءون آنفا أَنظر ما هذا الذى جاء به محمد . وكان عمر كاتبًا فلما قال ذلك قالت له أُخته : إِنا نخشاك عليها. قال : لا تخافى. وحلَف لها بآلهته ليردّنها إِذا (١) تبدو أمارات الصنع على هذه الرواية، وقد نسب مثل هذا إلى العباس بن مرداس. - ٤٩٥ - قرأها إليها . فلما قال ذلك طمعت فى إِسلامه فقالت: يا أَخى أَنت نَجِس على شِرْكك وإنه . لا يمسّه إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسل فأَعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ صدرًا منها فقال ما أَحْسَن هذا الكلام وأكرمَه . وفى رواية أنه وجد فى الصحيفة : بسم الله الرحمن الرحيم . فذكر من أين اشتق . ثم رجع إلى نفسه فقراً سَبَّح لله ما فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم حتى بلغ (( آمنوا بالله ورسوله وأَنفِقوا مما جعلكم مُسْتَخْلَفين فيه)) فقال: أَشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله . انتهى . فلما سمع ذلك خَبَّاب خرج إليه فقال له يا عمر والله إنى لأ رجو أن يكون الله تعالى قد خصَّك بدعوة نبيه فإنى سمعته أمس وهو يقول: اللهم أَيِّد الإِسلامَ بأَبى الحكم ابن هشام أَو بعمر بن الخطاب فاللهَ الله يا عمر . فذكر الحديث . # وفى رواية مجاهد عمن روى أن عمر قال : كنت للإِسلام مُبَاعدا وكنت صاحب خمر فى الجاهلية أَصبها وأَشربها وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزّوَّرة عند دُور آل عمر بن عبد عمران المخزومى، فخرجت ليلةً أُريد جلسائى أُولئك فى مجلسهم ذلك فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت فى نفسى : فلو أنى جئت فلانا الخمَّار وكان بمكة يبيع الخمر ، لعلى أَجد عنده خمرا فأَشرب منها فخرجت فلم أجده . فقلت فى نفسى : فلو أنى جئت الكعبة فطفت بها سبعا أَو سبعين فجئت المسجد أُريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلّى وكان إِذا صلى استقبل الشامَ وجعل الكعبةَ بينه وبين الشام، فكان مُصَلّه بين الركنين الركن الأسود والركن اليمانى فقلت حين رأيته : والله لو سمعتُ لمحمد الليلة حتى أَسمعَ ما يقول. فقلت لئن دنوت منه أَستمع لأُروِّعنه فجئت من قِبَل الحجر فدخلت تحت ثيابه فجعلت أَمشى رويداً رويدا ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائِم يصلّى يقرأ القرآن حتى قمت فى قبلته مستقبله ما بينى وبينه إلا ثيابُ الكعبة ، فلما سمعت القرآن رقَّ له قلبى فبكيت ودخلتى الإِسلام ، فلم أزل قائِما فى مكانى - ٤٩٦ - حتى قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاتَه وانصرف، فتبعته حتى دخل بين دار عباس ودار ابن أَزْهر (١) أدركتُه، فلما سمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حِسِى عَرِفنى فظن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنما تبعته لأُوذيه فنَهمنى(٢) ثم قال : ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة ؟ قلت : جئت لأُومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله. قال: فحمد الله تعالى ثم قال : قد هداك الله يابن الخطاب . ثم مَسَح صدرى ودعا لى بالثبات . ثم انصرفتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته . وفى رواية أَن خبَّابا لما قال لعمر: فالله الله يا عمر. قال له عمر عند ذلك: دُلَّى يا خبّاب على محمد حتى آتيه فأسلم ، فقال خباب : هو فى بيته عند الصفا معه نفر من أصحابه. فأَخذ عمر سيفه متوشحَه ثم عَمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب ، فلما سمعوا صوته قام رجلٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فرجع وهو فَزِع (٣) فقال: يارسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشَّحا السيفَ، فقال حمزة بن عبد المطلب: فَأُذن له فإن كان يريد خيرًا بذلناه له وإن كان جاء يريد شرًّا قتلناه بسيفه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن له فإن يُرد الله به خيرا هده فأَذِن له الرجل وفتحوا له، وأَخذ رجلان بعَضُدَيْه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أُرسِلوه. فأُرسَلوه، فنهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه فى الحجرة فأخذ بحُجْزته أَو بمجمع ردائه ثم جَبذه جَبْدَةً شديدة وقال : ما جاء بك يا بن الخطاب ؟ فوالله ما أَراك(٤) أَن تنتهى حتى يُنْزِل الله بك قارعةً. فقال(٥): يارسول الله جئت لأُومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله . فكَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرةٌ عرف أَهلُ البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن عمر قد أسلم ، (١) ط : ودار أزهر . (٢) الأصل : فهمه . (٣) ت، م: وهو جزع . . (٤) ط : ما أرى. (٥) غير ط : فقلت . - ٤٩٧ - (٣٢ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) فكبّروا تكبيرة سُمعت بطرق مكة وتفرَّقوا من مكانهم وقد عزّوا فى أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهم من عدوهم . وقال عمر حين أسلم : الحمد لله ذى المنِّ الذى وجبَتْ له علينا أيادٍ كلها عِبَرُ صِدْقَ الحديث نِىُّ عنده الخبرُ وقد بدأنا فكذَّبنا فقال لنا ربِّ وقالوا جميعا قد صَبا- عُمَر وقد ظلمتُ ابنةً الخطاب ثم هَدى بظُلْمِها حين تُتْلَى. عندها السَُّرُ وقد ندمتُ على ما كان من زَلَلى وأَن أَحمد فينا اليوم مُشْتهر لمَّا دَعتْ رَبَّها ذا العَرْشِ خالقَها وافِى الأَمانة ما فى وعده خَورُ(١) نَبِىُّ صدق أَنتى بالحق من ثقة # وروى ابن اسحاق عن بعض آل عمر قال : قال عمر لما أَسلمتُ تلك الليلة تذكَّرَت أَىّ أَهلِ مكة أَشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأُخبره أنى قد أسلمت قال: فقلت: أبو جهل. فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه فخرج أبو جهل فقال: مرحباً وأهلا يا بن أُختى ما جاء بك؟قلت: جئت لأُخبرك أَنى قد آمنت بالله ورسوله وصدقت بما جاء به . فضرب الباب فى وجهى وقال : قبحَّك الله وقبح ما جئت به . وروى أيضا بسند صحيح عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال : أَىّ قريش أَنْقَل للحديث ؟ قيل له: جميل بن مَعْمَرَ الجُمَحى . قال : فغدًا عليه . قال عبد الله: وغدوتُ معه أَتْبع أَثْرَه وأَنظر ماذا يفعل حتى جاءه فقال له : أَعلمتَ يا جميل أَنى أَسلمت ودخلتُ فى دين محمد ؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجرُّ رداءه وتبعه عمر، واتبعتُ أَبى حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش - وهم فى أنديتهم حول (١) لا يظهر على هذا الشعر أصالة ولا رواء، بل هو نظم متكلف حاول به صانعه أن يحكى قصة إسلام عمر رضى الله عنه . - ٤٩٨ - .. الكعبة - ألا إن ابن الخطاب قد صَبأ. قال: يقول عمر مِنْ خَلْفِه: كذَب ولكنى أَسلمتُ وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وثاروا إليه فما بُرح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم وطَلع فقبعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدًا لكم فأَحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة لقد تركناها أو تتركوها لنا . فبينا هو على ذلك إِذ أُقبل شيخٌ من قريش عليه حُلة حِبَرة وقميص مُوَشِّی حتى وقف عليهم فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : صباً عمر. قال: فمَةْ ، رجلٌ اختار لنفسه أمرًا فما تريدون منه؟ أَترون بنى عدىّ بن كعب يُسْلمون لكم صاحبَكم؟ هكذا خَلُّوا عن الرجُل. قال : فوالله فكأنما كانوا ثوباً كُشِط عنه. فقلت لأَبى بعد أَن هاجر إلى المدينة : يا أَبى مَنَ الرَّجلُ الذى زجَر القومَ عنك بمكة يومَ أَسلمتَ وهم يقاتلونك ؟ قال : ذاك أَى بُنِىّ العاصى بن وائل السَّهْمى(١). ومات مُشْركا. وروى البخارى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : بَيْنا عمر فى الدار خائفاً إذ جاءه العاصى بن وائِل السَّهمى وعليه حلة حِبَرة وقميص مكْفُوف بحرير فقال: ما بك ؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوننى لأَننى أَسلمتُ. قال : لا سبيل إِليك أَمِنْت . فخرج العاصى فلقى الناسَ قد سالَ بهم الوادى فقال: أَين تريدون؟ فقالوا : نريد ابنَ الخطاب الذى صَباً . قال: لا سبيل إليه. فكَرَّ الناس وتصدَّعوا عنه(٢). وروى البخارى عن ابن مسعود قال: ما زلناَ أَعِزَّةً منذ أَسْلَم عمر (٣). وروى عنه قال : والله ما استطعنا أن نصلى عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر (٤). وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال : لما أسلم عمرُ نزل جبريلُ فقال : يا محمد لقد استبشر أَهلُ السماء بإِسلام عمرِ (٥). (١) سيرة ابن هشام ٣٤٨/١. (٢) صحيح البخارى كتاب المناقب . (٣) صحيح البخارى كتاب فضائل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم. (٤) صحيح البخارى كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. (٥ ) سنن ابن ماجه، المقدمة، باب رقم ١١. - ٤٩٩ - وروى الإمام أحمد والترمذى وقال حسن صحيح وابنُ حبان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم أَعِزَّ الإِسلامَ بأَحبِّ هذين الرجلين إليك: بأبى جهل أَو بعمر بن الخطاب. قال: وكان أَحبَّهما إِليه عمر (١). تنبيه فى بيان غريب ما سبق أَوْرَه : بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فراء مفتوحة : وهو الحمق(٢) وقيل الخرق . الكَهَامِ: بفتح الكاف وتخفيف الهاء : السيف الكَلِيل . ولسانٌ كَهام أَى عَبِىُّ، وفرس كَهام : بطىء. وكأَن ذا فى الأَصل والله أعلم مأخوذ من هذا ، فيكون معناه : أَكلكم أحمق وأَخْرَق عَبِىّ أَو كليل لم يُغْن شيئاً أَو بطىء عن الحق والخير والصِّلات - بكسر الصاد : جمع صِلة وهى الإِحسان إلى الأقارب . وتقدم بيان ذَرِيح فى الباب الرابع . المَخْدَع عندهم: البيت يكون فى جوف البيت شبه البَهْو الذى يصنعه الناس فى أوساط (٣) المجالس . الَيْئمة : صوت وكلام لا يُفْهَم . ارْعَوى : رجع ، يقال ارعويت عن الشىء إذا رجعت عنه وازدجرت . جبّذه : بجيم فباء موحدة مفتوحتين جَبْدًا من باب ضرب مثل جَذَب أَى مدَّه إلى نَفْسه. الحَزْوَرة - بحاء مفتوحة مهملة فزاى ساكنة : سوق كانت بمكة وأدخلت فى المسجد لمّا زيد فيه (١) صحيح الترمذى كتاب المناقب باب ١٧ ومسند أحمد ٩٥/٢ (٢) كذا، وقد سبق التنبيه على أن الأوره هو الأحمق. (٣) ت، م : فى البساط المجالس. - ٥٠٠ -