النص المفهرس
صفحات 461-480
فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه عُقْبة بن أبى مُعَيْط إِلى أَحبار يهود المدينة وقالوا لهما : اسألاهم عن محمد وصِفًا لهم صفته وأخيراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علمُ ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدِما المدينةَ فسأَلا أَحبارَ يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفًا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا : إِنكم أَهلُ التوراة وقد أتيناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . فقالت لهما أَحبار يهود: سَلُوه عن ثلاثٍ نأمركم بهن فإِن أخبركم بهن فهو نبيّ مرسَل وإِن لم يفعل فالرجل مُتَّقَوِّل(١) فرَوْا فيه رأيكم: سَلُوه عن فِتْية ذهبوا فى الدهر الأول ما كان أَمرهم ، فإنه قد كان لهم حديثٌ عجيب ، واسألوه عن رجل طوَّاف قد بلغ مشارقَ الأرض ومغاربها ما كان نَبؤه ، واسألوه عن الروح ما هى ؟ فإِن أَخبركم بذلك فاتبعوه فإِنه نبى ، وإِن لم يفعل فهو رجل متقوِّل(٢) فاصنعوا فى أمره ما بدا لكم . فأَقبل النَّضْر بن الحارث وعقبةُ بن أبى مُعَيْط حتى قدِما مكةً على قريش فقالا : قد جئناكم بفصلٍ ما بينكم وبَيْن محمد ، قد أَمرنا أَحبارُ يهود أَن نسأله عن أشياء أَمرونا بها ، فإِن أَخبركم عنها فهو نبيّ وإِن لم يفعل فالرجل مقتول فروا فيه رأيكم . فجاءوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فى تلك الأشياء فقال لهم : أُخبركم بما سألتم عنه غدًا . ولم يَسْتئن . فانصرفوا عنه . قال ابن إسحاق : ومكث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة وفى سِيرَ الزُّهْرِى وموسى بن عُقْبة: أَن الوحى إِنما أَبطأً عنه ثلاثة أيام لا يحْدِث الله تعالى فى ذلك وحيا ولا يأتيه جبريلُ، حتى أَرْجَف أَهلُ مكة وقالوا : وعدنا محمدٌ غدًا واليومَ خمسة عشر ليلة قد أَصبحنا منها لا يخبرنا بشىءٍ مما سألناه عنه. حتى أَحزَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مُكْثُ الوحى عنه وشقَّ عليه ما يتكلم به أَهلُ مكة . ثم جاءه جبريل صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل بسورة الكهف وفيها معاتبته إياه على حُزْنه عليهم، وخَبر ما سألوه عنه من أَمر الفتية والرجل الطوَّاف والروح . (١) ص: مفتون. وبقية النسخ: مقتول. وما أثبته من ابن هشام ٣٠١/١. (٢) الأصل: مقتول . ولعله تحريف . - ٤٦١ - قال ابن إسحاقَ : فذكِر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه : لقد احتبست عنى يا جبريل حتى سُؤْتُ ظنا. فقال له جبريل: ((وما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بأمرٍ رَبِّك له ما بين أيدينا وما خَلْفَنا ومَا بَيْن ذلك وما كان ربُّك نَسِيًّا)) فافتتح الله سبحانه سورة الكهف بحَمْدِهِ وذكر نبوّة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: ((الحمدُ)) وهو الوصف بالجميل الثابت (الله)) وهل المراد الإِعلام بذلك للإيمان به أَو الثناء به أَو هُمَا؟ احتمالات أَفْيَدها الثالث ((الذى أَنْزَل على عبده)) محمد ((الكتابَ)) القرآن ((ولم يَجْعل له)) أَى فيه ((عِوَجاً)) اختلافا وتناقضا ((قيِّما)) مستقيما ((ليُنْذر))) يخوف بالكتاب الكافرين ((بأُسَا)) عذابا. ((شديدًا من لَدُنْه)) من قِبَل الله ((ويبشِّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجراً حَسنًا، ماكثين فيه أبدا)) وهو الجنة ((ويُنْذر)) من جملة الكافرين ((الذين قالوا اتَّخَذَ اللهُ ولدًا) ما لهم به)) بهذا القول ((مِنْ عِلْمٍ ولا لآ بائهم)) من قبلهم القائِلين له ((كَبُرَتْ)) عَظُمتِ (كلمةٌ تَخْرجُ مِنْ أَفواههم)) كلمة تمييز مفسِّر للضمير المبْهَم ، والمخصوص بالذمّ محذوف أَى مقالتهم المذكورة ((إِنْ)) ما ((يَقُولون)) فى ذلك إِلا مَقُولاً ((كذبًا)) ((فلعلَّك باحِعٌ)) مُهْلك ((نفسَك على آثارهم)) بعد تولِّيهم عنك ((إِن لم يُؤْمنوا بهذا الحديثِ)) القرآن ((أَسَفًا، غيظًا وحزنا منك لحرصك على إيمانهم ((إِنا جعَلْنا ما علَى الأَرضِ)) من الحيوان والنبات والشجر والأنهار وغير ذلك ((زِينةٌ لها لنَيْلوهم)) لنختبر الناسَ ناظرين إلى ذلك ((أَيُّهم أَحْسُ عملاً)) فيه أَى أَزهد له ((وإِنا لَجاعِلُون ما عليها صَعِيدا)) فُتَاتا ((جُرُزًا)) يابسا لاينبت. ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوا عنه من شأن الفتية فقال: ((أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصحابَ الكهفِ)) الغار فى الجبل ((والرَّقيمِ)) اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأَنسابُهم ((كانوا)) فى قصتهم ((من)) جُمْلة ((آياتنا عَجبا)) خبر كان وما قبله حال، أَى كانوا عجبًا دون باقى الآيات وأعجبها ؟ ليس الأمر كذلك . اذكر (( إِذ أَوَى الفِتْيَةُ إِلى الكَهْف)) جمع فتى وهو الشاب الكامل خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار ((فقالوا رَبُّنَا ربُّ السمواتِ والأرض لن نَدْعُوَ من دونه)) غيره ((إِلَهًا. لقد قُلْنا إِذَا شَطَطًا)) أَى قولا ذا شطط، أَى إِفراط فى الكفر إن دعونا إلها غير الله فَرْضًا ((هؤلاء)) مبتدأ ((قَوْمُنا)) عطف بيان ((اتخذوا من دُونِهِ آلهةً)) الخبر: ((لولا)) هلا - ٤٦٢ - ((يأتون عليهم)) على عبادتهم ((بسُلْطانٍ بَيِّن)) بحجة ظاهِرة ((فمن أَظْلَم)) أى لا أحد أَظْلِم ((ثمن افْتَرى على الله كَذِبا)) بنسبة الشريك إِليه تعالى إلى آخر القصة. ثم قال تعالى: ((سيقولون)) أى المتنازعون ((فيهم)) فى عدد الفتية فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم أَى يقول بعضهم: هم ((ثلاثةٌ رابعهم كَلْبهم)) ((ويقولون)) أَى بعضهم : (خمسةٌ سادسهم كَلْبهم)) والقولان لنصارى نجران ((رَجْمًا بالغيبِ)) أَى ظنا فى الفتية عنهم ، وهو راجع إلى القولين معا ونَصْبه على المفعول أى لظنهم ذلك. ((ويقولون)) أَى المؤمنون (( سَبْعَةٌ وثامنهم كَلْبُهم)) الجملة من المبتدأ والخبر صفة سبعة بزيادة الواو ، وقيل تأكيد أو دلالة علىَ لَصْق الصفة بالموصوف، ووصف الأَوَّلَيْن بالرجم دون الثالث يدل على أنه مَرْضِىّ صحيح ((قل ربِّ أَعْلَم بعِدَّتْهم ما يَعْلمهم إلا قليل)) من الناس . قال ابن عباس: أَنا من ذلك القليل . وذكر أنهم سبعةُ ((فلا تُمَارِ)) تجادل ((فيهم إِلا مِرَاء ظاهرا)) بما أُنزل إِليك. ((ولا تَسْتَفْتِ)) تطلب الفتيا ((فيهم منهم)) من أهل الكتاب اليهود ((أَحدا . ولا تقولنَّ لشىءٍ إِنى فاعلٌ ذلك غدًا)) أَى فيما يُستقبل من الزمان ((إِلا أَن يشاء الله)) أَى إلا ملتبسًا بمشيئة الله بأن تقول: إِن شاء الله ((واذكُرْ ربَّك)) أَى مشيئته معلِّقا بها ((إِذا نسيتَ )) التعليقَ بها ويكون ذِكْرها بعد النسيان كذِكْرها مع القول . قال الحسن وغيره : ما دام فى المجلس . وروى ابن أبى حاتم والطبرانى عن ابن عباس فى الآية قال : إذا نسيت الاستثناء اسْتَثْنِ إِذا ذكرت . قال : وهى خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم . ((وقُل عَسى أَن يَهْدِين ربِّ لِأَقْربَ مِنْ هذا)) من خبر أَهل الكهف فى الدلالة على نبوّى ((رَشَدًا)) هداية وقد فعل الله تعالى ذلك . ((ويسألونك عن ذى القَرْنين)) اختلف فى اسمه فقيل اسمه الصَّعب. وبه جزم كعب الأَحبار ونقله ابن هشام فى التيجان عن ابن عباس . وقال الشيخ تقي الدين المقريزى فى الخُطَط: إِنه التحقيق عند علماء الأخبار . وقال الحافظ فى الفتح بعد أَن أَورد قول أعشى ابن ثعلبة : بالحِنْو فى حَدث هناك مقيمٌ والصعبُ ذو القرنين أَمْسَى ثاويًا والحنو - بكسر الحاء المهملة وسكون النون فواو: مكان فى ناحية المشرق. ثم ذكر - ٤٦٣ - شواهدَ أُخر يؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح فى اسمه الصعب . وقيل المنذر : . وقيل غير ذلك. ولقِّب بذى القرنين قيل لأَنه بلَغ قَرْن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مَطْلعها رواه الزبير بن بَكَّار عن الزُّهرى. وقيل لأنه مَلكهما. وقيل لأنه رأى فى منامه أنه أَخذ بقَرْنى الشمس، وقيل لأنه كان له قرنان حقيقة . وهذا أَنكره الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه. وقيل لأنه كان له ضَغيرتان تواريهما ثيابه ، وقيل كانت الغَدِيرتان طويلتين من شَعره حتى كان بِطَأْ عليهما. وقيل لأنه دخل النور والظُّلْمة . وقيل لأنه عُمِّر حتى فَنِى فى زمانه قرنان من الناس . وقيل غير ذلك . واختلف فى نبوته : فقيل كان نبيًا . وبه جزم جماعة . وهو مروىّ عن عبد الله بن عمرو بن العاصى . قال الحافظ : وعليه ظاهر القرآن وروى الحاكم من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا أدرى ذو(١) القرنين كان نبيًا أولا)) وذكر وهب فى المبتدأ أنه كان عبداً صالحا وأَن الله تعالى بعثه إلى أربعة أُمم اثنتين منها طول الأَرض، واثنتين منها عرض الأَرض فذكر قصةً طويلة ذكرها الثعلبى فى تفسيره . وروى الزبير بن بكَّار وسفيان بن عُيْينة فى جامعه والضياءُ المقدسى فى صحيحه ، كلاهما من طريق آخر بسند صحيح كما قال الحافظ عن أبى الطفيل أَن ابن الكوَّاء قال لعلى رضى الله عنه: أَخبرنى عن ذى القرنين نبيًّا كان أَم مَلِكا ؟ قال : لم يكن نبياً ولا مَلِكا ولكن كان عَبْدا صالحا أَحبه الله فأَحبَّه، ونصح الله فنصَحه ، بعثه إلى قومه فضربوه على قَرْنه ضربةً مات فيها ، ثم بعثه الله إليهم فضربوه، ثم بعثه فسْمِّى ذا القرنين . قال الحافظ: وفيه إِشكال لأَن قوله : لم يكن نبيا مغايرٌ لقوله : بعثه الله إِلى قومه إِلا أَن يحمل البَعْث على غير رسالة النبوّة . والأكثر : أَنه كان من الملوك الصالحين . وذكره البخارى قبل ترجمة إبراهيم صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ : وفى ذلك إِشارة إِلى تَوْهين قول من زعم أنه الإِسكندر اليونانى ، لأَن الإِسكندر كان قريبا من زمن عيسى ، وبين زمن إِبراهيم وعيسى أكثر من (١) ط : ذا القرنين. - ٤٦٤ - ألفى سنة . والذى يظهر أن الإسكندر المتأخر لقب بذى القرنين تشبيهًا بالمتقدم لسعَة مملكته وغلبته على البلاد الكثيرة ، أو لأنه لما غلب على الفرس وقتل ملكهم انتظم له مُلْكُ المملكتين الواسعتين الرُّوم والفرس فلقِّب ذو القرنين بذلك . والحق : أَن الذى قصَّ الله نبأه فى القرآن هو المتقدم ، والفرق بينهما من أوجه : أُحدها ما ذكرته . والذى يدلّ على تقدم ذى القرنين ما رواه الفاكهىّ عن عُبَيْد بن عمير أَحد كبار التابعين : أَن ذا القرنين حجَّ ماشيا فسمع به إبراهيم فتلقَّاه . وذكر ابن هشام فى التيجان أن إبراهيم تحاكم إلى ذى القرنين فى شىء فحكم له . ثانى الأَوْجُه : قال الإِمام فخر الدين كان ذو القرنين نبيّا وكان الإِسكندر كافرا . ولكن الجمهور على خلاف قوله إنه كان نبيا . ثالثها : كان ذو القرنين من العرب . وأما الإِسكندر فهو من اليونان . وشُبْهة من قال إن ذا القرنين هو الإِسكندر : ما رواه ابنُ جرير بإسناد فيه ابن لَهِيعة أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن ذى القرنين فقال : كان من الروم فأُعطى مُلْكا فسار إلى مصر وبنىَ الإِسكندرية . إلى آخره . وهذا لو صحَّ لدفع النزاعَ ، ولكنه ضعيف. هذا خلاصة كلام الحافظ فى الفتح(١). وقال الشيخ تقي الدين المقريزى فى الخُطَط: اعلم أن التحقيق عند علماء الأخبار أن ذا القرنين الذى ذكره الله تعالى فى القرآن اسمه الصَّعْب بن الحارث . وساق نسَبه إلى قحطان بن هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، وأنه ملك من ملوك حمير وهم العرب العاربة ويقال لهم أيضا العرب العَرْباء . كان ذو القرنين تُبَّعا متوَّجًا ولما تولى الملك تجبَّر ثم تواضع لله تعالى . وقد غلط من ظن أن الإسكندر هو ذو القرنين الذى بنى السَّدَّ فإن لفظة ((ذو)) عربية، وذو القرنين من ألقاب ملوك اليمن ، وذاك رومى يونانى وبسَط الكلام على ذلك(٢) وذكر الحافظ عمادُ (١) انظر فتح البارى ١٩١/٧ - ١٩٣ . (٢) خطط المقريزى ٢٦٨/٢ (ط لبنان). - ٤٦٥ - (٣٠ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) الدين ابن كثير نحو ما سبق عن الحافظ وصوّب أَن ذا القرنين غير الإسكندر اليونانى وبسَط الكلامَ على ذلك(١). ((قل سأَتْلُو)) سأَقصّ ((عليكم منه)) من حاله ((ذِكْرًا)) خبرًا. إلى آخر القصة . وقال تعالى فيما سألوه عنه من الروح الذى يحيا به البدن: ((قل)) لهم ((الروحُ من أَمْرِ ربى)) أَى علمه لا تعلمونه. ((وما أُوتيتم من العِلْم إلا قليلاً)) بالنسبة إلى علمه تعالى. وكلام ابن اسحاق يدل على أن هذه الآية مكِّية . ورواه الترمذى عن ابن عباس، ورجالُه رجال مسلم . وفى الصحيحين أن اليهود سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن الروح بالمدينة فنزلت هذه الآية (٢). قال الحافظ : ويمكن الجمع بأَن يتعدَّد النزول ويحمل سكوته فى المرة الثانية على توقُّع مزيد بيان فى ذلك وإلا فما فى الصحيح أَصحّ . قال ابن اسحاق : فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق ، وعرَفوا صدقه فيما حدَّث ومَوْقع نبوته فيما جاءهم من علم الغيب حين سألوه عنه ، حال * الحسدُ منهم له بَيْنهم فقال قائِلهم: ((لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه)) أَى اجعلوه لغوا باطلا وهُزُوًّا ((لعلكم تَغْلبون)) بذلك فإنكم إن ناظرتّمَوَه وخاصمتموه غلبكم بذلك . فقال أبو جهل يومًا ، وهو يهزأُ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أَتى به من الحق : يا معشر قريش يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذِّبونكم فى النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأَنتم الناس عددًا وكثرة ، فيَعْجز كلُّ مائة منكم عن رجل منهم ؟ فأَنزل الله تعالى فى ذلك: ((وما جَعْلنا أصحابَ النار إلا ملائكةً)) فلا يطاقون كما تتوهّمون ((وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةٌ)) ضلالا ((للذين كفروا)) بأَن يقولوا: لِمَ كانوا تسعة (١) البداية والنهاية ١٠٥/٢ ، ١٠٩. (٢) صحيح البخارى كتاب التفسير ( سورة الكهف). وصحيح مسلم كتاب المنافقين حديث رقم ٣٢. - ٤٦٦ - عشر (ليسْتَيْقن الذين أوتوا الكتابَ)) أى اليهود صِدْقَ النبى صلى الله عليه وسلم فى كونهم تسبعة عشر الموافق لِمَا فى كتابهم ((ويَزْداد الذين آمَنُوا)) من أهل الكتاب ((إيماناً)) تصديقا لموافقة ما أتى به النبى صلى الله عليه وسلم لِمَا فى كتابهم(١) ((ولا يَرْتاب)) يشك ((الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون)) من غيرهم فى عدد الملائكة ((ولِيقولَ الدين فى قلوبهم مَرَضٌ)) شكّ بالمدينة ((والكافرون)) بمكة ((ماذا أراد اللهُ بهذا)) العدد ((مَثَلا)) سمَّوه مثلاً لغرابته وأُعْرِب حالاً. ((كذلك)) أَى مثل إضلال مُنْكِرِ هذا العَدد وهدى مصدِّقه ((يضلّ اللهُ مَن يشاء ويَهْدى من يشاء، وما يَعْلم جنودٌ ربِّك)) أى الملائكة فى قوّهم وأعوانهم ((إلا هو)) سبحانه وتعالى(٢). تنبيه فى بيان غريب ما سبق . النَّضْر : بنون وضاد معجمة . مُكْثُ : مرفوع فاعل أَخْزَن . (١) ص : كتبهم . (٢) سيرة ابن هشام ٣١٣/١. - ٤٦٧ - الباب الثانى عشر فى سبب نزول قوله تعالى: «ولا تَجْهر بصلاتك ولاتُخَافِتْ بها وابتغ بين ذلك سبيلا(١)، روى سعيد بن منصور والإمام أحمد والشيخان عن ابن عباس ، وابن اسحاق وابن جرير عنه من طريق آخر فى الآية قال : نزلت ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمكة مُتَوارٍ ، فكان إذا صلَّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبُّوا القرآن ومن أَنزله ومن جاء به وتفرقوا عنه وأَبَوْا أَن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضَ ما يتلوه وهو يصلى استرق السَّمْعِ دونَهم فرَقًا منهم ، فإن رأَى أَنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشيةً أَذاهم فلم يستمع ، فإن خفَض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئاً ، فأنزل الله تعالى: ((ولا تَجْهر بصلاتك(٢)) بقراءتك فيها فيسبّ المشركون القرآن ويتفرقوا عنك ((ولا تُخَافِتْ)) تُسِرّ ((بها)) فلا ينتفع بها أصحابُك ولا من أراد أن يسمعها ممن يَسْترق(٣) ذلك لعله يَرْعوى إلى بعض ما يستمع فينتفع به ((وابْتغٍ)) اقصدْ ((بَيْن ذلك)) بين الجهر والمخافتة ((سبيلاً)) طريقا وسطا . قال عُرْوة بن الزبير فيما رواه ابن اسحاق عنه : أَول من جَهر بالقرآن بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكةٍ عبدُ الله بن مسعود، اجتمع يومًا أَصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : والله ما سمعتْ قريشٌ هذا القرآن يُجْهَر لها به قطٌ، فمَنْ رجلٌ يُسْمعهموه ؟ فقال عبد الله بن مسعود : أَنا . قالوا : إِنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إذا أرادوه . قال: دَعُونى فإن الله تعالى سيمنعنى . (١) سورة الإسراء ١١٠. (٢) صحيح البخارى كتاب التفسير سورة الإسراء وكتاب التوحيد، وصحيح مسلم كتاب الصلاة حديث رقم ١٤٥. (٣) ت، م : يستمع. - ٤٦٨ - فَغُدَا ابنُ مسعود حتى أَتَى المقامَ فى الضحى وقريش فى أَنديتها حتى قام عند المقام ثم. قال : بسم الله الرحمن الرحيم: ((الرحمنُ عَلَّم القرآن)) ثم استقبلها يقرؤها وتأَّمَّلوه يقولون: ماذا قال ابن أُمِّ عَبْد ؟ ثم قالوا : إنه ليتلو بعضَ ما جاء به محمد . فقاموا إليه فجعلوا يضربون فى وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أَثَّروا بوجهه فقالوا : هذا الذى خشينا عليك . قال: ما كان أعداء الله تعالى أَهْوَن علىّ منهم الآن ولئن شئتم لأُ غَادينهم بمثلها غدًا. قالوا: لا حَسْبك، قد أَسْمَعَتَهم مايكرهون(١). لأَّغادينهم : أَى آتيهم غدوةً بذلك . (١) سيرة ابن هشام ٣١٤/١. - ٤٦٩ - الباب الثالث عشر فى اعتراف أبى جهل وغيره بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . روى ابن اسحاق والبيهقى عن الزُّهْرى والحافظ محمد بن يحيى الذُّهْلى فى الزُّهْريات عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيِّب بسند صحيح أنه حدّث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل والأُخْتَس بن شَرِيق خرجوا ليلةً ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى من الليل فى بيته ، فأخذ كلُّ رجل منهم مجلسا يسمع فيه وكلَّ لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرَّقوا فجمعهم الطريق فتلاوَموا وقال بعضهم لبعض لا تعودوا فلو رآكم بعضُ سفهائكم لأَّوقعتم فى قلبه شيئاً . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثلَ ما قالوا أَولَ مرة . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أَخذ كلُّ واحد منهم مجلسَه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نَعُود . فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا فلما أصبح الأخنس بن شَرِيقِ أَخذ عصاه ثم خرج حتى أنى أبا سفيان فى بيته فقال : أَخبرنى يا أَبا حنظلة عن رأيك فيما سمعتَ من محمد . ولفظ الذهلى : إن أبا سفيان قال للأَخنس : فما تقول أَنت ؟ قال : أَراه الحق . انتهى قال أبو سفيان: والله يا أَبا ثعلبة لقد سمعتُ أَشياء أَعرفها وأعرف ما يراد بها وسمعت أَشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها قال الأَخنس : وأَنا والله كذلك . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيتَه فقال : يا أَبا الحكم ما رأيك فيما سمعتَ من محمد ؟ قال : ما سمعت؟ تنازعنا وبنو عبد مناف الشرفَ فأَطْعموا فأُطْعَمْنا وحَملوا فحملنا وأَعطواَ فأَعطينا حتى إذا تجائَيْنا على الرُّكَب وكنا كُفْرَسَىْ رمَان قالوا - ٤٧٠ - منا نىّ يأتيه الوحى من السماءِ فمتى ندرك مثل هذه؟ ! والله لا نُؤْمن به أبدا ولانُصَدِّقه(١). تنبيه اختلف فى إسلام الأَخْنَس بن شَرِيق وسيأتى بَسْط الكلام على ذلك . وروى البيهقى عن المغيرة بن شعبة قال : أَول يومٍ عرفتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنى كنت أَمشى مع أبى جهل بن هشام فى أزقّة مكة إذ لقينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أَبا الحكم هلمّ(٢) إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى الله ؟ فقال أبو جهل : يا محمد هل أَنت مُنْتٍ عن سبِّ آلهتنا هل تريد أن نشهد أَنك قد بلَّغت ؟ فوالله لو أَعلم أن ما تقول حقٌّ اتبعتك، فانصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. فأَقبل علىّ فقال: والله إنى لأَّ علم أَن ما يقول حق ، ولكن بنى قُصَىّ قالوا فينا الحجابة . قلنا نعم ، ثم قالوا : وفينا النَّدْوة قلنا نعم. ثم قالوا: وفينا الِّلَوَاء . قلنا نعم. ثم قالوا : وفينا السِّقاية. قلنا نعم، ثم أَطعموا وأَطعمنا حتى إذا تحاكَّت الرُّكَب قالوا منا نبى! والله لا أَفعل (٣). [ تفسير الغريب ] الأَخْنَس : بفتح الهمزة فخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة فسين مهملة . شَرِيق : بشين معجمة مفتوحة فراء مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فقاف . تجاذَيْنا : بمثناة فوقية مفتوحة فجيم فألف فذال معجمة مفتوحة فياء مثناة ساكنة فنون فَأَلف: قال فى الصِّحاح : الجاذِى المُقْعِى منتصبَ القدمين وهو على أطراف الأصابع والجمع جِذاء مثل نائم ونِيام. قال أبو عمرو جذا وجَثًا لغتان. قال ابن الأَعرابى : الجاذى على قدميه والجائى على ركبتيه . (١) سيرة ابن هشام ٣١٥/١. (٢) الأصل : هل إلى الله. وما أثبته من سيرة ابن كثير عن البيسى. (٣) سيرة ابن كثير ٤٠٦/١ . - ٤٧١ - الباب الرابع عشر فى تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآنَ والآيات التى أُنزلت فيه روى ابن إسحاق ومقائل فى تفسيره وابن أبى حاتم وأَبو نُعَيْم والبيهقى والواحدىّ من طرق عن ابن عباس قال : لما أُنزل على النبى صلى الله عليه وسلم سورة غافر قرأها النبىُّ صلى الله عليه وسلم فى المسجد ، فسمعها الوليد ثم انطلق إلى مجلس بني مخزوم فقال : والله لقد سمعت من محمد كلاما آنفاً ما هو من كلام الإِنس ولا من كلام الجن ، إِنَّ أَسْفله لَمُغْدق وإِن أَعلاه لَمُونِق، وإِن له لحَلاوة وإِن عليه لَطَلاوة، وإِنه يَعْلو ولا يُعْلَى. ثم انصرف . فقالت قريش : لقد صباً الوليد ، والله لئن صباً الوليد لتَصْبأَنْ قريش كلها . وكان يُقال للوليد ريحانةُ قريش. فقال أبو جَهْل: أَنا أَكفيكموه . فانطلق حتى دخل عليه وهو حزين فقال: يا عم إِن قومك يريدون أن يجمعوا لمك مالا ليعطوكه فإِنك أَتيت محمداً تتعرَّض لما قِبَلَه . فقال : لقد عَلمتْ قريش أَنى من أَكثرها مالا . قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك ((أنك كاره له . قال: وماذا أَقول فيه ؟ والله إِنه ليس من كلام الإِنس ولا من كلام الجِن . فقال له أبو جهل : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه . قال : دعنى أُفكر فيه . فلما اجتمع بقومه قال وقد حضر الموسم : يا معشر قريش إِنه قد حضر هذا الموسم ، وإِن وفود العرب ستَقْدَم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمرٍ صاحبكم هذا ، فأَجمعوا فيه رأيًا واحداً ولا تختلفوا فيكذِّب بعضكم بعضاً . قالوا : فأَنت يا أبا عبد شمس أَقم لنا رأياً نَقولُه فيه . قال : بل أنتم فقولوا أَسمع . - ٤٧٢ - قالوا : نقول كاهن . قال : والله ما هو بكاهن، فقد رأينا الكُهَّانَ فَمَا هو بزَهْزمةٍ الكاهن ولا سجْعِهِ . قالوا : فنقول مجنون . قال: والله ما هو بمجنون فقد رأينا الجنونَ وعَرَفْناه فما هو بخَنْقِهِ ولا تَخَالُجه ولا وسوسته . قالوا: فنقول شاعر. قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رَجَزَه وهَزَجه وقَرِيضه ومقبوضه ومَبْسوطه فما هو بشاعر . قالوا : فنقول ساحر . قال : والله ما هو بساحر لقد رأينا السحَّار وسِخْرهم فما هو بنَفْئِه ولا عُقَدِهِ . قالوا : فما نَقُول يا أَبا عبد شمس ؟ قال: والله إن لقوله حلاوة وإن عليه طلاوة وإن أَصله لمُغْدق وإن فرعه لمثْمر وما أنتم بقائِلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل ، وإن أَقرب القول فيه أن تقولوا ساحر ، فَما يقول سِحْرٌ يفرق بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته . فتفرَّقوا عنه بذلك ، وجعلوا يجلسون بسُبُل الناس حين قدِموا الموسمَ لا يمرُّ بهم أحد إِلا حذَّروه إِياه وذكروه لهم . وأنزل الله تعالى فى الوليد وفى ذلك من قوله: ((ذَرْنى)) أى اتركنى. وهى كلمة يقولها المغتاظ إذا اشتد غيظه(١) وغضبه وكره أَن يُشْفَع لمن اغتاظ عليه. ((ومن خلقتُ وحيداً)) أَى منفرداً بلا أَهل ولا مال ((وجعلت له مالا ممدودا)» واسعًا متصلا من الزروع والضروع والتجارة. ((وبنين)) عشرة أَو أَكثر ((شهودا)) يشهدون المحافل وتُسْمع شهادتهم ((ومَهَّدتُ)) بسطتُ ((له)) فى العيش والعمر والولد ((تمهيدا. ثم يَطْمع أَن أَزِيدَ كَلاَّ)) لا أُزيده على ذلك ((إنه كان لآياتنا)) أى القرآن ((عنيدا)) معاندا ((سأُرْهقه)) أُكلّفه ((صَعُودا)) مشقة من العذاب أو جبلا من نار يصعد فيه ثم يهوى أَبدا ((إِنه فَكَّر)) فيما يقول فى القرآن الذى سمعه ( ١) ص : من شدة غيظه. - ٤٧٣ - من النبى صلى الله عليه وسلم. وقَدّر فى نفسه ذلك. ((فقُتل)) لُعن وعذِّب ((كيف قَدَّر) على أى حال كان تقديره. ((ثم قتل كيف قدر)) تكرير للمبالغة وثم للدلالة على أن الثانية أَبْلَغ من الأُولى وفيما يقدِّر على الأَصل. ((ثم نَظَر)) فى وجوه قومه أو فيما يَقْدج به فى القرآن. ((ثم عَبَس)) قبض وجهه وكَلَّحه ضِيقًا بما يقول ((وبَسر)) زاد فى القبض والكلوح ((ثم أَذْبَر)) عن الإيمان ((واسْتكبر)) تكبر عن اتباع النبى صلى الله عليه وسلم فقال فيما جاء به: ((إِنْ)) ((ما هذا إِلا سِحْرٌ يُؤْثر)) ينقل عن السحرة ((إِنْ)) ما ((هذا إِلا قول البشر)). كما قالوا: إِنما يعلِّمه بَشَرٌ ((سأُصْليه)) أُدْخله ((سَقَر)) جهنم ((وما أدراك ما سقر)» تعظيم لشأُنها ((لا تُبْقِى ولا تَذَر)) شيئاً من لحم ولا عصب إِلا أَكلنْه ثم يعود كما كان ((لَوَّاحة للبشر)) مُحْرقة لظاهر الجلد . قال ابن اسحاق: وأنزل الله تعالى فى النفر الذين كانوا معه يُسِفُّون(١) القول فى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به: ((الذين جعلوا القرآن عِضِين)) أصنافا، وواحدة العِضين عِضة ((فوربِّك لنَسْأَلنهم أجمعين)) سؤال توبيخ ((عما كانوا يعملون)). قال ابن إسحاق : وصدرت العرب من ذلك الموسم بأَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذِكْرُه فى بلاد العرب كلها(٢). [ تفسير الغريب ] الطُّلاوة : بضم الطاء المهملة وبفتحها : الحُسْن والقبول . مُونق : حَسَن مُعْجِبٍ . الزَّمْزمة ؛ كلام خفيّ لا يُفْهَم . السَّجْعِ : الكلام المنثور الذى له نهايات كنهايات الشعر . بخَنْقِه : يريد الاختناق الذى يصيب المجنون . التخالُج: اضطراب الأَعضاء وتحركها من غير إِرادة . (١) كذا بالأصل . وفى ابن هشام: يصنفون القول. (٢) سيرة ابن هشام ٢٧٠/١. - ٤٧٤ - الوَسْوسة: ما يلقيه الشيطان فى نفس الإنسان. الرَّجَز والهزج والقريض والمقبوض والمبسوط : هذه الخمسة أنواع من الشعر وقوله فما هو بنَفْئه ولا بعَقْده إشارة إلى ما كان يفعل الساحر من أن يعقد خيطا ثم ينفث ومن ذلك قوله تعالى. ((ومن شرِّ النَفَّاثات فى العُقَد)) يعنى الساحرات . العَذْق ؛ بعين مهملة مفتوحة فذال معجمة الكثير الشُّعَب والأطراف . هذه رواية ابن اسحاق قال فى الروض : استعارة من النخلة التى ثبت أصلها وقوى وطاب فرعها إذا جنى . وهذه الرواية أفصح من التى بعدها لأنها استعارة تامة يشبه آخر الكلام أوله وفى رواية ابن هشام بغين معجمة فدال مهملة : الماء الكثير . وإن فرعها لجناة أَى فيه ثَمر يُجْنَى . السُُّل : بضم أوله وثانيه جمع سبيل وهو الطريق . - ٤٧٥ - الباب الخامس عشر فى عدوان المشركين على المستضعفين من أسلم بالأذى والفتنة قال ابن اسحاق : ثم إِن قريشاً تذامَروا بينهم على من فى القبائِل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا ، فوثبت كلٌّ قبيلة على من فيها من المسلمين يعذِّبونهم ويفتنونهم عن دينهم فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكةـ إِذا اشتد الحر ممن استضعفوه منهم ، فمنهم من يَفْتتن من شدة البلاء الذى يصيبهم ومنهم من تصلَّب لهم ويعصمه الله تعالى . روى ابن إسحاق عن سعيد بن جُبَيْر قال : قلت لابن عباس : أَكان المشركون يَبْلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُعْذَرون به فى ترك دينهم ؟ قال : نعم واللّهَ إِنْ كانوا ليضربون أَحدهم ويجيعونه(١) ويعطشونه حتى ما يقدر يستوى جالسًا من شدة الضُّرِّ الذى نزل به حتى يقولوا له: اللات والعُزَّى إِلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم حتى إِن الجُعل ليمرّ بهم فيقولون له : هذا الجُعل إِلهك من دون الله فيقول نعم . افتداء منهم مما يَبْلغون من جهدهم . وكان أبو جهل الخبيث هو الذى يُغْرى بهم رجالَ قريش، إذا سمع بالرجل أَسْلَم له شَرَف ومَنعةٌ أَنَّبه وأَخْزَاه (٢) فقال : تركت دين أَبيك وهو خير منك، لنسفهن حِلمك ولَنغيِّلَنَّ رأيك ولنضعن شَرفك. وإِن كان تاجرا قال: والله لنكْسِدن تجارتك ولنهلكن مالَك . وإِن كان ضعيفا ضربه وأَغْرى به . فمن المستضعفين بلال رضى الله عنه ، وكان صادق الإِسلام طاهر القلب . قال ابن إسحاق وغيره : فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حَمِيت الظَّهيرة فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له : لا تزال (١) ص : ويجوعونه . (٢) الأصل: وحرا. وما أثبته من ابن هشام ٣٢٠/١. - ٤٧٦ - هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعُزَّى فيقول وهو فى ذلك البلاء: أَحَد أَحَد أَنا كافر باللات والعُزَّى(١) وروى البلاُذُرىّ عن عمرو بن العاص قال : مررت ببلال وهو يعذَّب فى الرمضاء ولو أَن بَضْعة لحمٍ وضِعت عليه لَنَضِجَت وهو يقول : أَنا كافر باللات والعزى. وأُمية مغتاظ عليه فيزيده عذابا فيُقْبل عليه فيَدْغت فى حَلْقه فيُغْشَى عليه ثم يفيق(٢) . وروى ابن سعد عن حسان بن ثابت رضى الله عنه قال : حجَجْت - أَو قال اعتمرت - فرأيت بلالاً فى حَبْلٍ طويل يمده الصبيان وهو يقول : أَحَد أَحد أَنا أَكفر باللات والعزى وهُبَل ونائلة وبُوَانة فأَضجعه أُمية فى الرمضاء(٣) . وروى البلاذرى عن مجاهد قال : جعلوا فى عُنق بلال حبلا وأَمروا صبيانهم أَن يشتدُّوا به بين أَخْشَىْ مكة - يعنى جبليها - ففعلوا ذلك وهو يقول: أَحَد أَحَد (٤). وروى ابن سعد عن عروة قال : كان بلال من المستضعفين من المؤمنين وكان يُعَذَّب حين أَسْلَم ليرجع عن دينه فما أعطاهم قط كلمة مما يريدون ، وكان الذى يعذبه أمية بن خلف الجُمحى(٥) . وروى البلاذرى عن عمير بن إسحاق قال : كان بلالٌ إِذا اشتدّ عليه العذاب قال : أَحد أحد. فيقولون له : قل كما نقول فيقول: إن لسانى لا ينطق به ولا يُحسنه(٦). قال البلاَذُرىّ: وروى أَن بلالاً قال أَعطشونى يوماً وليلة ثم أخرجونى فعذَّبونى فى الرمضاء فى يوم حارّ(٧). قال ابن إسحاق : وحدثنى هشام بن عروة عن أبيه قال : كان ورقة بن نوفل يمرّ ببلال وهو يعذَّب وهو يقول : أحد أَحد. فيقول ورقة: أَحَد أَحد والله يا بلال. ثم (١) سيرة ابن هشام ٣١٨/١، ٣٢٠. (٢) أنساب الأشراف ١٨٥/١. وفيه: فيذهب خلقه. محرفة. (٣) أنساب الأشراف ١٨٥/١. (٤) أنساب الأشراف ١٨٥/١ . (٥) أنساب الأشراف ١٨٥/١. (٦) أنساب الأشراف ١٨٥/١. (٧) أنساب الأشراف ٠١٨٦/١ - ٤٧٧ - يُقْبل على أُمية بن خلف ومن يصنع ذلك به من بنى جَمَح فيقول : أَحلف بالله لئن قتلتموه لأَنخذنه حَنانًا . حتى مرّ به أبو بكر الصديق رضى الله عنهما وهم يصنعون به ذلك ، وكانت دار أبى بكر فى بنى جمح فقال أبو بكر لأُمية: ألا تتقى الله فى هذا المسكين حتى متى تعذبه ؟ قال أَنت أَفسدتَه فأَنقذه مما ترى(١). قال أبو بكر : أَفعل، عندى غلام أَسود أَجْلَدَّ منه وأقوى على دينك أَعطيكه به . قال : قد قبلت . قال : هو لك. فأَعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه(٢). وروى البلاذرى بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال : لمّا أَسلم بلال أخذه أهله فقَمَطوه وألقوا عليه من البطحاء ، وجعلوا يقولون : ربُّك اللاتُ والعزى. فيقول أَحَد أَحد فأَنى عليه أبو بكر رضى الله عنه فقال : عَلَمَ تعذِّبون هذا الإِنسان ؛ فاشتراه بسبع أَواقىٌّ وأعتقه. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قد اشتراه فقال: الشركةً يا أَبا بكر : فقال: قد أَعتقتُه يا رسول الله(٣) . وروى البلاذرى بسند جيد عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس قال : اشترى أَبو بكر بلالا بخمس أَواقى (٤) .. ومنهم خبّاب بن الأَرتَّ بالمثناة الفوقية . قال البلاذرى : قالوا كان الأَّرت سَوَادِيًّا ، فأَغار قومٌ من ربيعة على الناحية التى كان فيها فسبَوْه وأَتوا به الحجاز فيباعوه فوقع إلى سِبَاع بن عبد العزى الخزاعى حليف بنى زهرة. ورّعم أبو اليقظان أَن حَبَّابا كان أخا سِبَاعِ لِأُمِّه(٥) (١) ت، م : مما ترى فيه . (٢) سيرة ابن هشام ٣١٨/١. (٣) أنساب الأشراف ١٨٦/١. (٤) أنساب الأشراف ١٨٦/١. (٥) أنساب الأشراف ١٧٥/١. - ٤٧٨ :- .7ے قال البلاذرى : وخَبَّاب فيما يقول ولده : ابن الأَّرتّ بن جندلة بن سعد بن خُزَيمة ، من بنى سعد بن زيد مناة بن تميم ، وإنه وقع عليه سَبْ فصار إلى أُم أَنْمار مولاته فأَعتقته وإنه كانت به رتَّة ، كان أَلْكّن إِذا تكلم بالعربية فسمى الأَرَتّ(١). وروى البلاذرىّ عن كردوس أَن خَبَّابًا أَسلم سادسَ ستة(٢). ورؤى البلاذرى عن الشَّعْبى قال: أَعطوهم ما أرادواً حين عذِّبُوا إِلا خَبَّاب بن الأَرت فجعلوا يُلْصقون ظهره بالأرض على الرَّضْف حتى ذهبَ ماءُ مَثْنه(٣). وروى البلاذرى عن الشَّعْبِى ، ومن طريق آخر عن أبى ليلى الكِنْدى قال : جاء خَبَّاب إلى عمر رضى الله عنهما فقال له عمر: اذْنُه ادفه . فأَجلسه على مُتَّكئه وقال : ما أَحدُ أَحق بهذا المجلس منك إلا رجل واحد. قال: ومن هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : بلال - وفى رواية الشعبى ، عمار بن ياسر. قال: ما هو بأَحق منى إِن بلالا كان له فى المشركين من يمنعه (1). الله به ، ولم يكن لى أحد، لقد رأيتُنى يومًا وقد أوقدوا لى نارًا ثم سلقونى فيها ثم وضع رجل رِجَله على صدرى فما اتقيت الأرض إلا بظهرى ثم كشف خبّاب عن ظهره فإذا هو قد بَرص(٥) . وروى البلاذرى عن أبى صالح قال كان خباب قَيْنًا وكان قد أسلم ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَأْلفه ويأتيه فأُخبرت بذلك مولاته فكانت تأُخذ الحديدة وقد أَحْمتها فتضعها على رأسه ، فشكى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : اللهم انصر خَبَّابا فاشتكت مولاته رأسها وهى أُم أَنمار فكانت تَعْوى مع الكلاب ، فقيل لها اكتوى فكان خباب يأُخذ الحديدة قد أَحماها فيكوى بها رأسها(٦) . قال محمد بن عمر الأَسْلَمى وكان الذى يعذِّب خبابا حين أَسلم ولازم رسولَ الله (١) أنساب الأشراف ١٧٦/١. (٢) أنساب الأشراف :١٧٦/١. (٣) أنساب الأشراف ١٧٦/١. (٤) غيرط : منعه . (٥) أنساب الأشراف ١٧٧/١. (٦) أنساب الأشراف ١٧٨/١. حـ ٤٧٩ - صلى الله عليه وسلم عتبةُ بن أبى وقاص. وقيل وهو الثبت الأسود بن عبد يَغُوث (١). وروى البخارى ومحمد بن عمر الأَسلمى والبيهقى عن خَبَّاب رضى الله عنه قال: أتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بُرْدَه فى ظل الكعبة ولقد لقينا من المشركين شدة شديدة فقلت : يا رسول الله ألا تدعو الله لنا ؟ فقعد مُحمرًّا وجهه فقال : إِنْ كان من كان قبلكم ليمشِّط أَحدُهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعَصب ما يَصْرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشارُ على مَفْرِقٍ رأس أحدهم فيُشقّ باثنتين ما يَصْرفه ذلك عن دينه ، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه (٢). ومنهم صُهَيْب بن سِنَان الرومى . روى ابن سعد عن عروة قال : كان صهيب من المستضعفين من المؤمنين الذين كانو يعذبون فى الله(٣). ومنهم عامر بن فَهِيرة . قال البلاذرى : قالوا كان عامر من المستضعفين فكان يعذَّب بمكة ليرجع عن دينه حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه (٤). وروى ابنُ سعد عن محمد بن كعب القُرِّظى - بضم القاف وكسر الظاء المُشَالَةِ المعجمة - قال : كان عامر بن فهيرة يعذَّب حتى لا يدرى ما يقول(٥). ومنهم أبو فُكَيْهة واسمه أَفلح ويقال يَسار . وكان عبدًا لصفوان بن أمية فأسلم حين أسلم بلال ، فمرّ به أبو بكر رضى الله عنه وقد أَخذه أمية بن خلف فربط فى رجله حبلاً (١) أنساب الأشراف ١٧٩/١. (٢) صحيح البخارى كتاب المناقب وكتاب الإكراه . وصحيح مسلم كتاب البر حديث رقم ٥٣. (٣) أنساب الأشراف ١٨١/١. (٤) أنساب الأشراف ١٩٤/١. (٥) أنساب الأشراف ١٥٨/١. - ٤٨٠ -