النص المفهرس
صفحات 441-460
عَقْله بعين مهملة مفتوحة : أَى دِيّته ، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلا جمع الدية من الإبل فعقَلها بفناء أولياء المقتول أى شدها فى عقلها ليسلمها إليهم . تَسُوموننى: تكلِّفونى .. أَغْذُوه - بالغين والذال المعجمتين . المطْعِم ، بكسر العين ، هلك كافرا قبل وقعة بدر . المظاهرة : بالظاء المعجمة المشالة : المعاونة . ما بدالك : بغير همز أَى ظهر . فحِقب الأمر : بحاء مهملة فقاف مكسورة فموحدة : أَى زاد واشتد . وتنابذ القومُ بموحدة مفتوحة فذال معجمة أَى تركوا ما كان بينهم من عَهْد .. قول أبى طالب ؛ ألا ليت حظى من حفاظكم(١): بكسر الحاء ، الحِفَاظ والحفيظة: الغضب . وقال بعضهم : لا يكون الحفاظ إلا فى الحرب خاصة . قال أبو ذر : والقول الأول هو الصحيح . ويروى : من حِيّاطتكم وهى الحفظ . البَكْر : الفتّّ من الإِبل أَى أَنّ بكرًا من الإِبل أَنفعُ لى منكم ، فليته لى بدلا من حياطتكم. الخُور : بضم الخاء المعجمة : جمع أَخْوَر وهو الضعيف. خَبْخاب : يروى بالخاء المعجمة وبالحاء المهملة وبالجيم . قال ابن السراج : الجبجاب بالجيم : الكثير الكلام فاستعاره هنا للرغاء، والحبحاب -الحاء المهملة: القصر. وبالخاء المعجمة: الضعيف . الفَيْفاء : القَفْر . الوِرْد بكسر الواو : الماء الذى ترده الإبل . والوَبْر : دُوَيِّبَة قَدْر الهر ، أَى يشبّه بالوبر لصغره . ويحتمل أن يكون أراد يصْغر فى العين لعلوّ المكان وبعده . تجَرْجَما : بمثناة فوقية فجيم مفتوحتين فراء ساكنة فجيم : أَى سقط وانحدر . يقال : تَجْرَجم الشىء إذا سقط . (١) كذا والذى سبق فى الأبيات : من حياطتكم. - ٤٤١ - ذُو عَلُّق : بعين مهملة فلام مفتوحتين فقاف: جبل فى ديار بنى أسد ، ترك صَرْف عَلَق إِما لأَّنه جعله اسم بُقْعة ، وإِما لأَنه تركه لضرورة الشِّعر . أَغْمَزا للقوم : أَى سبَّبًا لهم الطعن فيهم ، يقال: غمزت الرجل إذا طعنتُ فيه الصِّفْر بكسر الصاد : الخالى(١) إلا أَن يَرسّ له ذِكْر: أَى يذكر ذلك خفيًّا، يقال رسَسْت الحديثَ إِذا حدَّثت به فى خفاء ، . شَفْر بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء : أَى أَحد. سْرّها وصميمها : أَى خالصها وكريمها . غَئها وسمينها : أَصل الغث : اللحم الضعيف، فاستعاره هنا لمن ليس نَسبه هناك . طاشت : ذهبت . حُلُومها : عقولها . ثَنَوا : عطَّفوا . صُعْر الخدود: بالعين المهملة: أَى مائلة، يقال صَعَّر خدَّه إذا أَماله إلى جهة ، فعلَ المتكبِّر . ونَضْرب عن أَحجارها : بحاء مهملة فجيم : أَى ندفع عن حصونها ومعاقلها ، يريد عن مواضعها المانعة . ومن رواه بالجيم والحاء أراد عن منازلها وبيوتها . والحجر هنا مستعار . انتعش : حىّ وظهرت فيه الخضرة ، وأَصل نَعش: رفع، يقال نعشَه الله أى رفعه وبه سمى النَّعْش نعثًا . العُودِ النَّوَاءِ : بذال معجمة مشدّدة وبالهمز: الذى جفَّت رطوبته ولم ينته إلى حد اليبْس . الأَكناف : النواحى . أُرُومها : جمع أرومة وهى الأَصْل. (١) فيما ذكره المصنف نظر لأن الوزن يقتضى الصرف . - ٤٤٢ - الباب الثامن فى إسلام حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه روى ابن أبى حاتم عن الأَجْلَح قال : كان حمزة بن عبد المطلب رجلا حسنَ الشّعر حسن الهيئة صاحب صَيْد ، وإِن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على أبى جهل فولع به أبو جهلٍ وآذاه ، فرجع حمزة من الصيد وامرأتان تمشيان خلفه فقالت إحداهما : لو علم ذا ما صنع أبو جهل بابن أخيه أَقْصَر عن مِشْيته. فالتفت إليهما فقال : وماذاك ؟ قالت : أبو جهل فَعل بمحمد كذا وكذا . فدخلته الحميّة فجاء حتى دخل المسجدَ وفيه أبو جهل فعلا رأْسَه بقَوْسه ثم قال : دِينى دينُ محمدٍ ، إن كنتم صادقين فامنعونى. ووثبت إليه قريشٌ فقالوا : يا أَبا يَغْلى . يا أبا يَعْلى فأَنزل الله تعالى: ((إذا جعلَ الذين كفروا فى قلوبهم الحميَّة)) إلى قوله : ((وَلْزَمهم كلمةَ التقوى(١)). قال الأَجلح : أَراد حمزة بن عبد المطلب . وروى ابنُ اسحاق قال : حدثنى رجل من أَسْلَم وكان واعِيَةً ، والطبرانى برجال ثقات ، عن يعقوب عن عتبة بن المغيرة والطبرانى برجال ثقات عن محمد بن كعب القُرَظى رحمهم الله، أَن أَبا جهل مرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصَّفَا فآذاه وشتمه ونال منه بعضَ ما يكره من العَيْب لدينه والتضعيف لأمره فلم يكلِّمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ومولاةٌ لعبدِ الله بن جُدْعان فى مَسْكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمدَ إِلى نادى قريش عند الكعبة فجلس معهم ، فلم يلبث حمزةُ بن عبد المطلب أَن أَقبل متوشِّحا. قَوْسَهٍ راجعاً من قَنَص له ، وكان صاحبَ قَنَص يرميه ويخرج له ، فكان إذا رجع من قنصه لم يصلْ إلى أهله حتى يطوف بالكعبة ، وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على نادى قريش (١) سورة الفتح ٢٦ . - ٤٤٣ - إلا وقف وسَلَّم وتحدث معهم ، وكان أَعزَّ فتى فى قريش وأَشدَّشكيمةً، فلما مرَّ بالموْلاَةَ وقد رجع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته قالت له : يا أَبا عُمَارة : لو رأيت ما للي ابنُ أَخيك محمد آنفا من أبى الحكم ابن هشام ، وجده هنا جالسًا فآذاه وسبّه وبلَغ منه ما يكره ، ثم انصرف عنه ولم يكلِّمه محمد . فاحتمل حمزةً الغضبُ لِمَا أَراد الله تعالى به من كرامته ، فخرج يسعى لم يقف على أحد مُعِدًّا لأبى جهل إذا لقيه أَن يقع به ، فلما دخل المسجدَ نظر إليه جالساً فى القوم فأقبل نحوه ، حتى إذا قام على رأسه رفع القوسَ فضربه بها فشجُّه بها شجة مُنْكَرة وقال: أَتشتمهِ وَأَنا (١) على دينه أقول ما يقول ؟ فرُدَّ علىَّ ذلك إن استطعت . فقامت رجالٌ من بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل : دَعُو أَيا عمارة فإنِى والله قد سبَبْت ابنَ أَخيه سَبًّا قبيحا . زاد يونس بن بُكَّيْر عن ابن اسحاق : ثم رجع حمزةُ إلى بيته فقال : أَنت سيد قريش اتبعتَ هذا الصابى وتركت دينَ آبائك؟ لَلْموتُ خيرٌ لك مما صنعتَ . وقال : اللهم إن كان رُشْدًا فاجعل تصديقه فى قلبى ، وإلا فاجعل لى مما وقعتُ فيه مَخْرَجا . فبات بليلة لم يبت مثلَها من وَسْوسة الشيطان ، حتى أَصبح فغَدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن أَخى إنى قد وقعت فى أَمرٍ لا أعرف المخْرَج منه وإقامةُ مثلى على مالا أدرى ما هو أَرُشْد أَم هو غَیّ شديد فحدِّثنی حديثا فقد اشتهيتُ یابن أخى أَن تحدِّثی . فأَقبل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليه فذكَّرَه ووعظه وخوَّفه وبشّره، فأَلقى الله تعالى فى قلبه الإِيمانَ بما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أَشهد إِنَّك لصادق فأظهر يا ابن أَخى دِينك فوالله ما أُحبُّ أَن لى ما أَظَلَّتْه السماءُ وأَنى على دينى الأول . وتمَّ حمزةُ على إسلامه وعلى ما بايع عليه رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم من قوله فلما أسلم حمزةُ عرفت قريشٌ أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَزَّ وامتنع ، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه . وقال حمزةُ حين أَسْلَم : (١) غير ص : فأنا. - ٤٤٤ - حمدتُ الله حین ھَدى فؤادى لِدينٍ جاء من ربِّ عزيز إذا تُليت رسائله علينا رسائل جاء أحمد من هداها وأَحمد مُصْطفى فينا مطاع فلا والله نُسْلمه لقوم ونترك منهم قَتْلى بقاع وقد خبِّرت ما صنعت ثقيف إِلهُ الناس شرَّ جزاءِ قوم إلى الإِسلام والدينِ الحنيفِ خبيرٍ بالعباد هم لطيفٍ تحدَّر دمعُ ذى الُّلب الحصيفِ بآيات مبيّنة الحروفِ فلا تغسوه بالقولِ الضعيفِ ولَّمَا نَقْضِ فيهم بالسيوفِ عليها الطير كالوِرْد العُكوفِ به فجزَى القبائلَ من ثقيفٍ ولا أَسقاهُمْ صَوْبَ الخريفِ(١) [ تفسير الغريب ] داعيةً : حافظا لمنا يسمع : ابن جُدْعان: بضم الجيم وإسكان الدال ، ثم عين مهملتين : هلَك على كُفْره . فعمَد : بفتح الميم فى الماضى وكسرها فى المستقبل . إلى نادٍ من قريش : أَى أَهلُ نادٍ من قريش . القَنَصَ : بفتح القاف والنون وبالصاد المهملة : الصيد . الشَّكيمة : بفتح الشين المعجمة وكسر الكاف فمثناة تحتية ساكنة فميم مفتوحة فهاء تأنيث ، يقال فلان شديد الشكيمة إِذا كان عزيز النفس أَبيّا قويا وأصله من شكيمة اللجام وهى الحديدة المعترضة فى فم الفرس . آنفا : بعد الهمزة وقصرها أى الآن والساعة . فاحتمل حمزةَ : مفعول مقدَّم والغضبُ : فاعلٌ مؤخر . (١) قصة إسلام حمزة فى سيرة ابن هشام ٢٩١/١. وسيرة ابن كثير ٤٤٥/١. - ٤٤٥ - فشجَّه أَى أَنَّر فى رأسه أثرا . أَتشتِمه : بكسر المثناة الثانية ويجوز ضمها . حكاه ابن دُرَيْد. وعلى ما تابَع: بالمثناة الفوقية وبعد الألف باء موحدة . وفى بعض النسخ الصحيحة : بايع بالموحدة وبالمثناة بعد الألف ، من المبايعة ، والأول أظهر من سياق القصة . ٤٤٦ - الباب التاسع فى إِرسال قريش عتبةً بن أبى ربيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يَعْرض عليه أشياء ليكفّ عنهم روى ابن أبى شيبة وَعَبْد بن حُمَيْد وأبو يعلى والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله والبيهقى وابن عساكر عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهم قالا : اجتمع نفرٌ من قريش يوماً فقالوا: انظروا أَعْلَمكم بالسِّحْرِ والكهانة والشِّعر فليأت هذا الرجلَ الذى فرَّق جماعتنا وشنَّت أمرنا وعاب دِيننا ، فليكلِّمه ولينظر ماذا يردّ عليه . فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة . وعند ابن اسحاق وابن المنذر عن محمد بن كعب القُرَظى : أَن عتبة بن ربيعة قال يوما ، وكان جالسا فى نادى قريش ، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فى المسجد وحده : يا معشر قريش أَلا أَقوم إِلى محمدٍ فَأُكلِّمَه وأَعْرض عليه أُمورًا لعله يقبلُ بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكفُّ عنا . وذلك حين أَسلم حمزة ورأَوا أَصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويَكْثرون . فقالوا : بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلِّمه . وروى أبو يعلى بسند جيد عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال : اجتمعت قريشُ للنبى صلى الله عليه وسلم يومًا فقالوا: انظروا أَعْلمكم بالسحر والكهانة والشِّعر فليأت هذا الرجُلَ الذى فرَّقَ جماعتنا وشئَّت أمرنا وعابَ دِيننا فيكلِّمه ولينظر ما يردّ عليه. قالوا: ما نعلم أَحدّاً غير عُنْبة بن ربيعة فقالوا : أَنت أبا الوليد . انتهى . فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخى إنك منا حيث قد علمتَ من السِّطَّة فى العشيرة والمكان فى النَّسب وإنك قد أتيت قومك بأمرٍ عظيم فرَّقت به جماعتهم وسفَّهت أَحلامَهم وعِبْت آلهتهم ودينهم وكفَّرت من مَضى من آبائهم ، يا محمد أَنت خيرٌ أَم عبدُ الله ؟ فسكت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال : أَنت خيرٌ أَم - ٤٤٧ - عبدُ المطلب ؟ .. فسكت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خيرٌ منك فقدِ عَبدوا الآلهة، وإن كنت تزعم أَنك خيرٌ منهم فتكلَّم نسمعْ قولك ، إِنا والله ما رأينا سخْلة قط أَشْأم على قومه منك، فرَّقت جماعتنا وأَشتَتَّ(١) أَمَرَنا وعِبْتِ دِيننا وفضحتنا فى العرب ، حتى طار فيهم أن فى قريش ساحرا وأن فى قريش كاهنًا والله ما نَنْتظر إلا مثلَ صيحة الحُبْلى أَن يقوم بعضُنا بعضا إليك بالسيوف حتى نتفانّى، أيها الرجل اسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تَقْبل منا بعضَها . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل أبا الوليد أسمع. قال : ياابن أَخى، إن كنت إنما تريدبما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعناه لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به الشَّرف سِوَّدْناك علينا حتى لا نَقْطَعُ أمرًا دونك، وإن كنت تريد مُلْكا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رَئِيًّا لا تستطيع ردَّه عن نفسك طلبنا لك الطبَّ وبذلنا فيه أموالَنا حتى نُبْرِئِك منه ، فإِنه ربما غلَبِ التابعُ على الرجل حتى يُداوَى منه . أو كما قال له . حتى إذا فرغ عُتْبَة ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه قال له : أَقد فرغتَ أَبا الوليد ؟ قال : نعم . قال : فاسمع مني قال: أَفعلُ . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم ((حم)) الله أعلم بمراده به (تنزيلٌ من الرحمن الرحيم)) مبتدأ ((كتابٌ)) خبره ((فُصِّلت آياته)) بيِّنت بالأحكام والقصص والمواعظ ((قرآنا عربيًّا)) حال من الكتاب بصفته ((لِقَوْم)) يتعلق بفصلت (يَعْلمون)) يفهمون ذلك، وهم العرب أو أهل العلم والنظر وهو صفة أُخرى لقرآنا((بشيرا)) للعاملين به ((وتذيرا)) للمخالِفِين له ((فَأَعْرَض أكثرُهم)) عن تدبّره وقبوله ((فهم لا يسمعون)) سماعَ تأَمل وطاعة ((وقالوا)) للنبى. ((قلوبُنا فى أَكِنَّة مما تَدْعونا إليه)) أَغطية جمع كِنَافُ ((وفى آذانِنا وَقْرٌ)) صَمَمٌ وأَصلِه الثقل ((ومن بَيْننا وبينك حِجَابٌ)) خلاف فى الدين ((فَاعْمَلْ، على دينك ((إِننا عاملون)) على ديننا . ومضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعه عتبة أَنصت لها (١) كذا فى ت، م. وفى ص: واستثنيت. وفى ط : واستشتت. - ٤٤٨ - وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، فسمع منه إلى أن بلغ: ((فإِن أعرضوا)) أى كفار مكة عن الإيمان بعد هذا البيان ((فقل أَنْذَرْتكم)) خَوَّفتكم ((صاعقةً مثلَ صاعقةٍ عادٍ وثمود)) مُنع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه أُريد به القبيلة ، أى عذابا يهلككم مثل ما أهلكهم. فأمسك عتبة علی فیه وناشده الرَّحِم أَن یکفّ عنه، ثم انتهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى السّجْدة منها فسجد ثم قال : قد سمعتَ أَبا الوليد ما سمعت فأَنت وذاك. فقال : ما عندك غير هذا ؟ فقال : ما عندى غير هذا . فقام عُتْبة ولم يعدْ إلى أصحابه واحتبس عنهم فقال أبو جهل : والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صَبا إلى محمد وأَعجبه طعامُه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه . فأَتوه. فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئناك إلا أنك قد صَبَوْت إلى محمد وأعجبك أمره فإن كان لك حاجة جمَعْنا لك من أموالنا ما يُغْنيك عن طعام محمد . فغضب وأقسم لا يكلِّم محمدا أَبدا وقال : لقد علمتم أنى من أكثر قريش مالاً ولكنى أتيته . فقصِّ عليهم القصة . قالوا : فما أَجابك ؟ قال : والله الذى نصها بَنِيَّة ما فهمتُ شيئا مما قال غير أنه أَنذر كم صاعقةً مثلَ صاعقة عاد وثمود فأمسكتُ بفيه وناشدتُه الرحم أَن يكفّ ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يَكْذب فخفْت أَن ينزل عليكم العذاب . قالوا : ويلك يكلِّمك الرجلُ بالعربية لا تدرى ما قال ؟! قال : والله ما سمعت مثله، والله ما هو بالشِّعر ولا بالسِّحر ولا بالكهانة ، يا معشر قريش أَطيعونى واجعلوها بى وخَلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذى سمعتُ نبأ فإِن تُصبْه العربُ فقد كُفيتموه بغيركم ، وإِن يظهر على العرب فُلْكه مُلْككم وعِزَّه عزكم وكنتم أسعد الناس به ، يا قوم أَطيعونى فى هذا الأمر واعصونى بعدَه ، فوالله لقد سمعتُ من هذا الرجل كلامًا ما سمعتْ أُذناى كلاماً مثلَه وما دربت ما أَردُّ عليه . قالوا : سحرك والله پا أبا الوليد . - ٤٤٩ - ( ٢٩ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) قال : هذا رأيى فيه فاصنعوا ما بدا لكم(١). [تفسير الغريب ] السُّطَّة - بكسر السين وفتح الطاء المهملتين - أَى من الوسَط حَسبًا ونَسبا، وأصل الكلمة الواو، والهاء عوض عن الواو كعِدَة من الوعد . وتقدم ذلك فى سَفَره إلى الشام ونكاحه خديجةً . سفَّهت أَحلامَنا : أَى قلت إنهم صغيرو العقول . أَغْرِضْ عليك : وهو مجزوم جواب شرطٍ مقدَّر ويجوز رفعه ، وكذلك قوله أَسْمَع رَئِيًّا: الرئى: التابع من الجن بوزن كمىّ، وهو فعيل أو مفعول سمِّى به لأَنا يتراءى لمتبوعه أَو هو من الرَّأْى من قولهم: فلان رئّ قومه . إذا كان صاحب رأيهم وقد تكسر راؤه لإتباعها ما بعدها . الطِّب : مثلث الطاء : العلاج فى النفس والجسم . يداوَى : بفتح الواو مبنى للمفعول . أَفعلْ : بالجزم جواب شرط مقدر ويجوز رفعه . ٠٠٠ (١) الوفا لابن الجوزى ٢٠١/١. وسيرة ابن كثير ٥٠١/١ عن عبد بن حميد. - ٤٥٠ - الباب العاشر فى أسئلة المشركين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنواعًا من الآيات وخَرْق العادات على وجه العِنَاد لا على وجه الهدى والرشاد فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما سأَلوا لعلم الله سبحانه وتعالى أنهم لو عاينوا أَو شاهدوا ما أرادوا لاستمروا فى طغيانهم يَعْمهون ولظلُّوا فى غيهم وضلالهم يتردّدون، فقد كانوا رأوا من دلائل النبوة ما فيه شفاء لمن أَنصف. قال الله تعالى: ((أَوَلم يَكْفهم أَنا أَنْزلنا عليك الكتابَ يُتْلَى عليهم(١))). وفى هذا المعنى قيل : لو لم تكن فيه آياتٌ مبيَّنة كانت بداهتُه تُنْبيك بالخبر (٢). قال الله تعالى: ((ولو أننا نَزَّلنا إليهم الملائكةَ وكلَّمهم الموتى)) كما طلبوا ((وحشَرْنا)» جمعنا عليهم ((كلَّ شيءٍ)) طلبوه ((قِبَلا)) بكسر القاف وفتح الباء أَى معاينَةً ، فنصبه مصدر فى موضع الحال ، وبضمها جمع قبيل أَى فَوجا فوجا، فنصبه حالٌ من كلّ وإن كان نكرة نافية من العموم ، أَى: ولو جئناهم بالملائكة قبيلا قبيلا وبما طلبوا ورأوا ذلك معاينة ((ما كانوا ليؤمنوا إِلا أَن يشاء الله)) استثناء منقطع أو متصل أى ما كانوا ليؤمنوا إلا فى حال مشيئة الله ((ولكن أَكْثَرَهٍ)) أَى الكفار ((يَجْهلون)). فيحلفون أنهم يؤمنون عند نزول الآيات. أَو المؤمنون يجهلون أَن الكافرين لا يؤمنون فيطلبون نزول الآيات ليؤمنوا . قال فى الرَّوْض : وكان سؤالهم تلك الآيات جهلاً منهم بحكمة الله تعالى فى امتحانه الْخَلْق وتعبّدهم بتصديق الرسل وأَن يكون إِيمانهم عن نَظَر وفِكْر فى الأدلة ، فيقع الثوابُ على حسب ذلك ، ولو كشف الغطاء وحصل لهم العلم الضرورى لطلب الحكمة التى من أجلها (١) سورة العنكبوت ٥١. .(٢) ت، م: من خبر. والبيت لعبد الله بن رواحة. - ٤٥١ - يكون الثواب والعقاب إذ لا يُؤْجَر الإِنسانُ على ما ليس من كَسبه كما لا يُؤْجر على ما خُلق فيه من لونٍ وشعر ونحو ذلك ، وإنما أعطاهم من الدليل ما يقتضى النظرُ فيه العلمَ الكَسْبِى . وروى ابن اسحاق وابن جرير والبيهقى عن ابن عباس أن أشراف قريش من كل قبيلة اجتمعوا عند غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، ثم قال بعضهم لبعض : أبعثوا إلى محمد فكلِّموه وخاصِموه حتى تُعْذروا فيه . فبعثوا إليه فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أَنْ قد بَدًا لهم فيما يكلمهم فيه بَدَاء ، وكان حريصا عليهم يحب رُشْدهم ويعزّ عليه عَنَتُهم ، حتى جلس إليهم فقالوا : يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك ، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أُدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعِبْت الدين وشتمت الآلهة وسفَّهت الأَّحلام وفرَّقتَ الجماعةَ، فما بقى أمرٌ قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك. أو كما قالوا له . فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت إنما تريد به الشرف فينا فنحن نسوِّدك علينا، وإن كنت تريد به مُلْكا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأُتيك رَئِيًّا تراه قد غَلَب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رَئِيًا - فربما كان ذلك بذلْنا أَموالَنا فى طلب الطبّ لك حتى نُبْرِئِك منه أَو نُعْذّر فيك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بى ما تقولون ، ما جئتُ بما جئت به أطلب أموالكم ولا الشرفَ فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله تعالى بعَثنی إلیکم رسولا وأَنزل علىّ كتابا وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلَّغتكم رسالاتٍ ربى ونصحت لكم فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حفظُّكم فى الدنيا والآخرة وإن تركُّوه علىّ أَصبر لأمر الله حتى يحكم اللّه بينى وبينكم . أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . . قالوا : يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئًا مما عرضنا لك فإنك قد علمت أنه ليس أَحَدٌ أَضيقَ بلدًا ولا أَقلَّ مالا ولا أَشدَّ عَيشا منا، فاسأل لنا ربَّكِ أَنهارا كأَنهار العراق والشام، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن ممن يبعث لنا منهم قُصَىّ بن كِلَاب ، فإنه كان شيخٌ صِدْق فنسألهم عما تقول : أَحقِّ هو أَم باطل ، فإن صدَّقوك وصنعتَ ما سألناك صدَّقناك وعرَفْنَا منزلتك من الله وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول. - ٤٥٢ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بُعثت لكم ، إنما جئتكم من الله بما بعثنى به وقد بلَّغتكم ما أُرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه فهو حظكم فى الدنيا والآخرة ، وإِن تردُّوه أَصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم . قالوا : فإذا لم تفعل فخُذْ لنفسك ، سَلْ ربَّك يبعث معك ملكا يصدِّقك ما تقول ويراجعنا عنك ، وسَلْه فليجعل لك جنَانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يُغْنيك بها عما نراك تبتغى ، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس الرزقَ وتلتمس المعاشَ كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك إن كنت رسولا . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أَنا بفاعل ، ما أَنا بالذى سأَل ربَّه هذا وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا أو كما قال . فإِن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظّكم فى الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علىّ أَصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم . قالوا : فأَسقطْ السماء علينا كِيسَفّا كما زعمت أن ربك إن شاء فَعل ، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك إلى الله عز وجل ، إِن شاء أن يفعله بسكم فعله . قالوا : يا محمد فَما عَلِمٍ ربُّك أَنا سنجلس معك ونساًلك عما سأَلناك عنه ونطلب إِليك ما نطلب فيتقدم إليك فيعْلِمك ما تُراجعنا به ويخبرك ما هو صانعٌ فى ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ؟ إِنه قد بلغنا أنك إنما يعلِّمك هذا رجلٌ باليمامة يقال له : الرحمن، وإِنا والله لا نؤمن بالرحمن أَبدا فقد أَعْذَرْنا إليك يا محمد، وإِنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نُهْلكك أَو تهلكنا . وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة وهى بنات الله . وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكةِ قبيلا . فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قام عنهم وقام معه عبدُ الله بن أَبِى أُمية ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وهو ابن عمته وهو لعاتكة بنت عبد المطلب، - ٤٥٣ - وأَسلم بعد ذلك رضى الله عنه ، فقال: يا محمد عرّض عليك قومُك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أُمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله تعالى كما تقول ويصدِّقوك ويَتَّبعوك فلم تفعل ، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فَضْلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجِّل لهم بعضَ ما تخوِّفهم به من العذاب فلم تفعل . أَو كما قال له . فوالله لا أُومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلَّما ثم تَرْقَى فيه وأَنا أَنْظر إليك حتى تأتيها ثم تأتى بصَكِّ معه أربعة من الملائكةِ يشهدون لك أَنك كما تقول وأيم الله إن لو فعلت ذلك ما ظننت ◌ُنى ◌ُصدِّقك. ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينًا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ، لِمَا رأى من مباعدتهم إياه . فلما قام عنهم قال أبو جهل : يا معشر قريش إن محمدا قد أَبىَ إلا ما تروْن من عَيْبِ ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإنى أَعاهد الله لأجلسنَّ له غدًا بحجر ما أَطِيقَ حَمْله. أو كما قال. فإذا سجد فى صلاته فضَخْت به رأْسَه فأَسْلِمونى عند ذلك أو امنعونى، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بَدا لهم. قالوا: والله لا نُسْلمك لشىء أبدا فامض لما تريد . فلما أصبح أبو جهل أُخذ حَجرا كما وصف ، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو وكان بمكة وقِبْلتُه إلى الشام، وكان إذا صلى صلى بين الركنين الركن اليماني والحجر الأسود وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى وقد غَدتْ قريشٌ وجلسوا فى أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل ، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجرَ ثم أُقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع مهزومًا مُنْتقعا لونُه مَرْعوبا قد يبستْ يداه على حجره حتى قذف بالحجر من يده . وقامت إليه رجال من قريش فقالوا : ما بك يا أَبا الحكم ؟ قال : قمت إليه لأَّفعل ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرَض لى دونه فحلٌ من الإِبل لا والله ما رأيت مثلَ هامته ولا قصرته ولا أُنیابه لفحل قط ، فھمَّ بی أن يأكلنی . - ٤٥٤ - فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ذاك جبريل لو دَنا لأخذه . قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى فيما سأله قومهُ لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الأَرض وبعث من مضى من آبائهم: ((ولو أَنّ قُرْآنا سُيِّرت)) نقلت ((به الجبالُ)) عن أماكنها ((أَو قطّعت)) شققت به الأرض فجعلت أَنهارا وعيونا ((أَو كُلِّم به الموتى)) بأن يَحْيَوْا وجواب لو محذوف اكتفى بمعرفة السامعين مراده وتقديره : لكان هذا القرآن أو وهم يكفرون بالرحمن وإن أجيبوا إلى سؤالهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى ((بل لله الأُمرُ)) أَى أَمر خلقه ((جميعا)) فيتصرف فيهم كيف يشاء . وأَنزل أيضاً: ((وما منَعنا أن نُرْسل بالآيات)) التى اقترحها أَهل مكة (( إِلا أَن كذَّب بها الأَوَّلون» لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أَرسلناها إلى هؤلاء لكذَّبوا بها واستحَقُّوا الإِهلاك، وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم : قال ابن إسحاق : وأنزل الله سبحانه وتعالى فى قولهم: خذ لنفسك سَلْ ربك أن يبعث معك ملكا يصدِّقك إلى آخره: ((وقالوا ما لهذا الرسولِ يأْكلُ الطعامَ ويَمْشِى فى الأسواقِ لولا)) هلا ((أُنْزل إليه مَلك فيكون معه نَذِيرًا)) يصدِّقه ((أَو يُلْقَى إليه كنزٌ)) من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشى فى الأسواق لطلب المعاش ((أَو تكون له جَنَّة)) بستان ((يأُكل منها)) أى من ثمارها فيكتفى بها وفى قراءة: ((نأكل)) بالنون أَى نحن فيكون له علينا مزيّة بها . ((وقال الظالمون)) أَى الكافرون للمؤمنين ((إن)) ما ((تتبعون إلا رجلاً مَسْحورا)) مَخْدوعا مغلوبا على عقله قال تعالى: ((أُنظر كيف ضَربوا لك الأمثالَ)) بالمسحور والمحتاج إلى ما ينفقه وإِلى مَلَك يقوم معه بالأَمْرِ ((فَضَلُّوا)) بذلك عن الهدى ((فلا يستطيعون سبيلاً)) طريقا إِليه ((تبارك)) تكاثر خيرُ ((الذى إن شاء جعلَ لك خَيْرا من ذلك)) الذى قالوا من الكنز والبستان ((جنات تجرى من تحتها الأنهار)) أَى فى الدنيا لأنه شاء أن يعطيه إياها فى الآخرة ((ويجعلْ لك قصورًا)) أيضا إلى قوله تعالى: ((وما أرسلنا قَبْلك من المُرْسلين إِلا إِنهم لَيأُكلون الطعامَ ويَمْشون فى الأسواق)) فأَنت مثلهم فى ذلك ، وقد قيل لهم كما قد قيل لك ((وجعلنا بَعْضكم لبعض فِتْنة)) بلية ابتلى بها الغنىّ بالفقير والصحيح بالمريض والشريف بالوضيع يقول الثانى فى كلّ: مالى لا أكون كالأول فى كلّ ((أَتَصْبرون)) على - ٤٥٥ - ١ ما تسمعون ممن ابتليتم بهم، استفهام بمعنى الأَمر أَى اصبروا ((وكان ربِّك بصيرا)) بمن يَصْبر وبمن يجزع . وأنزل الله تعالى فيما قال عبد الله بن أبى أُمية - وقد تقدم أنه أسلم بعد: ((وقالوا لن نُؤْمِن لك حتى تَفْجُر لنا من الأَرض يَنْبوعا)) عينا ينبع منها الماء ((أَو تكون لك جَنَّة)) بستان ((من نخيل وعنبٍ، فتفجِّر الأنهارَ خِلَالها)) وسطها ((تفجيرا أَو تُشْقط السماء كما زعمتَ علينا كِيسَفا)) قطعا ((أَو تأْنىَ بالله والملائكة قَبِيلاً)) مقابلةً وعِيانا فنراهم: ((أَو يكون لك بيتٌ من زُخْرِف)) ذهب ((أَو تَرْقَى)) تصعد ((فى السماء)) بسلَّم ((ولن نُؤْمن لرقيِّك)) لو رقيت فيها ((حتى تنزِّل علينا)) منها (( كتابًا)) فيه تصديقك ((نَقْرؤه)) قل لهم: ((سبحان ربِّى هل كنتُ إِلا بَشَرًا رسولا)) كسائر الرسل والبشر ولم يكونوا يأتون بآية إلا بإذن الله . قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى فى قولهم فيما قد بلغنا: إِنما يعلِّمك رجلٌ باليمامة يقال له الرحمن : ولن نؤمن به أبدا ، يعنون به مسيلمة بن حبيب الحنفى ، روى وُثَيْمة بن موسى عن سعيد بن المسيّب أَن مسيلمة تسمَّى بالرحمن فى الجاهلية قبل أن يولد عبد الله والدالنبى صلى الله عليه وسلم كان من المعمّرين: ((كذلك)) أَى مثل إرسالنا الرسلَ قبلك يا محمد ((أَرسلناك)) ثم بين المرسَل إليهم فقال: ((فى أُمة قد خلَتْ)) مضت ((من قبلها أُمَمُ لتتلوَ)) لتقرأ عليهم ((الذى أَوْحينا إليك)) من القرآن وشرائع الإِسلام ((وهم يَكْفرون بالرحمْنِ)). قل لهم يا محمد الرحمن الذى أَنكرتم معرفته: ((هو ربِّ لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه مَتَاب)» توبتی ومرجعی . وأنزل الله تعالى فيما عرضوا عليه من أموالهم: ((قُلْ ما سأَلتكم)) على الإنذار والتبليغ ((من أجرٍ فهو لكم)) أى لا أسألكم عليه أجرا إن ((أَجْرىَ)) ما ثوابى ((إلا على الله، وهو على كل شىء شهيد)) مُطّلع يعلم صدقه . وأنزل الله تعالى فيما قال أبو جهل وما همَّ به: ((أَرأيت)) فى مواضعها الثلاثة للتعجب (الذى يَنْهَى)) هو أبو جهل ((عَبْدًا)) هو النبى صلى الله عليه وسلم ((إذا صلَّى أَرأيت إن كان)) أَى المنهى ((على الهُدَى أَو)) للتقسيم ((أَمَر بالتقوى. أرأيت إن كذَّب)) أَى الناهى النّبِىِّ ((وتولِ)) عن الإيمان. ((ألم يعلم بأن الله يرَى)) ما يَصْدر منه أى يعلمه فيجازيه عليه . - ٤٥٦ - أَى : أَعجبثُ منه يا مخاطَب، من حيث نَهْيه عن الصلاة ، ومن حيث أَن المنهىُّ على الهُدَى آمرُ بالتقوى ، ومن حيث أَن الناهى مكذِّب متولٌّ عن الإيمان . ((كلَّ)) رَدْع له ((لئن)) لام قسم ((لم يَنْتُه)) عما هو عليه من الكفر ((لنَسْفعنْ بالناصية)» لَنجرّن بناصيته إلى النار ((ناصية)) بدل نكرة من معرفة ((كاذبة خاطئة)) وصفها يذلك مجازا والمراد صاحبها . ((فليَدْعُ نادِيَه)) أَى أَهل ناديه وهو المجلس يَنْتدى أَى يتحدث فيه القوم . وكان قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة: لقد علمت ما بها أكثر ناديًا منى لأَّملأَن عليك هذا الوادى إِن شئت خيلاً جُرْدًا، ورجالاً مُرْدًا . ((سنَدْعُ الزبانية)) الملائكة الغلاظ الشداد لإِهلاكه. فى الحديث: ((لو دعا نَاديَه لأَخذته الزبانية عيانًا)). (( كلا)) رَدْع له ((لا تُطِعْه)) يا محمد فى ترك الصلاة ((واسجُدْ)) صلِّ الله ((واقتربْ)) منه بطاعته(١). وروى أبو يعلى وأبو نعيم عن الزبير بن العوام رضى الله عنه قال: لما نزلت: ((وأَنذرْ عَشِيرتَك الأَقربين)) صاح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على أَبِى قُبَيْس : يا آل عبد مناف إنى نذير. فجاءته قريشٌ فحذَّرهم وأنذرهم قالوا : تزعم أَنك نبى يوحى إليك ، وإن سليمان سخِّر له الريحُ والجبال ، وإِن موسى سخر له البحر ، وإِن عيسى كان يحيى الموتى ، فادع الله أن يجعل هذه الصخرة التى تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك تزعم أَنك كهيئتهم . فبَيْنا نحن حوله إذ نزل عليه الوحى فلما سرِّى عنه قال : والذى نفسى بيده لقد أعطانى ما سألتم ولو شئت لكان ، ولكنه خيَّرنى بين أَن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن منكم وبين أن يُكلكم إلى ما اخترتم لأَّنفسكم فتضُّوا عن باب الرحمة ولا يؤمن منكم ، فاخترتُ باب الرحمة فيؤمن منكم ، وأخبرنى إِن أَعطاكم ذلك ثم كفرتم به يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحدًا من العالمين . فنزلت: ((وما منَعَنَا أَن نُرْسلَ بالآيات إِلا أَن كذَّب بها الأَّولون)) حتى قرأ ثلاث آيات. ((ولو أَن قرآنًا سيرِّت به الجبال)) الآية. (٢) سيرة ابن هشام ٣٠٩/١ - ٠٣١٣ - ٤٥٧ - وروى الإمام أحمد والنسائى والحاكم والضياء فى صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : سأَل أَهلُ مكة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأَّ ينخِّى عنهم الجبال فيَزْرعون ، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأُ عليك السلام ويقول لك : إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا فمن كفرَ منهم بعد ذلك عذَّبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين ، وإِن شئت فتحت لهم بابَ التوبة والرحمة . قال : أَى رب بابَ الرحمة . وفى رواية : إن شئت أن تستأنى بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذى سأُلوا فإِن كفروا أهلكتُهم(١) كَما أَهلكتُ مَنْ قبلَهم من الأُمم . قال : لا بل أستأنى بهم. فأنزل الله ((وما منعنا أن نُرْسل بالآيات إلا أَنْ كذَّب بها الأَّولون)). وروى ابن جرير عن قتادة قال : قال أَهلُ مكة فذكر نحوه وفيه : فأَتاه جبريل فقال : إِن شئت كان الذى سألك قومُك ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم يُنْظروا ، وإِن شئت استأنيتَ بقومك. قال: بل أستأنى بقومى. فأنزل الله تعالى: ((وما مَنعنا أن نرسل بالآيات إِلا أَن كذَّب بها الأَّولون)) الآية. وأَنزل الله تعالى: ((ما آمنت قبلَهم من قريةٍ أَهلكناها أُفهم يؤمنون)). [ تفسير الغريب ] أصبرْ : بالسكون جواب الشرط . اليمامة - بفتح المثناة التحتية : مدينة باليمن . الصَّكّ - بفتح الصاد المهملة وتشديد الكاف : الكتاب . وايم الله : من ألفاظ القسم كقولك: لَعَمْر الله وعهد الله وفيها لغات كثيرة ، تفتح همزتها وتكسر ، وهى همزة وصلٍ وقد تقطع . أَسلِمونى : بقطع الهمزة المفتوحة . ما بدا لهم : بغير همز أَى ظهر . (١) سيرة ابن كثير ٤٨٢/١. - ٤٥٨ - مُنْتَقَعًا - بفتح القاف- امتقع لونه فهو منتقَع لغة فى انتقع أى تغير من حزن أصابه. الفحل - بفتح الفاء وإِسكان الحاء - الذكَر من الحيوان والمراد به هنا من الإبل . الحجرَ - بفتح الحاء والجيم . هامته - بميم مخففة مفتوحة : الرأس . القَصَر - بفتح القاف والصاد المهملة والراء . والقَصرة : أَصل العُنق . والجمع قَصَر بفتحهما . - ٤٥٩ - ٠ الباب الحادى عشر فى امتحانهم إياه بأشياء لا يعرفها إلا نبى قال ابن إسحاق : إِن النَّضْر بن الحارث ، وكان من شياطين قريش ، وكان ممن يُؤْذِى رسول الله صلى الله عليه وسلم . والصواب أنه هلك ببدر وهو مشرك على يدى على ابن أبى طالب رضى الله عنه. فقال: يا معشر قريش والله قد نزل بكم أمرٌ ما أَتيتم له بحِيلة بعدُ ، قد كان محمدٌ فيكم غلاما حدثًا أَرْضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم الشَّيِبَ فى صُدْغيه وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر . ولا والله ما هو بساحر وقد رأينا السَّحَرِة ونَفْئهم وعَقْدهم. وقلتم: كاهن ، لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة تَخالُجَهم وسمعنا سَجْعهم، وقلتم : شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، لقد روَيْنا الشِّعر وسمعنا أَصنافه كلها هَزجه ورَجَزه. وقلتم: مجنون. لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخَنْقه ولا وسوسته ولا تخليطه ، يا معشر قريش انظروا فى شأنكم فإِنه والله لقد نزل بكـ أَمرٌ عظيم . وكان النضر قد قدِمِ الحِيرةَ وتعلَّم بها أَحاديث ملوك الفُرْس ، فكان إذا جلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا فذكَّر فيه بالله وحذَّر قومه ما أَصاب مَن قبلَهم من الأُمم من نِقْمة الله عز وجل ، خَلَفه فى مجلسه إِذا قام ثم قال: أَناواللهيامعشر قريش أَحْسَنُ حديثاً منه، فهلم إلىّ فأَنا أحدثكم أحسن من حديثه . ثم يحدثهم عن ملوك فارس ثم يقول : بماذا محمد أَحسن حديثا منى ؟ وما أحاديثه إِلا أَساطير الأَّولين اكتَتبها كما کتبتها . قال ابن هشام : وهو الذى قال فيما بلغنى: سأُنزل مثلَ ما أَنزل الله . قال ابن إسحاق : وكان ابن عباس يقول فيما بلغنى : إنه أَنزل فيه ثمانى آيات من القرآن: قوله تعالى ((إذا تُثْلى عليه آياتنا قال أَساطير الأَّولين(١)) وكل ما ذكر فيم الأساطير من القرآن . (١) سورة القلم ١٥ . - ٤٦٠ -