النص المفهرس

صفحات 341-360

الثالث : قال أبو شامة : إن قيل ما السر فى نزوله منجما وهلًّا نزل كسائر الكتب جملة ؟
قلنا : هذا سؤال قد تولىَّ الله جوابه فقال تعالى: ((وقال الذين كفروا لولا نُزِّل عليه
القرآنُ جُمْلَةً واحدةً))(١) يعنون كما أُنزل على من قَبْله من الرسل ، فأَجابهم تعالى بقوله
((كذلك)) أَى أَنزلناه كذلك مفرقا ((لُثَبِّت به فؤَادَك))
أَى لنقوّى به قلبك، فإن الوحى إذا كان يتجدَّد فى كل حادثة كان أَقوى للقلب،
وأَشدَّ عناية بالمرسَل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه
من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز فيحْدث له من السرور ما تقْصر عمه العبارة ولهذا
كان أَجْوَدَ ما يكون فى رمضان لكثرة لقائه جبريل. وقيل معنى ((لنثبت به فؤادك)): أى
لنحفظه لأنه عليه الصلاة والسلام كان أُميا لا يقرأ ولا يكتب ففرِّق عليه ليثبت عنده
حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع .
وقال غيره : إنما لم ينزل جملةً واحدة لأن منه الناسخ والمنسوخ ، ولا يتأتى ذلك إلا فيا
أُنْزل مفرَّقًا ، ومنه ما هو جواب السؤال ، ومنه ما هو إنكار على قولٍ قيل أو فعلٍ مُعل ،
وقد تقدم ذلك فى قول ابن عباس : ((ونزل به جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم)) .
وبه فسِّر قوله تعالى: ((ولا يأتونك بمثَّل إلا جِثْناك بالحقّ))(٢).
فالحاصل : أن الآية تضمنت خكتين لإِنزاله مُفَرَّقًا .
٠ ٠ ٠
الرابع : قال الأَّصفهانى : اتفق أَهلُ السُّنة والجماعة على أن كلام الله تعالى منزَّل واختلفوا
فى معنى الإنزال ، فمنهم من قال : إظهار القراءة ومنهم من قال: إِن الله تعالى أَلْهَم كلامَه
جبريلَ وهو فى السماء وهو عالٍ من المكان وعلَّمه قراءته ، ثم جبريل أَداه فى الأرض وهو
يبسط فى المكان .
(١) سورة الفرقان ٣٢.
(٢) سورة الفرقان ٣٣.
- ٣٤١ -

وفى التنزيل طريقان : أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية
إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل .
والثانى : أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأُخذه الرسول منه .
والأَّول أصعب الحالين .
وقال الحافظ : جرت العادةُ بالمناسَبة بين القائل والسامع ، وهى هنا إما بانصاف
السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية وهو النوع الأول ، وإما باتصاف القائل بوصف
السامع وهو البشرية وهو النوع الثانى ، والأُول أَشد بلا شك .
وقال الطِّيبىّ : لعل نزول القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتلقَّفه الملَكُ من
الله تعالى تلقفا روحانيا ، أَو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به إلى الرسول ويلقيه عليه .
وقال القطب الرازى فى حواشى الكشَّاف : الإنزال لغة بمعنى الإيواء وبمعنى تحريك
الشىءٍ من علوّ إِلى سفل ، وكلاهما لا يتحققان فى الكلام ، فهو مستعمل فيه فى معنى
مجازىّ ، فمن قال : القرآنُ معنى قائم بذات الله تعالى: فإنزاله أَن يُوجِد الكلماتِ والحروفَ
الدالة على ذلك المعنى ويُثْبتها فى اللوح المحفوظ ، وهذا المعنى مناسب لكونه منقولا عن أول
المعنيين اللغويين ، ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته فى السماء الدنيا بعد الإثبات فى اللوح
المحفوظ ، وهذا مناسب للمعنى الثانى ، والمراد بإنزال الكتب على الرسل أَن يُلَّفها الملك
تلقفًا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم .
وقال الشيخ رحمه الله تعالى فى فتاويه : وسألت شيخنا العلامة محيى الدين الكافِيجىّ
عن كيفية التلقف الروحانى فقال لى : لا بكَيُّف .
وقال البيهقى رحمه الله تعالى فى معنى قوله تعالى: إنا أنزلناه فى ليلة القُدْر)) يريد والله
تعالى أعلم : إِنا أَسمَعْنا الملَك وأَفهمناه إياه وأنزلناه. بما سمع ، فيكون الملك مُنْتقلا به
من علوّ إِلى سُفْل .
قال أبو شامة : هذا المعنى مُطَّرد فى جميع ألفاظ الإِنزال المضافة إلى القرآن أَو إلى
شئُ منه يحتاج إليه أَهلُ السُّنة المعتقدون قِدَم القرآن وأنه صفة قائمة بذات الله تعالى .
- ٣٤٢ -

قال الشيخ رحمه الله تعالى: ويؤيِّد أَن جبريل تلقفه سماعاً من الله تعالى ما أخرجه
الطبرانى من حديث النواس بن سَمْعان رضى الله تعالى عنه مرفوعا : إذا تكلم الله بالوحى
أَخذت السماء رجفةٌ شديدة من خوف الله تعالى ، فإذا سمع بذلك أَهلُ السماء صُعقوا
وخرُوا سُجِّدًا فيكون أولّهم يرفع رأسه جبريلُ ، فيكلمه الله تعالى بما أراد فينتهى به على
الملائكة فكلما مرَّ بسماء سأَله أَهلُها : ماذا قال ربِّنا ؟ قال : الحق . فينتهى به حيث أُمِر.
وأخرج ابن مردَوَيْه عن ابن مسعود رفَعه : إذا تكلم الله تعالى بالوحى يسمع أهلُ
السماء صلصلة كصلصلة السُّلْسلة على الصفوان فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة . فذكر
نحو ما سبق . وأصل الحديث فى الصحيح(١) .
وقال الإِمام العلامة شهاب الدين محمد بن أحمد بن الخليل الخُولى - بضم الخاء
المعجمة - رحمه الله تعالى : كلام الله تعالى المنزل قسمان : قسم قال الله تعالى لجبريل
قل للنبى الذى أَنت مرسَل إليه: إن الله يقول افْعَل كذا وكذا وأمر بكذا وكذا -
ففهم جبريل ما قاله ريُّه ثم نزل على ذلك النبى وقال له ماتال له ربه ، ولم تكن العبارة
تلك العبارة ، كما يقول الملك لمن يثق به قل لفلان يقول لك الملك اجتهد فى الخدمة
واجمع جندك للقتال . فإن قال الرسول : يقول لك الملك لا تتهاون فى خدمتى ولا تَتْرك
الجندَ يتفرّق وخُثَّهم على المقاتلة ، لا يُنْسب إلى كذب أو تقصير فى أداء الرسالة .
وقسم آخر قال الله تعالى لجبريل : اقرأ على النبى هذا الكتاب . فنزل جبريل
بكلام الله تعالى من غير تغيير ، كما يكتب الملِك كتابا ويسلِّمه إلى أَمين ويقول اقرأه
على فلان ، فهو لا يغيِّر منه كلمة ولا حرفا .
قال الشيخ رحمه الله تعالى: القرآن هو القسم الثانى ، والقسم الأول هو السنة ، كما
ورد أن جبريل كان ينزل بالسُّنة كما ينزل بالقرآن .
(١) صحيح البخارى كتاب التوحيد باب ٣٢ وكتاب التفسير (سورة الحجر وسورة سبأ) وسنن الترمذى كتاب
التفسير ، سورة سبأ .
٣٤٣

الباب العاشر
فى شدة الوحى وثِقَله
قال الله سبحانه وتعالى: ((إِنا سنُلْقِى عليك قَوْلاً ثَقِيلًا(١).
وقال زيد بن ثابت رضِى الله تعالى عنه : أُنْزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفخذه على فخذى فكادت فخذه ترضُّ فخذى .
رواه الشيخان (٢).
وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها : إِنْ كان لَيُوحَى إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو على راحلته فتضرب بِجرَانها فما نستطيع أن تتحرك حتى يُسرَّى عنه. وتلت الآية(٣)
رواه الإمام أحمد(٤) وعَبْد بن حُمَيْد وابن جرير والحاكم وصححه.
وقال أبو أَرْوَى اللَّوْسى - بفتح الدال المهملة - رضى الله تعالى عنه: رأيت الوحىّ
ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه على راحلته فتَرْغُو وتَفْتل يديها حتى أظن أن
ذراعها تنقصم ، فربما بركَتْ وربما قامت مُوَقِّدةً يديها حتى يُسَرَّى عنه من ثقل الوحى
وإنه ليَتَحدَّر منه مثل الجُمَان .
رواه ابن سعد(٥) .
وقال عبادة بن الصامت رضى الله تعالى عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا نزل عليه الوحىُّ كَرِب لذلك وتربِّد وجهُه وغمَّض عينيه .-
رواه مسلم (٦) .
(١) سورة المزمل ہ.
(٢) صحيح البخارى كتاب الصلاة، وكتاب الجهاد، وكتاب التفسير (سورة النساء) وسنن التر مذى كتاب التفسير
(سورة النساء) .
(٣) أى قوله تعالى: ((إنا ستلقى عليك قولا ثقيلا)).
(٤) مسند أحمد ١١٨/٦.
(٥) طبقات ابن سعد ١٩٧/١ (ط بيروت).
(٦) صحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ٨٨ .
- ٣٤٤ -

وقال أبو هريرة رضى الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحى
إليه لم يستطع أَحدٌ منا يرفع طَرْفه إليه حتى يُقْضَى الوحى .
رواه مسلم (١) .
وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُنزل عليه
الوحى يَغَطّ فى رأسه ويتربَّد وجهه ويجد بَرْداً فى ثناياه ويَعْرق حتى ليَنْحدر منه مثلُ
الجمان .
رواه ابن سعد(٢)
وقالت أسماء بنت يزيد رضى الله تعالى عنها : كنت آخذةً بزمام ناقة رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين أنزلت عليه سورة المائِدة فكاد ينكسر عَضُدها من ثِقَل السورة .
رواه الإِمام أحمد والطبرانى(٣).
وقال ابن عمر رضى الله تعالى عنهما : أُنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة
المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها (٤) .
قال الحافظ عماد الدين بن كثير : وثبت فى الصحيحين نزول سورة الفتح على
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته ، فكأنه يكون تارة وتارة بحسب الحال(٥) .
وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها : لقد رأيته - تعنى النبى صلى الله عليه وسلم -
ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البَرْد فيَفْصم عنه وإِنَّ جبينه ليتفَصَّد عَرَقا .
رواه البخارى(٦).
وقال ابن عمر رضى الله تعالى عنهما : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت :
(١) صحيح مسلم كتاب الجهاد حديث رقم ٨٤ .
(٢) لم يرد ذلك فى طبقات ابن سعد فى باب ذكر شدة نزول الوحى على النبى صلى اللّه عليه وسلم والذى فيه عن عائشة:
((ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا)). وهى الرواية الواردة فى الصحيح
الطبقات ١٩٨/١ .
(٣) مسند أحمد ٤٥٥/٦، ٤٥٨. وسيرة ابن كثير ٤٢٤/١.
(٤) سيرة ابن كثير ٤٢٤/١.
(٥٠) سيرة ابن كثير ٤٢٤/١.
(٦) صحيح البخارى كتاب بدء الوحى باب ٢ وسنن الترمذى كتاب المناقب باب ٧ ومسند أحمد ٢٥٧/٦.
- ٣٤٥ -

يا رسول الله هل تحسّ بالوحى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسمع صلاصل
ثم أسكت عند ذلك ، فما مرّة يوحى إلىّ إلا ظننت أَن نفسى تُقْبَض.
رواه أحمد(١).
وروى ابن سعد عن عِكْرمة قال: كان رسول الله صلى الله الله عليه وسلم إذا أوحى إليه
وَقَذ لذلك ساعةً كهيئة السكران(٢).
وقال يَعْلى بن أُميّة إنه كان يقول: ((ليتنى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث
ينزل عليه الوحى فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالجِعْرانة وعليه ثوب قد أَظلّ عليه
ومعه ناس من أصحابه فيهم عمر إذ جاءه رجل متضمّخ بطيب فقال : يا رسول الله كيف
ترى فى رجل أَحْرَم فى جُبة بعدما تضمَّخ بطيب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم
سكت ، فجاءه الوحى فأشار عمر : أَن تعالَ ، فجاء يَعْلى فأَدخل رأسه فإذا هو محمرّ الوجه
يغط كما يغط البَكْر، كذلك ساعة ثم سرِّى عنه )) الحديث .
رواه الشيخان(٣).
وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها فى حديث الإفك: فأخذه - يعنى رسول الله صلى الله
عليه وسلم - ما كان يأُخذه من البُرَحاء .
رواه الشيخان(٤).
وقالت أيضاً : وكان إذا أتاه الوحى أَخذه السََّلْ .
رواه الحاكم .
وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُنزل
عليه الوحى تربّد لذلك جسدُه ووجهه وأَمسَك عن أصحابه ولم يكلمه أَحدٌ منهم .
(١) مسند أحمد ٢٢٢/٢.
(٢) طبقات ابن سعد ١٩٧/١ (ط بيروت).
(٣) صحيح البخارى كتاب العمرة باب ١٠ وصحيح مسلم كتاب الحج حديث رقم ٦ .
(٤) صحيح البخارى كتاب الشهادات، وكتاب المغازى، وكتاب التفسير (سورة النور ) وصحيح مسلم كتاب
التوبة حديث رقم ٥٦ .
- ٣٤٦ -

رواه أبو داود الطيالسى(١).
وقال أبو هريرة رضى الله تعالى عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُنزل عليه
الوحى صُدِعٍ وغَلِّف رأسه بالحِنَّاء.
رواه أبو نُعَيْم(٢) وله طرق تأتى فى طبّه صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن عباس رضى الله عنهما : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يعالج من
التنزيل شدَّةً(٣) يحرِّك به لسانه وشفتيه من حُبِّه إياه، فأنزل الله تعالى: ((لا تحرِّك به
به لسانَك لتَعْجَل به إِنَّ علينا جَمْعَه وقرآنه )) قال: جَمْعه لك فى صدرك ثم تقرؤه. فإذا
قرأناه فاتَّبعْ قرآنه)) فاستمع وأَنْصت . ((ثم إنَّ علينا بيانه)) فكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا أتاه جبريلُ بعد ذلك استمع فإِذا انطلق جبريلُ قرأَه النبى صلى الله عليه وسلم كما
وعَده الله تعالى.
رواه الشيخان وابن سعد (٤) .
وروى الحاكم وصحَّحه عن أبى هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
أُنزل عليه الوحىُ لم يستطع أحدٌ منا يرفع إليه طَرْفه حتى ينقضى الوحى .
تَنْيَهَاتٌ
الأول : قال الإمام أبو شامة: وهذا العَرَق الذى كان يَغْشاه واحمرار الوجه والغَطِيط وثِقَله
على الراحلة وعلى الفخذ لثقل الوحى ، كما أخبره بذلك الله تبارك وتعالى فى ابتداء أمره بقوله:
((إِنّا سنُلْقَى عليك قولاً ثقيلاً)) وذلك لضعف قُوى البَشَر عن تحمل مثل ذلك الوارِد العظيم
من ذلك الجَنَابِ الجليل .
قال ابن إسحاق : وللنبوة أَثقال ومُؤْنة لا يحملها إِلَّا أَهلُ القوة والعَزْم من الرسل بعون
الله تعالى(٥) .
(١) سيرة ابن كثير ٤٢٣/١ .
(٢) سيرة ابن كثير ٤٢٣/١. قال ابن كثير: هذا حديث غريب جدا .
(٣) الأصل أشده. وما أثبته من الصحيحين وابن سعد.
(٤) صحيح البخارى كتاب بدء الوحى، وصحيح مسلم كتاب الصلاة حديث رقم ١٤٨. وطبقات ابن سعد ١٩٨/١.
(٥) سيرة ابن هشام ٢٤٠/١ (ط الحلى الثانية).
- ٣٤٧ -

الثانى: قال شيخ الإسلام البُلْقينى : هذا الذى كان يحصل له حين تلقّى الوحى من الجَهْد
حالٌ يؤخذ فيه عن حال الدنيا من غير موت ، وهو مقام بَرْزَخِىّ يحصل له عند تلقّى الوحى،
ولما كان البرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال خص الله تعالى نبيَّه صلى الله
عليه وسلم ببرزخ فى الحياة يُلْقى إليه فيه وَحْيه المشتمل على كثير من الأسرار، وقد يقع
لكثير من الصلحاء عند الغَيْبة بالنوم أو غيره اطلاعٌ على كثير من الأسرار ، وذلك مستمدّ
من المقام النبوى ، ويشهد له قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( رؤيا المؤمن جزءٌ من ستة
وأربعين جزءاً من النبوّة))(١) . انتهى.
وثبت فى الصحيحين من حديث عائشة رضى الله تعالى عنها : لما نزلت آية الحجاب
وأَن سَوْدة خرجت بعد ذلك إلى المنَاصِع ليلاً فقال عمر : قد عرَفْناك يا سَوْدة ، فرجعت
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته وهو جالس يتعثَّى والعرْق فى يده ، فأَوحى الله تعالى
إليه والعرْق فى يده ثم رفع رأسه فقال: إنه قد أُذِن لكن أَن تَخْرجن لحاجتكن(٢).
قال ابن كثير : فدل هذا على أنه لم يكن عند الوحى يغيب عنه إحساسه بالكلية
بدليل أنه جالس لم يسقط ولم يسقط العرْق من يده (٣). انتهى.
[ تفسير الغريب ]
المنَاصح - بفتح الميم وكسر الصاد المهملة: صَعِيدٌ أَفْيح خارج المدينة.
العِرْق - بعين مهملة مفتوحة فراء ساكنة فقاف : العظم الذى عليه اللحم والقطعة
من اللحم . وسيأتى الكلام عليه(٤) فى أبواب مناماته صلى الله عليه وسلم .
٠ ٠٠
الثالث : قال ابن كثير : تحريكه صلى الله عليه وسلم لسانَه عند إلقاء الوحى إليه كان فى
الابتداء كان صلى الله عليه وسلم من شدة حِرْصه على أَخذه من الملك ما يوحيه إليه عن الله
(١) أخرجه البخارى فى صحيحه كتاب التعبير، ومسلم فى صحيحه كتاب الرؤيا حديث رقم ٦، ٧، ٨.
(٢) صحيح البخارى كتاب التفسير (سورة الأحزاب).
(٣) سيرة ابن كثير ٤١٣/١.
(٤) أى على الحديث المسابتى .
- ٣٤٨ -

تعالى يساويه فى التلاوة ، فأُمره الله تعالى أن أَنصت لذلك حتى يَفْرَغ من الوحى ، ولهذا
قال: ((ولا(١) تَعْجَل بالقرآن من قبل أن يُقْضى إِليك وَحْيُه وقُلْ ربِّ زِدْنى عِلْمًا(٢) )).
وقال الحافظ : اختلف فى سبب تحريكه صلى الله عليه وسلم لسانَه وشفتيه . ففى
رواية: يخشى أن يتفلَّت منه. وفى لفظ: خشية أَن يَنْسى أوله قبل أن يفرغ من آخره
فيشتد عليه ، وفى رواية أنه كان إذا نزل عليه جعل يتكلم من حُبّه إياه .
قال الحافظ : وظاهر الرواية الثانية أن السبب فى المبادرة حصول المشقة التى يجدها
عند النزول ، فكان يتعجل ما يأْخذه لتَزُول المشقةُ سريعًا . وظاهر الثالثة أنه كان يتكلم
بما يُلْقَى الله منه أولا فأولا، من شدة حبه إياه فأمر أَن يتأَنَّى إلى أن ينقضى النزول .
قال الحافظ : ولا بُعْد فى تعدد السبب .
٠ ٠٠
الرابع : فى بيان غريب ماسبق :
تَرُضٌ فخذى : تدقّه وتكْسِره .
الجِرَان - بجيم مكسورة فراء : باطن العنق ومعناه : أنها تفعل ذلك لشدة الوحى وثقله .
يُسَرَّى - بضم أوله وتشديد الزاء المفتوحة والقصر : أَى يُكْشف ذلك عنه ويزول .
تَرْغو - بغين معجمة : تصيح .
تَفْتل يديها : تديرهما من ثقل ما عليها .
تنقصم : تنكسر وتندق .
مُوتدة يديها - بضم الميم من الوتيد. قال الشيخ فى مختصر النهاية: ووتيد الأرض :
صوت شدة الوطء على الأرض يُسمع كالدوىِّ من بُعْد .
الجُمّان - بجيم مضمومة فميم مفتوحة : اللؤلؤ، شبّهت قطرات عرقه بالجمان لتشاسپها
فى الصَّفاء والحسن .
کرب لذلك - بضم الكاف وكسر الراء : أَى أَصابه الكَرْب أَى الشدة فهو مَكْروب ،
والذى كَرَبه كارِبٌ .
(١) سورة طه ١١٤.
(٢) سيرة ابن كثير ٤٢٥/١ .
- ٣٤٩ -

التربُّد - بالراء ودال مهملة فى آخره : كُمودة فى اللون وهى غُبْرة فى سواد .
الغَطُّ - بغين معجمة وطاء مهملة مشددة ، والغطيط : صوت يخرج من نَفَس النائم
وهو تردیده حیث لا يجد مساغا .
يَفْصم عنه : بفتح أوله وسكون الفاء وكسر المهملة: أَى يُقْلع ويَنْجلى. ويروى بضم
أوله من الرباعى وفى رواية بضم أوله وفتح الصاد مَبْنيًّا للمفعول، وأصل القَصْم القطع ، وقيل
الفَصْم بالفاء : القطع بلا إِبانة . وبالقاف : القطع بإبانة فعُبر بالفصم إشارة إلى أن الملك
فارقه ليعود ، والجامع بينهما بقاء العُلْقة .
يتفصِّد عرقًا : أَى يجرى منه كما يجرى الدم من الفِصَاد(١).
الصَّلاصِل : بفتح المهملة الأُولى وكسر الثانية: جمع صَلْصَلة بفتح المهملتين بينهما
لام ساكنة ، وهى صوت وَقْع الأشياء الصُّلْبة اليابسة بعضها على بعض ، ثم أُطلق على
صوت له طَنِين .
وُقِذ - بواو مضمومة فقاف مكسورة فذال معجمة مفتوحة: يقال وقَذه النُّعاسُ: إِذا
غلب عليه .
الجِغْرانة - بكسر الجيم وسكون العين المهملة ونقل ابن المدينى عن أهل العراق كسر العين
وشدّ الراء . وقال الشافعى والخطابى : المحدِّثون يُخْطئون فى تشديدها وقد أولع أصحاب
الحديث به ، والصواب الأول : موضع على سبعة أميال من مكة إلى جهة الطائف .
متضمَّخَ : متلطخ .
البُرَحاء - بباء موحدة مضمومة فراء مفتوحة فحاء مهملة فألف ممدودة : شدة الحمى ،
وقيل شدة الكرب ، وقيل شدة الحر .
السِّبَل - بفتح السين المهملة والموحّدة داء فى العين شِبْه ◌ِشَاوة كَّها نسج العنكبوت .
المعالجة : محاولة الشىء بمشقة إن كان العلاج ناشئا من تحريك الشفتين ، أَى مَبْدأ
العلاج منه ، وما موصولة ، وأطلقت على من يَعْقل مجازاً .
(١) الفصاد : شق العرق لإخراج الدم.
- ٣٥٠ -

هكذا قرَّره الكِرْمانى . قال الحافظ : وفيه نظر ، لأَن الشدة حاصلةٌ له قبل التحريك ،
والصواب ما قاله ثابت السَّرَقُسْطى (١) أن المراد: كان كثيرًا ما يفعل ذلك، وورود ((شَمّا))
فى هذا كثير، ومنه حديث الرؤيا: ((وكان مِما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا(٢) )).
قال الحافظ: ويؤيده رواية البخارى فى التفسير عن عائشة ولفظها: ((كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحى فكان مما يحرك شفتيه (٣)) فأتى بهذا اللفظ
مجردًا عن تقدُّم العِلَّاج الذى قدَّره الكِرْمانى فظهر ما قاله ثابت .
ووجه ما قاله غيره: أن ((من)) إذا وقع بعدها ((ما)) كانت بمعنى ربما ، وهى تطلق على
الكثير كما تطلق على القليل . وفى كلام سيبويه مواضع من هذا ، منها قوله : اعلم أنهم
مما يحذفون كذا . ومنه حديث البراء : كنا إذا صلَّينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم مما يحب
أن يكون عن يمينه .
. (١) نسبة إلى سرقسطة مدينة على ساحل البحر من بلاد الأندلس. اللباب ٥٤٠/١.
(٢) مسند أحمد ١٤٦/٢ وسنن الدارمى كتاب الرؤيا باب رقم ١٣.
(٣) صحيح البخارى كتاب التفسير ( سورة القيامة).
- ٣٥١ -

الباب الحادى عشر
فى أنواع الوحى .
قال العلماء رضى الله تعالى عنهم : كان الوحى يَنْزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى أحوال مختلفة .
الأول: الرؤيا الصادقة فى المنام. قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ((إِنى أرى فى المنام
أَنى أَذبحك فانظر ماذا ترى . قال يا أبت افعل ما تُؤمر (١) فدلَّ على أَن الوحى كان يأتيهم
فى المنام كما كان يأتيهم فى اليقظة .
وفى الصحيح عن ◌ُبَيْد بن عُمَير: رؤيا الأنبياء وحى)) وقرأ هذه الآية (٢)
الثانى: أَن يَنْفث الملك فى روعه وقلبه من غير أن يراه ، كما قال صلى الله عليه وسلم
إِن روح القدس نَفَث فى رُوعى: لن تموت نفس حتى تستكمل رِزْقها فاتقوا الله وأجْمِلوا
فى الطلب ولا يحملنكم استبطاءُ الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لن يُنَال
إلا بطاعته .
رواه ابن أبى الدنيا فى كتاب القناعة والحاكم .
وقال كثير من المفسرين فى قوله تعالى: (( وما كان لِبَشر أَن يكلِّمه الله إلا وَحْيًا)) (٣).
هو أَن يَنْفث فى روعه بالوحى. قال الحَلِيمى: هذا هو الوحى الذى يخص القلبَ دون
السمع .
الثالث: أن يأتيه مثل صَلْصلة الجَرس وهو أشدُّه عليه ، فيتلبّس به الملَك حتى
إِن جبينه ليتَفصَّد عرقاً فى اليوم الشديد البَرْد وحتى إن راحلته لتَبْرك على الأرض .
(١) سورة الصافات ١٠٢.
(٢) صحيح البخارى كتاب الوضوء، وكتاب الأذان .
(٣) سورة الشورى ٥١ .
- ٣٥٢ -

روى الشيخان عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن الحارث بن هشام رضى الله تعالى
عنه سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحىُ ؟ فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : أَحيانا يأتينى مثل صَلْصلة الجَرَس وهو أشدُّه على فيَفْصِم عنِّى وقد وعيت
ما قال ، وأحيانا يتمثَّل لى الملك رجلًا فيكلِّمنى فأَّعِى ما يقول(١).
وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات عن أبى سلمة الماجشون أنه بلغه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يقول: (( كان الوحى يأتينى على نَحْوين: يأتينى به جبريل
فيلقيه علىّ كما يَلْقَى الرجلُ الرجلَ فذاك يتغلَّت منِّى، ويأتينى فى شىء مثل صلصلة الجرس
حتى يخالط قَلْبِى فذاك لاَ يتفلت منى))(٢)
قال الحافظ: وهذا محمول على ما كان قبل نزول قوله تعالى: ((لا تحرِّك به لسانَك))
كما تقدم فإِن الملك قد تمثّل رجلا فى صور كثيرة ولم يتفلَّت ما أتاه به ، كما فى قصة
مجيئه فى صورة دِخْية وفى صورة أعرابى ، وغير ذلك ، وكلها فى الصحيح .
الرابع : أن يكلمه الله تعالى بلا واسطة من وراء حجاب فى اليقظة كما فى ليلة الإِسراء
على القول بعدم الرؤية .
الخامس: أَن يكلمه الله تعالى كِفَاحًا بغير حِجَاب على القول بالرؤية ليلة الإِسراء.
وسيأتى بَسْط ذلك فى أبوابه .
قال الشيخ رحمه الله تعالى : وليس فى القرآن من هذا النوع شىء فيما أعلم ، نعم يمكن
أَن يعدّ منه آخر سورة البقرة وبعض سورة الضحى وألم نشرح ، فقد روى ابن أبى حاتم
من حديث عدىّ بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سألت ربي مسألة
وودِذْت أَنى لم أكن سأَلته ، قلت: أَنْ ربِّ اتخذتَ إِبراهيمَ خليلاً وكلَّمت موسى تكليا .
فقال يا محمد : ألم أَجِدْك يتيما فَآوَيْتُ وضالاً فهديت وعائلاً فأَغنيت، وشرحت لك صدرك
وحطَطْت عنك وِزْرك ورفعت لك ذِكْرك فلا أُذْكَر إِلا ذُكرت معى)).
السادس : أن يكلمه الله تعالى فى النوم ، كما فى حديث معاذ عند الترمذى : أَتالى
(١) صحيح البخارى كتاب بدء الوحى، وكتاب بدء الخلق، وصحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ٨٧ .
(٢) طبقات ابن سعد ١٩٧/١ ( ط بيروت).
- ٣٥٣ -
(٢٣ - سبل الهدى والرشاد ج ٢)

ربى فى أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملاَّ الأعلى))(١) ويأتى بتمامه فى أبواب مناماته.
وذكر بعضهم من هذا سورة الكوثر لِمَا رواه مسلم عن أنس قال: بَيْنا رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم بين أَظْهُرنا إذ أَغْفَى إغفاءةٌ ثم رفع بصره مبتسمًا فقراً: بسم الله الرحمن
الرحيم (( إنا أعطيناك الكوثرَ)) إلى آخرها .
وقال الإِمام الرافعى رحمه الله تعالى فى أَماليه: فهم فاهمون من الأحاديث أن السورة
نزلت فى تلك الإغفاءة وقالوا من الوحى ما كان يأتيه فى النوم لأن رؤيا الأنبياء وحى .
قال : وهذا صحيح لكن الأَشبه أن يقال: القرآن - كله نزل فى اليقظة وكأنه خطر
له فى النوم سورة الكوثر المنزلة فى اليقظة ، أَو عُرض عليه الكوثر الذى وردت فيه السورة
فقرأها عليهم وفسِّرها لهم .
قال : وورد فى بعض الروايات أنه أُغمى عليه وقد يحمل ذلك على الحالة التى تَعْتريه
عند نزول الوحى ويقال لها بُرَحاء الوحى .
قال الشيخ رحمه الله تعالى : وهذا الذى قاله الإمام الرافعى فى غاية الاتجاه ، وهو
الذى كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه، والتأويل الأخير أَصح من الأول لأَن قوله :
أُنزل على آنفًا يدفع كونها نزلت قبل ذلك ، بل نقول : نزلت فى تلك الحالة وليس الإِغفاء
إغفاءة نوم بل الحالة التى كانت تعتريه عند الوحى ، فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ
عن الدنيا . انتهى .
السابع : مجىء الوحى كدوى النحل .
روى الإمام أحمد والحاكم ، عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال : كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا أُنْزل عليه يُسْمَع عند وجهه كدوىُّ النحل))(٢)
الثامن : العِلْم الذى يلقيه الله تعالى فى قلبه وعلى لسانه عند الاجتهاد فى الأحكام.
(١) ستن الدارمى باب رقم ١٢، ومسند أحمد ٦٦/٤ .
(٢) مسند أحمد ٣٤/١ وسنن الدارمى المقدمة باب ٢.
وذكره ابن كثير أيضا فى سيرته ٤٢٢/١ عن الإمام أحمد ثم قال: وكذا رواه التر مذي والنسائي من حديث عبد الرزاق.
ثم قال النسائي : منكر ، لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم ، ولا نعرفه .
- ٣٥٤ -

لأَّنه اتُّفق على أنه صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد أَصاب قَطْعا وكان معصوما عن الخطأ
وهذا خَرْق للعادة فى حقه صلى الله عليه وسلم دون الأُمة ، وهو يفارق النّفْث فى الرُّوع
من حيث حصوله بالاجتهاد والنفث بدونه . قال فى إرشاد السارِى : ويعكّر عليه أن الظاهر
من كلام الأصوليين أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم والوحى قسمان . انتهى .
٠
هذا ما وقفت عليه من صفات الوحى .
وأَما صفة حامله : فمجىء جبريل عليه الصلاة والسلام فى صورته التى خُلق عليها له
ستمائة جناح يتناثر من أجنحته اللؤلؤ والياقوت ، وقد وقع ذلك مرتين : مرة فى السماء
ليلة المعراج، ومرة فى الأرض ، كما سيأتى بَسْط ذلك فى أبواب المعراج .
ومجيئه فى صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشَّعر .
وفى صورة دِخْية الكلبى .
ومجيئه فى صورة رجل غير دِحْية .
ونزول الوحى على لسان ملك الجبال كما سيأتى بيان ذلك فى باب سفره إلى الطائف
ونزوله على لسان إسرافيل ، كما تقدم بيان ذلك .
تَنْيَهَاتٌ
الأول : ذكر الإِمام الحَلِيمى رحمه الله تعالى أن الوحى كان يأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم
على ستة وأربعين نوعا ، فذكرها . قال الحافظ : وغالبها من صفة حامل الوحى ومجموعها
يدخل فيما ذكر .
الثانى: استُشْكل تشبيه مجىء الوحى بصَلْصَلة الجرس إذ المحمود لا يشبّ بالمذموم ،
إذ حقيقةُ التشبيه : إلحاق ناقص بكامل ، والمشبَّه الوحى وهو محمود ، والمشبّه به صوتُ
جرس وهو مذموم ، لصحة النَّهى عنه والتَّنْفير من موافقة ما هو عليه والإعلام بأَنه
لا تصحبهم(١) الملائكة كما أخرجه مسلم، فكيف يشبَّه ما فعله الملك بأمر تَنْفر منه الملائكة ؟
(١) كذا بالأصول، ولعله : لا تصحبه.
- ٣٥٥ -

والجواب : بأنه لا يلزم فى التشبيه تساوى المشبّه بالمشبه به فى الصفات كلها ، بل
ولا فى أَخسّ وصفٍ له بل يكفى اشتراكهما فى صفة ما ، فالمقصود هنا بيان الحسّ فذكر
ما أَلِفَ السامعون سماعه تقريبا لأَّفهامهم ، والحاصل أن الصوت له جهتان : جهة قوة
وجهة طَنين ، فمن جهة القوة وقع التشبيه، ومن جهة(١) الصوت وقع التنفير غنه ،
وعلِّل بكونه مِزْمار الشيطان .
قيل : ويحتمل أن يكون النهى وقع بعد السؤال .
قال الحافظ : وفيه نظر .
قال ابن بَطَّل: وعلى مثل هذه الصفة تتلقى الملائكة الوحى من الله تعالى ، وقال
التُّورِيِشْى : وهذا الصوت من الوحى تشبيها بما يوحَى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة
عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا قضى الله فى السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها
خُضْعانا لقوله ، كأنها سلسلة على صفوان ، فإذا فُرِّع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم .
قالوا : الحق وهو العلىّ الكبير )).
رواه البخارى وغيره(٢).
قال القاضى : ما جاء من مثل ذلك يجرى على ظاهره وكيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه
إلا الله تعالى أَو من أَطْلَعه الله تعالى على شىء من ذلك من ملائكته ورسله ، وما يتأَوَّل هذا
ويُحيله عن ظاهره إلا ضعيفُ النظر والإيمان، إذ جاءت به الشريعةُ ودلائلُ العقل لا تُحيله
انتهى .
والصلصلة المذكورة : قيل صوت الملَك بالوَخْى . وقيل صوت حَفِيف أجنحة الملائكة.
قال الخطّابى : يريد أَنه صوت مُتدارَك يَسْمعه ولا يُثْبته أُولَ ما يسمعه حتى يفهمه بعد .
قوله : خُضْعانا - بفتحتين ، وبضم أوله وسكون ثانيه : مصدر بمعنى خاضعين .
كأَّنه : أى القول المسموع .
الصَّفوان: الحجر الأَمْلس .
٠٠٠
(١) ط : ومن حيث الصوت.
(٢) سبق تخريج هذا الحديث قريبا .
- ٣٥٦ -

الثالث : الحكمة فى تقديم(١) الصلصلة أَن يَقْرع سمعَه الوحىُ فلايبقى فيه مكان لغيره ،
فلما كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا بتَداركٍ وقع التشبيه به دون غيره من الآلات .
الرابع: دلَّ قوله ((وهو أشدّه علىّ)) أَن الوحى كله شديد ولكن هذه الصفة أَشدها،
وهو واضح لأَن ألفهم من كلام مثل الصلصلة أَشْكّل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب
المعهود ، والحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع ، وهى هنا إما باتصاف
السامع بوصف القائل لغلبة الرُّوحانية وهو النوع الأول ، وإما باتصاف القائلِ بوصف
السامع وهو البشرية وهو النوع الثانى ، والأُول أَشدّ(٢) بلاشك.
قال الإِمام البُلْقينى: وسبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدِّمات تُؤْذن بتعيظمه للاهتمام
به ، كما فى حديث ابن عباس : كان يعالجُ من التنزيل شدةً .
قال: وقال بعضهم: وإنما كان أَشدَّه عليه ليستجمع قلبه فيكون أَوْعَى لما سمع. انتهى.
الخامس : قيل إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيدٍ أو تهديد. قال الحافظ : وفيه نظر.
والظاهر أنه لا يختص بالقرآن كما فى حديث يَعْلى بن أُميّة فى قصة لابس الجبّة المتضمِّخ
بالطيب . وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المثقّة من زيادة الزُّلْفَى .
السادس: عَبَّر بقوله: ((فَيَفْصم عنىِّ وقد وعَيْتُ)) بالماضى وفى: ((فيكلِّمنى فأَّعِى)) بالاستقبال
لأَنِ الوَعْى حصل فى الأُول قبل الفَصْم ، وفى الثانى حصل حالة (٣) المكالمة وإنه كان فى الأول
قد تلبس بصفات الملائكة فإذا عاد إلى حالته الجِبلِّية كان حافظًا لما قيل له ، فعبّر عنه.
بالماضى ، بخلاف الثانى فإنه على حالته المعهودة .
السابع: قال إمام الحرمَيْن: تمثّل جبريل رجلاً معناه أَن الله تعالى أَفْنىَ الزائِد من خَلْقه أَو أَزاله
عنه ثم يعيده إليه بعدُ .
(١) ط : تقدم.
(٢) ط : أشبه .
(٣) كذا فى ط، وص. وفى ت، م: قبل حالة ..
- ٣٥٧ -

وقال الشيخ عِزّ الدين بن عبد السلام : فإن قيل إذا أَنَى جبريل النبيُّ صلى الله عليه وسلم
فى صورة دِحْية فأَّين تكون روحه: أَفى الجسد الذى يُشَبَّه بجسد دِحْية ؟ أم فى الجسم
الذى خُلق عليه له سمائة جَناح؟ فإن كان فى الجسد الأعظم فما الذى أتى إلى رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم جبريل ، لا من جهة روحه ولا من جهة جسده ، وإن كانت فى الجسد
المشبّه بجسد دِخْية فهل يموت الجسد الذى له سمائة جناح كما تموت الأجساد إذا فارقتها
الأرواح ؟ أَم يبقى حَيَّ خاليا من الروح المتنقلة بالجسد المشبّه بجسد دحية ؟
قلت : لا يَبْعد أن يكون انتقالها من الجسد الأول غير مُوجِب لموته لأَن موت الأجساد
بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا ، وإنما هو بعادة مُطَّردة أجرأها الله فى أرواح بنى آدم ،
فيبقى ذلك الجسد حيًّا لا ينقص، من معارفه وطاعاته شىء ، ويكون انتقال روحه إلى الجسد
الثانى كانتقال أرواح الشهداء إلى أَجواف الطيور الخضر . انتهى .
وقال الشيخ سراج الدين البُلْقينى فى كتابه ((الفَيْض الجارى على صحيح البخارى)):
يجوز أن يكون الآتى هو جبريل بشكله الأول ، إلا أنه انضم فصار على قَدْر هيئة الرجل ،
وإِذا ترك ذلك عاد إلى هيئته ، ومثال ذلك القُطن إِذا جُمع بعد أن كان مَنْفُوشا ، فإِنه
بالنفش تَحْصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغيَّر وهذا على سبيل التقريب .
وقال العلامة علاء الدين القُونَوى شارح الحاوى فى كتاب ((الإعلام بإلمام الأرواح
بعد الموت على الأجسام)»: قد كان جبريل عليه الصلاة والسلام يتمثَّل فى صورة دِخْية
وتمثَّل لمريم بشرًا سويًّا، وفى الممكن أن يخص اللهُ بعضَ عباده فى حال الحياة بخاصة لنفسه
الملكيّة القُدْسية وقوة لها يَقْدر بها على التصرف فى بدَن آخر غير بدنها المعهود مع استمرار
تصرفها فى الأَول . وقد قيل فى الأَبْدَال : إنهم إِنما سُمُّوا أَبدالاً لأنهم قد يَرْحلون إلى مكانٍ
ويقيمون فى مكانهم شبحًا آخر تشبيها بشبحهم الأصلى بدلا عنه ، وقد أثبت الصوفية
عالَمًا متوسِّطا بين عالى الأجساد والأرواح ، وبَنوا على ذلك تجسّد الأرواح وظهورها فى
صور مختلفة من عالم المِثَال، وقد يُسْتأُنس لذلك بقوله تعالى: ((فتمثَّل لها بشرًا سويًّا))
فتكون الروح الواحدة كروح جبريل مثلا فى وقت واحد مدبِّرة لشبحه الأَّصلى ، ولهذا
الشبح المثال، ويَنْحِلّ بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة أنه سأل بعضَ الأكابر عن
- ٣٥٨ -

جسم جبريل فقال : أين كان يذهب جسمه الأول - الذى يسدّ الأُفق بأُجنحته لمّا تراءى
للنبي صلى الله عليه وسلم فى صورته الأصلية - عند إتيانه إليه فى صورة دِحْية ؟ وقد تكلف
بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال : كان يندمج بعضه فى بعض إِلى أَن يَصْغر حَجْمه.
فيصير بقدر صورة دِحْية ، ثم يعود وينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى.
وما ذكره الصوفية أحسن ، ويجوز أن يكون جسمه الأُول بحاله لم يتغير ، وقد أقام
الله له شبحًا (١) آخر ورُوحُه متصرِّفة فيهما جميعا فى وقت واحد. انتهى (٢)
:
وقال العلامة شمس الدين بن القيمِّ فى كتاب الرُّوح: للروح شأنٌ غير شأن الأبدان ،
فتكون فى الرفيق الأعلى وهى متصلة ببدن الميت بحيث إذا سلَّم المسلِّم على صاحبها ردَّ عليه
السلام وهى فى مكتها هناك ، وهذا جبريل رآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وله ستمائة جناح
منها جناحان سدًّا الأُفق، وكان يدنو من النبى صلى الله عليه وسلم حتى يضع ركبتيه على
ركبتيه ويديه على فخذيه ، وقلوب المؤمنين(٣) تتسع للإيمان بأن من الممكن أنه كان يدنو
هذا الدنوّ وهو فى مستقره من السموات. وفى الحديث فى رؤية جبريل: ((فرفعتُ رأسى
فإِذا جبريل صافٍّ قدميه بين السماء والأرض يقول: يا محمد أَنت رسول الله وأنا جبريل ،
فجعلت لا أَصرف بصرى إلى ناحية إلا رأيته كذلك))(٤).
وإنما يأْنَى الغلط هنا من قياس الغائب على الشاهد ، فيُعْتقد أَن الروح من جنس ما يُعْهَد
من الأجسام التى إِذا شغلت مكانًا لم يمكن أن تكون فى غيره . وهذا غلط محض .
وقال الحافظ : إِنّ تمثِّل الملَك رجلاً ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلاً ، بل معناه
أنه ظهر بتلك الصورة تأَنُّسًا لمن يخاطبه، والظاهر أن القَدْر الزائد لا يزول ولا يَفْنى بل
يخفى على الرائى فقط. والله أعلم . انتهى .
!
٠ ٠ ٠
(١) ت، م: شخصا آخر.
(٢) هذا إبعاد فى التأويل.
(٣) ط : المخلصين.
(٤ ) سبق ذلك فى باب بدء الوحى قريباً.
- ٣٥٩ -

الثامن : قال الحافظ: ودوىّ النحل فى حديث عمر لا يعارض صلصلة الجرس ، لأن سماع
الدوىّ بالنسبة إلى الحاضرين والصلصلة بالنسبة إلى مقامه صلى الله عليه وسلم .
٠ ٠
التاسع : فى بيان غريب ما سبق :
روح القدس : جبريل عليه الصلاة والسلام لأَّنه خُلق من مَحْض الطهارة
نفث فى رُوعى : يعنى جبريل أوحى إلىّ من النفث بالفم بالمثلثة ، وهو شبيه بالنفخ ،
وهو أقل من النَّفْل، لأَن الَّفْل لا يكون إلا ومعه شىء من الريق.
الرُّوع - بضم الراء : النَّفْس .
الصلصلة : صوت الحديد إِذا حرِّك، يقال صَلّ الحديدُ وصَلْصَل ، والصلصلة أشد من
الصَّلِيل .
الجرس: مثال يُشْبِه (١) الجُلْجل الذى يعلقه الجھَّال فى رعوس الدواب.
يَقْصم عنى : بفتح أوله وسكون الفاء وكسر المهملة أَى يُقْلع ويَنْجلى ، ويروى بضم
أوله من الرباعى وفى رواية بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمفعول وأصل الفَصْم القطع .
وقيل بالفاء : القطع بلا إبانة وبالقاف القطع بإبانة ، فَعَبَّرَ بالفَصْم إشارة إلى أَن الملَك فارقه
ليعود ، والجامع بينهما بقاء العلقة .
(١) سبق هذا التفسير اللغوى فى الباب الذى قبل هذا الباب.
- ٣٦٠ -