النص المفهرس
صفحات 321-340
الثانى فى شهر ربيع الأول بالإنذار وأُنزلت عليه: ((يأيها المدّثِّر قم فأنذر)) فيحمل قولُ ابن اسحاق : على رأس الأربعين : أى عند المجىء بالرسالة . الثامن: فإن قيل: لم كرّر: ((اقرأُ)) ثلاثَ مرات ؟ أجاب الإِمامُ أبو شامة رحمه الله تعالى بأنه يُحتمل أن يكون قوله أولا: ((ما أنا بقارئ» على الامتناع ، وثانيا على الإخبار بالنفى المخْض ، وثالثا على الاستفهام . ويؤيده أَن فى رواية أبى الأسود فى مَغازيه عن عروة أنه قال: كيف أَفْرأ. وفى رواية عُبَيْد بن عمير غند ابن إسحاق ماذا أقرأ . وفى مُرْسَل الزُّهْرى عند البيهقى كيف أقرأ وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية (١). وقال الحافظ : لعل الحكمة فى تكرير ((اقرأ)) الإشارة إلى انحصار الإيمان الذى ينشأُ الوحىُ بسببه فى ثلاث : القول والعمل والنية ، وأن الوحى يشتمل على ثلاث: التوحيد والأحكام والقَصص . التاسع: الحكمة فى غَطِّ جبريل له: شُغْله عن الالتفات لشىء آخر، أَو لإظهار الشدة والجِدّ فى الأُمر تنبيها على ثِقَل القول الذى سيُلْقَى إليه، فلما ظهر أنه صَبر على ذلك أَلتى إليه، هذا وإن كان فى علم الله حاصل لكن المراد إبرازه للظاهر بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم وقيل ليختبر هل يقول من قِبَل نفسه شيئا فلمّا لم يأت بشىء دلَّ على أنه لا يَقْدر عليه .. ونقل الحافظ عن بعض من لقيه أن هذا يُعدّ من خصائصه صلى الله عليه وسلم إذ لم ینقل عن أحد من الأنبياء أنه وقع له عند ابتداء الوحی مثل ذلك . قال البُلْقينى: وكأن الذى حصل للنبي صلى الله عليه وسلم عند تلقّى الوحى من الجهد مقدمة لما صار يحصل له من الكَرْب عند نزول القرآن وبسط الكلام على ذلك ، ويأتى بتمامه فی باب شدة الوحی . (١) قال ابن كثير فى السيرة ٣٩٣/١: ومن قال إنها استفهامية فقوله بعيد، لأن الباء لا تزاد فى الإثبات. - ٣٢١ - (٢١ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) العاشر: الحكمة فى تكرير الغّطُّ: المبالغة فى التنبيه، ففيه أنه ينبغى للمعلِّم أن يحتاط فى تنبيه المتعلّم وأَمْره بإحضار قلبه . وقيل الإشارة إلى التشديدات الثلاث التى وقعت له ؛ وهى الحَصْر فى الشُّعْب، وخروجه إلى الهجرة ، وما وقع له يوم أحد ، وفى الإِرسالات الثلاث إشارة إلى حصول التيسير له عقب الثلاث ، أو فى الدنيا ، والبرزخ ، والآخرة . الحادى عشر: هذا القدر الذى ذُكر من سورة اقرأ هو الذى نزل أولا بخلاف بقية السورة ، فإنما نزل بعد ذلك بزمان . والحكمة فى هذه الأولية : أن هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن ، ففيها براعة الاستهلال وهى جديرة أَن تسمَّى عنوان القرآن لأَن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة ، فى أوله ، وهذا بخلاف الفنِّ البديعىّ المسمى بالعنوان فإنهم عرّفوه بأن یأُخذ المتكلم فى فن فيؤكِّده بذ کر مثالٍ سابق . وبيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن: أنها (١) تنحصر فى علم التوحيد والأحكام والأخبار ، وقد اشتملت(٢) على الأمر بالقراءة والبداءة فيها باسم الله ، وفى هذا الإِشارة إلى الأحكام. وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته من صفات ذات وصفات فعل ، وفى هذا إشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله ((علَّم الإِنسان ما لم يَعْلم » وقال السُّهيلى: قيل للنبى صلى الله عليه وسلم: ((اقرأ باسم ربك)) فإنك لا تقرأ بحَوْلك وقوتك ولا بصفة نفسك ولا بمعرفتك ، ولكن اقرأ مفتتحا قراءتك باسم ربك مستعينا فى جميع أمورك به ، فهو يعلِّمك كما خلقك وكما نزع عنك عَلَق الدم وعلمك ما لم تكن تعلم من أمور الدين ومصالح العباد وما تَنْطق به من المغيَّبات . (١) أى مقاصد القرآن . (٢) يريد الآيات التى نزلت أولا من سورة اقرأ .. - ٣٢٢ - الثانى عشر: قال الحافظ: ذكرأكثر الأئمة أن هذا القَدْر المذكور فى القصة من سورة اقرأ أُولَ ما نزل من القرآن . وشدَّ صاحبُ الكشاف فقال: إن أكثر المفسرين على أَن أُول سورة نزلت الفاتحة . وهذا وَهْم بلا شك . وقال فى موضع آخر : المحفوظ أن أول ما نزل : اقرأ باسم ربك وأن نزول الفاتحة كان بعد ذلك . وقال النووى : أول ما نزل من القرآن : اقرأ . هذا هو الصواب الذى عليه الجماهير من السلف والخلَف وقيل أوله : (( يا أيها المدثر)) وليس بشىء(١) . ٠٠٠ الثالث عشر: إنما اضطرب فؤاده لِمَا فجأَّه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفَر طَبْعه البشرى ولم يتمكن من التأمل فى تلك الحالة ، لأَن النبوة لا تُزيل طباعَ البشرية كلها . ٠٠٠ الرابع عشر : قال البُلْقينى: الحكمة فى العُدول عن القلب إلى الفؤاد(٢) أَن الفؤاد وعاء القلب كماقاله بعض أهل اللغة، فإذا حصل للوعاء الرَّجَفان حصل للقلب فيكون فى ذكره من تعظيم الأمر ما ليس فى ذكر القلب . ٠٠٠ الخامس عشر: الحكمة فى طلب التزمل أَن العادة جرتْ بسكون الرِّعْدة بالتلفّف. السادس عشر: دل قوله: لقد خشيتُ على نفسى)) مع قوله ((تَرْجف بوادره)» وفى لفظ: ((فؤاده)) على انفعال حصل له من مجىء الملك ، ومن ثم قال : زمِّلونى . (١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٩٩/٢. (٢) أى فى قوله فى الحديث : يرجف فؤاده. - ٣٢٣ - والخشية المذكورة اختلف فى المراد بها على اثنى عشر قولا : أَوْلاها بالصواب : الموت من شدة الرعب . وقيل المرض . وقيل دوامه . وقيل تَعْييرهم إياه . قال القاضى : ليس هذا من معنى الشك فيما آتاه الله ، لكنه صلى الله عليه وسلم عساه يخشى أن لا يَقْوَى على مقاومة هذا الأمر ولا يقدر على حمل أعباء النبوة فتزهق نفسه أو ينخلع قلبُه لشدة ما لقيه أولاً عند لقاء الملك. قال: أَو يكون قوله هذا الأوّل ما رأَى التباشير فى النوم واليقظة وسمع الصوت قبلَ لقاء الملك وتحقّق رسالة ربه فيكون ما خاف أولا أن يكون من الشيطان ، فأَما منذ ما جاءه الملك برسالة ربه فلا يجوز عليه الشك ولا يُخشى من تسلّط الشيطان عليه . قال : وعلى هذا يُحمل كل ما ورد من مثل هذا فى حديث البَعْث . قال النووى : وهذا الاحتمال الثانى ضعيف، لأَّنه خلاف تصريح الحديث بأن هذا. بعد غَطّ الملك وإتيانه بـ« اقرأ باسم ربك)). ٠٠٠ السابع عشر: خصِّ وَرَقة موسى بالذِّكْر ولم يقل على عيسى، مع كون ورقة نصرانيا، لأَن کتاب. موسى مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى ، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم ، أو لأن موسى بُعث بالنقمة على فرعون ومن معه ، بخلاف عيسى ، وكذلك وقعت النقمة على ید النبى صلى الله عليه وسلم بفرعون هذه الأمة وهو أبو جهل ومن معه يوم بدر . أو قاله تحقيقا للرسالة ، لأَن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتابين بخلاف عيسى ، فإن كثيرا من اليهود ينكرون نبوته . قال الحافظ: وأما ما تمحَّل له السُّهيلى من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى فى عدم نبوة عيسى ودعواهم أنه أَحد الأقانيم فهو محال لا يُعَرَّج عليه فى حق ورقة وأشباهه ممن لم يدخل فى التبديل ولم يأخذ عمن بدَّل . على أنه قد ورد عند أبى نعيم فى الدلائل بسند حسن عن عروة فى هذه القصة أن خديجة أولاً قد أتت ابنعمها ورقة فأخبرته الخبر ، فقال : لئن كنت صدقتینی إنه لیأتیه ناموس عیسى - ٣٢٤ - الذى لا يعلِّمه بنو إسرائيل أبناءهم . فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة : ناموس عيسى وتارة ناموس موسى ، فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها ناموس عيسى بحسب ما هو . فيه من النصرانية ، وعند إخبار النبى صلى الله عليه وسلم له قال ناموس موسى للمناسبة التى قدّمناها، وكلّ صحيح . الثامن عشر: قال السُّهيلى: قال ورقة للنبى صلى الله عليه وسلم : لَتكذَّبنه فلم يقل له شيئا ، ثم قال ولَتُؤْذِينَّه. فلم يقل له شيئًا. ثم قال: ولتُخْرِجَنَّه فقال عليه الصلاة والسلام: أوَ مُخْرجىّ هم ؟ ففى هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النفس ، وأيضا فإنه حَرم الله تعالى وجوار بيته وبلدة أبيه إسماعيل ، فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج ما لم تتحرك قبل ذلك ، فقال : أو مُخْرجىّ هم . والموضع الدال على تحرك النفس وتحَرّقها : إِدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه ، وذلك أن الواو تردّ إلى الكلام المتقدم وتُشعر المخاطب بأَن الاستفهام على جهة الإنكار والتفجع لكلامه والتألم منه . قال الحافظ : ويحتمل أن يكون انزعاجه كان من جهة خشية فوات ما أَمَّله من إيمان قومه بالله وإنقاذهم به من وَضَر الشِّرك وأَدناس الجاهلية ومن عذاب الآخرة ولِيَتِمّ له المرادُ من إرساله إليهم. ويحتمل أن يكون انزعج من الأمرين معاً . وسبقه إلى ذلك الشيخ تقي الدين السُّبْكى فقال : كما حكاه عنه ولده فى الطبقات - : الأحسن أن يقال : تحركت نفسه ، لِمَا فى الإخراج من فوات مانُدب إليه من إيمانهم ، وهدايتهم ، فإن ذلك مع التكذيب والإيذاء مترقّب ، ومع الإخراج منقطع ، وذلك هو الذى لا شىء عند الإنسان أعظم منه ، لأنه امتثال أمر الله تعالى، وأَما مفارقة الوطن فأمرٌ جِيلى والنبى صلى الله عليه وسلم أَجلّ وأَعلى مقامًا من الوقوف عنده فى هذا الموطن العظيم(١). ٠ (١) طبقات الشافعية ٢٠٨/٦ (ط الحسينية). - ٢٢٥ - التاسع عشر : قال الإسماعيلى رحمه الله تعالى: موَّه بعض الطاعنين على المحدِّثين فقال: كيف يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرتاب فى نبوته حتى يرجع إلى ورقة ويشكو لخديجة ما يخشاه ؟ والجواب : أن عادة الله سبحانه وتعالى جرت بأن الأمر الجليل إذا قضَى الله تعالى بإيصاله إلى الخَلْقِ أَن يتقدمه ترشيحٌ وتأسيس، وكان ما يراه النبى صلى الله عليه وسلم من الرؤيا الصادقة ومحبّة الخلوة والتعبّد من ذلك، فلما جاءه الملك فَجأه بغتة أَمرُ خالف العادةَ والمألوفَ فنفر طبعُه البشرىّ منه وهالَه ذلك ولم يتمكن من التأمل فى تلك الحال ، لأن النبوة لا تزيل طباعَ البشرية كلها ، فلا يُتعجّب أَن يَجْزع مما لم يألفه وينفر طبعه منه ، حتى إذا اندرج عليه وألفه استمر عليه ، فلذلك رجع إلى أهله التى أَلِفِ أُنْسها فأَعلمها بما وقع له ، فهوَّنت عليه خشيته مما عرفته من أخلاقه الكريمة وطريقته الحسنة ، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة لمعرفتها بصِدْقه ومعرفته وقراءته الكتب القديمة فلما سمع كلامه أيقن بالحق واعترف به ، وأشار إلى أن الحكمة فى ذِكْره صلى الله عليه وسلم ما اتفق له فى هذه القصة : أن يكون سببا فى انتشار خبره فى بطانته ومنْ يَسْتمع لقوله ويُصْغى إليه. طريقا فى معرفتهم مُبَاينة مَنْ سِوَاه فى أَحواله لينبِّهوا(١) على محَلِّه . العشرون : ورقة هو ابن نوفل بن أَسَد بن عبد العُزَّى بن قُصىّ القرشى الأسدى ابن عم خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم . ذكره الطبرى والبغَوى وابن نافع وابن السُّكَن وغيرهم فى الصحابة . وروى يونس بن بُكَيْر عن أَبِى مَيْسرة عمرو بن شُرَحْبيل أحد كبار التابعين أَن ورقة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أَبشر فأَنا أَشهد أَنك الذى بشَّر به عيسى بن مريم وأَنْك على مِثْل ناموس موسى ، وأَنك نبىُّ مرسَل ، فذكر الحديث وفيه : فلما توفى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد رأيت القَسَّ فى الجنة عليه ثيابٌ بيض لأنه آمن بى وصدّغنی)) . (١) ص : لينتبهوا. - ٣٢٦ - فى سنده انقطاع. ويعضِّده ما رواه الزبير بن بكّار بسند جيد عن عروة بن الزبير قال : كان بلال الجارية من بنى جُمَح ، وكانوا يعذبونه برمْضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكى يُشْرك فيقول : أَحَدٌ أَحد. فمرَّ به ورقة وهو على تلك الحال فيقول : أَحدٌ أَحد يا بلال ، والله لئن قتلتموه لأَ تخذنه حنَانًا . فهذا المرسَل يدل على أَن ورقة عاش إِلى أَن دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإِسلام حتى أسلم بلال . قال الحافظ : والجمع بين هذا وبين حديث عائشة : أَن يُحمل قولها : لم ينشب ورقة أَن توفى . أى قبل أن يشتهر الإسلام ويؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد . ولا يعكِّر على ذلك ما رواه ابن عائذ عن ابن عباس أن ورقة مات على نصرانيته لأن فى سنده عثمان بن عطاء وهو ضعيف . وروى الإمام أحمد بسند حسن عن عائشة أن خديجة رضى الله تعالى عنها سأَلت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة فقال : قد رأيته فرأيت عليه ثيابًا بيضًا، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثيابٌ بيض))(١) وروى أبو يَعْلى بسند حسن عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل فقال: (( أَبصرته فى بُطْنان الجنة وعليه ، السندس))(٢) . وروى البزَّر وابن عساكر بإسناد جيد عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبُّوا ورقة فإنى رأيت له جنةً أَو جنتين))(٣). (١) مسند أحمد ٦٥/٦. ونصه: لم يكن عليه ثياب بياض. (٢) سيرة ابن كثير ٣٩٧/١. (٣) سيرة ابن كثير ٣٩٨/١ - ٣٢٧ - الحادى والعشرون : فى بيان غريب ما سبق : أول ما ◌ُدئ به نکرة موصوفة ، أَی أول شىء . من الوحى : أى من المبشرات من إيحاء الوحى بالرؤيا : أَى مُطْلق ما دل على نبوّته . فتقدمت له أشياء مثل تسليم الحجر والشحر ويحتمل أن تكون ((من)) للتبعيض، أى من أقسام الوحى. ويحتمل أن تكون بيانية ورجحه القَزَّاز. واحترزت بقولها: ((من الوحى)) عما رآه من دلائل نبوته من غير وحى ، وأول ذلك مطلقا ما سمعه من بحيرا الراهب وما سمعه عند بناء الكعبة حين قيل له : اشدد عليك إزارك . وكذلك تسليم الحجر والشجر عليه . الرؤيا : ما يُرى فى المنام . فى النوم : صفة موضحة ، أو ليخرج رؤيا العين فى اليقظة لجواز إطلاقها مجازا . فَلَق الصبح وفَرَقه بفتح اللام والراءِ : ضياؤه إذا نميز عن ظلمة الليل وظهور نوره ، وفى الكلام حذفٌ تقديره : جاء تأويلها كفلق الصبح ، وإنما يقال هذا اللفظ فى الشىء الواضح البيِّن . لم يَأْن : لم يَقْرب . هاله ذلك : أفزعه . سطًا بى : غَبنى . من النواميس : جمع ناموس . يأتى بيانه . يتحسَّسون : الإِحساس : العلم بالحواسّ . أَبْشر : بفتح الهمزة . نَمَط : بنون فميم مفتوحتين فطاء مهملة : ضرب من البُسط ، والجمع أنماط . فغنّه : بغين معجمة مفتوحة فمثناة فوقية مشددة أى خنقه . هبَّ من نومه : استيقظ . - ٣٢٨ - حُبِّب : مبنى للمفعول ، وعبّر به لعدم تحقق الباعث على ذلك وإن كان الكُلّ من عند الله، أَو لينبِّه على أنه لم يكن من باعث البشر ، أو يكون ذلك من وحى الإلهام. الخلاء : بالمد مصدر بمعنى الخلوة ، أَى الاختلاء وهو بالرفع نائِب عن الفاعل . الغار : النَّقْب فى الجبل . حِرَاء: بكسر الحاء المهملة وتخفيف الواء وبالمد ، وحكى الأصيلى فتحها والقصر ، وعزاها فى القاموس للقاضى وهى لُغَيَّة، وهو مصروف إِن أُريد المكان وممنوع إِن أُريد البقعة، فهى أربعة : التذكير والتأنيث والمد والقصر. وقد ألغزه بعضهم فقال : وما اسمٌ أَتت فيه وجوهٌ عديدة يؤنَّث ◌َطَوْرا ثم طَوْرًا يذكَّرُ وقد جاء فيه الصِّرْف أيضاً ومَنْعُه ومن شاء يَمْدده ومن شاء يَقْصِرُ وكذا حُكْم قُبَاء وقد نظم بعضهم أحكامهما فقال : حرا وقبا ذكِّر وأَنْتُهما معًا ومُدَّ أَو اقصر واصرفَنْ وامنع الصِّرْفا وهو جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى مِنِّى . يتحنث فيه : بحاء مهملة وآخره مثلثة فى موضع الحال ، أَى يخلو بالغار متحنئا فيه. وفى رواية: ((فيتحنّف)) بالفاء فيكون عطفا على يخلو، وهو من الأَفعال التى معناها السَّذْب أَى اجتناب فاعلها لمصدرها، مثل تأثّم وتَحَوَّب إذا اجتنب الإِثم والحُوب. أو هو بمعنى الرواية الأخرى : يتحنف بالفاء أى يتبع الحنيفية دين إبراهيم ، والفاءُ تبدل ثاء ، وهو عائد إلى مصدر يتخنف . التعبد : يأتى الكلام على تعبده صلى الله عليه وسلم فى أول أبواب عبادته . قال فى (الزَّهْر)): أخبرنى القدوة أَبو الصَّبْر أيوب السّعودى، قال سألت سيدى أبا السُّعود بن أَبِى العشائر : بم كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبد فى حراء قال : بالتفكر . - ٣٢٩ - = الليالىَ : أى مع أيامهن، واقتصر عليهن للتغليب لأنهن آنس للخلوة . وقال النووى : قوله الليالى متعلِّق بيتحنث ، لا بالتعبد ، والمعنى يتحنث الليالى ، ولو جُعل متعلِّقا بالتعبّد فسَد المعنى، فإن التحنث لا يشترط فيه الليالى بل يطلق على الكثير والقليل ، ونصبها على الظرفية . ووصف الليالى بقوله ذوات العدد قال الكرماني : لإرادة التقليل كما فى قوله تعالى (دراهم مَعْدودة) أَو الكثرة لاحتياجها إلى العدد وهو المناسب . قال الحافظ : أما كونه المناسب فمسلَّم، وأَما الأول فلا ، لأَن عادتهم فى الكثير أن يوزن وفى القليل أن يعدّ . وقد جزم الشيخ ابن أبى جَمْرة بأن المراد به الكثرة لأَن العدد على قسمين فإذا أُطلق أُريد به مجموع القلة والكثرة ، فكأنها قالت : ليالى كثيرة أَى مجموع قِسْمى العدد، وأبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المُدَد التى تخلَّلها مجيئه إلى أهله . تنبيه هذا التفسير للزهرى وأدرجه فى الخبر، كما جزم به الطّيبى ، ورواية البخارى فى التفسير تؤيده . يَنْزع : بمثناة تحتية مفتوحة فنون فزاى مكسورة : يرجع وزناً ومعنى . أهله : خديجة وأولاده ويحتمل أن يريد أقاربه . التزوُّد : استصحاب الزاد وهو الطعام الذى يحمله المسافر . لمثلها: أى الليالى. كما رجحه الحافظ فى كتاب التعبير من ((الفَتْح))(١) وإن كان رجّح غيره فى تفسير سورة اقرأْ ، لأَن مدة الخَلْوة كانت شهرا ، فكان يتزود لبعض ليالى الشهر فإذا نفد ذلك الزاد رجع إلى أهله فيتزود قدر ذلك ولم يكونوا فى سعة بالغة من العيش، وكان غالب أُدْمهم اللبن واللحم ، وذلك لا يُدَّخر منه كفاية شهر لئلا يسرع الفساد إليه ، ولاسيما وقد وصفه بأنه كان يُطْعم من يَرد عليه . (١) أى فتح البارى. انظر فتح البارى لابن حجر ٧/١٦ ( ط الحلبى). - ٣٣٠ - حتى : هنا على بابها ، من انتهاء الغاية ، أَى انتهى توجّهه لغار حراء بمجىء الملَك فترك ذلك . فجِئه : بفتح الفاء وكسر الجيم ثم همزة ويقال فَجأه بفتح الجيم ، لغتان ، أى جاءه الوحى . قاله النووى قال : فإِنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متوقعا للوحى(١). قال البُلْقينى: وفى إطلاق هذا النفى نظَر ، فإن الوحى كان جاءه فى النوم مرارًا ، واستدل بما رواه ابن إسحاق عن عُبَيْد بن عمير أنه صلى الله عليه وسلم وقع له فى النوم نظير ما وقع له فى اليقظة من الغطّ والأمر بالقراءة وغير ذلك . قال الحافظ : ففى كون ذلك يستلزم وقوعه فى اليقظة حتى يتوقعه نظر ، فالأَوْلى ترك الجزم بأحد الأمرين . الحقّ: قال الطيبي: أَى الأَمر الحق ، وهو الوحى أَو رسول الحق وهو جبريل . وقال الْبُلْقينى: أَى الأَمر البيِّن الظاهر أو المراد: الملَك بالحق، أَى الأَمر الذى بُعث به . فجاءه : الملَك : هو جبريل بلا خلاف كما قال البلقينى ، واللام فيه لتعريف الماهية لا للعهد ، إلا أَن يكون المراد به ما عَهده صلى الله عليه وسلم قبلَ ذلك ، لمَّا كلَّمه فى صِبَاه ، أو اللفظ لعائِشة وقصدت به ما يَعْهده من تخاطبه به . قال الإِسماعيلى: هى عبارة عما عُرف بعد أنه مَلَك، إنما الذى فى الأصل : فجاءه جاءٍ وكان ذلك الجائى ملكا ، فأخبر صلى الله عليه وسلم عنه يوم أخبر بحقيقة جنسه ، وكان الحامل على ذلك أنه لم يتقدم له معرفة به . وقال البلقينى : والفاء يحتمل أن تكون سببية أى حتى قضى بمجىء الوحى ، فبسبب ذلك جاءه الملَك . قال الحافظ : وهو أَقْرب من الذى قبله . وقال فى مكان آخر هذه الفاءُ تسمى التفسيرية وليست التعقيبية، لأَن مجىء الملَك ليس بعد مجىءٍ الوحى حتى يعقّب به بل هو نفسه ، ولا يلزم من هذا التقدير أن يكون من باب تفسير الشىء بنفسه ، بل التفسير عَيْن(٢) المفسّر به من جهة الإِجمال وغيره من جهة التفصيل . (١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٩٩/٢. (٢) ت، م : غاية المفسر به . - ٣٣١ - فقال ((اقرأ)): يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه والتيقظ لِمَا سَيُّلْقى إليه، وأن يكون على بابه من الطلب، ويحتمل أن صفة الأمر محذوفة أَى قل: اقرأ ، وإن كان الجواب ما أنا بقارىء فعلى ما فُهم من ظاهر اللفظ ، وكأن السر فى حذفها لئلا يتوهم أن لفظ قل من القرآن . قال أبو شامة: وقع فى الصحيحين الأَمر بالقراءة من غير ذِكْر المقروء وفى حديث ◌ُبَيْد بن عُمَير قال صلى الله عليه وسلم: ((فجاءتى وأَنا نائِم بنمَط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ)). ففى هذه الرواية بيان المقروء، إلا أَن الأَشْبه أن هذا المجىء غير الذى فى حديث عائِشة ، لأَن هذا صرّح فيه أنه كان فيه مناما وحديث عائِشة فى اليقظة . ما أنا بقارىء: وفى لفظ: (( ما أُحْسن أَن أَقرأَ)) فما نافية واسمها أنا وخبرها بقارىء ، ولو كانت استفهامية لم يَصْلح دخول الباء وإِن حكى عن الأَخفش جوازه فهو شاذٌ، والباء(١) زائدة لتأكيد النفى ، وتقدم فى التنبيه الثانى ما يدل على أنها استفهامية وجزم به بعض الشراح . فَغَطَّى : بعين معجمة فطاء مهملة أى عصرنى وضمنى، يقال غطَّه وغَنَّه بالغين المعجمة وضغطه وخنقه وغَمَره ، كله بمنى . وفى رواية الطبرى : فتَتَّنى بتاء مثناة فوقية . وفى رواية عند أبى داود الطيالسى: فأخذ بحَلْقی . حتى بلغ منى الجَهْد : يجوز فتح الجيم وضمها ، وهو الغاية والمشقة . ويجوز نصب الدال ونهمها أَى بلغ الغّطُّ منى الجهدَ أَى غاية وسعى فهو مفعول حُذف فاعله ، ويروى بضم الجيم والدال أَى بلغ منى الجهدُ مَبْلغه، فهو فاعل بَلَغ . نأَرسَلنى : أُطلقنى. فرجع بها : أى رجع مصاحبًا للآيات الخمس المذكورة يَرْجُف : بضم الجيم : يخفق ويضطرب . (١) ط : وأنها زائدة. - ٣٣٢ - الفؤاد: قال الزمخشرى : وسَط القلب ، سمى بذلك لتفؤُده أَى توقّده . وفسر الجوهرى القلب بالفؤاد ، ثم فسر الفؤاد بالقلب . قال الزركشي: والأحسن قول غيره أن الفؤاد غشاء القلب والقلب حبَّته وسویداؤه ، فإذا حصل للوعاء الرَّجَفان حصل لما فيه فيكون فى ذكره من تعظيم الأمر ما ليس فى ذكر القلب . ويؤيد الفرقَ قولُه صلى الله عليه وسلم ((أَلْيَن قلوبًا وأَرقُّ أَفئدة))(١). وهو أولى منّ قول بعضهم أنه كرّر لاختلاف اللفظ . بَوَادره : قيل المراد بها اللحمة التى بين المنْكِب والعنق ، وجرت العادة بأنها تضطرب عند الفَزع ، وعلى ذلك جرى الجوهرى أى اللحمة المذكورة سميت بلفظ الجمع وتعقبه ابن بَرِّى فقال : البوادر جمع بادرة وهى ما بين المنكب والعنق يعنى أنه لا يختص بعضو واحد، وهو جيد فيكون إسناد الرجضمان إلى القلب لكونه مَحلَّه، وإلى البوادر لأنها مَظْهره . خشيتُ علىّ : بالتشديد وفى رواية على نفسى . الرَّوْع : براء مفتوحة فواو ساكنة فعين مهملة : الفزع . والرّوع بضِم الراء موضع الفزع من القلب . كلّ: قال النووى تبعا لغيره: هى كلمة نفي وإبعاد وقد تأتى بمعنى حَقّاً وبمعنى الاستفتاح(٢). وقال القَزَّز: هى هنا بمعنى الردّ لِمَا خشى على نفسه، أى لاخشية عليك، ويؤيده أن فى رواية أبى مَيْسرة : فتالت معاذ الله . ومن اللطائف أن هذه الكلمة التى ابتدأت خديجة رضى الله تعالى عنها النطق بها عقب ما ذكّر لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم من القصة التى وقعت له ، هى التى وقعت عقب الآيات الخمس من سورة اقرأُ فى نَسق التلاوة، فجرَت على لسانها اتفاقاً لأنها لم تكن نزلت بعدُ ، وإِنما نزلت فى قصة أبى جهل ، وهذا هو المشهور عند المفسرين . (١) أى فى وصفه أهل اليمن بذلك فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا وأرق أفئدة)). (٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٢٠١/٢. --- ٣٣٣ - لا يُخْريك : مثناة تحتية مضمومة فمعجمة فزاى فمثناة تحتية . وفى لفظ : يُحْزنك بحاء مهملة فزاى فنون ثلاثيا ورباعيا ، قال اليزيدى : أُحزنه: لغة تميم ، وحَزَنه لغقم قريش والحزن(١) : الوقوع فى بلية وشهرة بذلة . نِينَوى: بنون، قال ياقوت فى ((المشترك)) بنون مكسورة، فمثناة تحتية ساكنة فنون فواو فأَلف قال ياقوت: بلد قديم كان مقابل مدينة الموصل خَرِب وقد بقى من آثاره شىء وبه كان قوم يونس وجرجس عليهما الصلاة والسلام ، وكذا وجد مضبوطا بكسر النون الأُولى فى نسخة صحيحة من كتاب ((الدَّيْل والصِّلة)) لكتاب التكملة للصَّغَانى وعليها خطُّه فى مواضع كثيرة . وقال أبو ذر : روى بضم النون وبفتحها وهو أَشْهر . قُدُّوس: بضم القاف وتفتح: الطاهر المَّزه عن العيوب والنقائص . وفعُول بالضم والتشديد من أبنية المبالغة . قال فى النور : والظاهر أن معنى هذا الكلام التعجب مثلماً يقول القائل : الله الله ويحتمل أن يريد: أنت قدوس أَى طاهر منزه عن المعاصى يشير بذلك إلى أنه نبيّ. عَداس : بعين مفتوحة فدال مشدّدة وآخره سين مهملات . الرَّحِم : القرابة وصلتها بالإِحسان إليها على حسب حال الواصل والموصول ، فتارة يكون بالمال وتارة بالخدمة وتارة بالزيارة وغير ذلك . الكَلّ: بفتح الكاف وتشديد اللام وهو الذى لا يستقلّ بأَمره أو الثِّقْل بكسر المثلثة وإِسكان القاف . تَكْسِب المعْدَوم : بفتح المثناة الفوقية : أَى تعطى الناسَ مالا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين ، يقال : كسَبْتُ الرجلّ مالاً واكتسبته بمعنى ، وقيل معناه تكسب المالَ المعدوم وتصيب منه ما لا يصيبه غيرُك وكانت العرب تتمادح بكسب المال لاسيما قريش ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبلَ البعثة محظوظا فى التجارة كما سبق بيان ذلك ، وإنما يصح هذا المعنى هنا إذا ضُمَّ إليه ما يليق به من أنه كان مع إفادته للمال يجود به فى الوجوه التى ذُ كرت من المكرمات . .(١) كذا ولعلها : الخزى . - ٣٣٤ - وفى رواية : بضم المثناة الفوقية ، من اكْتسبْتُ ، أَى تُكْسِب غيرَك المالَ المعدومَ أَى تتبرع له به ، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه ، أَو تعطى الناسَ مالا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق . والرواية الأُولى قال القاضى : أَصحُّ . وعلى الرواية الثانية قال الخطابي : الصواب المعدَم بلا واو أَى الفقير لأَن المعدوم لا يُكْسَب . وأجاب صاحب التحرير بأنه لا يمتنع أَن يُطَلّق على المعدَم المعدوم ، لكونه كالمعدوم الميت الذى لا تصرّف له . والكسب هو الاستفادة فكأنها قالت : إذا رغب غيرك أن يستفيد مالاً موجودا رغبتَ أَنت أن تفيد(١) رجلاً عاجزا فتعاونه . وقال قاسم بن ثابت فى الدلائل : تكسب المعدوم : معناه ما يَعْدمه غيرُه ويعجز عنه ويصيبه وهو يكسبه ، وأنشد على ذلك شاهدين من كلام العرب . وفى تهذيب الأزهرى عن ابن الأَعرابى : رجل عَدِيم : لا عقل له . ومعدوم : لامال له . قال الدَّمَامينى : كأنهم نزّلوا وجودَ من لا مال له منزلة العدم . تَقْرى الضيف: بفتح أوله بلا همز ثلاثيا قال الآبى: وسُمع بضمها رباعيا، أَى نَهِّىء له طعامه وشرابه . نوائب الحق: حوادثه . وإنما أضافت(٢) النوائب للحق لأنها تكون فى الحق والباطل ورَقة : بفتح الراء تنصر : صار نصرانيا . الجاهلية : ما كان قبل البعثة . فكان يكتب الكتاب العبرانى : وفى رواية : العربى . يكتب من الإنجيل بالعَبْرانية وفى رواية بالعربى والجميع صحيح ، لأن ورقة تعلم اللسان العبرانى والكتابة العبرانية فكان يكتب الكتاب العبرانى كما كان يكتب الكتاب العربى لتمكنه من الكتابين واللسانين . (١) ط : تستفيد. (٢) أى خديجة رضى الله عنها . - ٣٣٥ - يا بن عم : هذا نداء على الحقيقة. ووقع فى مُسْلم: يا عم. قال الحافظ: وهو وَهْم لأَّنه وإن كان صحيحا لجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدّد ومَخْرجها مُتَّحد فلا يُحمل على أنها قالت ذلك مرتين ، فتعيَّن الحَمْلُ على الحقيقة . الناموس : صاحب السر ، كما جزم به البخارى فى أحاديث الأنبياء ، يقال نَمَسْت السُّرِّ بفتح النون والميم أَنْمِسه بكسر الميم نّمْسًا: كتمته. وذَمسْتُ الرَّجُل ونامَسْته: سارَرْته: قال الحافظ : وزعم ابن ظفَر وغيره أَن الناموس صاحب سر الخير ، والجاسوس صاحب سر الشر، والأُول الصحيح الذى عليه الجمهور وقد سَوَّى بينهما رُؤْبةِ بن العَجَّاجِ أَحد فصحاء العرب. والمراد بالناموس هنا جبريل عليه الصلاة والسلام وسمى بذلك لأن الله تعالى خصَّه بالغيب والوحى . يا ليتنى فيها : أى أيام الدعوة . جَذَعا : بفتح الجيم والذال المعجمة ، وروى فى الصحاح بفتح العَيْن وبضمها قال ابن بَرّى : التقدير يا ليتنى جُعلت فيها جذعا . وقيل النصب على الحال إذا جعلت فيها خبر ليت ، والعامل فى الحال ما يتعلق به الخبر من معنى الاستقرار ، قاله القاضى والسُّهيلى. قال النووى : وهو الصحيح الذى اختاره أَهلُ التحقيق والمعرفة من شيوخنا . والجدّع : الصغير من البهائم كأَّنه تمنى أن يكون عند ظهور النبى صلى الله عليه وسلم شابًا ليكون أَمْكَن لنصره . أَوَ مُخْرِجِىَّ هم : بفتح الواو وتشديد الياء وفتحها جمع مُخْرِج ، فالياءُ الأُولى ياء الجمع والثانية ضمير المتكلم ، وفتحت للتخفيف لئلا يجتمع الكسر والياءان بعد كسرتين ، فهُمْ : مبتدأ مؤخر ، ومُخْرجىّ : خبرٌ مقدّم . إلا ◌ُعُودِىَ : وفى رواية : إلا أُوذِىّ . لَتُكَذَّبنه، إلى آخره: قال السهيلى لا ينطق بهذه الهاء إلا ساكنة لأنها ماء السكت وليست بهاء إضمار ، وقال الخُشَى: الهاء للسكت . كذا جاءت الرواية بسكونها ، ويحتمل أن تكون ضميرا منتصبا بالفعل ولكن كذا جاءت الرواية . - ٣٣٦ - مؤزَّرا - بالهمز للأكثر وتشديد الزاى بعدها راء من الثَّأْزِير والتقوية وأصله من الأَزْر، والصواب موزَرا بغير هَمْز من وازَرْتُه مُوَازرةً إذا عاونْته، ومنه أُخذ وزير الملِك ، ويجوز حذف الأَّلف فتقول نصرًا مُوزَرا . قال الحافظ ويرد عليه قول الجوهرى : آزرت فلانا عاونته ، والعامة تقول وازَرْته . وقال الإِمام أبو شامة: يحتمل أن يكون من الإزار ، أشار بذلك إلى تَشْميره فى نُصْرته . قال الأخطل : قومٌ إِذا حاربوا شدوا مآزرهم(١). البيت. اليافُوخ - بمثناة تحتية فهمزة ففاء فواو فخاءٌ معجمة : وسط الرأس ، يقال فى رأس الطفل حتی یشتد . لم يَنْشَب - بفتح الشين المعجمة أَى لم يلبث، وأَصل النُّشوب التعلُّق، أى لم يتعلق بشىء من الأمور حتى مات . # # (١) ديوان الأخطل ص ١٢٠ ( النسخة المصورة بقطر). - ٣٣٧ - (٢٢ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) الباب التاسع فی کیفیة إنزال الوحى قال الله سبحانه وتعالى: ((شهرُ رمضانَ الذى أُنْزِل فيه القرآن)» وقال الله تبارك وتعالى: (إِنَّا أَنزِلناه فى ليلةِ القَدْرِ)) . وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : فُصل القرآن من الذِّكْر ودُفع إلى جبريل فوضعه فی بیت العِزَّة من السماء الدنيا فى ليلة القدر جملةً واحدة ، و کان الله ينزله علىرسوله بعضَه إِثر بعض نُجُوما على مَوَاقع النجوم رُسُلا لجواب كلام العباد وأعمالهم فى عشرين سنة ثم قرأ(١): ((ولا يأُتونك بمثَل إِلا جِثْناك بالحقِّ وَحْسَنَ تفسيرا. وقر آنًا فرقْناه لتقرأه على الناسٍ على مُكْثٍ ونزَّلناه تنزيلا)» . رواه الحاكم والبيهقى من طريق سعيد بن جُبَيْر ، والنسائى وابن أبى حاتم والحاكم والبيهقى من طريق آخر ، والطبرانى من طريق آخر ، والبزَّار من طريق آخر ، وابن أبى شَيْبة من طريق آخر . رسلا : أَى رفقاء . على مواقع النجوم: أَى على مثلٍ مَساقطها ، بريد: أنزل مُفَرَّقًا يتلو بعضه بعضا على تُودة ورفْق . وهذا . قال الزركشيّ فى البرهان والشيخ فى الإتقان: إنه الأَّصحَّ الأَشهر، وقال الحافظ فى الفتح: إنه الصحيح المعتمد(٢). وقيل : إنه نزل إلى سماء الدنيا فى عشرين ليلة قَدْر أو ثلاثٍ وعشرين ، أَو خمس (١) ت، م : ثم قال. (٢) البرهان للزركثى ٢٣١/١ ((تحقيق الأستاذ أبو الفضل إبراهيم)) والإتقان السيوطى ١٢١/١ (تحقيق الأستاذ. أبو الفضل إبراهيم) وفتح البارى ٣٧٨/١٠ . - ٣٣٨ - وعشرين فى. كل ليلة ما يقدِّر الله تعالى إنزاله فى كل سنة ، ثم نزل بعد ذلك منجما فى جميع السنة . وقيل إنه ابتدئُ إِنزاله فى ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما فى أوقات مختلفات . وقيل إنه نزل من اللوح المحفوظ جملةً واحدة ، وإن الحفظة نزلته على جبريل فى عشرين ليلة ، ونجِّمه جبريلُ على النبى صلى الله عليه وسلم فى عشرين سنة . تَنْيَهَاتُ الأول : قيل : السّرّ فى إِنزاله جملةً إلى السماءِ تفخيم أمره وأمر من أنزل عليه ، وذلك بإعلام سُكَّان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأَشرف الأُ مم قد قرَّبناه إليهم لتنزله عليهم ، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجِّما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله ، ولكن الله بايَن بينه وبينها فجعل له الأمرين : إنزاله جملة ثم إنزاله مفرَّقا تشريفا للمنَزَّل عليه . ذكر ذلك أبو شامة رحمه الله تعالى . وقال الحكيم الترمذى رحمه الله تعالى: إِنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا تسلما منه للأُمة ما كان أَبْرَز لهم من الحظِّ بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أَن بعثته كانت رحمة ، فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد وبالقرآن ، فوضع القرآن ببيت العزّة فى السماء الدنيا ليدخل فى حد الدنيا، ووضعت النبوة فى قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وجاء جبريل بالرسالة ثم الوحى ، كأنه أراد تعالى أن يسلّم هذه الرحمة التى كانت حَظَّ هذه الأُمة من الله تعالى إلى الأُمة . وقال الإِمام أبو الحسن السَّخَاوى فى ((جمال القرآن)). فى نزول القرآن إلى السماء جملةً تكريمُ بنى آدم وتعظيم شأنهم عند الملائكة وتعريفهم عنايةً الله بهم ورجمته لهم ، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة أَن تشيِّع سورةَ الأنعام ! وزاد سبحانه فى هذا المعنى بأن أمر جبريلَ بإِملائِه على السَّفَرة الكِرام وإنْساخهم إياه وتلاوتهم له . - ٣٣٩ - قال : وفيه أيضا التسوية بين نبينا وبين موسى فى إنزال كتابه جملةً ، والتفضيل لمحمد صلى الله عليه وسلم فى إنزاله عليه منجَّما ليحفظه . ٠٠ الثانى : قال أبو شامة رحمه الله تعالى: الظاهر أنه نزل جملةً إلى السماء الدنيا قبل ظهور نبوته صلى الله عليه وسلم ، قال : ويحتمل أن يكون بعدها. قال الشيخ رحمه الله تعالى : والظاهر الثانى . وسياق الآثار السابقة عن ابن عباس صريح فيه . وقال الحافظ: قد أخرج أحمد والبيهقى فى الشعب(١) عن واثلة بن الأسقع أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ((أنزلت التوراة لستَّ مضَيْن من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه، والزبور لثمان عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه(٢)). وفى رواية: ((وصُحف إبراهيم لأول ليلة)). قال: وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى: ((شهرُ رمضانَ الذى أُنْزل فيه القرآنُ)) (٣). ولقوله ((إنا أنزلناه فى ليلةِ القَدْر (٤)) فيحتمل أن تكون ليلة القدر فى تلك السَّنة كانت تلك الليلة ، فأُنزل فيها جملةً إلى السماء الدنيا، ثم أُنزل فى اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول ((اقرأ باسم ربك)). قال الشيخ : لکن یُشْکل علی ھذا ما اشتهر من أَنه بُعث فی شھر ربيع الأول . ويجاب عن هذا بما ذكروه أنه صلى الله عليه وسلم نبِّئْ أَولا بالرؤيا فى شهر مولده، ثم كانت مدتها ستة أشهر، ثم أوحى إليه فى اليقظة ، ذكره البيهقى وغيره . (١) غير ط: فى المبعث. (٢) مسند أحمد ١٠٧/٤. وسيرة ابن كثير ٣٩٣/١. (٣) سورة البقرة ١٨٥. (٤) سورة القدر ١ . - ٣٤٠ --