النص المفهرس
صفحات 301-320
آذَن: بمد الهمزة : أَعْلَم . النّهَّجْ: بفتح النون وإسكان الهاء وبالجيم : قال فى النُّور : أَى البلاء .. فلله ماصومى : ما فى البيت مكررة زائدة فى الموضعين ، وتقديره فلله صومى وحجى . ناجية : سريعة . أَمُون : أَى مأُمون . الحُزون جمع حَزْن : ما غلظ من الأرض . المُزْجِى : السائق . المطية : البعير ، فعِيلة بمعنى مفعولة لأنه يركب مَطاه أى ظهره ، ذكرا كان أو أُنى . الليل الأَجّمّ : الطويل . دُجُنَّات الظُّلم : بضم الدال المهملة والجيم وتشديد النون جمع دُجنة ، وهى الظلمة . والدياجى : الليالى المظلمة . الحبور : السرور . السَُّمىّ : بضم السين المهملة . ضِمَار: بضاد ساقطة معجمة مكسورة فميم مخففة فألف فراء مكسورة، ووقع فى بعض نسخ السيرة بضم الضاد . أُوْدَى : بدال مهملة : هلك . زُمَيّل بالتصغير ويقال زمْل بكسر (١) الزاى وإسكان الميم وباللام . العُذْرى : بعين مهملة مضمومة فذال معجمة فراء فياء نسب . خُمَام : بخاء معجمة مضمومة فميم مخففة . الشِّرك بالنصب مفعول والإِسلام فاعل . هالَنا : أَفزعنا . (١) الذى فى القاموس: وزمل - مضبوطا بفتح الزاى بالقلم - أوزميل - مصغرا - ابن ربيعة أو ابن عمرو بن أبى العنز بن خشاف ، صحابى . - ٣٠١ - أَعْمل الناقةَ : حَّها وساقها . نَصَّها : بنون مفتوحة وصاد مهملة مشددة يقال نصَّ فى سيره: دفع وأسرع. والنصّ منتهى الغاية . الحَزْن : بحاء مهملة مفتوحة فزاى ساكنة فنون وهو ما غلظ من الأرض . قَوْزًا بقاف مفتوحة فواو ساكنة فزاى وهو الكثيب الصغير ، عند أبى عُبَيْدة ، والجمع أَقْواز وقيزان . وفى النهاية : القَوْز بالفتح : العالى من الرمل كأنه جبل . حَبْلًا : بالحاء المهملة واحد الحِبال قال فى النور : والظاهر أَنّ مراده العهد والميثاق فإنهما يقال لهما حَبْل(١). أَدِين له : بفتح الهمزة وكسر الدال : أُطيع وأخضع . (١) وذلك على سبل المجاز، ومنه قوله تعالى: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً)). - ٣٠٢ - الباب الخامس فى قدر ◌ُمْر النبى صلى اللهعليه وسلم وقت بعثته وتاريخها قال الإمام النووي رحمه الله تعالى فى شرح مسلم: الصواب أنه صلى الله عليه وسلم بُعث على رأس الأربعين سنة ، هذا هو المشهور الذى أَطبق عليه العلماء(١). وقال السُّهيلى رحمه الله تعالى: إنه الصحيح عند أهل السير والعلم بالأثر(٢). وحكى القاضى عن ابن عباس وسعيد بن المسيّب رواية شاذة أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين . والصواب الأَّول. وقال شيخ الإِسلام البُلْقينى رحمه الله تعالى : كان سن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه جبريل فى غار حراء أربعين سنة على المشهور . وقيل ويوماً . وقيل وعشرة أيام . وقيل وشهرين وقيل وسنتين وقيل وثلاثة . وقيل وخمس . قال : وكان ذلك يوم الإثنين نهارا . واختلف فى الشهر. فقيل شهر رمضان فى سابع عَشْره وقيل سابعه . وقيل رابع عشره . وقال الحافظ : ورمضان هو الراجح لما سيأتى من أنه الشهر الذى جاور فيه فى حراء فجاءه الملك. وعلى هذا يكون سِنّه حينئذ أربعين سنة وستة أشهر. وقيل فى سابع عشر شهر رجب . وقيل فى أول شهر ربيع الأول . وقيل فى ثامنه . وعند أبى داود الطيالسى ما يقتضى أنّ مجىء جبريل لرسول الله عليهما الصلاة والسلام فى حراء كان فى آخر شهر رمضان . قال الحافظ : ولعله الراجح . وروى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة (٣). (١) شرح النووي على صحيح مسلم جـ ١٥ ص ٩٩ (ط المصرية) (٢) الروض الأنف ١٦١/١. (ط الجمالية). (٣) صحيح البخارى كتاب المناقب باب رقم ٢٣ وسنن الترمذى كتاب المناقب باب رقم ٤. - ٣٠٣ - تَبْيَهَاتٌ الأول : قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد: بعثه الله تعالى على رأس الأربعين وهى سن الكمال. قيل : ولها تُبعث الرسل. وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون فهذا لا يُعرف به أثر متصل يجب المصير إليه(١). انتهى . والأمر كما قال ، فإن ذلك يُروى عن وهب بن منبُّه قال: إن النصارى تزعم . فذكر الحديث إلى أن قال : وأنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة رواه الحاكم . وفى سنده عبد المنعم بن إدريس كذَّبوه ، ولو صح سنده فإِنه عن النصارى كما ترى . وعن (٢) الحسن رواه ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشْر وهو كذَّاب يضع(٣)، لكنه قال ابن أربع وثلاثين . ورواه الحاكم عن سعيد بن المسيّب وفى سنده على بن زيد وهو ضعيف. ويأتى فى الوفاة النبوية أحاديث صحيحة تدل على أنه زُفع وهو ابن مائة وعشرين سنة . ٠٠٠ الثانى: قال ابن الجوزى: حديث ((ما من نبى نُبِّى إلا بعد الأربعين)) موضوع. لأن عيسى عليه الصلاة والسلام نُبِّى ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فاشتراط الأربعين فى حق الأنبياء لیس بشىء. انتهى . وما ذكره فى قَدْر عمر عيسى لما رفع يردُّه ما سبق عن ابن القيم وسيأتى فى أبواب الوفاة حديث عائشة أَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى مرضه الذى توفى فيه لفاطمة إن جبريل كان يُعَارضى القرآن فى كل عام مرة، وإنه عارضى بالقرآن العام مرتين (١) زاد المعاد ١٨/١ ( ط الحسينية). (٢٠) أى ويروى عن الحسن أيضا. (٣) اسحق بن بشر بن مقاتل، أبو يعقوب الكاهلى الكوفى، قال مطين: ما سمعت أبا بكر بن أبى شيبة كذب أحدا) إلا إسحق بن بشر الكاهلى . وقال الفلاس : متروك. قال الدارقطنى: هو فى عداد من يضع الحديث . انظر ميزان الاعتدال ١٨٦/١ ( تحقيق البجاوى) - ٣٠٤ - وأخبرنى أنه لم يكن نبى إلا عاش نصف عمر الذى كان قبله وأخبرنى أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة ولا أرانى إِلا ذاهبا على رأس الستين . رواه الطبرانى ورجاله ثقات وله طرق تأتى فى الوفاة . ٠ ٠٠ والمشهور عند الجمهور كما قال الحافظان ابن كثير وابن حَجَر أنه صلى الله عليه وسلم بُعث فى شهر رمضان(١). وصححه الإِمام علاء الدين على بن محمد الخازن. زاد الحافظ : لما تقدم أنه الشهر الذى جاء فيه إِلى حراء فجاءه الملك . وعكس ابن القيم فقال فى زاد المعاد : قيل إنه بعث لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل . وهذا قول الأكثرين . ثم حكى أنه كان فى رمضان . وجمع بعضهم بين القولين بأنه صلى الله عليه وسلم نبِّئ بالرؤيا فى شهر مولده ثم كانت مدتها ستة أشهر ثم أُوحى إليه فى اليقظة. ولهذا مزيد بيان فى التنبيه السابع من الباب الثامن . . # وكان ذلك(٢) يوم الاثنين . وروى مسلم عن أبى قتادة رضى الله تعالى عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال: ((ذاك يومٌ ولدتُ فيه وفيه بعثت أَو قال أَنزل علىّ فيه (٣))). وروى محمد بن عمر الأَسْلَمّى ، عن أبى جعفر الباقر قال : كان ابتداء الوحى إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان . وروى الإمام أحمد وابن جرير والطبرانى والبيهقى فى الشُّعب عن واثلة بن الأسْفَع رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أُنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لستُّ مضين من رمضان وأُنزل الإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأُنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان (٤))). (١) السيرة النبوية لابن كثير ٣٩٢/١. (٢) أى البعث . (٣) صحيح مسلم كتاب الصيام حديث رقم ١٩٧. ومسند أحمد ٢٩٧/٥، ٢٩٩. (٤) مسند أحمد ١٠٧/٤. وسيرة ابن كثير ٣٩٣/١. - ٣٠٥ - (٢٠ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) الباب السادس فى ابتدائه صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة وسلام الحجر والشجر عليه ، زاده الله فضلا وشرفًا لديه قالت عائشة رضى الله تعالى عنها : أول ما يُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصالحة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَق الصبح. رواه البخارى(١) . وروى أبو نعيم عن على بن الحسين رضى الله عنه وعن آبائه قال : إِنْ أَول ما أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة ، فكان لا يرى شيئًا فى المنام إلا كان كما رأى . وروى أيضاً عن علقمة بن قيس قال إن أول ما يؤتى به الأنبياء فى المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحى(٢). وروى أيضاً البيهقى عن الزهرى رحمه الله تعالى قال: بلغنا أَن أَول ما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أَراه رؤياً فشقَّ ذلك عليه فذكرها لخديجة فقالت أَبْشر فإِن الله لن يصنع بك إلا خيرًا(٣). ٠ وروى ابن سعد عن بَرَّة بنت أبى تِجْراة - بكسر الفوقانية وسكون الجيم - قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حين أراد الله كرامته وابتدأَه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أَبْعَد حتى لا يرى بيتًا ويُفْضى إلى الشعاب وبطون الأودية فلا يمرّ بحجَر ولا شجر إلا قال : السلام عليك يا رسول الله . وكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدًا(٤). (١) صحيح البخارى كتاب بدء الوحى . (٢) سيرة ابن كثير ٣٨٨/١. قال ابن كثير: وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه، وهو كلام حسن ، يؤيد ما قبله ويؤيده ما بعده . والخصائص الكبرى ٢٣١/١. (٣) الخصائص الكبرى ٢٣١/١، بسياق مطول، عن البيهقى وأبى نعيم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهرى. هذا ويظهر أن المؤلف كان يعتمد على الخصائص الكبرى للسيوطي فينقل عنها ناسبا الرواية إلى مصدرها . (٤) طبقات ابن سعد ١٥٧/١ ( ط بيروت). - ٣٠٦ - وروى الإمام أحمد ومسلم عن جابر بن سَمُرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنى لأُعرف حجَرا كان يسلم علىّ قبل أن أُبْعث إنى لأعرفه الآن (١))). وقال عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان العلاء بن جارية - بجيم وراء - الثقفى ، وكان واعيةً ، عن بعض أهل العلم ، أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله تعالى كرامته وابتدأَه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تُحْسَر عنه البيوت ويفضى إلى شعاب مكة وأوديتها فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله . فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة وهى تحِّيه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله . رواه ابن إسحاق(٢) . وروى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه رحمهما الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا خديجة إِنى أرى ضوءاً وأسمع صوتًا لقد خشيت أن أكون كاهنًا . قالت : إِن الله تعالى لا يفعل ذلك بك إنك تَصْدق الحديث وتؤدى الأمانة وتصِل الرحم (٣). وروى ابن الجوزى عن ابن عباس قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة : سبعاً يرى الضوء والنور ويسمع الصوت ، وثمانى سنين يوحى إليه(٩). وقال الخازن : وهذا إن صح فيحمل على سنتین قبل النبوة فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه من تباشير النبوة ، وثلاث سنين بعد النبوة قبل إظهار الدعوة وعشر سنين مُعَلنا بالدعوة بمكة . (١) صحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ٢. ومسند أحمد ٨٩/٥، ٩٥، ١٠٥. (٢) سيرة ابن هشام ٢٣٤/١. (٣) طبقات ابن سعد ١٩٥/١ (ط بيروت). ( ٤) الوقاص ١٦٠. -:: ٣٠٧ - تنبشَيْهَاتٌ الأول: قال السُّهيلى: فى بعض المُسْنَدات أن هذا الحجر الذى كان يسلّم على النبى صلى الله عليه وسلم هو الحجر الأسود . وهذا التسليم الأَظهر فيه أن يكون حقيقة ويكون الله تعالى أَنطقه إنطاقًا، كما خلق الحَنِين فى الجِذْعِ . ولهذا مزيد بيان فى المعجزات . الثانى: قال القاضى وغيره رحمهم الله تعالى: وإنما ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يَفْجأَّه الملك ويأتيه بصريح النبوة بَغْتة فلا تحملها القُوى البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة ومن صدق الرؤيا وماجاء فى الحديث الآخر من رؤية الضوء وسماع الصوت وتسليم الحجر والشجر عليه بالنبوة حتى استشعر عظيمَ ما يراد به واستعد لما ينتظره فلم يأُنّه الملك إلا بأمر عنده مقدِّماتُه. - ٣٠٨ - الباب السابع فيما ذكر أَن إسرافيل قُرن به قبل جبريل صلى الله عليه وسلم روى الإمام أحمد فى تاريخه بسند صحيح عن عامر الشَّعْبى قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة ، فقُرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين ، فكان يعلّمه الكلمةَ والشىء ، ولم ينزل القرآن على لسانه ، فلما مضت ثلاثُ سنين قُرن بنبوته جبريل ، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة ، عشرًا بمكة وعشرًا بالمدينة ، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة (١) وهذا يقتضى أَن إسرافيل قُرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين ، ثم جاءه جبريل. قال الإمام أبو شامة رحمه الله تعالى: وحديث عائشة - أَى الآتى فى الباب بعده - لا ينافى هذا فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا، ثم وكل به إسرافيل فى تلك المدة التى كان يخلو فيها بحراء فكان يُلْقَى إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجًا وتمرينًا، إِلى أَن جاءه جبريل فعلَّمه بعد ما غَطَّه ثلاث مرات . فحكَتْ عائشةُ ما جرى له مع جبريل ولم تحك ما جرى له مع إسرافيل اختصارًا للحديث ، أَو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل . انتهى . وذكر بعض العلماء فى حكمة مجىء إسرافيل إليه أنه المؤكَّل بالنفخ فى الصُّور ، والنبى صلى الله عليه وسلم بُعث قُرْب الساعة وكانت بعثتُه من أشراطها ، فُبُعث إسرافيل لهذه المناسبة ولم يُبعث إلى نبيّ قبله . وقد أَنكر الواقدى رحمه الله تعالى خبر الشَّعْبى وقال : لم يُقْرَن به من الملائكة إلا جبريل . (١) طبقات ابن سعد ١٩١/١، والخصائص الكبرى ٢٢١/١. والوفا ١٧٢/١. وقال ابن سعد بعد أن أورد هذا الخبر : فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر - يريد الواقدى - فقال: ليس يعرف أهل العلم ببلدتنا أن إسرافيل قرن بالنبى صلى الله عليه وسلم .. لم يقرن به غير جبريل. - ٣٠٩ - قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، فإن المثبت مقدَّم على النافى إلا إِن صَحِب النافى دليلٌ نفيه فيقدَّم . انتهى . قال الشيخ رحمه الله تعالى فى فتاويه : فد ورد ما يُوهى أَثْرَ الشَّعْبى، وهو ما رواه مسلم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: بَيْنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا من السماء من فوق فرفع جبريلُ بصره إلى السماء فقال : يا محمد هذا ملَك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط . قال فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال : أَبشر بنورَين أُوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفًا منها إلا أوتيتَه(١). قال جماعة من العلماء إن هذا الملك إِسرافيل . انتهى كلام الشيخ . وروى الطبرانى والبيهقى فى الزهد بسند حسن عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وجبريلُ على الصفا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياجبريل والذي بعثك بالحق ما أمسَى لآل محمد سَفَّة دقيق ولا كَفُّ من سَوِيق. فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هَدَّة من السماء أَفزعته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الله القيامة أن تقوم ؟ فقال : لا ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حتى يسمع كلامك فأَتاه إسرافيل فقال : إن الله تعالى بعثنى إليك بمفاتيح خزائن الأرض وأمرنى أن أَعرض إليك أسيِّر معك جبال تهامة زمرداً وياقوتًا وذهبا وفضة . فقلت : فإن شئت نبيًّا مَلِكًا وإن شئت نبيًا عبداً ؟ فأَوما إليه جبريل: أَن تواضعْ. فقال بل نبيًّا عبدًا. ثلاثا . ورواه ابن حبان فى صحيحه مختصراً من حديث أبى هريرة ولفظه: جلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإِذا ملك ينزل فقال له جبريل : هذا الملك ما نزل منذ خُلق قبلَ الساعة . وذكر الحديث . فظهر أَن المعتمد ما مشَى عليه الواقدى رحمه الله تعالى . (١) صحيح مسلم كتاب المسافرين حديث رقم ٢٥٤. - ٣١٠ - الباب الثامن فی کیفیة بدء الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ورد ذلك من حديث : خديجة رضى الله تعالى عنها . رواه البيهقى . وعائشة رضى الله تعالى عنها . رواه الشيخان . وعُبَيْد بن عمير الليثى . رواه ابن إِسحاق . وابن الجوزى فى الوفا . وسعيد بن المسيّب . رواه موسى بن عقبة . وسليمان بن طرخان التيمى . رواه أبو نعيم وابن عساكر . وعمرو بن شُرَحْبيل . رواه البيهقى وأبو نعيم . وابن شهاب . رواه أبو نعيم والبيهقى . وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رواه الدُّولاني : أَن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصالحة - وفى رواية: الصادقة - فى النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَق الصبح، فرأى وهو بمكة أَن آتٍ أَراه ومعه صاحبان له فنظروا إليه فقالوا : هو هو ولم يَأْنِ له بعدُ . فهالَه ذلك وذكره لعمه فقال : يا بن أخى ليس بشىء ، حلمْتَ . ثم رجع إليه بعد ذلك فقال : يا عم سطا بى الرجلُ الذى ذكرتُ لك فأدخل يده فى جوفى حتى أجدَ بَرْدَها. فخرج به عمه إلى رجل من أَهل الكتاب يتطيِّب بمكة فحدَّثه حديثه وقال عالجْه فصوَّب به وصعَّد وكشف عن قدميه ونظر بين كتفيه وقال : ياعبد مناف ابنك هذا طَيِّب طيب ، للخير فيه علامات ، إِن ظفرتْ به يهودُ قتلَتْه، وليس الرَّئِىّ(١) من الشيطان ولكنه من النَّوَاميس الذين يتحسَّسون القلوب للنبوة . فرجع به . (١) ط : وليس الرؤيا . - ٣١١ - ثم رأَى فى منامه أن سقف بيته نُزعت منه خشبة وأُدخل فيه سُلَّم من فضة ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمُنع الكلام فقعد أحدهما إليه والآخر إلى جنبه ، فأَدخل أَحدهما يده فى جنبه فنزع ضلْعين منه، فأَدخل يده فى جوفه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجد بَردَها فأَخرج قلبه فوضعه على كفه فقال لصاحبه : نِعْم القلبُ قلب رجل صالح فطهّر قلبه وغسله ثم أَدخل القلبَ مكانه وردَّ الضلعين ، ثم ارتفعا ورفعا سلمهما فإِذا السقف كما هو ، فذكر ذلك لخديجة بنت خويلد فقالت له : أبشر فإن الله لا يَصْنع بك إلا خيرا هذا خير فأبشر (١) . وفى حديث عُبَيْد بن عُمَيْر أَنه صلى الله عليه وسلم رأى فى منامه أَيضا جبريلَ ومعه نَمط من ديباج فيه كتاب فقال له اقرأْ، فقال له : ما أَقرأ. فغتَّه به حتى ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الموت ، ثم أَرسله فقال: اقرأ . قال: ما أَقرأ . فعتَّه به حتى ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الموت، ثم أَرسله فقال له اقرأ. قال: ماذا أَقرأ - ما قال ذلك إلا افتداء منه أن يعود إليه بمثل ما صنع - قال: ((اقرأ باسم ربك الذى خَلَق. خلق الإِنسانَ من عَلَتى. اقرأ وربُّك الأَكرم الذى علَّم بالقلم علَّم الإِنسان ما لم يعلم)). فقرأَهلـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتهى فانصرف جبريلُ وهبَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من نومه ، قال : فكأَّما كتب فى قلبى كتابا . فذكر ذلك لخديجة فقالت: أَبشر فإن الله لا يصنع بك إِلاَّ خيرا . ثم حبِّب إليه الخلاء فكان يَخلُو شهرَ رمضان بغار حِرَاء - وفى لفظ يلحق - ومعه أَهلُه فيتحنَّث - وفى لفظ: فيتحنَّف - فيه وهو التعبّد الليالى ذوات العَدَد قبل أَن يَنْزِع - وفى لفظ : يَرْجع - إِلى أَهله ويتزود لذلك ويُطْعم من جاءه من المساكين ، فإذا رجع من جواره كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة ، فيطوف بها سَبعا أَو ما شاء الله ، ثم يرجع إلى بيته فيتزوَّد لمثلها . فقال لخديجة يوما : لمّا قضيتُ جوارى هبطت فنوديت فنظرت عن يمينى فلم أرشيئًا (١) الخصائص الكبرى ٢٣٣/١. - ٣١٢ - فنظرت عن شمالى فلم أر شيئًا فرفعت رأسى فرأيت شيئًا بين السماء والأرض فقلت: دَثِّرونى دثرونى وصُبُّوا علىّ ماء باردًا . وفى رواية أبى الأسود عن عروة عن عائشة قالت : كان أول شأَنْه يَرَى فى المنام ، وكان أول ما رأى جبريلَ بأَجيّاد وصرخ جبريل: يا محمد أَنا جبريل. فنظر يمينًا وشمالا فلم ير شيئًا فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال : يا محمد أنا جبريل ، فهرب فدخل فى الناس فلم ير شيئًا، ثم خرج عنهم فناداه ثم هرب ثم استعلَن جبريلُ من قِبَل حِرَاء. انتهى . وفى رواية : إنى إذا خلوتُ وحدى أرى ضوءًا وأسمع نداء : يا محمد أَنا جبريل. وقد واللّه خشيتُ أن يكون هذا أمرًا . فقالت : معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك ، إنك لتؤدى الأَمانة وتصِل الرَّحم وتَصْدق الحديث. فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجةُ حديثَه له وقالت : اذهب مع محمد إِلى ورَقة بن ذَوفل فإِنه رجل يقرأ الكتب فيذكر له ما يسمع . فانطلقًا إِليه فقصًا عليه فقال : إِذا خلوتُ وحدى سمعت نداء خلفى : يا محمد أَنا جبريل . فأَنطلقُ هاربا . فقال ورقة : سُبُّوح سبوح ! وما لجبريل يُذْكر فى هذه الأرض التى يُعبد فيها الأوثان ، جبريل أَمين الله تعالى على وحيه بينه وبين رُسُله، لا تفعل إذا أَناك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم انتنى فأخبرنى . فخرج ذات ليلة فسمع : السلام عليكم قال فظنها فجأةً الجن ، فجاء مسرعا حتى دخل على خديجة فقالت: ما شأنك فأخبرها ، فقالت أبشر فإِن السلام خير . فخرج مرة أُخرى إلى حِراء . قال : فخرجتُ حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد أَنت رسول الله وأنا جبريل . فرفعت رأسى إلى السماء أَنظر فإذا جبريل فى صورة رجل صافٍّ قدميه فى أفق السماء فرفعت أَنظر إليه فما أَتقدم وما أَنأُخر وجعلت أَصْرف وجهى عنه فى آفاق السماء فلا أَنظر فى ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا ما أتقدم. أَمامى وما أَنأَخر(١) ورائى حتى بعثت خديجة رسلَها فى طلبى فبلغوا مكةَ ورجعوا إليها وأنا واقف فى مكانى ذلك ثم انصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يا أبا القاسم أين كنت ؟ فوالله (١) ط : وما أرجع. - ٣١٣ - لقد بعثتُ رسلى فى طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إلىّ. ثم حدَّثْتُها بالذى رأيت فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت ، فوالذى نفسى بيده إنى أَرجو أن تكون نبيَّ هذه الأُمة . ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة فأخبرته بما أخبرها به فقال ورقة : قُدُّوس قدوس والذى نفسى بيده لئن كنتِ صدَقْتِينى يا خديجة لقد جاءه الناموسُ الأكبر الذى كان يأتى موسى ، وإنه لَنِىُّ هذه الأُمة ، فقول له فليثبت . فرجعت خديجةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتْه بقول ورقة ، فلما قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جوارَه وانصرف صنع كما كان يصنع ، بدأَ بالكعبة فطاف فلقيه ورقةُ فقال له : يا بن أَخِى أَخبرنى بما رأَيتَ وسمعت. فأخبره فقال له ورقة : والذى نفسى بيده إنك لنبيّ هذه الأُمة ولقد جاءك الناموسُ الأَكبر الذى جاء موسى ولتُكذَّبنه ولتقاتَلنَّه ولتُؤْذَينَّه، ولئن أدركت ذلك لأَنصُرنَّ الله نصرًا يعلمه. ثم أَدْنَى رأْسَه منه فقبَّل يافوخَه(١) . وقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بن عم أَتستطيع أن تخبرنى بصاحبك هذا الذى يأتيك إِذا جاءك ؟ قال : نعم . قالت : فإِذا جاءك فأخبرنى به . فجاءه جبريل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا خديجة هذا جبريل قد جاءنى فقالت: قم يابن عمى فاجلس على فخذى اليسرى . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها ، فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم. قالت : فتحوَّلْ فاقعد على فخذى اليمنى فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى فقالت: هل تراه؟ قال نعم . فحسَرت فأَلْقَتْ خِمَارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فى حِجْرها ثم قالت : هل تراه ؟ قال : لا . قالت يابن عم اثبت وأَبْشر فوالله إِنه لَمَلك ماهذا شيطان(٢). قال البرَاء بن عازِب رضى الله تعالى عنه : عَرَض جبريلُ للنبى صلى الله عليه وسلم ليلةً السبت وليلة الأحد ، ثم أَتاه بالرسالة ليلة الاثنين ففجَأَه الحقُّ - وفى لفظ : فجاءه الحقِّ - وهو فى غار حِرَاء وفى رواية : فأَتاه جبريل وميكائيل ، فنزل جبريل وبقى ميكائيل (١) حديث بدء الوحى فى صحيح البخارى ج ١ ص ٣ ( ط الأميرية). وطبقات ابن سعد ١٩٤/١ (ط بيروت). وسيرة ابن هشام ٢٣٣/١. وسيرة ابن كثير ٣٨٥/١. والوفا لا بن الجوزى ص ١٦٢. (٢) الوفاص ١٦٤، وسيرة ابن كثير ٤١٠/١ عن البيهقى. - ٣١٤ - واقفا بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه : أَهو هو ؟ قال : هو هو . قال : فزِنْه برجل . فوزنه به فرجَحه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . قال : زِنْه بعشرة فوزنه فرجحَهم . قال : زنه بمائة. فوزنه فرجحهم. قال : زِنْه بألف. فوزنه فرجَحهم . ثم جعلوا يتساقطون عليه من كِفَّة الميزان فقال ميكائيل : تبعتْه أُمَّتُه وربّ الكعبة . ثم أُجلس على بساط كُهيئة الدُّرْنوك، فيه الياقوت واللؤلؤُ، فقال أحدهما لصاحبه: شُقَّ بطنَه. فشقه فأخرج منه مَغْمز الشيطان وعَلَق الدم فطرَحها فقال أحدهما لصاحبه : أغسل بطنه غسلَ الإِناء واغسل قلبه غَسْلَ الُلَاءِ. ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطْ بطنَه. فخاطَه. ثم أَجلساه فيشَّره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل : اقرأ فقال: ما أَنا بقارئُ . فغطَّه حتى بلَغ منه الجَهْد ، ثم أرسله فقال له اقرأ قال: ما أَنا بقارئ. فغطَّ حتى بلَغ منه الجهد ، ثم سله فقال له اقرأ قال : ما أنا بقارئ فغطه حتى بلغ منه الجهد . ثم أرسله فقال: ((اقرأ)) أَوْجِد القراءة. مبتدئا ((باسم ربِّك الذى خلق)) الخلائق ((خلق الإنسان)) الجنس ((من عَلَق)) جمع عَلَقة وهى القطعة اليسيرة من الدم الغليظ وجمعها لأن الإِنسان فى معنى الجمع ((اقرأ)) تأكيد للأول. ((وربُّك الأكرم)) الذى لا يُوَازِيه كريم. ((الذى علَّمَ)) الخطَّ ((بالقلم)) وأول من خطَّ إدريس صلى الله عليه وسلم . ثم أَفْرَد ما هو أَشْرَف وأَظهَرُ صنيعًا وتدبيرا وأَدلّ على وجوب العبادة المقصودة من القراءة فقال: ((علَّمَ الإِنسانَ)) الجنسَ (( ما لم يَعْلِم)) قَبْل تعليمه من الهدى والكتابة والصناعة وغيرها . وهذا القَدْر من هذه السورة هو الذى نزل أولاً بخلاف بقية السورة فإنما نَزل بعد ذلك . فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى أَهله تَرْجُف بَوَادره . وفى لفظ: فؤاده. لا يَلْقاه حَجَر ولا شجر إلا قال : السلام عليك يا رسول الله . فرجع إلى بيته وهو موقن قد فاز فوزا عظيما فدخل على خديجة فقال: ((زمِّلونى زملونى ». فزَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْعُ . قال أَرأيتك الذى كنت أَخبرتك أَنى رأيته فى المنام ؟ فإِنه جبريل استعلّن لى أَرسله إِلىّ ربِّى. وأخبرها الخبر. وقال: لقد خشيتُ على نفسى. فقالت خديجة : كلاَّ أَبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لَتصل الرَّحِم وتَغْرى الضيفَ وتَصدق - ٣١٥ - الحديث وتؤدى الأُمِانة وتحمل الكَلُّ وتكْسِب المعدومَ وتُعين على نوائب الحق ، فاقبل الذى جاءك من الله فإنه حق ، وأبشر فإنك رسول الله حقا . ثم انطلقتْ حتى أتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عدَّاس ، فقالت له يا عداس أُذكِّرك الله إلا ما أخبر تنى هل عندكم عِلْم من جبريل؟ فقال تعُدَّس: قُدُّوس قدوس ما شأن جبريل يُذكر بهذه الأَ رض التى أَهلُها أهل الأ وثان. فقالت: أخبرنى بعلمك فيه . قال : هو أمين الله بينه وبين النبيين ، وهو صاحب موسى وعيسى. فرجعتْ من عنده فانطلقت برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل بن أسد ابن عم خديجة وكان امرءًا قد تنصَّر فى الجاهلية. وكان يكتب الكتاب العربىِّ فيكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا قد عَمِى ، فقالت له خديجة : يا بن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة : يا بن أَخى ماذا ترى . فأَخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرَ ما رأَى فقال له ورقة : أَبشر فأَنا أَشهد أَنك الذى بشرَّ به ابن مريم . هذا الناموس الذى أنزل الله على موسى . وفى لفظ: وإِنك على مثل ناموسٍ موسى، وإنك لَنبىِّ مرسَل وستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أَدركنى ذلك لأُجاهدنّ معك، يا ليتنى فيها جَذّعا . وفى لفظ جَدْع. ليتني أكون حيًّا إِذ يخرجك قومك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أَوَ مخْرجى هم ؟ فقال : نعم. لم يأْت أَحدُ بمثل ما جئت به إِلا عودىَ. وفى لفظ: أُوذِى. وفى رواية: لتكذِّبنَّه ولتُؤْذِينَّه ولتقاتلنَّه، وإن يدر كنى يومك أَنصرك نصرا مؤزّرًا، ثم أدنى رأسه منه فقبَّل يا فرخه، ثم لم يَنْشِب ورقةُ أَن توفَّى وفتَر الوحى . وقال ورقةُ فى ذلك أَشعارا منها قوله : وما لشىءٍ قضاه الله من غِيَر يا لَكِرجال وصَرْف الدهر والقَدر أَمْرًا. أَراه سيأتى الناسَ من أُخَرٍ حتى خديجةُ تدعونى لأُخْبرها فيما مضى من قديم الدهر والعُصُرِ وخبَّرتنى بأمرٍ قد سمعتُ به جبريل أَنك مبعوثٌ إِلى البَشَرِ بأن أحمد يأتيه ويخبره لك الإِله فرجِّى الخيرَ وانتظرِى فقلت علَّ الذى تَرْجِين يُنْجِزِه - ٣١٦ - عن أمره ما يرى فى النوم والسَّهر وأرسليه إلينا کی نسائله يقفُّ منه أَعالى الجِلْد والشَّعَـرِ فقال حَين أَتانا منطقاً عجّبا فى صورة أُكْمِلتْ من أعظم الصُّور مما يسلِّم من حولى من الشجر أَنْ سوف تُبْعَث تتلو منْزَل السُّورِ من الجهاد بلا مَنَّ ولا كَدر إنى رأيت أَمينَ الله واجَهنى ثم استمرَّ فكاد الخوف يُذْعرنى فقلت ظَنِّى وما أَدرى أَيَضْدقنى وسوف أَنْبيك إن أَعلنت دعوتَهم وقوله : حديثك إيانا فأحمد مرْسَلُ فإن یكُ حقِّـا يا خديجة فاعلمی وجبريل يأتيه وميكالُ معهما يفوز به من فاز فيها بتوبةٍ من اللّه وَحْى يَشْرِحِ الصَّدْرَ مُنْزَلُ ويشقى به الغالي(١) القوىُّ المضلَّلُ وأُخرى بأُخْواز الجحيم تُعلَّلُ فريقان منهم فرقة فى جنانه فسبحان من تَهْوِى الرياحُ بأمره ومَنْ عرشُه فوق السموات كلها ومن هو فى الأيام ما شاء يفعلُ وأَقضاؤه فى خَلْقه لا تُبدَّلُ (٢) ٠ ٠ (١) ابن كثير: ويشى به العالى الغرير المضلل. (٢) قال ابن كثير بعد أن أورد هذه الأبيات وما قبلها: هكذا أورد ذلك الحافظ البيبقى فى الدلائل، وعندى فى معتمة عن ورقة نظر. والله أعلم. سيرة ابن كثير ٤٠١/١ . - ٣١٧ - تَنْبِهَاتٌ الأول : فى رواية البخارى فى التفسير: الرؤيا الصادقة وفى غيره: الصالحة. وهما بمعنّى بالنسبة إلى أمور الآخرة فى حق الأنبياء . وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة فى الأصل أخصّ ،فرؤيا النبى كلها صادقة، وقد تكون صالحة ، وهى الأكثر ، وغير صالحة بالنسبة للدنیا کما وقع فى الرؤیا یومَ أُحد . وأَما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص ، إن فسَّرنا الصادقةَ بأنها التى لاتحتاج ! إلى تعبير ، وأَما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقا . قال الإِمام نصر بن يعقوب الدِّينورى فى التعبير القادرى : الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه أو ما يُعبَّر فى المنام أَو يخيِر به من لا يَكْذب. والصالحة ما يسرُّ . * * الثانى: قال البيضاوى رحمه الله: شبّه ما جاءه فى اليقظة ووجده فى الخارج طبقا لما رآه. فى المنام بالصُّبْح فى إنارته ووضوحه، والفَلَق: الصبح، لكنه لما كان مستعملا فى هذا المعنى وفى غيره أُضيف إليه للتخصيص والبيان إِضافة العام إلى الخاص ، كقولهم عين الشىء ونفسه . قال الطِّيبى رحمه الله تعالى: وللغلق شأن عظيم ولذلك جاء وصفًا لله تعالى فى قوله ((فالق الإصباح)) وأَمر بالاستعاذة برب الفلق لأنه يُنْبِئْ عن انشقاق ظُلْمة عالم الشهادة وطلوع تباشير الصبح بظهور سلطان الشمس وإشراقها فى الآفاق ، كما أن الرؤيا الصالحة مبشِّرات تنبىء عن وفود أنوار عالم الغيب وآثار مَطَالع الهدايات، شبَّه الرؤيا التى هى جزء يسير من أجزاء النبوة وتنبيه من تنبيهاتها لمشتركى العقول على ثبوت النبوة، لأَن النبى إنما سمى نبيًا لأنه ينبئ عن الغيب الذى لا تستقل العقول بإدراكه . وقال ابن أَبِى جَمْرة رحمه الله تعالى: إِنما شبِّهت رؤياه بفَلَق الصبح دون غيره، لأن شمس النبوة قد كانت الرؤيا مبادِئ أنوارها ، فمازال ذلك النور يتّسع حتى أشرقت الشمس - ٣١٨ - وتمَّ نورها ، فمن كان باطنه نُوريًّا كان فى التصديق كأبى بكر الصديق ، ومن كان باطنه مظْلما كان فى التكذيب خُفَّاشًا كأبى جهل ، وبقية الناس بين هاتين المنزلتين ، كلٌّ منهم بقدر ما أُعطى من النور . ٠٠ الثالث: قال الخطّابى رحمه الله تعالى: هذه الأمور التى كان النبى صلى الله عليه وسلم قد بدئ بها من صدق الرؤيا وحب العُزْلة عن الناس والخلوة فى غار حراء والتعبّد فيه ومواظبته عليه الليالىَ ذوات العَاد إِنما هى أسباب ومقدِّمات أَرْهصَتْ لنبوّته وجُعلت مبادئ لظهورها ، والخلْوة يكون معها فراغُ القلب وهى مُعينة على الفِكْر ومَقْطِعٌ لدعاوى الشُّغل ، والبشر لا ينفك عن طِبَاعه ولا يترك مأُلوفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة والمعالجة الشديدة ، فلطَف الله تعالى بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فى بادية أَمره فحبَّب إليه الخلوة وقطعه عن مخالطة البشر ، ليتناسى المألوفَ من عاداتهم ويستمر على هِجْران مالا يُحْمد من أخلاقهم وألزمه شعارَ التقوى وأَقامه فى مقام التعبد بين يديه ليخشع قلبُه وتلين عَرِيكته لورود الوحى فيجد منه مَرادًا سهلا ولا يصادفه حَزْنا وَعْرا ، فجعلت هذه الأسباب مقدِّمات لما أرصد له من هذا الشأن ليرتاض بها ويستعدّ لما نُدب إليه ، ثم جاءه التوفيقُ والتبشير وأخذه بالقوة الإلهية ، فجُبرت منه النقائِص البشرية وجُمعت له الفضائل النبوية . وقال غيره : من فوائد خلوة نفسه ما ألهمه الله تعالى قبل ظهور الملَك له ومخاطبته لِما أراده الله تعالى من صُدوفه عن متعبَّدات قريش وعُزوب نفسِهِ الشريفة عن قُرْب أَرجاس الأَصنامِ وتَبَرِّه منها وبُغْضه لها وإقباله على التحنث وهو فعل البرّ والقُرَب . ٠ ٠ ٠ الرابع : قال ابن أبى جَمْرة رحمه الله تعالى: الحكمة فى تخصيصه صلى الله عليه وسلم التخلى بغار حراء : أن المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات : الخلوة والتعبد والنظر إلى البيت . وقال الحافظ : وكانت قريش تفعله كما كانت تصوم عاشوراء وإِنما لم ينازِعوا النبىَّ صلى الله عليه وسلم فى غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره لأَن جدَّ عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش وكانوا يعظِّمونه لجلالته وكِبَر سنه ، فتبعه على ذلك من - ٣١٩ - كان يتأَلَّه ، فكان النبى صلى الله عليه وسلم يخلو مكانَ جده فسلّم له ذلك أَعمامُه لكرامته. علیهم ٠ ٠ الخامس: قوله: فرأَى بمكة أن آتٍ أتاه. الخ قال السُّهيلى رحمه الله تعالى: ليس ذِكْر النوم حديث عائشة ، بل يدل ظاهره على أن نزول جبريل حين نزل بسورة اقرأْ قد كان فى اليقظة وقد يمكن الجمع بين الحديثين بأن يكون النبى صلى الله عليه وسلم جاءه جبريلُ فى المنام قبل أن يأتيه فى اليقظة توطئةً وتيسيرا عليه ورِفْقا به ، لأَن أمر النبوة عظيم وعِبْؤُها ثقيل والبشَر ضعيف، وسيأتى فى حديث الإِسراءِ من مقالة العلماءِ ما يؤكد هذا الفَرْض ويصححه. قال فى ((الزَّهْر)): والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هذا شأنهم، فلا حاجة إلى ما ذكره السهيلى بقوله: وقد يمكن الخ ، لأن الرواية بذلك لا بأس بسندها . وبسَط الكلامَ على ذلك . ٠ ٠ السادس : قال السُّهيلى: فى كَوْن الكتاب فى نمط من الديباج إِشارة إِلى أَن هذا الكتاب به يُفْتح على أُمته مُلْك الأعاجم ويَسْلبونهم الديباجَ والحرير الذى كان زيّهم وزينتهم وبه يُنال أَيضا مُلْك الآخرة ولباس الجنَّة وهو الحرير والديباج(١). السابع: يؤخذ من قول عائشة رضى الله تعالى عنها: ((فجاءه الملَك فيه)) - كما فى كتاب التعبير من الصحيح(٢) - أَى فى الغار، دَفْع توهّم من يظن أن الملَك لم يدخل إِليه الغارَ بل كلَّمه والنبيُّ صلى الله عليه وسلم داخل الغار والملك خارجه على الباب . قال الحافظ : وإذا عُلم أنه كان يجاور فى غار حِرَاء شهر رمضان وأَن ابتداء الوحى جاءه وهو فى الغار المذكور اقتضى ذلك أنه نِّىء فى شهر رمضان . ويعّر على قول ابن إسحاق أنه بُعث على رأس الأربعين مع قوله : إِنه ولد فى شهر ربيع . ويمكن أن يكون المجىء فى الغار كان أولاً فى شهر رمضان وحينئذ نبِّىء وأُنزل عليه: ((اقرأ باسم ربك)) ثم كان المجىء (١) الروض الأنف ١٥٥/١. (ط الجمالية). (٢) يريد صحيح البخارى . - ٣٢٠ -