النص المفهرس
صفحات 261-280
قال : فإنه قدِم علينا رجل من الشام . من يهود يقال له ابن الهيِّبان فأقام عندنا ، والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس خيرا منه ، فقدِمِ علينا قبل مَبْعث النبي صلى الله عليه وسلم بستيْن، فكنا إذا قُحِطْنا وقلّ علينا المطر نقول : يا ابن الهيِّبان اخرج فاستقِ لنا . فيقول : لا والله حتى تقدِّموا أمام مَخْرجكم صدقة . فنقول : كم ؟ فيقول : صاع من تمر أو مُدِّين من شعير. فنخرجه ثم يَخْرج إلى ظاهر حَرَّتنا ونحن معه فيستقى فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمرّ السحابُ . قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة . فحضرته الوفاة فاجتمعنا إليه فقال : يا معشر يهود ما ترونه أخرجنى من أرض الخمر والخمير إِلى أَرض البؤس والجوع ؟ قالوا : أَنت أعلم. قال : فإِنه إنما أَقْدَمنى هذه البلدة أَتوَكَّف خروجَ نبى قد أَظلَّ زمانه هذه البلاد مُهاجَره فأَتبعه فلا تُسبَقُنَّ إِليه إِذا خرج يا معشر يهود ، فإِنه يُبعث بسفك الدماء وسَبى النساء والدَّرارى ممن يخالفه ، فلا يمنعكم ذلك منه . ثم مات . فلما كانت الليلة التى فُتحت فيها قريظة قال أولئك الفتية - وكانوا شبابا أَحداثا -: يا معشر يهود والله إنه الذى ذكر لكم ابن الهيِّبان. فقالوا: ما هو به. قالوا : بلى والله إنها لصفته . ثم نزلوا فأسلموا وخلّوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم فى حصن مع المشركين ، فلما فتح رُوَّ ذلك عليهم(١) . أسيد : وقع فى الرواية بضم الهمزة وفتحها وصوّبه الدار قطنى وعبد الغنى . سَعْية - بسين مفتوحة فعين ساكنة مهملتين فمثناة تحتية ويقال بالنون بَلَلها . أَتوكِّف : أَنتظر وأَستشعر . أَظلِّ زمانُهُ : أَشْرَف عليكم وقَرُب . خبر الحبر من جُرْهِم روى ابن أبى خَيْئمة عن عِكْرمة أَن نفرًا من قريش مرُّوا بجزيرة من جزائر البحر فإذا هم بشيخ من جُرْهم ، فقال : ممن أنتم ؟ قالوا : من أهل مكة من قريش. فقال الشيخ ذات يوم: لقد طلع الليلة نجمٌ لقد بُعث فيكم نبيّ، فنظروا فإذا النبى صلى الله عليه وسلم قد بُعث تلك الليلة . (١) خبر ابن الهيبان هذا فى سيرة ابن هشام ٢١٣/١ وطبقات ابن سعد ١٦٠/١ ودلائل النبوة البيهقى ٤٣١/١. والاكتفا الكلاعى ٢٣٤/١. وسيرة ابن كثير ٢٩٤/١. - ٢٦١ - خبر الحبر من أَهل بُصْرَى روى ابن سعد والبيهقى عن طلحة بن عبيد الله رضى الله تعالى عنه قال: حضرتُ سوق بصرى فإذا راهب فى صومعته يقول: سَلُوا أَهل هذا الموسم : هل فيهم أحد من أهل الحرم ؟ فقلت : نعم أنا . قال : هل ظهر أحمد ؟ قلت : ومن أَحمد ؟ قال : ابن عبد الله ابن عبد المطلب ، هذا شهره الذى يخرج فيه وهو آخر الأنبياء مَخْرَجه من الحرم ومُهاجَره إلى نخل وحَرَّة وسِبَاخ ، فإياك أَن تُسْبَق إِليه . قال طلحة : فوقع فى قلبى ما قال . فقدمت مكة فقلت : هل كان من حدَث ؟ قالوا : نعم محمد بن عبد الله الأمين تنبّأَ وقد تبعه ابن أبى قُحافة . فخرجت سريعا حتى قدمت على أبى بكر فأخبرته بما قال الراهب ، فخرج أبو بكر حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فسُرَّ بذلك وأسلم طلحة فأَخذ نوفل بن العدوية أبا بكر وطلحة فشدَّهما فى حبل واحد فلذلك سمِّيا القرينين(١). خبر رئيس نجران . قال ابن هشام : وبلغنى أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم ، فكلما مات رئيس منهم فأُفضت الرياسة إلى غيره خَتَم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التى قَبْله ولم يكسرها ، فخرج الرئيس الذى كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يمشى فعثَر، فقال ابنه : تَعِس الأُبْعد . يريد النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال له أبوه : لا تفعل فإِنه نبيّ واسمه فى الوضائع - يعنى الكتب. فلما مات لم يكن هَمُّه إلا أَن شَدَّ فكسر الخواتم فوجد ذِكْر النبى صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه فحج وهو الذى يقول : إليك تَعْدُو قَلِمًا وَضِينُها مُعْترضا فى بطنها جنينُهـا مخالفاً دينَ النصارى دينُها (٢). [ تفسير الغريب ] نَجْران : بفتح النون وإِسكان الجيم . عَثَر : بفتح المثلثة ، والعَثْرة : الزَّلَّة . (١) الوفا لابن الجوزى ٥٦/١. (٢) سيرة ابن هشام ٥٧٤/١ . - ٢٦٢ - تعس : - بفتح العين وكسرها - ومعناه : عثر وانكب لوجهه . الوضائع - بفتح الواو وبالضاد المعجمة وبعد الألف مثناة تحتية ثم عين مهملة : يعنى الكتب . زاد فى النهاية : التى تكتب فيها الحكمة . الوَضِين - بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة وسكون المثناة التحتية : بطان : منسوج بعضه على بعض يُشَدُّ به الرَّحْل على البعير كالحِزَام المسرح ، أَراد أنها قد هَزُلت ودقَّت للسير عليها . - ٢٦٣ - الباب الثالث فى حدوث الرجوم وحَجْب الشياطين من استراق السمع ، عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال الله سبحانه وتعالى: ((قُلْ)) يا محمد للناس: ((أُوحِىَ)) أُخْبرت بالوحى ((إِلىَ أَنه)) الضمير للشأن ((استمع)) لقرآنى ((نفرٌ من الجنِّ)) جِن نَصِيبين أَو نَينوى، وكانوا سبعة أو تسعة وذلك فى صلاة الصبح ببطن نَخْلة موضع بين مكة والطائف وهم الذين ذكروا فى قوله تعالى: ((وإِذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قُضِى ولوا إلى قومهم منذرين (١))) والنفر ما بين الثلاثة والعشرة . ((فقالو)) لقومهم لما رجعوا إِليهم: ((إِنَّا سمعنا قرآنًا عَجَبًا)) وصف بالمصدر على سبيل المبالغة أى هو عجب فى نفسه الفصاحة لفظه وحُسْن مبانيه ودقة معانيه وغرابة أسلوبه وبلاغة مواعظه وكونه مُبَاينًا لسائر الكتب ، والعجب مَا خرج عن أشكاله ونظائره . (يَهْدى)) يدعو ((إِلى الرُّشْدِ)) الإيمان والصواب ((فَآمَنَّا به)) أى القرآن . ولمّا كان الإيمان(٢) به متضمنا الإيمان بالله تعالى وبوحدانيته وبراءته من الشِّرْك. قالوا: ((ولَنْ نُشْرك)) بعد اليوم ((بربِّنا أَحدًا. وأَنه)) الضمير للشأن فيه وفى الموضعين بعده ((تعالَى)) تعاظَم ((جَدُّ ربِّنا)) جلاله وعظمته عما نُسب إليه ((ما انَّخذ صاحِبة)) زوجة ((ولا ولدا)). بيان ذلك كأنهم سمعوا من القرآن ما نبههم(٣) على خطأ ما اعتقدوه من الشِّرك واتخاذ الصاحبة والولد . ((وأَنه كان يقول سَفِيهُنا)) جاهلُنا إبليس أَو مردَة الجن. ((على الله شطَطًا)) غُلوًّا فى الكذب بوصفه بالصاحبة والولد . (١) سورة الأحقاف ٢٩. (٢) ط: ولما كان القرآن متضمنا الإيمان بالله. (٣) ط : ما ينبههم. وص: مانبأهم. - ٢٦٤ - ثم أخذوا يعتذرون عن اتباعهم للسفيه فى ذلك: ((وأَنَّا ظَننَّا أَنْ)) مخففة أنه « لن تقول الإِنسُ والجنّ على الله كذبًا)) بوصفه بذلك ، حتى تبينا كذبهم بذلك. ((وأنه كان رجالٌ من الإِنس يَعُوذون)» يستعيذون . (( برجالٍ من الجزِّ )» حین ینزلون فى أسفارهم بمكان مَخُوف فيقول كل رجل أَعوذ بسيِّد هذا المكان من شر سفهائه . ((فزادُوهم)) بعَوْذهم بهم ((رَهَقًا)) طغيانا، فقالوا: سُدْنا الجنَّ والإِنس ((وأنَّهُم)) أَى الجن: ((ظنُّو كما ظنَنْتَ )) يا إنس أو بالعكس. والآيتان من كلام الجن بعضهم لبعض، أَو استئناف من كلام الله تعالى ومَنْ فَتح ((أَنَّ)) فيهما جعلهما من الموحَى به أى أنه ((لن يبعث الله أحدا)) بعد موته ، أَو رسولا . قال الجن: ((وأَنّا لَمْسنا السماء)) طلبنا استراقَ السمع منها، واللمس مستعارٌ من المس للطلب: ((فوجَدْناها)) صادفناها ((مُائت حِرَسًا) حُرَّاسا اسم جمع كخَدَم: ((شَدِيدا)) قويّا وهم الملائكة الذين بمنعونهم عنها ((وشُهبا)) جمع شهاب وهو المضىء المتولد من النار : ((وأَنا كنَّا)) قبل مبعثه ((نقْعد منها مقاعد)) خالية عن الحرس والشهب أو صالحة للرَّصْد والاستماع ((للسمع)) صلة نقعد أو صفة المقاعد. وفسر النبى صلى الله عليه وسلم كيفية قعود الجن أنهم كانوا واحدا فوق واحد فمتى احترق الأعلى طلع الذى تحته مكانه وكانوا يستَرِقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون فيها ويزيد الكاهن مائة كذبة. ((فمن يستمع الآن )) ظرف للحال ويستمع ظرف مستقبل فاتِّسع فى الظرف واستعمل للاستقبال ((يجدْله شِهَابا رَصّدا)) أَى أُرْصد له ليرمى به. هذا لمن استمع وأَما السمع فقد انقطع كما قال الله تعالى: ((إِنهَّم عن السَّمْع لمعزولون(١))). ولمّا رأوا ما حدث من كثرة الرجم ومنع الاسْتراق قالوا: ((وأَنّا لا نَذْرِى أَشرَّ أُريد)) بعدم استراق السمع ((بمَنْ فى الأرضِ أَمْ أَراد بهم ربُّهم رَشَدا)) خيرا . قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى : فلما سمعت الجنُّ القرآنَ عرفت أنها مُنعت من السمع قبل ذلك لئلا يُشْكل الوحى بشىء من خبر السماء فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه لوقوع الحجة وقطع الشبهة (٢) . (١) سورة الشعراء ٢١٢. (٢) سيرة ابن هشام ٢٠٥/١. - ٢٦٥ - فآمنوا وصدقوا ((ثم ولّوا)) رجعوا إلى قومهم ((مُنْذرين)) مخوِّفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا وكانوا يهودا. ((قالوا يا قومنا إِنّا سَمِعْنا كتاباً)) هذا القرآن ((أُنْزل من بعد موسى، مصدِّقًا لما بين يديه يهدى إلى الحقِّ)) الإِسلام ((وإلى طريقٍ مستقيم)) أى طريقة ((يا قومَنا أَجيبوا داعِىَ الله )) محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان ((وَآمِنوا به يَغْفِرْ لكم من ذُنوبكم)) أَى بعضها وهو ما يكون فى خالص حق الله ، فإن المظالم لا تُغْفر بالإيمان ويُجْركم من عذاب أليم)» مؤلم . (( ومن لا يُجِبْ داعىَ اللهِ فليس بمعْجِزِ فى الأرض)) أَى لا يعْجز الله بالهرب منه فيفوته ((وليس له)) لمن لا يجبْ ((من دونه)) أَى الله ((أولياء)) أَنصارا يدفعون عنه العذاب ((أولئك الذين لم يجيبوا ((فى ضلال مبين)) بيِّن ظاهر. لطيفة : مناسبة سورة الجن لما قبلها أنه لما حكى تمادِىَ قوم نوح صلى الله عليه وسلم - فى الكفر وعكوفهم على عبادة الأصنام، وكان أولَ رسول إلى أهل الأرض ، كما أن محمد صلى الله عليه وسلم آخر رسول إلى أهل الأرض، والعرب الذين هو منهم كانوا عُبَّام أصنام كقوم نوح حتى أنهم عبدوا أَصناما مثل أَصنام أولئك فى الأسماء ، وكان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن هاديًا إلى الرشد وقد سمعته العرب وتوقّف عن الإيمان به أكثرهم ، أَنزل الله سبحانه وتعالى سورة الجن إثر سورة نوح تبكينًا لقريش والعرب فى كمنهم تباطأُوا عن الإيمان ، إذ كانت الجن خيرا منهم وأَقْبَل إلى الإيمان، هذا وهُمْ من غير جنس رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك فعندما سمعوا القرآن استعظموم وآمنوا به للوقت وعرفوا كونَه مُعْجِزا، وهم مع ذلك مكذِّبون له ولمن جاء به بَغْيا وحسدا أَنْ ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . وروى الإمام أحمد والبيهقى عن سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن عباس قال : إِن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الكلمة من الوحى فيهبطون إلى الأرض فيزيدون فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم - فمُنعوا تلك المقاعد ، فذكروا ذلك لإبليس فقال : لقد حدث فى الأَرض حَدَث ، فبعثهم فوجدوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن قالوا: هذا والله الحدث. وإِنهم لُيُرْمَوْن فإِذا توارى النجم عنكم فقد أدركه - ٢٦٦ - لا يخطئ أبدا ولكنه لا يقتله ، يحرق جَنْبه وجهة يده(١): وروى ابن سعد والبيهقى وأَبو نُعَيْم من وجه آخر عن سعيد عنه قال : كان لكل قَبِيل من الجن مقعاً من السماء يستمعون منه الوحى فيخبرون به الكّهَنة فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم - دُحِروا منه، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن : هلك أهل السماء . فجعل صاحب الإِبل ينحر كل يوم بعيرًا وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة ، وقال إبليس : لقد حدث فى الأرض حدث فأُتوفى من تُرْبة كل أرض . فأَتوه بها فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال : من هاهنا الحَدث فنصَتوا فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد بُعث(٢). وروى البيهقى من طريق العَوْفى عنه قال : لم تكن السماء تُحْرَس فى الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وكان يقعدون منها مقاعد للسمع ، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم - حُرست السماء حَرسًا شديدا ورُجمت الشياطين . وروى محمد بن عمر الأسلمى وأبو نعيم عن ابن عمرو قال: لما كان اليوم الذى تنبّأَ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - مُنعت الشياطين من خبر السماء ورُموا بالشُّهب فذكروا ذلك لإِبليس فقال : بعث نبىٌّ عليكم بالأرض المقدسة . فذهبوا ثم رجعوا فقالوا : ليس بها أحد . فخرج إبليس يطلبه بمكة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم - بحراء منحدرا معه جبريل فرجع إلى أصحابه فقال : قد بُعث أحمد ومعه جبريل(٣). ورويا أيضا عن أبىّ بن كعب رضى الله عنه قال : لم يُرْمَ بنجم منذ رُفع عيسى حتى تنبأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رمى بها ، فلما رأت قريش أمراً لم تكن تراه فجعلوا يُسَيِّون أنعامهم ويعتقون أَرِقًّاءهم يظنون أنه الفناء وفعلت ثقيف مثل ذلك، فبلغ عبد ياليل فقال : لاتَعْجلوا وانظروا فإن تكن نجوما تُعْرف فهو عند فَناء من الناس ، وإن كانت نجوما لا تُعْرف فهو عند أمر قد حدث. فنظروا فإذا هى لاتُعْرف فأخبروه فقال : هذا عند ظهور نبى فما مكثوا إِلا يسيرا حتى قدم الطائف أبو سفيان بن حرب فقال : ظهر محمد بن عبد الله يدّعى أنه نبيّ مُرْسَل. فقال عبد يا لِيل : فعند ذلك رُمِى بها (٤). (١) ذكره نحوه ابن كثير فى سيرته ٤١٥/١ عن ابن عباس من طريق أبي نعيم. (٢) سيرة ابن كثير ٤١٦/١. (٣) سيرة ابن كثير ٤٢٠/١ عن الواقدى. (٤) سيرة ابن كثير ٤١٧/١. - ٢٦٧ - عبدياليل - بمثناتين تحتيتين وكسر اللام الأولى ، وذكره ابن إسحاق فيمن وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم - فى وفد ثقيف . وروى سعيد بن منصور والبيهقى عن الشّعْى قال : كانت النجوم لا يُرْمَى بها حتى بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم فرُمى بها فسيّبوا أَنعامهم وأعتقوا رقيقهم ، فقال عبد يالِيل : انظروا . وذكر مثله . وروى ابن إسحاق وابن سعد عن يعقوب بن المغيرة بن الأُخْنس قال : إِن أول العرب فزع لرمى النجوم ثَقِيف فأَتوا عمرو بن أمية أَحد بنى عِلاَج فقالوا: ألم تر ما حدَث ؟ قال : بلى ، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التى يُهتدى بها ويُعْرف بها أَنواء الصيف والشتاء انتثرتْ فهو طىّ الدنيا وذهاب هذا الخَلْق، وإن كانت نجوما غيرها فأَّمرُ أَراد الله تعالى ، ونبيّ يُبعث فى العرب . فقد تحدث بذلك عمرو بن أمية هذا (١) وروى ابن سعد وأَبو نُعَيْم عن الزُّهْرى قال : كان الوحى يُسْتمع فلما كان الإِسلام منعوا وكانت امرأة من بنى أَسد يقال لها سعير لها تابع من الجن فلما رأى الوحىَ لايستطاع أَتاها فدخل فى صدرها وجعل يصيح : وضِع العِنّاق ورُفع الشُّفَاق وجاء أمرٌ لايطاق ، أحمد حرَّم الزنا(٢) وروى محمد بن عمر الأُسْلمى وأبو نعيم عن نافع بن جُبَيْر قال : كانت الشياطين فى الفترة تسمع فلا تُرْمَى فلما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب . ورويا أيضا عن عطاء عن ابن عباس وعن مجاهد. وأبو نعيم عن حجاج الصواف ، عن ثابت عن أنس . وأَبو الشيخ عن عثمان بن مطر عن ثابت عن أنس قال ابن عباس : كانت الشياطين يستمعون الوحى قالوا : فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم مُنِعوا فشكّوْا ذلك إِلى إِبليس فقال : لقد حدث أمرٌ . فرقَى فوق أَبِى قُبَيْس فرأى رسولَ الله صلى الله (١) سيرة ابن هشام ٢٠٦/١. وطبقات ابن سعد ١٦٣/١ (ط بيروت) ونصه: فقد تحدث بذلك. (٢) دلائل النبوة لأب نعيم ص ٧ بروايات تشبهه. وطبقات ابن سعد ١٦٧/١ باختلاف أيضاً. - ٢٦٨ - عليه وسلم يصلَّى خلف المقام فقال : أَذهب فأُكسر عنقه . فجاء وعنده جبريل فركضه برجله فأَلقاه بوادى الأردنٌ (١). وروى الخرائطى فى الهواتف(٣) عن سعيد بن جبير أن رجلا من بني تميم حدِّث عن بدء إسلامه فقال: إنى لأَسير برمل عالجٍ ذات ليلة إذ غلبنى النوم ونمت فنزلت عن راحلتى وأَنَخْتها ونمت وقد تعوَّذت قبل نومى . فقلت أعوذ بعظيم هذا الوادى من الجن . فرأيت فى منامى رجلا بيده حَرْبة يريد أن يضعها فى نَحْر ناقتى ، فانتبهتُ فَزِعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أَر شيئاً فقلت . هذا حُلْم . ثم عدت فغفَوْت فرأَيت مثلَ ذلك فانتبهت فدُرْت حول ناقتى فلم أر شيئاً وإذا ناقتى تُرْعِد ، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتى تضطرب والتفتُّ فإذا أنا برجل شاب كالذى رأيته فى منامى وبيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يردّه عنها ، فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أَثْوار من الوحش فقال الشيخ للفتى : قم فخذ أَيّها شئت فداء لناقة جارى الإِنْسىِّ. فقام الفتى فأخذ منها ثوراً وانصرف ثم التفت إلىّ الشيخ وقال : يا فتى إذا نزلت وادياً من الأودية فخفت حَوْلَه فقل : أَعوذ بالله ربِّ محمد من هَوْل هذا الوادى . ولا تَعُذْ بأَحد من الجن فقد بطل أَمرُها . فقلت له : ومن محمد ؟ قال : نبى عربىّ لا شرقى ولا غربىّ ، بُعث يوم الاثنين . قلت : أين مسكنه ؟ قال : يثرب . ذات النخل . فركبت راحتى حين برَق لى الصبح وجَدَّيتُ السّير حتى أتيت المدينة فرآنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدَّثنى قبل أن أُذكر له شيئا ودعانى إلى الإسلام فأسلمت . وروى مسلم وابن إسحاق عن ابن عباس عن نفر من الأنصار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال لهم: (( ما كنتم تقولون فى هذا النجم الذى يُرْمَى به فى الجاهلية))؟ قالوا : يانبى الله كنا نقول حين رأيناها يُرْمَى بها : مات ملِك ، مَلك مَلِك، ولِد مولود مات مولود . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (( ليس ذلك كذلك ، ولكن الله سبحانه وتعالى كان إذا قضَى فى خلقه أمراً سمعه(٣) حملة العرش فسبَّحوا فسبّح من تحتهم لتسبيحهم ، (١) سيرة ابن كثير ٤٢٠/١ عن الواقدى وفيه: فركضه جبريل ركضة طرحه فى كذا وكذا. (٢) يريد كتابه ((هواتف الجان)) وهو مخطوط. (٣) ص : يسمعه. - ٢٦٩ - فسبّح من تحت ذلك ، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهى إلى السماء الدنيا فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض : ممّ سبحتم ؟ فيقولون : سبِّح مَنْ فوقنا فسبحنا لتسبيحهم، فيقولون : ألا تسألون من فَوْقكم مم سبحوا ؟ فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حَملة العرش فيقال لهم: ممّ سبحتم ؟ فيقولون: قضى الله تعالى فى خَلْقه كذا وكذا لِلأَّمر الذى كان فيهبط به الخبرُ من سماء إلى سماء حتى ينتهى إلى السماء الدنيا فيتحدثون به، فَتَسْرِقِه فَتَسْترقم الشياطينُ بالسمع على توهُّم واختلاف، ثم يأتون به الكُهَّان فيحدثونهم فيخطئون بعضّم ثم إن الله تعالى حجَب الشياطين بهذه النجوم التى يُقْذَفون بها فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة(١) )). ويروى عن لُهَيْب(١) بن مالك اللَّهْبى قال: حَضّرْتُ عند النبى صلى الله فقلت: بأبى أنت وأمى نحن أول من عرف حراسة السماء والشياطين ومنهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أَنَّا اجتمعنا إلى كاهن يقال له خَطَر بن مالك ، وكان شيخا كبيرا قد أنت عليه مائتا سنة وثمانون سنة فقلنا : يا خطر هل عندك عِلْم من علم هذه النجوم(٣) التى يُرْقَى بها فإنا قد فزعْنا لها وخِفْنا سوء عاقبتها. فقال: اثتونى بسحر ، أَخبركم الخبر ، الخيرأم الضرر والأَمن أَم الحذّر (٤) قال : فانصرفنا عنه يومَنا ، فلما كان من غد فى وجه السِّحَر أَتيناه فإذا هو قائم على قدميه شاخص ببصره إلى السماء ، فناديناه : يا خطر يا خطر ، فأَوماً إلينا أن أمسِكوا فأَمسكْنا، فانقضَّ نجمٌ عظيم من السماء ، فصرخ الكاهن رافعا صوته . خامَره عِقابه أصابه أصابه عاجَله عذابُه أَحرقَه شِهابُه زايله جوابـه يا وَيْحه ما حالُهُ بَلْبَله بلبالُه (١) سيرة ابن هشام ٢٠٧/١ والاكتفا الكلاعى ٢١٥/١. (٢) ص : عن كعب بن مالك. وما أثبته عن بقية النسخ موافقاً الاكتفا الكلاعى. (٣) الاكتفا : هل عندك علم بهذه النجوم. (٤) الاكتفا : أخير أم ضرر، أو أمن أو حذر. - ٢٧٠ - عاوَدَه خَبَالُه تقطعت حِباله وغيِّرَتْ أَحوالُه ثم أمسك طويلا وقال : أخبركمُ بالحقِّ والعِيسانِ يا معشر بنى قحطان والبلدِ(١) المؤتمن السُّدَّانِ أقسمتُ بالكعبة ذات الأركان بثاقبٍ بكفُّ ذِى سلطانٍ لقد مُنع السمعَ عُنَةُ الجسانٌ يُبْعَث بالتنزيلِ والقرآنِ من أجل مبعوثٍ عظيم الشانِ .. تبطل به (٣) عبادة الأوثان وبالهدَى وفاصِل الفرقان فقلنا : يا خطر ما ترى لقومك ؟ قال : أَن يَتْبعوا خير بَنِىِّ الإِنسِ أَرَى لقومى ما أرى لنفسى بُرْهانه مثلُ شعاع الشمسِ يُبْعَث فى مكة دار الحُمْسِ بِمُحْكم التنزيل غير اللَّيْسِ. فقلنا : يا خطر وممن هو ؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما فى حُكْمه(٣) طَيْش ، ولا فى خُلقه هَيْش(٤) ، يكون فى جيش وأىّ جيش، من آل قحطان و آل أَيْش . فقلنا : بيِّن لنا من أَىِّ قريش هو ؟ فقال : والبيت ذى الدعائِم ، إنه لمن نجل هاشم ، من معشر أكارم ، يُبْعث بالملاحم ، وقتل كلِّ ظالم . ثم قال : هذا هو البيان أخبرنى به رئيس الجان . ثم قال : الله أكبر جاء الحق وظهر ، (٤) الأصل: والبيت. وما أثبته من الاكتفا للكلاعى ٢١٧/١، وبه يستقيم الوزن، وقد كنت أثبته هناك على أنه تجع ، ولكنه يندرج فى الرجز . (٢) الأصل : يبطل عبادة الأوثان - وما أثبته من الاكتفا، وبه يستقيم الوزن . (٣) الاكتفا : ما فى حلمه . (٤) الهيش : الإفساد . - ٢٧١ - وانقطع عن الجن الخبر ، ثم مسكت وأغمى عليه فما أفاق إلا بعد ثالثة فقال لا إله إلا الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سبحان الله لقد نطق عن مِثْل نبوّة وإنه يبعث يوم القيامة أُمة واحدة )) . رواه أبو جعفر العُقَيْلى فى كتاب الصحابة (١). والآثار فى هذا كثيرة وفيما ذكر كفاية . تَنْيَهَاتٌ الأول : قال القرطبى : اختُلف فى الشِّهاب هل يَقْتل أم لا ؟ فقال ابن عباس : إِنه لا يخطئ ولكن يجرح ويُحْرق ويَخْبِل(٢) ولا يَقْتل. وقال الحسن وطائفة : يقتل . فعلى هذا القول فى قتلهم بالشهب قبل إلقائهم السمع إلى الجن قولان . أحدهما أنهم يُقْتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم . فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء وبذلك انقطعت الكهانة . والثانى : أَنهم يُقْتلون بعد إلقائهم ما استرقُوا من السمع إلى غيرهم من الجن ولذلك ما يعودون إلى استراقه ولو لم يصل لانقطع الاستراق وانقطع الإحراق(٣). ذكره الماوردى. قال القرطبى: والأول أصحّ . قلت : روى سعيد بن منصور والبخارى وأبو داود والترمذى وغيرهم عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قضى الله تعالى الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأَنه سلسلة على صفوان يَنْفذُهم ذلك فإذا فزع (١) الاكتفا ٢١٦/١ -٢١٨. (٢) يخبل: يمنع ، يقال خبله عنه يخبله : منعه . (٣) ت، م: الاحتراق. ٠ - ٢٧٢ - -- عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربّكم ؟ قالوا : الذى قال الحق وهو العلىّ الكبير . فيسمعها مُسْترِقُوا الْسمع ومْترَقوا السمع هكذا واحداً فوق آخر - وصَفِّ(١) سفيان بيده وفرّج بين أصابعه نصَبها بعضها فوق بعض - فيسمع الكلمة فَيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته ، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن ، فربما أَدرَ كه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا . فيصدّق بتلك الكلمة التى سُمعت من السماء(٢). انتهى. ففى قوله (( فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه)) إلى آخره، ما يجمع بين القولين السابقين . وأما قول السُّهيلى رحمه الله تعالى: لولا. أَن الشهاب قد يُخْطِىء الشيطانَ لم يتعرض له ، أى الاستماع ، مرة أُخرى. فجوابه - كما أشار إليه الحافظ فى الفتح - : أَنْه يجوز أن يقع التعرض مع تحقق الإصابة لرجاء اختطاف الكلمة وإلقائها قبل إصابة الشهاب ثم لا يبالى المختطف بالإصابة لِمَا طُبع عليه من الشر. وقال أبو عثمان الجاحظ (٣): فإن قيل كيف تعرَّض الجن لإحراق أَنفسها(٤) بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك معلوما لهم ؟ فالجواب: أَن اله تعالى ينسيهم ذلك حتى تَعْظِم المحنة (٥). الثانى : قال بعضهم :ظاهر القرآن والأحاديث يقتضى أن الرجم(٦) بالنجوم نفسها. وقال القرطبى : ليست الشُّهب التى يُرْجَم بها من الكواكب الثوابت يدل على ذلك رؤية حركاتها ، والثابتة لا تجرى ولا تُرى حركاتها لُبُعدها. وقال فى موضع آخر : قال العلماء : نحن نرى (١) ط : وجنب. (٢) صحيح البخارى كتاب التوحيد باب ٣٢ وكتاب للتفسير سورة الحجر وسورة سبأ وسنن الترمذى كتاب التفسير سورة سبأ. وسنن ابن ماجه المقدمة باب ١٣ . (٣) الأصل : الحافظ. وهو تحريف . (٤) ص : أنفسهم . وط : نفسها. (٥) انظر رأى الجاحظ فى ذلك، فى كتابه الحيوان ٢٦٨/٦، ٢٧١. (٦) غير ط : أن الرمى . - ٢٧٣ - ( ١٨ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) انقضاضَ الكواكب فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم يصير نارا إِذا أَدرك الشيطان ، ويجوز أن يقال يُرْمَوْن بشعلة من نار من الهواء فيخيَّل إِلينا أَنه نجم یُری . وقال فى موضع آخر : الكواكب الراجمة هى التى يراها الناس تنقضّ . قال النقاش ومكى : وليست بالكواكب الجارية فى السماء لأَن تلك لا تُرَى حركتها ، وهذه الراجمة. تُرَى حركتها لأنها قريبة منا . وقال الإمام أبو عبد الله الحَليمى فى منهاجه : ليس فيما نتلوه من كلام ربنا عز وجل أن الشيطان يُرْمى بالكواكب أَو النجوم. ثم أَطال الكلام فى تقرير أن الرمى إنما هو بالشُّهب وهى شُعَل النارْ، وجعَل المصابيح كناية عن الشعل لا النجوم . وقال الإِمام شهاب الدين أبو شامة رحمه الله تعالى: الشهابُ فى اللغة اسم للشُّعْلة الساطعة (١) من النار ثم أُطلق على النجم المُرْصَد لرجم الشياطين المسترِقِين للسمع لأَّها لمّا عيِّنت لرجم الشياطين وهى الشُّعَل من النار ، أُطلق عليها لفظ الشهب لهذه الملابسة والمجاورة مجازاً . وهذا ظاهر كلام الشقْرَاطِيسىّ فإِنه (٢) لما جعل ثواقبَ الشهب رامية بالشُّعَل دلَّ على أَن الشهب عنده هى النجوم المرصدة لذلك. ثم قال: والمصابيح هى النجوم التى جعلها الله تعالى راجمةٌ للشياطين بالشهب ، لا أَنّ النجوم تنقضّ بأَنفسها خلف الشياطين . ثم نقل كلام الحَليمىّ ثم قال: لا خفاء أنه قد جاء الرمىُ بالنجوم مصرَّحا فى الأحاديث وفى شعر العرب القديم ، ففى صحيح مسلم عن ابن عباس قال : أَخبرنى رجالٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار قالوا : بينما هم جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رُمٍ بنجم فاستنار(٣) . الحديث . وذكر عبد الرزاق فى تفسيره عن مَعْمَر عن الزُّهْرى أنه سئل عن هذا الرمى بالنجوم أ کان فى الجاهلية قال : نعم ولكنه إذا جاء الإِسلام غلِّظ وشدِّد . ثم ذكر أبو شامة شاهدين من كلام العرب القدماء ثم قال : ففى الجمع بين هذين (١) ت، م : الساقطة . (٢) انظر ترجمته فى الجزء الأول من هذا الكتاب ص ٤٣٠. (٣) صحيح مسلم كتاب السلام حديث رقم ١٢٤، وسنن الترمذى كتاب التفسير سورة سبأ، ومسند أحمد ٣٨٩/٦. - ٢٧٤ - وما تقدم وجهان : أَحدهما أن هذا جاء على حذف المضاف للعلم به وتقديره : رمِى بنار نجم وانقضّ انقضاض(١) نار الكواكب وهى الشُّعَل المعبّر عنها بالشهب. فقد أخبر الله تعالى فى كتابه أن الذى يتْبَعِ مُسْترق السَّمع ((شهابٌ مُبِينٌ))(٢) وقال فى موضع آخر: شهابٌ ثاقِب )»(٣) والشهاب عبارة عن شعلة نار وبها يحصل إحراق الجنّى. الوجه الثانى : أن يكونوا أَطْلقوا لفظ النجوم على الشُّهب تجوُّزاً ، كما أطلقوا لفظ الشهب على النجوم لملابسة كلٌّ واحد منهما الآخر (٤) على ما قدَّرناه من أَن النجوم تَرْمى الجن بشُعَل النار . وقال شيخه الشيخ عز الدين بن عبد السلام فى أماليه : إن الذى يرجم به شُهُب تُخْلَق عند الرّجْم. ولذا قال أبو على فى قوله تعالى (( وجعَلْناها رُجوماً للشياطين)(٥): الهاء عائدة على السماء ، التقدير: وجعلنا شُهبها. على حذف المضاف ، فصار الضمير للمضاف إليه . انتهى . الثالث: قال الإمام أبو عبد الله الحَلِيمىّ رحمه الله تعالى: فإن قيل هذا القذف كان لأجل النبوة ، فلم دام بعدَ النبى صلى الله عليه وسلم ؟ فالجواب : أنه دام بدوام النبوة فإِن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ببطلان الكهانة ، فلو لم تُحْرس السماء بعد موته لعادت الجنُّ إِلى تسمّعها وعادت الكهانة ، ولا يجوز ذلك بعد أن بطل لأَن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشُّبهة فى ضعفاء المسلمين ولم يُؤْمّن أن يظنوا أَن الكهانة إِنما عادت لتناهى النبوة ، فصحَّ أَن الحكمة تقتضى دوام الحراسة فى حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته . وقال الحافظ رحمه الله تعالى : فإن قيل : إِذا كان الرمى بها غُلِّظ وشُدِّد بسبب نزول الوحى ، فهلا انقطع بانقطاع الوحى بموت النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نشاهدها الآن یُرمى بها ؟ (١) ط : انتقاض. (٣) سورة الصافات ١٠. (٥ ) سورة الملك ٥ . (٢) سورة الحجر ١٨. (٤) ط : بالآخر. - ٢٧٥ - فالجواب : يؤخذ من حديث الزُّهْرى المتقدم ، ففيه عند مسلم قالوا : كنا نقول ولد ! الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإنها لا تُرْمَى لموت أحد ولا حياته ، ولكن ربَّنا إذا قضى أمراً أَخبر أَهلُ السموات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر أ السماء الدنيا فَتَخْطِف الجنُّ السمعَ فيقْذفون به إلى أوليائهم . فيؤخذ من ذلك أَن سبب التغليظ والحفظ لم ينقطع لِمَا يتجدد من الحوادث التى تُلْقى بأمره إلى الملائكة، وأَنّ الشياطين مع شدة التغليظ عليهم فى ذلك بعدَ المبعث لم ينقطع طمعهم من استراق السمع فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف بما بعده ؟ . وقد قال عمر لغَيْلان لما طلَّق نساءه: إنى أحسِب أَن الشياطين فيما تَسْترق من السَّمْع سمعت بأنك ستموت فألقت إليك ذلك الحديث . رواه عبد الرزاق وغيره . فهذا ظاهر فی أن استراقهم للسمع استمرَّ بعد النبى صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقصدون استماع الشىء مما يحدث فلا يصلون إلى ذلك إلا أن يَخْطِف أحدهم بخفة حركته خَطْفة فيتبعه الشهاب فإِن(١) أَصابه قبل أن يلقيها لأصحابه مات وإلا سمعوها وتداولوها . ٠٠ الرابع: هل كانت الشياطين تُقْذَف بالشهب قبل المبعث أَم حدَث القذف بها بعده؟ اختلف العلماء رضى الله تعالى عنهم فى ذلك على قولين : نقل أبو عبده الله القرطبي رحمه الله تعالى فى تفسيره عن الأكثرين الأول . وبه جزم السُّهَيلى والشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى فى أماليه وتلميذه الشيخ أبو شامة فى شرح الشقْراطيسيّة(٢) وغيرهم وصححه غير واحد واحتجوا بقوله تعالى: ((إِنَّا زَينا السماء الدنيا بزينةٍ الكواكب . وحِفْظاً مِن كلِّ شيطانٍ مارد لا يسَّمعون إلى الملإِ الأَعْلى ويُقْذَفون من كلِّ جانبٍ(٣)) وبقوله تبارك وتعالى: (( وحفظناها من كل شيطانٍ رجيم إلا من استرق السمعَ فأَتبعه شهابٌ مبين(٤) )) . ١ (١) غير ط : فإذا . (٣) سورة الصافات ٦، ٧، ٨ . (٢) سبق التعريف بها فى الجزء الأول من هذا الكتاب ص ٤٣٠. (٤) سورة الحجر ١٧، ١٨. - ٢٧٦ - قال الزركشى فى شرح البُرْدة فهذه الآيات تدل على وجود الرجم قبل المبعث ، لأنها خُلقت لذلك. وكذا قوله تعالى(( وأَناً لمسْنا السماء فوجدناها مُلْت حَرَسًا شديدا وشُهباً(١))) وهذا إخبار عن الجن أنه كان الرجم موجودا لكنه ليس يستأصل وأنه زِيد فى حرس السماء حتى امتلأَّت . وقال الإِمام العلامة شمس الدين المروى فى شرح مسلم : وفى هذه الآية دليل على أن الحادث هو الملأّ والكثرة ، وأنهم كانوا فى الأول يقعدون من السماء مقاعدَ لاستراق السمع ويجدون بعض المقاعد غير خالية من الحرس والشُّهب ، والآن ملئت المقاعد كلها ولم يبق مَفْعَد من المقاعد خاليا . وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى ذكر فائدتين فى خَلْق الكواكب فى قوله: ((ولقد زيَّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجوماً للشياطين)) (٢) وفى قوله تعالى: ((إِنا زيَّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحِفْظاً من كلِّ شيطان مارد)). وروى عبد الرزاق فى تفسيره عن مَعْمَر قال: قلت للزُّهْرى: أَوَ كان يُرمى به - أَی النجم - فى الجاهلية؟ قال نعم، قلت: يقول الله عز وجل ((وأَنا كنا نَقْعد منها مَقَاعِدَ للسمع فمن يستمع الآن يجد له شِهاباً رَصَداً)) قال: غلِّظت وشُدِّد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال البيهقى: وهذا يوافق ظاهر القرآن لأنه قال خبرا عن الجن: ((وأَنا لمَسْنا السماء فوجَدْناها مُلئت حرساً شديداً وشُهبا)): وأَخبرت الجن أَنه زِيد فى حراسة السماء وشُهبها حتى امتلأَّت منها ومنهم. وفى ذلك دليل على أنه كان قبل ذلك فيها حُرَّاس وشهب مُعَدَّة معهم. واستدلوا أيضاً بما رواه مسلم عن ابن عباس قال : بينما النبى صلى الله عليه وسلم جالس فى نفر من الأَنصار إذ رُبى بنجم فاستنار، فقال صلى الله عليه وسلم: (( ما كنتم تقولون لمثل هذا فى الجاهلية إذا رأيتموه ؟ الحديث . وتقدم بتامه . واستدلوا أيضاً بما جاء فى أشعار العرب القديمة من ذكر ذلك ، كأَوْس بن حَجَر وعوف ابن الجذع وبِشْر بن أبى خازم . (١) سورة الجن ٨. (٢) سورة الملك ٥ . - ٢٧٧ - ورجّح جماعةٌ الثانى(١) وهو الذى صَحَّ عن ابن عباس وبه قال أُبَىّ بن كعب والشّعْىِ ونافع بن جُبَيْر وصححه أبو عثمان الجاحظ ومال إليه ابنُ الجَوْزِىّ وغيره ، واستدلوا بأَن ذلك ظاهر الأخبار لإنكار الشياطين للمرمى وطلبهم سَببه (٢) ولهذا كانت الكهانة فاشيةً فى العرب ومرجوعًا إليها حُكْمُهم ، حتى قُطع سببها بأَن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع . .. وجمع المحققون بين الأخبار فقال القرطبى: يُجْمع بأنها لم يكن يُرْمَى بها قبل المبعث رميًا يقطع الشياطين عن استراق السمع ، ولكن تُرْمى تارةً ولا تُرمى أُخرى، وتربى من جانب ولا ترمى من جانب ، ولا ترى من جميع الجوانب . ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى (( ويُقْذَفون من كلِّ جانب دُخُورًا)). وقال فى موضع آخر : لا يبعد أن يقال : انقضاض الكواكب كان فى قديم الزمان ، ولكنه لم يكن رُجومًا للشياطين ثم صار رجومًا حين وُلد النبى صلى الله عليه وسلم (٣) .. انتهى. وفى هذا نظر . وقال الحافظ : قد وجدت عن وهب بن مُنَّبِّه ما يرفع الإشكال ويجمع بين مختلفٍ الأخبار . قال : كان إبليس يصعد إلى السموات كلهن يتقلب فيهنّ كيف شاء لا يُمْنع منذ أُخرج آدم إلى أَن رُفع عيسى عليه الصلاة والسلام فحُجب من أَربع سِمُوات ، فلما بُعث نبينا صلى الله عليه وسلم حُجب من ثلاث، فصار يَسْتَرق السمع هو وجنوده ويُقْذَفون بالكواكب . ويؤيده ما روى الطَّبَرِىّ من طريق العَوْفِى عن ابن عباس قال: لم تكن السماء تُحرس فى الفترة بين عيسى ومحمد ، فلما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم حُرست حرسًا شديداً ورُجمت الشياطين فأنكروا ذلك . ومن طريق السُّدّى قال : إنّ السماء لم تكن تُحرس إلا أن يكون فى الأَرض نبيّ أَو دِين (١) يريد الرأى الثانى فى قوله قبل: هل كانت الشياطين تقذف بالشهب قبل المبعث أم حدث القذف بها بعده. (٣) انظر تفسير القرطبى فى سورة الحجر الصافات والجن (٢) غير ط : بسببه. - ٢٧٨ ظاهر ، وكانت الشياطين قد اتخذت مقاعدَ يستمعون فيها ما يَحْدُث ، فلما بُعث محمد وجفُوا. وقال الإِمام زين الدين بن المنيِّر رحمه الله تعالى: ظاهر الخبر أَن الشهب كانت يُرْمَى بها، وليس كذلك لما دل عليه حديث مسلم. وأما قوله تعالى: ((فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رَصَدًا)) فمعناه أن الشهب كانت يرفَى بها فتصيب تَارةً ولا تصيب أُخرى وبعد البعثة أصابتهم إصابة مستمرة فوصفوها لذلك بالرّصد، فإن الذى يَرْصُد الشىء لا يخطئه، فيكون المتجدد دوام الإصابة لا أصلها(١). ٠ الخامس : فى بيان غريب ما سبق : الشهاب : تقدم بيانه . عِلَاج: بكسر العين المهملة وبالجيم. أَنْكَرها : يروى بالنون وبالباء الموحدة ، فمن رواه بالنون فمعناه : أَدْهاها رأيًا من النَّكْر بفتح النون وهو الدهاء . ومن رواه بالباء فمعناه: أشدهم ابتداء لرأىٍ لم يُسْبق إليه ، من البُكور فى الشىء. مَعَالم النجوم : يعنى النجوم المشهورة . الأَنْواء: جمع نَوْء وهو بفتح النون مهموز الآخر ، وهو سقوط نجم من المنازل فى المغرب من الفجر وطلوع رقِيبه من المشرق يقابله من ساعته فى كل ثلاثة عشر يوماً . قال أبو عبيد : وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السَّنَة ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يومًا . قال أبو عبيد: ولم يُسمع فى الأنواء أنه السقوط إلا فى هذا الموضع، وكانت العرب تضيف الأمطار والريّاح والحرّ والبَرْد إلى الساقط منها. وقال الأصمعى : إلى الطالع منها فى سلطانه ، فيقولون مُطِرْنا بنَوْء كذا ونهى الشارع عن قول هذا اللفظ . خَطَرَ : بخاء معجمة فطاء مهملة . (١) تفسير الطبرى ٥٦/٢٩ (ط الميمنية) والخصائص الكبرى ٢٧٥/١. - ٢٧٩ - الباب الرابع فى بعض ما سمع من الهواتف وتنكُّس الأصنام روى ابن سعد عن تميم الدرِىّ قال: كنت بالشام حين بُعث النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت إلى بعض حاجتى فأدركنى الليل فقلت : أَنا فى جوار عظيم هذا الوادى فلما أُخذت مضجعى إِذا مناد ينادينى لا أَراه : عُذْ بالله فإن الجن لا تُجِير أَحدًا على الله . فقلت: أَيَّمَ تقول ؟ فقال : قد خرج رسولُ الأُمّيين رسول الله وصلَّينا خلفَه بالحَجُون وأَسلمنا واتبعناه ، وذهب كيدُ الجن ورُميت بالشهب فانطلقْ إلى محمد وأَسْلم فلما أَصبحت ذهبت إلى دَيْر أَيوب فسألت راهبًا وأخبرته الخبر فقال : صدَق ، نجده يخرج من الحرَمِ ومُهَاجَره الحرم ، وهو خير الأنبياء فلا تُسْبَقْ إليه . قال تميم: فتكلفت الشُّخوص حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم(١) [ تفسير الغريب ] مَضْجَعى : بفتح الجيم ، وحكى الكسر . أيم: قال فى النور: وجدته بخط ابن قُرْقول(٢) مضبوطًا بفتح الياء وإسكان الميم وأظنه وهمّاً ، والصواب بفتح الهمزة وتشديد الياء وإسكانها وهما لغتان. والميم مفتوحة . قال فى النهاية : أَصله أَىّ ما . أَى : أَىّ شىء هو ، فخفف الياء وحذف ألف ما . الحَجُون : بفتح الحاء وضم الجيم : جبل بمكة . دَيْر أيوب : قرية بحوران . تُسْبَق : بضم أوله وفتح الموحَّدة مبنى للمفعول . (١) سيرة ابن كثير ٣٧٣/١. والخصائص الكبرى ٢٦٦/١، كلاهما عن أبى نعيم. (٢) ابن قرقول: إبراهيم بن يوسف بن أدهم الوهراتى الخمرى عالم بالحديث من أدباء الأندلس. الأعلام ٧٦/١. - ٢٨٠ -