النص المفهرس

صفحات 241-260

يذكرونه فلما رأى ما بهم من ذِكْره قال : هل لكم أن أجعل فى منزل كل رجل منكم تمثالا
فيكون فى بيته فيذكر به ؟ قالوا : نعم . فمثَّل لكل أَهل بيت تمثالا مثله فجعلوا يذكرونه
به وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به وتناسَلوا ودَرَس أَمرُ ذِكْرهم إياه حتى اتخذوه
إلهاً يعبدونه من دون الله تعالى فكان أَولَ من ◌ُبد من دون الله وَدِّ ، الصنم الذى سمَّوا بودّ .
وروى البخارى وابن المنذر وابن مَرْدَوَيْه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: صَارت
الأوثان التى كانت فى قوم نوح تُعْبَد ، أَما وَدّ فكانت لكلب بدُومَة الجندل ، وأَما سُوَاع
فكانت لهذيل ، وأَما يغوث فكانت لمُرَاد، ثم لبنى خَطِيفِ عند سبأ ، وأَما يَعُوق فكانت
لَهَمْدان ، وأَما نَسْر فكانت لِحمیر لآل ذی کَلَاع ، أسماء رجال صالحين من قوم نوح
فلما هلكوا أَوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون أَنصابا
وسمّوها بأسمائهم. ففعلوا فلم تُعبد، حتى إذا هلك أُولَئِك ونُسِخ(١) العِلْم عُبدت فلما كان
أيام الطوفان دفنها الطينُ والتراب والماء فلم تزل مدفونةً حتى أُخرجها الشيطان إِلى مُشْركى(٢)
العرب (٣).
وكان أول من حمل العرب على عبادة الأصنام عمرو بن لُحَىّ - بضم اللام وفتح
الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية - ابن قَمَعة - بفتح القاف والميم وتخفيفها - وقيل
غير ذلك ، ابن خِنْدف ـ بكسر الخاء المعجمة والدال المهملة ويجوز كسر الخاء وفتح الدال
وآخرها فاء .
روی ابن إسحاق عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول لأُكْثَم بن الجَوْن الخزاعى: (( يا أَكثم رأيت عمرو بن لُحَىّ بن قَمعة
ابن خِنْدف يجرُّ قُصْبه فى النار، فما رأيت رجلا أَشْبَه برجل منك به ولا بك منه » فقال
أكثم : عسَى أَن يضرُّنى شبهه يا نبى الله؟ قال: (( لا إنك مؤمن وهو كافر ، إنه كان أُول
من غيَّرَ دين إسماعيل فنصب الأوثان)) الحديث ويأتى(٤).
(١) ط : وتنسخ العلم.
(٢) ت، م : لمشركى .
(٣) صحيح البخارى كتاب التفسير (سورة نوح). ٣٨٠/٢ (ط الأميرية).
(٤) سيرة ابن هشام ٧٦/١.
- ٢٤١ -
(١٦ - سبل الهدى والرشاد ج ٢).

قال ابن هشام : حدثنى بعض أهل العلم أن عمرو بن لُحَىّ خرج من مكة إلى الشام
فى بعض أُموره فلما قدم مآبَ من أَرض البَلْقاء وبها يومئذ العَمَاليق وهم ولد عِمْلاق ويقال
عِمْليق بن لاوذ بن سام بن نوح ، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم : ما هذه الأصنام التى
أراكم تعبدون ؟ قالوا : هذه أصنام نعبدها فنَسْتمطرها فتُمْطرنا ونَسْتَنْصرها فتنصرنا .
فقال لهم : أَفلا تعطونى منها صنما فأَسير به إلى العَرب فيعبدونه . فأَعطَوْه منها صنما يقال
له هُبَل ، فقدِم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه(١) .
وروى الفاكهى عن هشام بن السائب قال : كان لعمرو بن ربيعة رَئِىّ من الجن فأَناه
فذبکر له شعراً یأمره فيه بإخراج الأصنام من ساحل جُدّة فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها
وَدَّا وسُوَاعًا ويَغُوث ويعوق ونّسْرا وهى الأصنام التى عبدت زمن نوح وإدريس ثم إن
الطوفان طرحها هناك ، فسفَى عليها الرمل ، فاستخرجها عمرو وخرج بها إلى تِهامة وحضر
الموسم فدعا إلى عبادتها فأُجيب .
وقال ابن إسحاق : ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة فى بنى إسماعيل : أَنه
كان لا يَظْعن من مكة ظاعن منهم جين ضاقت عليهم والتمسوا الفَسَح(٢) فى البلاد إلا حمل
معه حجرا من حجارة الحرَم تعظيما للحرم فحينما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة ،
حتى سلَخ ذلك منهم(٣) إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم
حتى خَلفت الخُلوف ونَسُوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما
وسلم غيره فعبدوا الأَوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأُمم قبلهم من الضلالات وفيهم على
ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به [ والوقوف على عرفة
والمزدلفة وَهَدْى البُدْن والإِهلال](٤) بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه ، فكانت
كنانة وقريش إذا أَهلُّوا قالوا : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إِلا شريكا هو لك
تملكه وما مَلَك . فيوحِّدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده . يقول
(١) سيرة ابن هشام ٧٧/١.
(٢) ص : الفتح .
(٣) كذا وفى ابن هشام: حتى سلخ ذلك بهم .
(٤) ليس فى ابن هشام، وهو من هامش ط .
- ٢٤٢ -

الله تبارك لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((وما يُؤْمن أَكْثرهم بالله إلا وهم مشركون (١))) أَى
ما يوحدوننى بمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خَلْقی .
قال ابن إسحاق : وكان لقوم نوح أصنامٌ قد عكفوا عليها ، فكان الذين اتخذوا تلك
الأَضنامَ من ولدِ إسماعيل أو غيرهم وسمَّها بأسمائها حين فارقوا دِينَ إسماعيل ، فاتخذ
هُذَيلُ بن مُدْركة سُوَاعًا، وكان لهم بِرُهَاطِ (٢)، واتخذ كَلْب بن وَبْرة من قُضَاعة وَدَّا
بدُومَة الجَنْدل، واتخذ كلب بن وَبْرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران وأهل جُرَش من
مَذْحِج اتخذوا يَغُوث .
واتخذ خَيْوان ، بطن من هَمْدان ، يَعُوْقَ بأرض همدان من اليمن .
واتخذ ذو الكَلَاعِ من حمير نّسرًا بأَرض حِمْير، واتخذ الأَديم ، بطنٌ من خولان ،
صنما يقال له عَمْ أَنَس يَقْسمون له من أنعامهم وحُروتهم قسما بَيْنه وبين الله تعالى بزعمهم ،
فما دخل فى حقعم أنس من حقالله تعالى الذى سمّوه له تر کوه له ، ومادخل فى حق الله
تعالى من حق عم أنس ردُّوه عليه، فأنزل الله تعالى: ((وجَعلوا لله مما ذَرأَ من الحَرْث والأنعامِ
نصيباً فقالوا هذا لله بزَعْمهم وهذا لشركائنا، فما كان لشُر كائهم فلا يصل إلى الله وما كان
الله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (٣))).
وكان لبنى مِلْكان بن كنانة بن خُزَيْمة بن مُدْركة صنم يقال له سَعْد ، صخرة بفلاة
من أرضهم طويلة ، فأَقبل رجل من بنى مِلْكان بإبلٍ له مُؤَبَّلة (٤) ليقفها عليه التماس بركته
فيما يزعم ، فلما رأته الإِبل وكانت مرعية لا تُرْكب وكان يُهْراق عليه الدماء نفَرتْ منه
فذهبت فى كل وجه ، وغضب ربُّها المِلْكانى فأخذ حجراً فرماه به ثم قال : لا بارك
الله فيك ! نفَّرْتَ علىَّ إبلى. ثم خرج فى طلبها حتى جمعها فلما اجتمعت له قال :
أتينا إلى سعدٍ لَيَجْمع شَمْلَنا فشَّتنا سعدٌ فلا نحن مِنْ سعد
(١) سورة يوسف ١٠٦.
(٢) رهاط: موضع على ثلاث ليال من مكة، وقال قوم: وادى رهاط فى بلاد هذيل. وانظر معجم البلدان
٨٧٨/٢ (ط أوربا).
(٣) سورة الأنعام ١٣٦.
(٤) الإبل المؤبلة: التى تتخذ للقنية. اللسان ((أبل)).
- ٢٤٣ -

وهل سعدُ إِلا صخرةُ بتَنُوفة من الأَرض لا يُدْعَى (١) لَغَىِّ ولا رُشْدِ
واتخذت قريش صنا على بئرٍ فى جوف الكعبة يقال له هُبَل، واتخذوا إِسافًا ونائلة على
موضع زمزم ينحرون عندهما ، وكان إساف ونائلة رجلا وامرأة من جُرْهم وهو إِساف بن
بَغْى(٢) . قالت عائشة رضى الله تعالى عنها: ما زلنا نسمع أن إساف ونائلة كانا رجلا وامرأة
من جُرْهِمٍ أَخْدَثا فى جوفِ الگعبة(٣) فمسخهما الله حجرین .
رواه بن إسحاق(٤) .
قال ابن إسحاق : واتخذ أَهلُ كل دارٍ فى دارهم صنما يعبدونه من دون الله فإذا أراد
الرجل منهم سَفَرا تمسَّح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سَفره ،
فإِذا قَدِمِ من سفره تمسَّح به فكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله ، فلما بعث الله
سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد قالت قريش: ((أَجعَل الآلهةّ
إِلْهَا واحدًا إِنَّ هذا لَشىءٍ عُجَاب (٥) )).
وذكر ابن إسحاق وغيره كثيراً من أسماء أَصنام العرب . ولم أذكر ذلك إذ لا فائدة
فى ذكرها وذكرت منها ما سمِّى فى القرآن العزيز(٦) مع زيادة ..
تنبيه : قال الواقدى : كان وَدّ على صورة رَجُل، وسُوَاع على صورة امرأة ، ويغوث
على صورة أسد ، ويعوق على صورة فَرس ، ونَسّر على صورة طائر .
قال فى الفتح : وهذا شاذّ ، والمشهور أنهم كانوا على صورة البشر، وهو مقتضى الآثار فى
سبب عبادتها .
وقال المسعودى فى مزوج الذهب . كان كثير من أَهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف
يعتقدون أن الله تعالى حِسْم وأن الملائكة أجسام لها تّمام(٧) وأن الله تعالى احتجب بالسماء
(١) ابن هشام : لا يدعو .
(٣) غير ط : أحدثا فى الكعبة .
(٥) سورة ص ٥ .
(٢) ص: وهم أول من بغى. ولعله تحريف.
(٤) سيرة ابن هشام ٨٣/١.
(٦) لم يذكر العزى ولا مناة، مع ذكر هما فى القرآن العزيز.
(٧) كذا بالأصول ولعل المراد: أن الملائكة لها أجسام متفاوتة ولهما حد ينتهى عنده تمامها.
- ٢٤٤ -

فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل وأصناماً على صورة البارى تعالى وبعضها على صورة
الملائكة مختلفة الْقُدور والأشكال فى الصور ، فمنها على صورة الإنسان ومنها على صورة
غيره فى الصور ، فعبدوها وقرَّبوا لها القرابين ونذروا لها النذور لشبهها عندهم بالبارى تعالى
وقُرْبها منه ، فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وكثيراً من الأعْصار حتى نبههم بعض ضُلاَّهم
على أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام إلى البارى- تعالى عما يقول الجاهلون علوًّاً كبيراً،
وأنها حَيّة ناطقة وأن كل ما يَحْدث فى هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجرى به الكواكب
عن أمر الله تعالى فعظَّموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم ، ومكثوا على ذلك دهرًا فلما رأوا
الكواكب تَخْفى بالنهار وفى بعض أوقات الليل بما يَعْرض فى الجوّ من السواتر ، أمرهم
بعضُ من كان فيهم من ضُلاَّلهم أن يجعلوا أَصنامًا وتماثيل على صورها وأشكالها وهيآتها ،
فجعلوا لها أَصنامًا بعدد الكواكب المشهورة المتحيِّرة ، فكل صنف منهم يعظم كوكباً منها
ويقرب له نوعًا من القربان . ولما طال عليهم العهدُ عبَدوا الأَصْنامَ وأَلْغَوا عبادةَ الكواكب ،
فلم يزالوا كذلك حتى ظهر بعض ضُلاَّهم بأَرض الهند وكان هنديًّا خرج من أَرض الهند إلى
السند ثم دخل بلاد العجم ، وهو أول من أظهر مذهب الصابئة وجوَّز للناس عبادة الأصنام
والسجود لها لشُبْهة ذكرها وقرَّب إلى عقولهم عبادتها بضرب من الحِيل .
قال المسعودى: وذكر ذوو الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكه أن ((جم)) الملِك أول
من عظّم النار ودعا الناسَ إلى تعظيمها وقال إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب وجعل للنور
مراتب ، ثم تنازع هؤلاء بعده فعظّم كلّ فريق منهم ما يرون تعظيمه من الأشياء .
ثم ذكر المسعودى بعض ما تقدم من خبر عمرو بن لُحَىّ . ثم ذكر المسعودى عبادة
الفُرْس للنار وبيوت النيران فى كلّ بلد وأطال النفس فى ذلك(١)
(١) مروج الذهب ٢٣٦/٢ (ط محي الدين).
- ٢٤٥ -

الباب الثانى
فى إخبار الأحبار والرهبان والكُهَان بمبعث حبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم
قد تقدم فى الباب التاسع أوائل الكتاب كثير من ذلك(١). وأذكر هنا ما لم أُذكره
هناك .
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى : وكانت الأخيار من يهود والرهبان من النصارى
والكُهَّان من العرب قد تحدَّثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مَبْعثه ، لمّا تقارب
زمانُه. أَما الأَحبار والرهبان فعَمًّا وجدوا فى كُتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان عَهِد
إليهم أنبياؤهم فيه . وأما الكهان فأَتتهم به الشياطين من الجن ، فيما يَسْترقون من السمع
إذ كانت وهى لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع.
منهما ذِكر بعض أُمور ولا تُلْقِى العربُ لذلك بالاً حتى بعثه الله تعالى ووقعت تلك الأُمور
التى كانوا يذكرون فعرفوها(٢).
ذكر خبر زيد بن عمرو بن نُفّيْل
1
ابن عبد العُزَّى [ ابن عبد الله(٣)] بن قُرْط بن رباح بن رَزَاح بن عِدّى بن كعب بن
لُوَّىّ، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصَىّ بن كِلاَّب بن مُرّة بن كعب بن
لوْى، وعُبَيْد الله بن جحش بن رِئَاب مِن يَعْمر بن صَبْرة بنهمُرّة بن كبير بن غَدْ بن
دُودان بن أنس بن خُزَيمة، وكانت أُمُّه أميمة بنت عبد المطلب، وعثمانُ بن الحُؤَيْرِث
ابن أسد بن عبد العزى بن قُرْط بن رباح .
قال ابن إسحاق :
واجتمعت قريش فى عيد لهم عند صنم من أصنامهم . قال محمد بن عمر الأَسْلمى :
(١) انظر ص ١٢٢ من الجز الأول من هذا الكتاب. (٢) سيرة ابن هشام ٢٠٤/١.
(٣) من ابن هشام ٢٢٣/١.
-- ٢٤٦ -

وهو بُوَانَة ، كانوا يعظِّمونه وَيَنْحرون له ويَعْكفون عنده ويُديرون به ، وكان ذلك عيدًا
لهم فى كل سَنَة يومًا، فخلص منهم هؤلاء الأربعة نجيًّا، ثم قال بعضهم لبعض: تصَادَقوا
وليكتم بعضكم - على بعض . قالوا : أَجَلْ. فقال بعضهم لبعض: تعلَّموا والله ما قَوْمُكم
على شىء ، لقد أخطأوا دِينَ أَبيهم إبراهيم ، ما حَجر نُطِيف به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع؟!
يا قوم التمسوا لأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شىء.
فتفرقوا فى البلدان يلتمسون الحَنِيفيّة دين إِبراهيم .
فَأَّمَا وَرَقَة بن نوفل فاستحْكَم فى النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى عَلِمٍ عِلْما من
أهل الكتاب .
وأَما عُبَيْد الله بن جحش فأقام على ماهو عليه من الالتباس حتى أسلم ثم هاجر مع
المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة ابنة أَبِى سفيان مُسْلمةً فلما قَدِمِها تَنصَّر وفارق
الإِسلام حتى هلك نصرانيا ، وكان يمرّ بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم بالحبشة
فيقول: فقَّحْنا وصَأصأتم. أَى أَبْصرنا وأَنتم تلتمسون البصر لم (١) تُبْصِروا بعدُ. وذلك
أَن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه للنظر صَأصا لينظر .
وأَما عثمان بن الحُوَيْرث فقدِم على قيصر ملك الروم فتنصَّر وحَسُنت منزلته عنده .
وأما زيد بن عمرو بن نُفَيْل فوقف فلم يدخل فى يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه
فاعتزل الأوثانَ والميتة والدم والذبائح التى تذبح على الأوثان ونهى عن قتل الموعودة وقال :
أَعبد ربَّ ابراهيم وبادَى قومَه بعَيْب ما هم عليه(٢).
وعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنهما قالت : رأيت زيد بن عمرو شيخا كبيرا
مُسْندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش والذى نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح
منكم أحدٌ على دِين إبراهيم غَيْرِى. ثم يقول: اللهم لو أَنِّى أَعْلَمِ أَىَّ الوجوه أَحبَّ إليك
عبدتُك به ولكنى لا أَعْلمه . ثم يسجد على راحلته(٣). وكان يحيى الموعودة ، يقول للرجل
(١) ط: فلم تبصروا. وفى ابن هشام: ولم تبصروا. (٢) سيرة ابن هشام ٢٢٤/١.
(٣) إلى هنا رواية ابن هشام ٢٢٥/١.
- ٢٤٧ -

إذا أراد أن يقتل ابنته : لا تقتلها أَنا أكفيك مُؤنتها فيأخذها فإذا ترَعْرعت قال لأَّبيها :
إن شئت دفعتُها إليك وإن شئت كفيتك مُؤنتها .
رواه ابن إسحاق والنسائى وأبو بكر بن أبى داود وعلّقه البخارى جازما به (١).
وروى البخارى والبيهقى من طريق موسى بن عُقْبة عن سالم بن عبد الله بن عمر ،
عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقِى زيد بن عمرو بن
نُفَيْل بأسفل بَلْدح(٢) قبل أَن يَنْزل عليه الوحى فقدِّمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
سُفْرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال لزيد : إنى لست آكل مما تذبحون على أَنْصابكم(٣)
ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه . وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم
ويقول : الشاةُ خلقها الله تعالى وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها
على غير اسم الله تعالى ! إِنكارا لذلك وإعظاما له(٤).
وروى البخارى فى المناقب وفى الذبائح من صحيحه والإسماعيلى والزبير بن بكّار والفاكهى
عن ابن عمر ، أن زيد بن عمرو بن نُفَيْل خرج إلى الشام يسأل عن الدِّين ويبتغيه . وفى
لفظ: ويتبعه . فلفى عالمًاً من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إنى لَعَلَى أَن أَدِين دينكم.
فأَخبرنى. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله . فقال زيد :
ما أَفِرّ إِلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئًا أَبدا وأَنا(٥) أستطيعه، فهل تدلّنى
على غيره ؟ قال : ما أَعلمه إلا أن تكون حَنِيفًا . قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم
لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيا ولا يَعْبد إلا الله ، فخرج فلقى عالمًا من النصارى . فذكر مثله .
فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أَفرّ إلا من لعنة الله
ولا أحمل من لعنته ولا من غضبه شيئا وأَنا أَستطيعه . فهل تدلنى على غيره ؟ فقال :
ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا . قال : وما الحنيف ؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا
(١) صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار باب ٢٤ .
(٢) بلدح: واد قبل مكة من جهة المغرب. معجم البلدان ٧١٤/١ (ط أوربا).
(٣) ص : على أصنامكم .
(٤) صحيح البخارى كتاب المناقب ١٧٨/٢ (ط الأميرية بتصحيح الهورينى).
(٥) سيرة ابن كثير: ولا أستطيعه.
- ٢٤٨ -

ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله . فلما رأى زيدٌ قولهم فى إبراهيم خرج فلما برز رفع يديه
فقال : اللهم اشهد أنى على دين إبراهيم(١) .
وفى لفظ : فانطلق وهو يقول : لَبَّيْك حقًّا حقا تعبُّدًا ورِقًا. ثم يخرّ ويسجد للكعبة .
قال ابن إسحاق : إن زيد بن عمرو بن نفيل خرج يطلب دين إبراهيم صلى الله عليه
وسلم ويسأل الرهبان حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ثم أقبل إلى الشام حتى انتهى إلى
راهب بمَيْفَعة من أرض البَلْقاء وكان ينتهى إليه عِلْم النصرانية، فسأله عن الحنيفية
دِين إبراهيم فقال : إِنك لَتطلب دِينًا ما أَنت بواجدٍ من يَحْملك عليه اليوم ولكن قد
أَظلِّك زمانُ نبيِّ يخرج من بلادك التى خرجت منها يُبعث بدين إبراهيم الحنيفية ، فالحقْ
فإنه مبعوث الآن فهذا زمانه . وكان قد شامَّ اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا منها ،
فخرج سريعا حين قال له ذلك الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا توسَّط بلاد لَخْم عدَوْا
عليه فقتلوه ، فقال ورقة بن نوفل يرثيه :
تجنبْتَ تَنُورًا من النسار حامِيَا
رَشَدْتَ وأَنْعَمت ابنَ عمرو وإنما
وترْكك أوثانَ الطواغى (٢) كما هِيَا
بَدَيْنك ربًّا ليس ربُّ كمثله
ولم تك عن توحيد ربك ماهيًا
تُعلَّل فيها بالكرامة لاهيَا
من الناس جَّبِّارًا إلى النار هاويًا
ولو كان تحت الأرض سبعين واديا(٣)
وإدراكك الدِّين الذى قد طَلْتُه
فأصبحتَ فى دارٍ كريمٍ مُقَامها
تُلاقى خليلَ الله فيها ولم تكن
وقد تُدْرك الإنسانَ رحمةُ ربه
ولزيد عدة قصائد فى التوحيد منها :
أَرَبًّاً واحداً أَمْ أَلفَ ربِّ
عزَّلَتُ اللاتَ والْعُزِّى جميعاً
أُدين إذاً(٤) تقسُّمَت الأُمسورُ
كذلك يَفْعِلِ الجَلْد الصَّبُورُ
(١) صحيح البخارى كتاب المناقب ١٧٨/٢ (ط الأميرية)
وسيرة ابن كثير ١٦٠/١.
(٢) سيرة ابن كثير: وتركك جنات الجيال كماهيا .
(٣) نصب سبعين على تقدير فعل ، مثل تبعد سبعين وادياً.
(٤٠) غير ص : إذن تقسمت .
- ٢٤٩ -

فلا عُرَّى أَدين ولا ابنَتيْها
ولا غَنْما أَدِين وكان ربًّا
عجبت وفى "الليالى مُعْجبات
بأَنَّ الله قد أَفْتَى رجالا
وأَبقى آخرين بيِرٌ قِومٍ
وبَيْنا المرءُ يعثر ثاب يوما
ولكن أَعْبد الرحمنَ رَبِّى
فتقوى الله ربِّكم احفظوها
تَرى الأبرارَ دارهمُ جِنانٌ
وخِزْىٌ فى الحياة وإِن يموتوا
. ولا صنَعِىْ بنى عمرو أَزُورُ
منا فى الدهرِ إذ حُلْمى يسيرُ
وفى الأيامِ يَعْرفها البصيرُ
كثيرا كان شأنهم الفجورُ.
فَيَرْبُل منهم الطفل الصغيرُ
كما يتروَّحِ الغصنُ النَّضِيرُ
ليغفر ذنىَ السربُّ الغفورُ
متى ما تحفظوها لا تَبُوروا
وللنكفار حاميةٌ سعيرُ
يلاقوا ما تضيق به الصدورُ(١)
وروى أبو يعلى والطبرانى والبزار بسند حسن (٢) عن زيد بن حارثة رضى الله تعالى عنه
قال : إن زيد بن عمرو بن نُفَيْل مات ثم أُنزل على النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال النبى
صلى الله عليه وسلم: (( إِنه يُبْعث يوم القيامة أُمةً واحدة(٣)).
وروى أبو يَعْلى بسند حسن ، عن سعيد بن زيد قال: سأَلت أَنا وعمرُ بن الخطاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن عمرو، فقال: ((يأتى القيامة أُمةً وَحْدَه(٤))).
وروى الباغَنْدىُّ عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (( دخلتُ الجنةَ فوجدت لِزيدٍ بن عمرو دَوْحتین )»
قال الحافظ ابن كثير : إسناده جيد قوى(٥) .
وروى محمد بن عثمان بن أبى شيبة عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم سئل عن زيد بن عمرو فقال: (( يُحْشر ذلك أَمةً وَحْدِه بَيْنى وبين
عيسى بن مريم .
(١) سيرة ابن هشام ٢٢٦/١.
(٢) ط : بسند جيد.
(٣) السيرة النبوية لابن كثير ١٥٦/١، ١٦١.
.
(٤) المصدر السابق.
(٥) سيرة ابن كثير ١٦٢/١ ونصه: ((وهذا إسناد جيد، وليس هو فى شىء من الكتب)).
- ٢٥٠ -

قال ابن كثير إسناده جيد قوى(١).
. تنبيه : توفى زيد قبل المبعث بخمس سنين وقريش تبنى الكعبة .
[ تفسير الغريب ]
قُرْط : بضم القاف وإسكان الراء وبالطاء المهملة .
رياح : بالمثناة التحتية .
رَزاح: روى بكسر الراء وبفتحها ، وبه جزم الدارقطنى .
النَّجِىّ : الجماعة يتحدثون سرًا عن غيرهم ، ويقع للاثنين والجماعة بلفظ واحد .
فقَّحنا : بفاء فقاف مفتوحتين مشددة فحاء مهملة يقال فقح إذا فتح عينيه .
الموءودة : شىء كان يفعله بعض العرب ، كان إذا ولد له بنت دفنها فى التراب أو فى
الرمل حَيَّة، وأصل وَأَد: أَثْقَل فسميت الموعودة لأنها أُثْقلت بالتراب .
بادَى : بغير همز أى ظهر ، وبه : ابتدأ .
مَيْفَعة : مثناة تحتية وزن منفعة ، قرية من أرض البلقاء من الشام ، وهى بفتح
الموحّدة ثم لام ساكنة ثم قاف ممدودة .
شامّ اليهودية : اسم فاعل من الشم ومعناه أنه استخبر ، فاستعاره من الشم فنصب
اليهودية نصب المفعول به . ومن خفض جعل شام اسم فاعل من شممت ، والفعل أولى
بهذا الموضع .
غَنْما : بفتح الغين المعجمة وسكون النون صنم كانوا يعبدونه .
يَرْبُل: بمثناة تحتية مفتوحة فراءساكنة فموحدة مضمومة فلام ، يقال ربل الطفْل
يَرْبل إذا شَبَّ وعَظُم .
ثاب : رجع .
يتروَّح الغصن : يهتز .
(١) سيرة ابن كثير ١٦١/١، ونصه: إسناده جيد حسن.
- ٢٥١ -

لا تبوروا : لا تهلكوا .
يبعث أُمة وحده : الأُمة : الشخص المنفرد بدين ، أى يقوم مقام جماعة(١)
خبر قس بن ساعدة
هو ابن ساعِدة بن جذامة(٢) بن زُفّر بن زياد بن نزار الإِیادی .
قال المرْزُبانى: عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة . وكثير من أَهل العلم يذكر أنه عاش
ستمائة سنة. وقد سمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم حكمته. وهو أول من آمن بالبعثة من أَهل
الجاهلية ، وأول من اتكأَّ على عصا فى الخطبة ، وأول من قال أما بعد . وأول من كتب :
مِن فلان إلى فلان . وقد جاء أنه خطب الناسَ بعكاظ وبشّرهم بمبعث النبي صلى الله عليه
وسلم وحثهم على اتباعه وذلك قبل البعثة .
1
روى الإمام محمد بن داود بن على الظاهرى فى كتاب ((الزُّهَرة)). حدثنا أحمد بن عبيد
النحوى ، حدثنا على(٣) بن محمد المدائنى حدثنا محمد بن عبد الله(٤) بن أَخى الزُّهْرى،
عن الزهرى ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن سعد بن أبى وقاص . والطبرانى والبزار من
طريق محمد بن الحجاج ، وهو متروك(٥) ، والبيهفى من طريق سعيد بن هُبَيْرة وهو
متروك ، والبيهقى من طريق أحمد بن سعيد بن فرسخ الإخميمى، عن شيخه القاسم بن
عبد الله بن مهدى، وهما متَّهمان ، عن ابن عباس . والبيهقى عن أنس وفى سنده من
أنّهم، وأَبو نُعَيْم والخرائطى عن عبادة بن الصامت، والأُزْدى عن أبى هريرة ، وخلّف
ابن أَعْيَن ، رواه عبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد ، والحسن البصرى ، رواه أبو محمد
عبد الله بن جعفر بن درسُثويه : أَن وفد إيّاد ◌ُمّا قدِمِوا على النبى صلى الله عليه وسلم
وأسلموا سأَّهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن قُسّ بن ساعده فقالوا : يا رسول الله مات .
قال: كأَّى أَنظر إليه فى سوق مُّاظ على جمل أحمر أَوْرَقِ وهو يخطب الناسَ وهو
يقول كلاماً ما أرانى أحفظه .
(١٠). ط : الجماعة.
(٢) ص : ابن زفر بن جذامة.
(٣) ط : حدثنا محمد بن على بن محمد.
(٤) ط : محمد بن على.
(٥) كان محمد بن الحجاج هذا يصنع الهريسة ووضع حديثا فى شأنها، ويعرف بصاحب الهريسة. ميزان الاعتدال
٤٠/٣ وسيرة ابن كثير ١٤٣/١.
- ٢٥٢ -

فقال بعض القوم : نحن نحفظه يا رسول الله . فقال: هاتوا . فقال : قائلهم إنه قال :
أيها الناس اسمعوا وَعُوا وإِذا وعيتم فانتفِعوا ، إنه من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل
ما هو آتٍ آت ، مطرٌ ونبات ، وأَرزاق وأَقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات ،
جميع وأشتات، وآيات بعد آيات، إن فى السماء لَخبراً وإن فى الأَرض لعِبراً، ليلٌ داجٍ
وسماء ذات فِجاج وبحار ذات أمواج ، مالى أرى الناسَ يذهبون فلا يرجعون أَرَضُوا
بالمقام فأقاموا أَم تركوا هناك فناموا ، أَقسم قُسِّ قسما حقا لا حانثاً فيه ولا آثما ،
إن لله دِينا هو أحبُّ إليه من دينكم الذى أنتم عليه ونبيا خاتِما(١) حانَ حِينُهُ وأَظلكم
أوانه وأدرككم إبّانه ، فطُوبى لمن آمن به فهداه ، وويلٌ لمن خالفه وعصاه .
ثم قال: تَبًّا لأرباب الغفلة من الأُمم الخالية والقرون الماضية، يا معشر إياد أين
الآباء والأجداد وأين المريض والعُوَّاد، وأين الفراعنة الشداد ، أين من بنى وشيد، وزخرف
ونجَّد وغرَّه المالُ والولد، أَين من بغى وطقَى وجمع فأَوعى وقال: أنا ربكم الأعلى ،
ألم يكونوا أكثر منكم أموالا وأولادا وأَبعدَ منكم آمالا وأطول منكم آجالا طحنهم
الثَّرى بكَلْكَله ومزَّقهم الدهرُ بتطاوله ، فتلك عظامهم بالية وبيوتهم خالية عمرتْها
الذئاب العاوية كلاَّ بل هو الله الواحد المعبود ، ليس بوالد ولا مولود.
قال النبى صلى الله عليه وسلم : فأيُّكم يَرْوى شِعْره؟ قال فأَنشده أبو بكر الصديق رضى
الله تعالى عنه وقال :
نَ من القرون لنا بصائِرْ
الأَوَّليـ
الذاهبين
فی
للموت ليس لها مصادر
مواردا
لما رأيت
تمضى الأَّصاغرُ والأكابرْ
ورأيت قومى نحوها
لا يرجع الماضى إلى
ولا من الباقين غابر
لة حيث صار القوم صائِرْ
أيقنت أنَّى لا محا
هذا حاصل الطرق السابقة .
قال البيهقى بعد أن أورد بعضها : إذا ورد الحديث من أوجه وإن كان بعضها ضعيفا
دل على أن للحديث أصلا .
(١) ص، ث، م: ونبيا كان حينه. وما أثبته من ط .
- ٢٥٣ -

وقال الحافظ عماد الدين بن كثير : هذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إِثبات
أصل القصة (١).
وقال الحافظ فى الإصابة طرقه كلها ضعيفة . وقال الشيخ رحمه الله تعالى فى تهذيب
١
موضوعات ابن الجوزى : أَمْثَل طرقه الأول ، فإن ابن أَخى الزهرى ومن فوقه من رجال!
البخارى ومسلم ، وعلى بن محمد المدائنى ثقة. وأحمد بن عبيد قال ابن عَدِىّ: صَدُوق له
مناكير .
قلت : وقال الذهبي: صُوَيْلِح . قال الحافظ: ليِّن الحديث . انتهى .
قال الشيخ رحمه الله تعالى: فإذا ضُمَّ طريق خلّف بن أعين إليه حُكم بحسنه بلا توقف .
انتهى .
إذا علمت ذلك فالحديث ضعيف لا موضوع ، خلافا لابن الجوزى ومن تبعه .
وقد رواه البيهقى من وجه آخر عن ابن عباس. فذكر حديثا طويلا مُسَجِّعا فيه أَشعار
كثيرة .
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وآثار الوضع ظاهرة عليه(٢).
وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن قس بن ساعدة كان يخطب قومه
فی سوق مُّاظ فقال : سیعمُكم حقٍّ من هذا الوجه . وأشار بيده إلى نحو مكة . قالوا له.
وما هذا الحق ؟ قال : رجل أَبْلِجْ أَحْوَر من ولد لؤى بن غالب يدعوكم إلى كلمة الإخلاص
وعيش الأبد ونعيم لا يَنْفد ، فإن دعاكم فأَجيبوه ولو علمت أنى أعيش إلى مَبْعثه لكنت
أول من سعى إليه .
(١) نص كلام ابن كثير: ((ثم قال البيهقى: وإذا روى الحديث من أوجه أخر وإن كان بعضها ضعيفاً دل على أنه
الحديث أصلا)) وانظر دلائل النبوة للبيهقى ٤٦٦/١ ونصه: ((وإذا روى حديث ... الخ)).
(٢) حديث قس ذكره السيوطى فى اللآلى المصنوعة واستعرض طرقه كلها وذكر لل الطرق جميعاً ونقل عن ابن
حجر قوله: ((قد أفرد بعض الرواة طرق حديث قس بن ساعدة، وهو فى الطوالات الطهر الى وغيرها، وطرقه كلها
ضعيفة اللآلى ١٨٣/١ - ١٩٢.
- ٢٥٤ -

[ تفسير الغريب ]
أَوْرَق : الوُرْقة فى الإبل : لون يضرب إلى الخضرة كلون الرماد . وقيل إلى المواد .
داجٍ : مظلم .
رِتاج : براء مكسورة ثم مثناة فوقية مخففة فألف فجيم : الباب .
المُقَام : بضم الميم وفتحها . قال فى النور لكن هنا يتعين الضم لأن بعده قافا فهو من
الرباعى .
أَظلّكم : أَقبل عليكم ودنا منكم كأنه ألتفى ظلَّه عليكم .
تَبًّا : خسرانا .
شيّد: بفتح الشين المعجمة والمثناة التحتية المشددة: والشِّيد : كل ما طُلى به الحائِط من
جص وغيره .
نجَّد : زين .
الكَلْكل والكلكال : الصدر .
خبر العباس عن بعض أخبار اليمن
روى أبو نعيم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : قال العباس خرجت فى تجارة
إلى اليمن فى رَكْب فيهم أبو سفيان بن حرب ، فورد كتابُ حنظلة بن أبى سفيان أن محمداً
قائِم بالأبطح يقول : أنا رسول الله أدعوكم إلى الله . ففشًا ذلك فى مجالس أهل اليمن
فجاءنا حَبْر من اليهود فقال : بلغنى أن فيكم عَمّ هذا الرجل الذى قال ما قال . قال العباس :
فقلت نعم . قال : نشدتك هل كانت لابن أَخيك صَبْوة ؟ فقلت : لا والله ولا كذب ولا
خان ، وإن كان اسمه عند قريش إلا الأَمين قال : فهل كتب بيده ؟ فأردت أن أقول
نعم ، فخشيت من أبى سفيان أَن يكذِّبنى ويرد علىّفقلت : لا يكتب. فوثب الحبْر وترك
رداءه وقال : نُبحت یهود وقتلت يهود .
قال العباس : فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان : يا أبا الفضل إن يهود تفزع من
ابن أُخیك . قلت : قد رأیت ، فهل لك أن تؤمن به . قال لا أُومن به حتى أُری الخیل فى
- ٢٥٥ -

كُداء. قلت : ما تقول ؟! قال : كلمة جاءت على فعى ، إلا أنى أعلم أن الله لا يترك خيلاً
تَطْلع على كداء .
قال العباس : فلما فتح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مكة ونظرنا إلى الخيل قد طلعت
من كداء قلت: يا أبا سفيان تَذْكر تلك الكلمة ؟ قال: إِى والله إنى لأَذكرها(١).
كَدَاء : كسحاب : الثنيَّة العليا بأعلى مكة عند المقبرة ، لا تنصرف . وقال النووى :
ويجوز الصرف على إرادة الموضع .
خبر أمية عن بعض أخبار الشام .
روى البيهقى وأبو نعيم واللفظ له عن أبى سفيان ابن حرب قال : خرجت أنا وأمية بن
أبي الصلت تجارا إلى الشام فقال : هل لك فى عالم من علماء النصارى إليه انتهى عِلم
الكتاب نسْأَله. قلت له : لا أَرَب لى فيه. فذهب ثم رجع فقال: إنى جئت هذا العالم
فسألته عن أشياء ثم قلت: أخبرنى عن هذا النبى الذى يُنْتظر. فقال : هو رجل من العرب
قلت : من أَىّ العرب ؟ قال : من أَهل بيت يحجُّه العرب من إخوانكم من قريش. قلت :
صِفْه لى . قال: رجل شابٌ حين دخل فى الكُهولة، بَدْء أمره يجتنب المظالم والمحارِم ويصل
الرَّحِم ويأمر بصلتها، وهو مُخْرِج كريم الطرفين متوسّط فى العشيرة أكثر جنده الملائكة
قلت ما آية ذلك ؟ قال : قد رجمت الشامُ بعد عيسى بن مريم صلى الله عليهما وسلم ثلاثين
رَجْفة كلها مصيبة ، وبقيت رجفة عامة فيها مصائِب. قال أبو سفيان: فقلت هذا والله
الباطل . فقال أُمية : والذى حلفتُ به إن هذا لهكذا .
ثم خرجنا فإذا راكب من خَلْفنا يقول: أَصاب اهل الشام بعدكم رَجْفه دمّرت أهلهم
وأصابتهم فيها مصائب عامة . قال أبو سفيان : فأقبل علىّ أُمية فقال : كيف ثرى قوله
النصرانى ؟ قلت : أرى والله إنه حق .
وقدمتُ مكة فقضيت ما معى ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجرا فمكثت بها خمسة
(١) ذكره ابن كثير فى سيرته ٣١١/١ عن أبى نعيم بسياق مطول، ثم قال: وهذا سياق حسن عليه البهاء والنور
وضياء الصدق ، وإن کان فی رجاله من هو متكلم فيه .
- ٢٥٦ -

أَشهر ، ثم قدمت مكة فجاء الناسُ يسلِّمون علىّ ويسألون عن بضائعهم ثم جاءنى محمد
صلى الله عليه وسلم فسلّم على ورحّب بى وسألنى عن سَقرى ومُقَامى ولم يسألنى عن بضاعته ،
ثم قال : فقلت لهند : والله إنّ هذا ليعجبنى ! ما من أحد من قريش له معى بضاعة إلا وقد
سألنى عنها وما سأَلنى هذا عن بضاعته . قالت : وما علمت بشأنه ؟ إنه يزعم أنه رسول
الله . فوقذَتْنى(١) ، وذكرتُ قول النصرانى. قلت: لهو أَعقل من أن يقول هذا . قالت :
بلى والله إنه يقول ذلك(٢).
خبر أبى سفيان عن أُميَّة
روى الطبرانى وأبو نعيم عن معاوية بن أبى سفيان عن أبيه قال: كنا بغزَّة أَو بإيلياء
فقال لى أمية بن أبي الصلت : يا أبا سفيان إيه عن عتبة بن ربيعة ؟ قلت : إيه عن عتبة
ابن ربيعة . قال : كريم الطرفين ويجتنب المحارم والمظالم ؟ قلت : نعم وشريف مُسِنّ .
قال : السنُّ أَزْرَى به . قلت : كذبت بل ما ازداد سنا إلا ازداد شرفا. قال : لا تَعْجل علىّ
حتى أخبرك . فقال : إنى أجد فى كتبى نبيًّا يُبعث من حَرّتنا هذه فكنت أَظن أَنى هو ، فلما
دارسْتُ أَهلَ العلم إذا هو من بنى عبد مناف ، فنظرت فى بنى عبد مناف فلم أجد أحدا يَصْلِح
لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة ، فلما أخبرتنى بسِنه عرفت أنه ليس به حين جاوزالأربعين
ولم يوح إليه .
قال أبو سفيان : فرجعت وقد أَوْحى الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فخرجت
فى رَكْب فى تجارة فمررت بأُمية فقلت له كالمستهزئ به : خرج النبى الذى كنت تَنْعته .
قال : أَمَا إِنه حق فاتَّبِعْه وكأَنى بك يا أبا سفيان إِن خالفته رُبطت كما يربط الجَدْى حتى
يؤتى بك فيحكم فيك (٣) .
والله تعالى أعلم بالصواب .
(١) فى القاموس: وقذه: صرعه وغلبه. وفى أساس البلاغة: وشاة موقوذة ووقيذ: وقذت بالعصا حتى ماتت.
ومن المجاز : وقذته العبادة ، ووقفتنى كلمة سمعتها .
(٢) دلائل النبوة البيهقى - مختصراً - ٤٦٩/١، وقد أورده ابن كثير بسياقه هنا مطولا عن الطبرانى، سيرة ابن
كثير ٠١٢٣/١
(٣) سيرة ابن كثير ١٢٩/١، عن الطبرانى.
- ٢٥٧ -
(١٧ - سبل الهدى والرشاد ج ٢)

خبر عبد الرحمن بن عوف عن عثكلان الحَبْر
روى ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه قال : سافرت إلى اليمن
قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم بسَنة ، فنزلت على عثكلان بن عواكن الحِمْيرى ، وكان
شيخا كبيرا وكنت لا أزال إِذا قدِمْتُ اليمنَ أَنزل عليه فيسألنى عن مكة وعن الكعبة
وزمزم ويقول: هل ظهر فيكم رجل له نبه له ذِكْر ؟ هل خالف أحد منكم عليكم فى دينكم ؟
فأقول: لا. حتى قدمت القَدْمة التى بُعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيته قد
ضَعُف وثقل سمعه فنزلتُ عليه فاجتمع عليه ولده وولد ولده فأخبروه بمكانى فشُدَّت عصابة
على عينيه وأُسْند فقعد فقال لى : انتسِبْ يا أَخا قريش. فقلت : أَنا عبد الرحمن بن عوف
ابن عبد عوف بن عدىّ بن الحارث بن زُهْرة. قال : حسبك يا أَخا زُهْرة أَلا أبشرك ببشارة
هى خير لك من التجارة ؟ قلت : بلى . قال: أُنبئك بالمعْجِبة وأُبشِّرك بالمرِّّبة ، إِن الله
تعالى بعث فى الشهر الأول من قومك نبيا ارتضاه صفيًا وأنزل عليه كتابا وجعل له ثوابا ،
ينهى عن الأصنام ويدعو إلى الإِسلام يأمر بالحق ويفعله وينهى عن الباطل ويُبْطله
فقلت : ممن هو ؟ قال : لا من الأَزْد ولا ثمالَة، ولا من سَرْو ولا تبَالة ، هو من بنى هاشم
وأنتم أَخواله، يا عبد الرحمن أَحْسن الوقعة وعجِّل الرجعة ثم امض وآزرْه وصدِّقه واحمل
إليه هذه الأبيات :
وفالقِ الليل والصباح
أشهد بالله ذى المعالى
يا ابن المقدَّى من الذبَاحِ
إنسك فى السرِّ من قريش
يرشد للحق والفلاح
أُرْسلت تدعو إلى يقينٍ
أَنك أُرسلت بالبِطّاحِ
أَشهد بالله ربِّ موسى
يدعو البرايا إلى النجاح
فكن شفيعى إلى مليـكِ
قال عبد الرحمن : فحفظت الأبيات وأسرعت فى تقضِّى حوائجى وانصرفت فقدمت
مكة فلقيت أبا بكر فأخبرته الخبر فقال : هذا محمد بن عبد الله قد بعثه الله رسولا إلى
خَلْقه. فأتيته فى نفر فى بيت خديجة فلما رآنى ضحك وقال: أرى وجها خليقا أرجو
: أخيرا ما وراءك؟ قلت: وماذاك يا محمد ؟ قال: حملتَ إِلىّ وديعة أم أُرسلك مرسل إلى
- ٢٥٨ -

برسالة هاتها . فأخبرته وأسلمت فقال: أما إن أَخى حِميْر من خواص المسلمين ثم قال :
((رُبَّ مؤمن بى ولم يرنى ومصدِّق بى وما شاهدنى أولئك إِخوانى حقا.))(١)
خبر عروة بن مسعود الثقفى عن بعض الكهان والكواهن
ذكر أبو هاشم بن ظفر فى ((خبر البِشَر)، أَن عروة بن مسعود الثقفى رضى الله تعالى عنه
قال : خرجت فى تجارة لنجران قبل أن يظهر أمر محمد فجلست تحت سرحة منتبذا
من أصحابى فإذا جاريتان تسوقان بُهْمًا إلى السَّرْحة، فجلستا وأَنا مضطجع فتنا ومت ، فقالت
إحداهما للأُخرى : من هذا فيما تظنين يا ابنة الأكرمين ؟ قالت الأُخرى : هذا عروة
ابن مسعود سيدٌ غير مَسُود ، جَوْد وعَصَر منجود . قالت : صدقت فمن أين هو وإلى أين ؟
فقالت الأُخرى : أتى من المعْقِل المنيف ، طائف ثقيف ينوى نجران ذات المخاليف
فقالت : صدقت فما هو مصيب فى سفره هذا ؟ فقالت : يَسْهل طريقه ويَنْفَقَ سُوقه ويعلو
فُوقه . قالت : صدقت فما عاقبة أمره؟ قالت : يعيش زعيما ويتبع نبيا كريما ويتعاطى أمرا
جسيما . فقالت : صدقت وما هذا النبى ؟ فقالت : داع مجاب، له أمر عُجَاب، يأتيه من السماء
كتاب يَبْهر الألباب ويقهر الأرباب . قال عروة : ثم أَمسكنا فغشينى النعاس ، فلما استيقظت
لم أَر لهُمَا أَثْرا فلما بلغت نجران قال أَسقفُّها - وكانلى صديقا -: يا أبا يعفور هذا حينُ خروج
نبىُّ من أهل حَرمكم يهدى إلى الحق ، وحق المسيح إنه لخير الأنبياء وآخرهم فإن ظهر فكن
أول من يؤمن به .
[ تفسير الغريب ]
السَّرْحة - بسين مفتوحة فراء ساكنة فحاء مهملات : الشجرة العظيمة .
منتبذا : منفردا .
الْبُهْم - بضم الباء الموحدة: صِغَار الغنم .
العَصَر - بعين وصاد مهملتين مفتوحتين - الملجأ .
المنجود : المكروب .
(١) ليس فى تهذيب ابن عساكر.
- ٢٥٩ -

هوى : قصد أرضا غورا وأصله أن يخر من علو إلى سُفْل .
نوى : قصد
المنيف : المرتفع .
المخاليف : قرى تخلف القرية العظيمة فى المرافق وتنوب منابها ، واحدها مِخْلاف .
يعلو فُوقه - بضم الفاء وسكون الواو وضم القاف - هذا مثل يضرب للظَفر والعلو والجدا
وأَصله فُوق السَّهْمِ .
زعيما : سيّدا .
خبر عمرو بن معدى کرب عن بعض الكهان
ذكر ابن ظفر أيضا أن أبا ثور عمرو بن معدی کرب رضى الله تعالى عنه قال: والله
لقد علمت أن محمدا رسول الله قبل أن يُبعث. فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: فزعنا إلى كاهن
لنا فى أَمر نزلَ بنا ، فقال الكاهن: أُقْسم بالسماء ذات الأبراج والأرض ذات الأُدراج
والريح ذات العَجاج إن هذا لَإِمْراج(١) ولِقَاح(٢) ذى نتَاج. قالوا: وما نتاجه ؟ قال:
ظهور نبيِّ صادق بكتاب ناطق وحُسَام ذالق (٣). قالوا: أَين يظهر وإلاَمَ يدعو ؟ قال : يظهر
بصلاح ويدعو إلى فَلَاح ويُعَطِّل الأفْداح ، وينهى عن الراح والسِّفاح وعن كلِّ أَمر
قَبَاح. قالوا: ممن هو ؟ قال من ولد الشيخ الأُكرم حافر زمزم ومُطْعم الطير المحوِّم والسباع
الضرم . قالوا : وما اسمه ؟ قال : محمد، وعزّه سَرْمد ، وخصمه مكمد .
صلاح : من أسماء مكة . وتقدم ضبطه (٤) .
خبر ابن الهيِّبان
روى البيهقى عن عاصم بن عمرو بن قتادة عن شيخ من بنى قريظة قال : هل تدرى عما
كان إسلام أُسَيْد وثعلبة ابنى سَعْيَة وأسيد بن عبيد، نفر من هُذَل لم يكونوا من بنى
قريظة ولا النضير ، كانوا فوق ذلك . فقلت : لا .
(١) الإمراج: أن تلقى الناقة الولد غرساً، أى على وجه جيلدة ساعة يولد فإن تركت عليه قتلته .
(٣) الذالق : الحديد الماضى .
(٢) غير ط: ونفاج - واللقاح: الإبل.
(٤) انظر ص ٢٢٧ من الجزء الأول من هذا الكتاب.
- ٢٦٠ -