النص المفهرس

صفحات 221-240

كما أُرسِل : بالبناء للمفعول .
البهاء بالمد : الحسْن . الأَشْيَبُون : بشين معجمة فمثناة تحتية فموحدة جمع أَشْيب
وهو المبيضّ الرأس .
الجحَاجح ـ بجيم فحاء مهملة فألف فجيم مهملة جمع جِحْجاج وهو السيد .
النَّشِيج - بنون مفتوحة فشين معجمة فمثناة تحتية فجيم : البكاء مع صوت .
القُصّ - بضم القاف - واحد القِسُّيسين وهم عُبّاد النصارى .
وقوله ببطن المكتين : ثنَّى مكة وهى واحدة لأَن لها بِطَاحا وظَواهر ، على أن للعرب
مذهباً فى أشعارها فى تثنية البقعة الواحدة ، ومقصدهم فى هذه الإشارة إلى جانبَىْ كلِّ
بلدة والإشارة إلى أَعلى البلد وأسفله فيجعلونها اثنتين على هذا المغزى .
تموج : أى يضرب بعضها فى بعض .
الغُلُوج - بفاء فلام مضمومتين آخره جيم : الظهور على الخصم .
عجَّت : ارتفعت أصواتها . العُروج : الصعود والعلو .
سَمَكَ - بفتحات : رَفَع .
يضجّ - بمثناة تحتية فضاد معجمة فجيم : أى يصبح .
مَتْلفة - بميم مفتوحة فمثناة فوقية فلام ففاء مفتوحتين أَى مَهْلِكة .
الخروج - بخاء معجمة مفتوحة : أى الكثيرة التصرّف .
- ٢٢١ -

الباب الرابع عشر
فى نكاحه صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رضى الله عنها وأرضاها
وسبب ذلك ما حدَّثها به غلامها مَيْسرة وما رأته من الآيات وما ذكره ابن إسحاق فى
المبتدأ قال : كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه فى المسجد فاجتمَعْن يومًا فيه فجاءهن
يهودىّ فقال: يا معشر نساء قريش إنه يوشك فيكن نبيّ فأَيكن استطاعت أن تكون فراشًا
له فلتفعل. فحصَبه النساء وقبَّحنه وأغلظن له . وأَخضت خديجة على قوله ولم تَعْرض فيا
عرض فيه النساء ووقَر ذلك فى نفسها ، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات وما رأته
هى قالت : إن كان ما قاله اليهودى حقا ما ذلك إلا هذا .
واختلفوا فى سبب الخطبة. فعند أبى سعد النيسابورى فى ((الشَّرَف)) أَن خديجة
رضى الله تعالى عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : اذهب إلى عمك فقل له : عجِّل إلينا
بالغداة . فلما جاء قالت له : يا أبا طالب ادخل على عمرو عمى فكلِّمه يزوِّجْنى من ابن
أخيك محمد بن عبد الله. فقال أبو طالب: يا خديجة لا تستهزئى. فقالت: هذا صنع الله .
فقام أبو طالب مع عشرة من قومه . فذكر الحديث .
وعند الزهرى فى سيرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة ليتحدث
عندها فلما قام من عندها جاءت امرأةٌ فقالت : خاطبًا يا محمد ؟ فقال : كلا . فقالت :
ولم ؟ فوالله ما فى قريش امرأة وإن كانت خديجة إلا تراك كُفْئًا لها. فرجع رسول الله
صلى الله عليه وسلم خاطبا لخديجه مستحيياً منها .
وعند يعقوب بن سفيان فى تاريخه عن عمار قال : مررت أنا ورسول الله صلى الله
عليه وسلم بأخت خديجة فنادتنى فانصرفت إليها ووقف لى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالت : أَمَا لصاحبك هذا من حاجة فى تزويج خديجة ؟ فقال عمار : فأخبرته . فقال : بلى
- ٢٢٢ -

لَعَمْرى . فذكرت ذلك لها ، فقالت : اغدوا علينا إِذا أَصبحنا . فغدونا عليهم فوجدناهم
قد ذبحوا بقرةً وألبسوا خديجة حُلَّة . وذكر الحديث .
وعند ابن إسحاق فى المبتدأ أنها قالت له : يا محمد أَلاتتزوج ؟ قال : ومن؟ قالت : أنا
قال: ومن لى بك ، أَنت أَيِّم قريش وأَنا يتيم قريش . قالت: اخطبنى . وذكر الحديث
وعنده فى السيرة : فلما استقر عندها ذلك ، أَى ما أخبرها به ميسرة وما رأته
وكانت امرأة حازمة شريفة لَبِيبة مع ما أراد الله تعالى بها من الكرامة والخير ، وهى يومئذ
أَوْسط قريش نسبًا وأَعظمهن شرفا وأكثرهن مالا ، وكلُّ قومها حريص على نكاحها
لو يَقْدر عليه ، عرَضتْ نفسَها على النبى صلى الله عليه وسلم فقالت له فيما يزعمون: إِنى
رغبت فيك لقرابتك وسِطَتك فى قومك وأمانتك وحُسْن خُلقك . فلما قالت له ذلك ذكره
لأَعمامه . وذكر الحديث .
وروى ابن سعد عن نفيسة بنت مُنْيَة قالت : كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة
جَلْدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير ، وهى يومئذ أوسط قريش نسَباً وأعظمهم
شرفا وأكثرهم مالا وكلُّ قومها كان حريصا على نكاحها لو قَدَر على ذلك قد طلبوها
وبذلوا لها الأَموال ، فأرسلتنى دَسِيسا إلى محمد بعد أن رجع فى عِيرها من الشام فقلت :
يا محمد ما يمنعك أن تتزوج ؟ فقال : ما بيدى ما أتزوج به . قلت : فإِن كُفيتَ ذلك
ودُعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة أَلا تُجيب ؟ قال : فمن هى ؟ قلت : خديجة .
قال : وكيف لى بذلك ؟ قالت : قلت : علىّ . قال: فأَنا أَفعل . فذهبت فأَخبرتها فذكرت
الحديث . قالت : فأرسلتْ إِليه أَن انت ساعة كذا وكذا . فحضر وأرسلت إلى عمها
عمرو بن أَسَد ليزوجها(١) .
وعند ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مع عمه حمزة . وعند
النيسابورى فى الشَّرف أَن أَبا طالب خرج مع عشرة من قومه حتى دخلوا على عمها فخطبها
فزوَّجه . فقال عمرو بن أَسد : هذا الفَحْلِ لا يُقْدَعِ أَنْفه .
(١) طبقات ابن سعد ١٣١/١ (ط بيروت).
- ٢٢٣ -

قال ابن هشام : أَصْدَقها عشرين بَكْرة . وقال البلاذريّ والدمياطى: اثنتى عشرة
أوقية ونَشَّ (١). قال المحب الطبرى : ذَهبًا .
وذكر أبو الحسين بن فارس وغيره رحمهم الله تعالى أن أبا طالب خطب يومئذ
فقال : الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم وزَرْع إسماعيل وضئضىء مَعدّ وعنصر مُضّر ،
وجعلنا حَضنة بَيْتِه وسُوَّاسِ حَرَمه وجعل لنا بيتا مَحْجُوجا وحرَمًا آ منا وجعلنا حُكَّام الناس
ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد الله لايُوزَن به رجلٌ إلا رجح به شرَفاً ونُبْلا وفضلا
وعَفْلا وإن كان فى المال قِلاّ(٢) فإن المال ظل زائل وأَمْر حائل وعارية مُسْتَرْجعة، وهو واله
بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل ، وقد خطب إليكم رغبةً فى كريمتكم خديجة وقد بذل
لها من الصداق حكمكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ونشًّا .
فقال عمرو بن أسد عمها : هو الفحل لايُقْدَع أَنفه. وأَنكحها منه . ويقال : إِن ورقة
هو الذى قاله .
قال ابن إسحاق فى المبتدأ : وكان تزويجه لها بعد مجيئه من الشام بشهرين وخمسة
وعشرين يوما عقب صفر سنة ست وعشرين .
قال الزهرى : وقال راجزٌ من أهل مكة فى ذلك :
لا تَزْهدى خَدِيجُ فى محمد نَجْم يضىء كما أَضاءِ الفَرْقدُ
تَنْيَهَاتُ
الأول : ما تقدم من أن عمها هو الذى زوَّجها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذكره
أكثر علماء أهل السير . قال السُّهيلى: وهو الصحيح، لما رواه الطبرى عن جُبير
ابن مُطْعِم وابن عباس وعائشة كلهم قال : إن عمرو بن أسد هو الذى أنكح خديجة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن خويلد كان قد هلك قبل الفِجَار. ورجِّحه الواقدى
وغلَّط من قال بخلافه .
(١) أنساب الأشراف ٩٧/١. قال: والأوقية أربعون درهما .
(٢) فى الأصول: قل . ولعله تحريف .
- ٢٢٤ -

وقال عمر بن أبى بكر المؤمُّلىّ : المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذى زوجها
منه .
وذكر الزهرى فى سيرته أَن خُوَيْلداً أباها الذى زوَّجها منه وكان قد سَكِر من خمرٍ ،
فألقت عليه خديجة حُلَّة وضمَّخْه بخَلُوق فلما صحًا من سُكْره قال : ما هذه الحلة
والطيب ؟ فقيل : إنك أَنكحت محمدا خديجةً وقد ابتنى بها . فأنكر ذلك ثم رضيه
وأَمضاه . ووافقه ابن إسحاق على ذلك ، وذكر ابن إسحاق فى آخر كتابه أن عمرو بن
خويلد أخاها هو الذى زوَّجها . فالله أعلم (١) .
الثانى : اختلف فى قَدْر عمر خديجة وعُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ فقيل:
كان عمره صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة. قال فى ((الغُرر)) وهو الصحيح الذى
عليه الجمهور . وقطع به أبو عمرو الحافظ عبد الغنى المقْدِسى.
وقيل : إحدى وعشرين سنة. وقدَّمه فى ((الإِشارة(٢) )).
وقيل : تسعا وعشرين وقد راهَق الثلاثين . قاله البَرْقى . وقيل ثلاثين . وقيل سبعا
وثلاثين وقيل غير ذلك .
قال فى ((الغُرَر(٢)) وهذه الأقوال الأربعة ضعيفة ليس لها حجة تقوم على ساق .
وقيل: كان عمرها رضى الله عنها أربعين سنة. وصححه فى ((الغُرَر)) وقيل خمساً
وأربعين وقيل ثلاثين وقيل ثمانية وعشرين .
الثالث: ذكر الحافظ يعقوب بن سفيان فى كتاب « ما روى أَهلُ الكوفة مخالفاً لأهل
المدينة)) أَن عليًّا ضَمِنِ المَهْرَ وقال: هذا غلط .
قال فى ((الزَّهْر)) قد وجدنا ما ينفى الغلط وهو ما ذكره ابن إسحاق فى المبتدأ :
أَن عليًّا قال: أرسلنى أبى أنه يضمن لكم المهر فزوجوه . قال: فهذا يبيِّن لك معنى
ما أُشْكِل على يعقوب ويوضحه .
(١) سيرة ابن كثير ٢٦٦/١، ٢٦٧.
(٢) انظر المقدمة فى الجزء الأول لمعرفة هذه الكتب ومؤلفيها.
- ٢٢٥ -
(١٥ - سبل الهدى والرشاد ج ٢)

وتعقبه الحافظ فى الحاشية بأَن عليا كان كما ولِد أو لم يكن حينئذ وُلِد ، على
جميع الأقوال فى مقدار عمره. وتعقب فى ((الغُرَر)) كلام ((الزَّهْر)) أَيضا بأَن عليا
لم يكن ولد كما سنذكر الخلاف فى سنه حين أسلم . والصحيح أنه ثمانية وعند آخرين
عشرة وعلى الأُول يكون مولده سنة اثنتين وثلاثين من مولد النبى صلى الله عليه وسلم
وعلى الثانى: يكون سنة ثلاثين . فيكون تزوج النبي صلى الله عليه وسلم قبل مولده بسبع
سنين أو خمس . والله تعالى أعلم .
الرابع : فى بيان غريب ما سبق .
جَدْدة - بفتح الجيم وإسكان اللام وبالدال المهملة : الصُّلْبة القوية .
الحَزْم : ضَبط الشخص أمرَه وأَخْذه بالثقة ، وقد حَزُم الرجل بالضم فهو حازم .
السِّطة - بسين مكسورة وطاء مفتوحة مهملتين . قال السهيلى : هى من الوسط مصدر
كالعِدَة والزِّنَة ، يعنى من الوعد والوزن . والكلمة أَصلها الواو، والهاء ◌ِوضُ عنها.
والوسط من أوصاف المدح والتفضيل ولكن فى مقامين: فى ذِكْر النَّسَب وفى ذكِر
الشهادة . أما النسب : فلاَّن أَوسط القبيلة أَعْرَقها وأَوْلاها بالصَّميم وأبعدها عن الأطراف
وأَجْدَر أَن لاتضاف إليه الدعوى ، لأَن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب
فكان الوسطُ من أجل هذا مدحاً فى النسب لهذا السبب . وأَما فى الشهادة فنحو قوله تعالى :
(قال أَوْسَطهم))(١) (( وكذلك جعلناكم أُمَّةً وسَطاً لتكُونوا شُهَداء على الناس)(٢) وكان هذا
مَذْحا فى الشهادة لأَن غاية العدالة فى الشاهد أن يكون وسطا كالميزان لا يميل مع أحد بل
يصمِّم على الحق تصميما ، لا يَجْذبه هوى ولا تميل به رغبة ولا رهبة من هاهنا ولا من
هاهنا فكان وصفه بالوسط غاية فى التزكية والتعديل وظن كثير من الناس أن معنى
الوسط الأفضل على الإطلاق، وقالوا معنى الصلاة الوسطى الفُضْلى ، وليس
كذلك بل هو فى جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم كما يقتضى لفظ التوسط فإذا كان
وسطا فى السِّمَن فهو بين المُمِخَّةِ (٣) أَى السمينة والعَجْفاء. والوسط فى الجمال بين الحسناء
(١) سورة ن ٢٨.
(٣) يقال: أنحت الشاة إذا سمنت.
(٢) سورة البقرة ١٤٣ .
= ٢٢٦ -

وَالشُّوْهاء إلى غير ذلك من الأوصاف لا يعطى مدحاً ولاذما . غير أنهم قد قالوا فى المثل :
أَنْقَل من مُغَنَّ وسط على الذم لأَن المغنى إن كان مجيدا جدا أَمْتَع وأُطْرَب وإن كان باردا
جدا أضحك وأَلهى وذلك أَيضا مما يُمْتع. قال الجاحظَ: وإنما الكَرْب الذى يَجْم على
القلوب ويأُخذ بالأنفاس الغناء الفاتر الوسط الذى لايُمْتع بصوت(١) ولا يُضْحك بلهو.
وإذا ثبت هذا فلا يجوز أن يقال فى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أَوْسَط الناس .
أَى أَفضلهم ولا يوصف بأنه وسط فى العلم ولافى الجود ولافى غير ذلك إلافى النَّسَب والشهادة .
دَسِيساً : بفتح الدال وسينين مهملتين الأولى مكسورة بينهما مثناة تحتية ساكنة
يقال دسَسْت الشىء فى الشىء إذا أَخفيته فيه. والدَّسِيس إخفاء المكر.
الصِّئْضىء بكسر الضادين المعجمتين وبهمرتين الأولى ساكنة ويقال فيه ضِئضىء بوزن
قنديل وضُؤْضُوْ بوزن هُذْهُد، وضُؤْضُوء بوزن سُرْسُور ، ويقال أيضا بصادين وسينين
مهملتين ، وهو فى الجميع : الأصل والمعدِن .
العنصر : بعين مهملة مضمومة فنون ساكنة وصاد مهملة مضمومة وقد تفتح : الأصل
الفَحْل : بناء فحاء مهملة : معروف .
لا يُقْدَع : بمثناة تحتية مضمومة فقاف ساكنة فدال مفتوحة فعين مهملتين قال
فى الصحاح : قدَعْتُ فَرسى أَقْدَعه قَدْعا : كَبَحْتُه وكَفَفْته ، فهو فرس قَدُوع أى يحتاج
إلى القَدْعِ ليكفَّ بعضَ جَرْيه . وهذا فحل لا يُقْدَع أَى لايُضرب أَنفُهـ ، وذلك إِذا كان
كريما . وفى النهاية : يقال: قدعت الفحلَ وهو أن يكون غير كريم فإذا أراد ركوب
الناقة الكريمة ضُرب أنفه بالرمح أو غيره حتى يرتدع وينكفّ. ويروى بالراء .
التضمُّخ : التلطخ .
الخَلُوق : بفتح المعجمة طيب يُخْلط بزعفران .
النَّشّ : بنون مفتوحة فشين معجمة : نصف أوقية ، والأوقية أربعون درهما ، فيكون
جملة الصداق خمسمائة درهم شرعى .
(١) غير ط: لا يمتع بحسن.
- ٢٢٧ -

الباب الخامس عشر
فى بنيان قريش الكعبة
وكان بناؤهم لها لأُمور :
الأول : توهينها من الحريق الذى أصابها ، وذلك أَن امرأة جَمَّرت الكعبة فطارت
شرارة من مجمرها فى ثياب الكعبة فاحترقت . .
الثانى : أَن السيل دخلها وصدَّع جدرانها بعد توهينها .
الثالث : أَن نفرا سرقوا حُلَّ الكعبة وغزالين من ذهب . وقيل غزال واحد مُرَصّع بدرّ وجوهر
وكان فى بئر فى جوف الكعبة ، وكان الذى وجد عنده دُوَيْك مولى لبنى مُلَيْح ابن عمرو
من خُزَاعة فقطعت قريش يده . وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دُوَيْك .
فأرادوا أَن يشدُّوا بنيانها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا ، وكان البحر
قد رمى بسفينة إلى جُدَّة لرجل من تجار الروم اسمه باقوم - بباء موحدة فقاف مضمومة -
وكان بانيا فتحطمت ، فخرج الوليد بن المغيرة فى نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا
خشبها وكلموا الرومى باقوم فقدٍم معهم فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيف الكعبة :
قال الأَموى : كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل له آلات البناء من الرخام
والخشب والحديد ، سرَّحها قيصر مع باقوم إلى الكنيسة التى أَحرقها الفرس بالحبشة ،
فلما بلغت مرساها من جُدَّة بعث الله تعالى عليها ريحا فحطمتها(١).
قال ابن إسحاق : وكان بمكة رجل قبطى نجار ، فتهيأُ لهم فى أنفسهم بعضُ ما يصلحها .
وكانت حَيَّة عظيمة تخرج من بئر الكعبة التى كان يُطْرح فيها ما يُهْدى لها فتشرَّقُ على
(١) السيرة النبوية لابن كثير ٢٧٦/١.
- ٢٢٨ -

جدار الكعبة، وكانت ممّا بهابون ذلك أنه لا يدنو منها أحدٌ إلا اخْزألَّت(١) وكَشَّت وفتحت
فاها فكانوا يهابونها .
وحكى السُّهيلى عن رَزِين أن سارقا دخل الكعبة فى أيام جُرْهٍ ليسرق كنزَها فانهار البئرُ
عليه حتى جاءوا فأخرجوه وأَخذوا ما كان أَخَذه . ثم سكنت البئرَ حَيّة كرأس الجَدْى
وبطنها أبيض وظهرها أسود. فأقامت فيه خمسمائة سنة ، وهى التى ذكرها ابن إسحاق .
قال ابن عُقْبة: وزعموا أنها إذا أحاطت بالبيت كان رأسها عند ذَنّبها(٢).
فبينا هى ذات يوم تشرَّق على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله تعالى طائرا
فاختطفها فذهب بها فقالت قريش عند ذلك إنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد رضِى ما أردنا ،
عندنا عامل رَفِيق وعندنا خشَب ، وقد كفانا الله تعالى الحية .
فلما أجمعوا أمرهم فى أمرها (٣) وبنيانها قام أَبو وَهْب بن عمرو بن عائذ. قال ابن
إسحاق : بن عبد بن عمران . وقال ابن هشام : عائذ بن عمران ثم اتفقا فقالا : ابن
مخزوم . وهو خال أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شريفا فتناول حَجرا من الكعبة
فوثب من يده حتى رجع إلى مكانه فقال : يا معشر قريش لا تُدْخلوا فى بنيانها من كَسْبكم
إلا طيِّبًا لا يدخل فيها مهر بَغِىّ ولا بَيْع ربا ولا مَظْلَمة أحد من الناس.
وبعض الناس يَنْحل هذا الكلام إلى الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .
ثم إن قريشا تجزَّأَت الكعبةَ فكان شِقّ الباب لبنى عبد مناف وزُهْرة . وكان ما بين
الركن الأسود والركن اليمانى لبنى مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم . وكان ظَهْر
الكعبة لبنى جُمَح وبنى سَهْم ، وكان شِقّ الحِجْر لبنى عبد الدار بن قُصَىّ، ولبنى أسد بن
عبد العُزَّى بن قُصَىّ ولبنى عدى بن كعب ، وهو الحَطيم (٤). فأمروا بالحجارة تجمع وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم .
(١) كذا بالأصل، بالخاء المعجمة، وسيأتى فى التنبيهات ضبط الكلمة بالحروف ، بالخاء المعجمة أيضاً . وفى ابن
هشام : احز ألت . بالحاء . وكذا فى سيرة ابن كثير ٢٧٧/١ .
(٢) سيرة ابن كثير ٢٧٥/١.
(٣) كذا بالأصل وفى ابن هشام: فى هدمها. وعند ابن كثير : لهدمها .
(٤) السيرة النبوية لابن هشام ١٩٢/١ - ١٩٥ ( ط الحلبى الثانية).
- ٢٢٩ -

روى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال : لمّا بُنيت الكعبة ذهب
رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس ينقلون الحجارة فقال العباس للنبي صلى الله عليه
وسلم اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة . ففعل وكان ذلك قبل أَن يُبعث فخرَّ إِلى
الأرض فطمحت عيناه إلى السماء فقال: إزارى .. إزارى. فشدَّه عليه. وفى رواية: فسقط
مغشيا عليه فما رئى بعدُ عُرْيانا (١).
وروى عبد الرزاق والطبرانى والحاكم عن أبى الطُّفَيْل رضى الله عنه قال : كانت الكعبة
فى الجاهلية مينية بالرَّضْم ليس فيها مَدَر، وكانت قَدْر ما تقتحمها العَناق ، و کانت ثيابها
فأقبلت
توضع عليها تُسْدل سَدْلا ، وكانت ذات ركنين كهيئة هذه الحلقة
سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبا من جُدة انكسرت فخرجت قريش لتأُخذ خشبها
فوجدوا الرومىَّ الذى(٢) فيها نَجَّارا، فقدموا به وبالخشب ليبنوا به البيت فكانوا كلما
أرادوا القرب منه لهَدْمه بدت لهم حَيَّة فاتحةٌ فاها ، فبعث الله تعالى طيرا أعظم من النِّسْر
فغَرز مخالبه فيها فألقاها نحو أَجْيَاد ، فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادى
فرفعوها فى السماء عشرين ذراعا ، فبَيْنا النبى صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة من أجياد
وعليه نَمِرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صِغَرها فنودى :
يا محمد خَمِّر عورتك . فلم يُرَ عريانا بعد ذلك(٣).
قال ابن إسحاق: ثم إن الناس هابوا هدمها وفَرِقِوا منه . فقال الوليد بن المغيرة :
أَنا أَبدؤكم فى هدمها . فأَّخذ المعْول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم تُرَعْ . ويقال
لم نُرع ، اللهم لا نريد إلا الخير . ثم هدم من ناحية الركنين ، فتربَّص الناسُ تلك
الليلة وقالوا : ننتظر فإن أُصيب لم نهدم منها شيئًا ورددناها كما كانت ، وإن لم يصبه
شىء هدمنا فقد رضى الله تعالى ما صنعنا . فأصبح الوليد من ليلته غاديًا إلى عمله فهدم
وهدم الناسُ حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس ابراهيم صلى الله عليه وسلم أَفْضَوا إلى
حجارة خُضْر كالأَسنمة آخذ بعضها ببعض ، فأَدخل رجل ممن كان يهدم عَتلته بین حَجرين
(١) صحيح البخارى كتاب الحج باب ٤٣ .
وصحيح مسلم كتاب الحيض حديث رقم ٧٦. ومسند أحمد ٢٩٥/٣، ٣٨٠.
(٢) ص : الذى جاء بها .
(٣) دلائل النبوة للبيهقى ٤٠٥/١ - ٤٠٦. وأخبار مكة للأزرقى ٩٩/١ - ١٠١.
- ٢٣٠ -

منها ليقلع بها بعضها فلما تحرك الحجَرُ تنقّضت مكة بأَسْرها وأبصر القوم يَرْقة خرجت
من تحت الحجر كادت تخطف بَصر الرجل فانتهوا عن ذلك(١) الأساس.
ووجدت قريش فى الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود
فإذا هو : أَنا الله ذوبَكَّة، خلقتها يومَ خلقتُ السموات والأرض وصورت الشمس والقمر ،
وحَفَفْتها (٢) بسبعة أَملاك حُنفاء لا يزول أخشباها يبارك لأهلها فى الماء واللبن .
ووجدوا فى المقام كتاباً فيه: مكة الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سُبل، لا يُحلِّها
أُولَ مِنْ أَهْلِها .
ووجدوا آخر مكتوب فيه : من يزرع خيرا يحصد غِبْطة ومن يزرع شرا يحصد ندامة
تعملون السيئات وتُجْزون الحسنات أجل كما يجتنى (٣) من الشوك العنب.
٠
...
ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن فاختصموا فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه
إلى موضعه دون الأخرى ، حتى تحاوَزوا وتحالفوا وأعدوا للقتال ، فقرَّبت بنو عبد الدار
جَفْنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عَدِىّ بن كعب على الموت وأَدخلوا أيديهم فى ذلك
الدم فى تلك الجفنة ، فسُمُّوا لَعَقَة الدم .
فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خَمْسًا ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد - فتشاوروا
وتنَاصفوا ، فزعم بعضُ أَهل الرواية أَن أَبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
وكان عامئذ أَسنَّ قريش كلها قال : يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه
أُولَ من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم. فكان أَولَ داخل رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين رضينا ، هذا محمد . فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر
قال صلى الله عليه وسلم هلم إِلىَّ ثوبًا. فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال
لتأُخذ كلُّ قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا . ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه
وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم . وكانت قريش تسمى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
قبل أن ينزل الوحىُّ : الأَّمين .
(١) ط . إلى ذلك الأساس.
(٢) دلائل النبوة البيهقى: وحفقتهما - يريد الجبلين ٤١٢/١.
(٣) كذا بالأصل، وفى ابن هشام ١٩٦/١: كما لا يحتنى من الشوك العنب.
- ٢٣١ -

قال فى ((الزُّهْر و((الإِشارة)): وكان ذلك فى يوم الاثنين.
وروى يعقوب بن سفيان عن ابن شهاب أن قريشا لما بنوا الكعبة فبلغوا موضع الركن
اختصمت فى الركن أَىّ القبائل تلى رَفْعه فقالوا : نحُم أولَ من يطلع علينا . فطلع عليهم
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو غُلام فحكَّموه فأمر بالركن فوضع فى ثوب ثم أُخْرج
سيد كل قبيلة فأعطاه ناحيةً من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركنَ فوضعه هو ، ثم
طفق لا يزداد على السِّن إِلا رضًا حتى دعَوْه الأمين قبل أن ينزل عليه الوحى ، فطفقوا
لا ينحرون جَزُورا إلا التمسوه(١) فيدعو (٢). لهم فيها.
وروى ابن سعد وأبو نعيم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ، قال : لما وضع رسول
الله صلى الله عليه وسلم الركن ذهب رجل من أهل نجد لیناول النبيِّ صلى الله عليه وسلمحجرا يشد
به الركن فقال العباس : لا . وناول العباس رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حجرا فشدَّ به
الركن فغضب النجدى وقال : واعجبا لقوم أَهل شرف وعقول وأَموال عمدوا إلى رجل
أصغرهم سنا وأَقلَّهم مالا فرأسوه عليهم فى مَكْرمتهم وحِرْزهم كأَّهم خدم له ! أَمَا والله
لَيفرِّقنهم شِيعَا وليقسمن بينهم حظوظا وجُدودا. فيقال إنه ابليس - زاد غيره : فكاد
يثير شرا فيما بينهم ثم سكّنوا(٣).
وقال هُبَيْرة بن أَبِى وَهْب المخزومىّ حين جعلت قريشٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم
حكما :
جرَتْ طيرُهم بالنَّحْس من بعد أَسْعُدِ
تشاجرت الأحياءُ فى فَصْل خطةٍ
وأَوقد نارا بينهم شرٌّ مُوقدٍ
تلاقَوْا لها بالبغض بعد مودةٍ
فلما رأينا الأَمْر قدجدَّ جِدُّه
ولم يبق شىء غير سَلِّ المهنَّد
يجىء من البَطْحاءِ عن غير مَوْعد
رضينا وقلنا العَدْل أَولُ طالع
(١) ت؛ م: إلا التمسوه فيه .
(٣) طبقات ابن سعد ١٤٦/١، (ط بيروت).
(٢) ص : حتى يدعو .
- ٢٣٢ -

فلم يَفْجَنا(١) إلا الأمينُ محمدٌ
بخير قريش كلها أمر ديمة(٢)
فجاء بأمر لم ير الناسُ مثلَهِ
أَخَذْنا بِأَكْتَاف الرِّداء وكلنا
فقال ارفعوا حتى إذا ما علَتْ به
وكان رضينا ذاك عنه بعينه
لَتلك يدٌ منه علينا عظيمة
فقلنا رضينا بالأمينِ محمـدٍ
وفى اليوم مع ما يُحْدَث الله فى الغد
أَعمّ وأرضى فى العواقب والبَدى
له حصّة من رَفْعه قبضةَ اليد
أَكَفّ إليه قَزَّ فى خيرٍ مُسْنْدٍ
وأعظمْ به من رأى هادٍ ومُهتد
يروح بها رَكب العراق ويغتدِى
٠ ٠٠
ولما بنت قريش الكعبة جعلت ارتفاعها من خارجها من أعلاها إلى الأرض ثمانية
عشر ذراعا ، منها تسعة أذرع زائدة على طولها حين عمرها الخليل صلى الله عليه وسلم
واقتصروا من عرضها أذرعا جعلتها فى الحجر لقصَر النفقة الحلال التى أَعدُّوها لعمارة
الكعبة عن إدخال ذلك فيها ، ورفعوا بابها ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ، وجعلوا
فى داخلها ستّ دعائم فى صفين ، ثلاثٌ فى كل صف من الشِّق الذى يلى الحجر إلى الشق
اليمانى وجعلوا فى ركنها الشامى من داخلها درجة يصعد منها إلى سطحها وجعلوه مسطَّحا وجعلوا
فيه ميزابا يصبّ فى الحِجْر .
تَنْيَهَاتُ
الأول : اختلف فى سن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ .
فقيل : كان ابن خمس وثلاثين. وقدَّمه فى (( الإِشارة)).
وحكى الأزرقى قولا أن النبى صلى الله عليه وسلم لما بنيت الكعبة كان غلاما .
قال الحافظ : ولعل عمدته ما رواه عبد الرازق عن مَعْمَر عن الزَّهرى قال : لما بلغ
(١) لم يفجنا : لم يفجأنا، وسهلت الهمزة لوزن الشعر
(٢) كذا فى ت، وفى ط : أمس شيمة. وفى ص : أمر أليمة.
والديمة فى الأصل: مطر يدوم بغير رعد ولا برق. وفى الحديث: ((كان عمله صلى اللّه عليه وسلم ديمة)).
- ٢٣٣ -

رسول الله صلى الله عليه وسلم الحُلم أَجْمرت امرأةٌ الكعبة فطارت شرارة من مِجمرها فى
ثياب الكعبة فاحترقت فذكر القصة .
"وروى عبد الرزاق عن ابن جرَيْج عن مجاهد أن ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة
وكذا رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن جُبَيْر وبه جزم موسى بن عقْبةٍ فى مغازيه.
والذى جزم به ابن إسحاق أن بنيان قريش كان قبل المبعث بخمس سنين(١). قال الحافظ:
.وهو أَشْهر قال : ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدَّم وقتُه على الشروع فى البناء .
وقيل : ابن خمس وعشرين ، وغلِّط قائله .
الثانى : فى بيان غريب ما سبق .
تُجْمِرها: بضم المثناة الفوقية وإسكان الجيم وكسر الميم يقال أَجمَر وجَمَّر لغتان، أَى
تُبخّرها .
شَرَارة : واحدةِ الشَّرار وهو ما يتطاير من النار. وكذا واحدةُ الشَّرَر: شَرَرةُ . المَجْمَرة :
بفتح : الميم الأُولى.
.: دُوَيْك: تصغير دِيك. مُلَيْح: بضم الميم وفتح اللام وبالحاء المهملة .
باقُوم بباء موحدة فقاف فواو .
العَتلة : الهَراوة الغليظة . تنَقَّضت : بمثناة فوقية فنون مفتوحتين فقاف فضاد معجمة.
ساقطة : أى اهتزت .
مَرْسَى السفينة : مكان وقوفها بالبَرّ .
الرَّضمْ : الحجارة يجعل بعضها على بعض . تَشرِّق : بمثناة فوقية فشين معجمة فراء
مفتوحات فقاف ،أَى تبرز للشمس .
اخْزألَّت بخاء معجمة(٢) فزاى فهمزة مفتوحة فلام مشددة فتاء تأنيت أَى رفعت
ذنبها والمخزئلّ : المرتفع .
(١) سيرة ابن هشام ١٩٢/١.
(٢) كذا بالأصول وهو خطأ. قال فى القاموس: احزال - بالحاء المهملة - البعير فى السير احز ئلالا: ارتفع.
والجبل: ارتفع فوق السراب، والشىء : اجتمع . وليس هناك مادة اخزأل . بالخاء المعجمة .
- ٢٣٤ -

كثّت : صوّتت . ويقال : الكشيش صوت جلدها .
البغىّ . : الفاجرة .
الشّق: هنا - بكسر الشين المعجمة الناحية والجانب. وأصل شِقّ الشىء: نصفه يقال:
هذا شْقَ الشىء وثِقَّته ، بمعنىٌ.
الحَطِيم : سمِّى بذلك لأَن الناس يزدحمون فيه حتى يَخْطم بعضهم بعضا . وقيل لأَن
الثياب كانت تجرد فيه عند الطواف .
فَرِقِوا : خافوا .
تحاوزوا : بمثناة فوقية فحاء مهملة فألف فواو فزاى : أى انحازت كلُّ قبيلة إلى جهة .
هلم : كلمة سمى بها فعل(١) . وفيها لغتان فلغة أَهل الحجاز لا يُثَنُّونها ولا يجمعونها
ولا يؤنثونها ولغة غيرهم ضد ذلك . ومعناها : أُقبل .
تجزّأَت : اقتسمت .
لم تُرَعْ: بمثناة فوقية فراء مفتوحة : أَى لم تُفْزَع ، أَى الكعبة . فأَضمَرِها لتقدم
ذكرها. ويروى : لم نَزِغْ بفتح النون وكسر الزاى وبالغين المعجمة أَى لم نّمِلْ عن دينك
ولاخرجنا عنه ، يقال زاغ عن كذا إذا خرج عنه .
الأُسْنمة : جمع سَنّام ، وهو أَعلى الظهر . وأراد: أَن الحجارة دخل بعضُها فى بعض
كما تدخل عظام السِّنام بعضها فى بعض ، فشبَّهها بها. ومن رواه : كالأَسِنَّة جمع سِنَان:
الرمح ، شبَّهها بالأَسنة فى الخضرة .
حفَفْتُها : بحاء مهملة ففاءين ثانيهما ساكنة فتاء التكلم أحاطت الملائكة بها .
أَخْشَبا مكة : جبلاها : أبو قُبَيْس وفُعَيْقعان .
السُّبُل : جمع سبيل الطريق .
الغبطة : تمنى حصول مثل الخيز الذى فيه غيرك
(١) كذا فى ط، ص. وفى ت، م: سمى بها اسم فعل.
- ٢٣٥ ـ

. أجَلْ : كنعم وزنًا ومعنى .
الجَفْنة: كالقصعة ، والجمع جِفَان بالكسر وجَفَنات بالتحريك .
موضع الركن : أى الحجر الأسود ، سمى ركنا لأَّنه مبنى فى الركن .
الأحياء : جمع حَىّ .
خُطّة بالضم: الأمر والقصة .
طَيْرهم : حَلُّهم وبَخْتهم .
مَوْقِد . بكسر القاف.
- ٢٣٦ -

جَمَاع أبْوَابِ مَبعَثِهُ
صَلّى اللهُ عُليَةِوَسَلم

الباب الأول
فى بدء عبادة الأصنام والإِشراك بالله تعالى
كان الناس قبل المبعث من زمن نوح صلى الله عليه وسلم إلى زمن المبعث عُبَّاد أصنام
إلا من استجاب للرسل منهم وهذه الضلالة اشترك فيها العرب والعجم، وعبدَ كثير من العجم
النار وهم المجوس فاتخذوا بيوتَ نيران لا تزال تَقِدُ أَبدا ، وكانت إلى هذه النيران صلاتهم
وقرابينهم ويعتقدون فيها النفع والضر . وعلى هذه الضلالة كانت ملوك الأ كاسرة .
وعبدت طائفة منهم كواكب معلومة ، وترى هذه الطوائف أن سائر ما فى العالم السفلى
المُعبّر عنه بالحياة الدنيا ناشِىء وصادِر عن الكواكب وأن الشمس هى المُفِيضة على الكل ،
واتخذت هذه الطائفة التماثيلَ من الجواهر والمعادن على أَسماءِ الكواكب وعبدَتْها وصلَّت إليها
وقرَّبت لها القرابين واعتقدت أنها تجلب النفع وتدفع الضر ويقال لهذه الطائفة الصابئة .
وقد بسط أبو جعفر ابن جرير والمسعودى وغيرهما الكلام على ذلك ومبدئه ولا حاجة
بنا إلى ذكره (١).
وأما العرب ، إلا القليل منهم ، فإنهم اتخذوا الأصنامَ وعبَدوها من دون الله تعالى ويقال
لهم : ((الذين أَشْرَكوا)) سِمَةً لهم واسمًا لَزِمهم وإنْ كان غيرهم ممن تقدم شارَكهم فى عبادة
غير الله تعالى فإن هذا الاسم لا يُطلق إلا على العرب .
وأَولُ ما حدثت عبادة الأصنام فى قوم نوح صلى الله عليه وسلم ، فأرسله الله تعالى إليهم
ينهاهم عن ذلك فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما كما قص الله خبره فى عدة آيات(٢)
واستمرت هذه الضلالة فى زمن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وقد قصَّ الله تعالى نبأَه مع
قومه فى عدة آيات(٣). واستمر هذا الأمر الشنيع إلى أن بعث الله سبحانه وتعالى فضلا
(١) انظر فى ذلك مروج الذهب المسعودى ٢٢٦/٢ (ط بيروت).
(٢) فى سور كثيرة منها يونس وهود والشعراء والقمر.
(٣) فى سور كثيرة منها الانعام وإبراهيم والأنبياء.
- ٢٣٩ -

منه ورحمة - عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فدعا الناس إلى عبادة الله تعالى وحده
فأنكر المشركون ذلك كما حكاه الله تعالى عنهم فى غير ما آية .
والسبب فى عبادة الناس الأصنام ما رواه الفاكهى عن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر قال :
أُولُ ما حدَثت الأصنام على عهد نوح ، وكانت الأبناءُ تَبرّ الآباءَ ، فمات رجل منهم فجزع
عليه ابنه فجعل لا يَصْبر عنه فاتخذ مثالا على صورته فكلما اشتاق إليه نَظره ، فمات
ففُعل به كما فعلْ حتى تتابعوا على ذلك فمات الآباءُ فقال الأبناءُ ما اتخذ هذه آباؤنا إلا
أنها كانت آلهتهم . فعبدوها .
وروى عَبْد بن حُمَيْد عن محمد بن كعب القُرَظى فى قوله تعالى ((وقالوا لا تذرُنِّ آلهتكم
ولا تذرن وَدَّا ولا سُوَاعًا))(١) قال : كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح فنشأً قوم بعدهم
يبأُخذون فى العبادة فقال لهم إبليس : لو صوَّرتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم . فصوروا ثم
ماتوا فنشأً قومٌ بعدهم فقال لهم إبليس : إن الذين كانوا مِن قبلكم كانوا يعبدونها فعبدوها (٢)
وروى أبو الشيخ فى العظمة عن محمد بن كعب القرظى قال كان لآدم خمسة بنين
وَدّ وسُوَاعٍ ويغوث ويَعُوق ونَسْرًا، فكانوا ◌ُبَّادًا ، فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزنا
شديدا فجاءهم الشيطان فقال : حَزنتم على صاحبكم هذا ؟ قالوا نعم . قال : هل لكم أن
أُصوّر لكم مثله فى قِيْلتكم إذا نظرتم إليه ذكر تموه ؟ قالوا : نكره أن تجعل لنا فى قِيْلتنا
شيئا نصّى إليه. قال فأَجْعله فى مؤخَّر المسجد ؟ قالوا: نعم . فصوره لهم حتى مات خمستهم
فصوّر صُوَرَهم فى مؤخر المسجد ، فتَنقَّضت (٣) الأَشياءُ حتى تركوا عبادةَ الله تعالى وعبدوا
هؤلاءِ، فبعث الله تعالى نوحًا فقالوا ((لا تَذَرُنَّ آلهتكم)) إلى آخر الآية.
وروى عَبْد بن حُمَيْد عن أبى جعفر بن يزيد بن المهلب قال : كان وَدّ رجلا مسلماً وكان
محبّبًا فى قومه فلما مات عسكروا حول قبره فى أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس
جَزَعهم عليه تشبَّه فى صورة إنسان ثم قال : أَرى جزعكم على هذا فهل لكم أَن أُصوِّر مِثْله
فيكون فى ناديكم فتذكرونه به ؟ قالوا : نعم . فصوّر لهم مثله فوضعوه فى ناديهم وجعلوا
(١) سورة نوح ٢٣ .
(٣) تنقضت : تبدلت واختلفت.
(٢) الاكتفا ٩٥/١.
- ٢٤٠ -