النص المفهرس

صفحات 181-200

حه
اجلّوَّذ المطر : بجيم فلام مشددة مفتوحتين فذال معجمة قال فى النهاية : امتد وقتُ
تأخّره وانقطاعه .
جَوْنى: بفتح الجيم وسكون الواو وتشديد الياء منسوب إلى الجَوْن وهو من الألوان
يقع على الأبيض والأسود ، والجمع جُون بضم الجيم ، وقيل الياء فيه للمبالغة كما يقال
فى الأحمر أحمرىّ .
السَّبَل : بسين مهملة فباء موحدة مفتوحتين المطر الجَوْد الهاطل يقال أَسبَل المطرُ
والدمع : إذا هطلا والاسم السَّبَل بالتحريك .
سَحًا : بسين فحاء مهملة مشددة مفتوحتين: يقال سَحَّ المطر والدمع وغيرهما يَسُحُ
بالضم سُحوحا وسحًا: سالَ. ويقال السَحُّ : الصبُّ الكثير .
الميمون طائره : أَى المبارك حظُّه ويجوز أن يكون أصله من الطير السارح والبارح .
العدْل بكسر العين : المثل . الخِطْر بخاء معجمة : الشبيه والمثل .
- ١٨١ -

الباب الرابع
فيما حصل له فى سنة سبع من مولده
قال الحافظ أبو الفرج ابن الجَوْزىّ فى (( الوفا)) فى سنة سَبْع من مولده صلى الله عليه
وسلم أصابه رمَد شديد فعولج بمكة فلم يُغْن فقيل لعبد المطلب إِن فى ناحية مُكَاظ راهبا
يعالج الأُّعْين فر كب إليه فناداه ودَيْره مُغْلق فلم يجبه فتزلزل دَيْره حتى كاد أن يسقط
عليه فخرج مبادرا فقال : يا عبد المطلب إِن هذا الغلام نبيّ هذه الأُمة ولو لم أخرج
إليك لخرّ على دَيْرى فارجع به واحفظه لا يقتلْه بعضُ أَهل الكتاب . ثم عالجه وأعطاه
ما يعالج به . وأُلتقى له (١) المحبةُ فى قلوب قومه وكل من يراه (٢).
عكاظ : بضم العَيْن وآخره ظاء مشالة معجمة : مكان بقرب عرفات .
(١) ط : عليه.
(٢) ط: رآه. والخبر فى الوفا لابن الجوزى ١٠١/١.
- ١٨٢ -

الباب الخامس
فى وفاة عبد المطلب ووصيته لأبى طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم
وما ظهر فى ذلك من الآيات
اختلف فى سن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات جده فقيل : وله ثمان سنين
وقدَّمه فى الإِشارة . وقيل بزيادة شهر وعشرة أيام . وقيل تسع وقيل عشر وقيل ست .
ولعبد المطلب عَشْر ومائة سنة. وقدَّمه فى الإِشارة . وقيل اثنتان وثمانون سنة ويقال
بلغ مائة وأربعة وأربعين(١) سنة. ويقال خمسا وتسعين سنة. ويقال مائة وعشرين.
قال الواقدىّ : وليس ذلك بِثَبْت .
وروى محمد بن عمر الأَسْلَمىّ عن أم أيمن أنها حَدَّثت أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يبكى خلفَ سرير عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين ودفن بالحَجُون (٢).
وروى ابن سعد عن الواقدى عن شيوخه أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
أَتذكر موتَ عبد المطلب ؟ قال : نعم أنا يومئذ ابن ثمان سنين(٣).
قال ابن إسحاق وغيره : ولما حضرت عبد المطلب الوفاةُ أَوصى أَبا طالب بحفظ رسولِ
الله صلى الله عليه وسلم وحياطته والقيام عليه، وأوصى به إلى أبى طالب، لأَن عبد الله
وأَبا طالب كانا لأم واحدة ، فلما مات عبد المطلب كان أبو طالب هو الذى يلى أَمرَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده (٤) .
وروى ابن سعد والحسن بن عرفة وابن عساكر عن ابن عباس وغيره قالوا :
لما توفى عبدُ المطلب قبض أبو طالب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فكان يكون معه ، و کان
(١) ط : مائة وأربعين.
(٢) الوفا ١٢٩/١. ودلائل النبوة لأبي نعيم ١٢٣.
(٣) الوفا ١٢٩/١.
(٤) السيرة النبوية لابن هشام ١٧٩/١.
- ١٨٣ -

يحبه حبا شديدا لا يحبُّه ولدَه وكان لا ينام إلا إلى جنبه وصبّ به صبَابةً(١) لم يصبْ
مثلها قط ، وكان يخصه بالطعام وكان عيالُ أَبى طالب إذا أكلوا جميعا أَو فرادى لم
يشبعوا وإذا أكل معهم - رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شبعوا . وكان أبو طالب إذا
أراد أن یغدِّیهم أو يُعشَّیھم یقول : کما أنتم حتی یحضر ابنی . فیأتى رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم فيأكل معهم فيُفْضلون من طعامهم ، وإن لم يكن معهم لم يُشْبعهم ، وإن كان
لبثا شرب أولَهم ثم يتناول العيال القَعْبَ فيشربون منه فيَرْوون عن آخرهم من القعب الواحد ،
وإن كان أحدُهم ◌َيشرب قَعْبا وحده فيقول أَبو طالب : إِنك لَمبارَك . وكان الصبيان
يصبحون رُمْصًا شُعْئًا و يصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دَهِينا كحيلا(٢) .
وروى أبو نعيم عن أُم أيمن قالت: ما رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شكا جوعاً
ولا عطشا لا فى كِبَره ولا فى صغره ، وكان يَغْدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما
عرضنا عليه الغداء فيقول : أَنا شبعان (٣) .
وروى الحسن بن سفيان عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : كان أبو طالب
يقرِّب للصبيان تَصْبيحهم فيضعون أيديهم فينتهبون ويكفّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
يدّه فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه .
[ تفسير الغريب ]
صّبَّ به : يقال صبِّ يَصَبُّ بالفتح صبابةً رَقِّ شوقُه.
القعب : قدح من خشب : الرَّمَص بالتحريك وسخ يجتمع فى الموق فإن سال فهو
غَمَص وإِن جَمد فهو رَمَص .
الشَّعَت : تلبد الشعر لقلة تعهُّده بالدهن .
والله تعالى أعلم .
(١) ت م : عليه.
(٢) الاكتفا ١٩٠/١ والونا ١٣٠/١. ودلائل النبوة لأبي نعيم ١٢٣.
(٣) الاكتفا ١٩٠/١ .
ودلائل النبوة لأبي نعيم ١٢٤
- ١٨٤ -

الباب السادس
فى استسقاء أبى طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم
وعطَش أبى طالب وشكواه ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم
روى ابن عساكر عن جُلْهمة بن عُرْفُطَة قال : قدمْتُ مكة وقريش فى قحط ، فقائل
منهم يقول : اعتمدوا واللات والعُزِّى . وقائل منهم يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأُخرى
فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأى: أَنَّى تؤفكون وفيكم بقية(١) إبراهيم وسُلَالة
إسماعيل . قالوا : كأَنك عنَيْتَ أَبا طالب ؟ قال: إِيهًا . فقاموا بأجمعهم وقمت معهم
فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجلٌ حسن الوجه عليه إزار قد اتَّشح به فثاروا إليه فقالوا :
يا أبا طالب أقْحط الوادى وأَجْدَب العيال فهلم فاسْتَسْقِ (٢) لنا فخرج أبو طالب ومعه
غلام كأَّنه شمس دُجُنَّة تجلّت عليه سحابةٌ قَتْماء وحوله أُعَيْلمة فأَخذه أبو طالب فَأَلْصَق
ظهره بالكعبة ولاذ بأضبعه (٣) الغلامُ وما فى السماء قَزَعة فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا
وأَغْدَق واغدوْدَق(٣) وانفجر له الوادى وأَخْصَب النادى والبادِى. وفى ذلك يقول أبو طالب:
وأَبيضَ يُسْتسفى الغَمامُ بوجهه ثِمالُ اليتامى عصمةً للأراملِ
يلوذ به الهُلَّاكُ من آل هاشمٍ فهم عنده فى نعمة وفَواضِلٍ (٤)
وقال ابن سعد : حدثنا الأزرق ، حدثنا عبد الله بن عون ، عن عمرو بن سعيد أن
أبا طالب قال : كنت بغى المجاز مع ابن أخى ، يعنى النبى صلى الله عليه وسلم ، فأدركنى
العطش فشكوت إليه فقلت : يا ابن أخى قد عطشت . وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده
(١) غير ط : باقية.
(٢) غير ط: فاستق.
(٣) كذا بالأصول. وفى الخصائص: بإصبعه. وهو تحريف، وللإنسان ضبعان فقط، والضبع: العضد كلها،
أو وسطها ، أو الإبط أوما بين الإبط إلى نصف العضد .
(٤) الخصائص الكبرى عن ابن عساكر ٢١٣/١.
وأغدق المطر: وأغدودق : كثر قطره .
- ١٨٥ -

شيئا إلا الجَزع قال : فثنى وَرِكه ثم قال: يا عم عطشتَ ؟ قلت : نعم . فأَهْوِى بعقبه
إلى الأرض فإذا أَنا بالماء فقال اشرب فشربت .
وله طرق أُخرى رواها الخطيب وابن عساكر(١).
جُلْهُمة: [ بجيم مضمومة ولام ساكنة وهاء مضمومة وميم مفتوحة ](٢)
أَنَّ: بمعنى کیف.
تؤفكون : تصرفون .
ثاروا إليه : بالمثلثة : قاموا .
دُجُنَّة بدال مهملة فجيم مضمومتين : الظُّلّة والجمع دُجُنَّات. قَتْماء: بقاف فتاء مثناة
فوقية : الغبراء ، من القَتَام بالفتح وهو الغبار.
لاذ به : طاف.
قَرَعة : سحَابة .
أَغْدَق : كَثُر .
اغدودق : كذلك .
الثِّمَال: تقدم الكلام عليه فى أسمائه صلى الله عليه وسلم (٣).
ذو المجاز : مكان على فرسخ من عرفة .
(١) الوفا ١٣١/١. وطبقات ابن سعد ١٥٢/١ (ط بيروت).
(٢) بياض بالأصل والضبط من القاموس.
(٣) الثمال: الغياث الذى يقوم بأمر قومه. وانظر أبواب أسمائه صلى الله عليه وسلم فى الجزء الأول. من هذا الكتاب.
- ١٨٦ -

الباب السابع
فى سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه الزبير بن عبد المطلب إلى اليمن
قال ابن الجوزى فى (( الوفا)): لما أَتت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة
سنة خرج فى سفر مع عمه الزبير ، فمروا بوادٍ فيه فَحْل من الإبل يمنع من يجتاز ، فلما
رآه البعير برَك وحكَّ الأَرض بكَلْكَله ، فنزل عن بعيره وركبه فسار حتى جاوز الوادى
ثم خلَّى عنه، فلما رجعوا من سفرهم مرُّوا بوادٍ مملوء ماء يتدفق فوقفوا فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : اتبعونى. ثم اقتحمه فاتبعوه فأَيْبس الله الماء . فلما وصلوا إلى مكة تحدثوا
بذلك فقال الناس إن لهذا الغلام شأنا(١) .
الكَلْكل والكَلْكال : الصَّدْر .
(١) الوفا ١٠١/١.
- ١٨٧ -

الباب الثامن
فى سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه أبى طالب إلى الشام
روى ابن سَعْد وابن عساكر عن داود بن الحُصَين - بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين -
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ابن اثنتى عشرة سنة. قال البلاذريّ: وهو الثبت(١)
وروى أبو نعيم عن على بن أبى طالب رضى الله عنه وابن سعد وابن عساكر عن عبد الله
ابن محمد بن عقيل وابن سعد عن عبد الرحمن بن أَبْزَى ، والبزار والترمذى وحسّنه عن
أبى موسى الأشعرى ، وابن سعد عن داود بن الحصين وأبو نعيم عن محمد بن عمر الأسلمى :
والبيهقى عن محمد بن إسحاق قالوا : إن أبا طالب أراد المسير فى رَكْب إلى الشام فقال لهـ
رسول الله صلى الله عليه وسلم أَى عم إلى من تُخَلِّفنى هاهنا؟ وصَبَّ به رسول الله صلى الله
عليه وسلم فرقً له أبو طالب فلما سارا(٢) أردفه خلفه فخرج(٣) به فنزلوا على صاحب دَيْر
فقال صاحب الدير : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابنى . قال : ما هو بابنك وما ينبغى
أن يكون له أَب حَىّ. قال: ولِمَ؟ قال: لأَن وجهه وجه نبى وعينه عين نبىّ. قال: وما
النبى ؟ قال : الذى يُوحَى إليه من السماء فيُنْبىء أهل الأرض. قال الله أَجَلّ مما تقول
قال : فاتق عليه اليهود .
ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دَيْر فقال : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابنى
قال : ما هو بابنك وما ينبغى أن يكون له أَب حَىّ. قال: ولم ؟ قال : لأَن وجهه وجه نبى
وعينه عين نبى . قال : سبحان الله ! أَجلّ مما تقول .
(١) الذى فى أنساب الأشراف البلاذرى ٩٦/١: ((فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة عرض لأبى
طالب شخوص إلى الشام فى تجارة)) .
(٢) غير ط : ساروا.
(٣) غير ط : فخرجوا.
- ١٨٨ -

وقال أبو طالب للنبى صلى الله عليه وسلم : يا بن أخى ألا تسمع ما يقولون ؟ قال :
أى مم لا تنكر لله قُدْرة.
[ خبر بحيرا ]
فلما نزل الركب بُصْرَى وبها راهب يقال له بَحيرا فى صومعة له قال ابن اسحاق :
وكان أَعلمَ أَهل النصرانية . فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرّون به قبل
ذلك لا يكلمهم ولا يَعْرض لهم ، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا قريبا من صومعته فرأى
وهو فى صومعته رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فى رَكْب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين
القوم ثم أَقبلوا فنزلوا فى ظلِّ شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أَظلت الشجرة
وتهصّرت أَغصانُ الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استظلّ تحتها ، فلما رأَى
بحِيرا ذلك نزل من صومعته وجعل يتخلَّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقال : هذا سيِّد العالمين هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين. فقال له أشياخ من قريش(١):
وما عِلْمك ؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يمرّ بشجر ولا حَجَر إلا خَرَّ ساجداً
ولا يسجدان إلا لنبى وإنى أعرفه بخاتم النبوة فى أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة .
ثم رجع وأمر بطعام، كثير فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إنى صنعت لكم طعاما يا معشر
قريش وإنى أحب(٢) أن تحضروا كلكم صغير كم وكبير كم وحُرّكم وعَبدكم . فقال رجل :
يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمرّ بك كثيرا فما شأنك ؟
فقال بحيرا : صدَقْت قد كان ما تقول ، ولكنكم ضَيْف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع
لكم طعاما تأكلون منه. فاجتمعوا إليه، فلما أتاهم به وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم راحَ
مع من يرعى الإِبل . وفى رواية : فتخلَّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة
سنه فى رِحَال القوم ، فلما نظر بَحِيرا لم ير الصفة التى يعرف ويجد عنده ، فقال: يا معشر
قريش لا يتخلَّفْ أَحدٌ منكم عن طعامى هذا قالوا : ما تخلَّف عنك أحد يأتيك إلا غلام
هو أَحْدث القوم سنًّا تخلَّف فى رحالنا . فقال : لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام .
فقام الحارثُ بن عبد المطلب فأَّى به ، فلما أَقبل وعليه غمامة تُظله فقالوا : انظروا إليه
(١) ط : أشياخ قريش.
(٢) ط : أرى.
- ١٨٩ -

عليه غمامة تظله . فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فَىْء الشجرة فلما جلس مال فَىْء
الشجرة عليه ، فقال : انظروا مال فَىْء الشجرة عليه هذا نبى هذه الأُمة الذى يرسله الله
إلى الناس كافة(١) .
وفى ((الزَّهْر)) نقلا عن محمد بن عمر الأَسلمى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا
فارق تلك الشجرة التى كان جالسًا تحتها وقام انفلقت من أصلها حين فازقها وجعل يُلْحظه
لحظا شديدا ينظر إلى أشياء من بدنه قد كان يجدها عنده فى صفته وقال لقومه : هذه
الحُبْرة التى فى عينيه تأتى وتذهب أولا تفارقه ؟ قالوا : ما رأيناها فارقته قط. فأَقبل
على النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتنى عما أسألك
عنه . وإنما قال له بَحِيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فقال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم : لا تسألنى باللات والعزى فوالله ما أبغضتُ بُغْضهما شيئا ، فقال له بحيرا: فبالله
إلا ما أخبرتنى عما أسألك. فقال: سَلْنى عما بدالك. فجعل يسأله عن أشياء من حال نَوْمه
ويقظته وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم - يخبره فوافق ذلك ما عند بَحِيرا من صفته )
ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته عنده فلما فرغ منه
أقبل على عمه أبى طالب فقال: ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابنى . فقال بحيرا : ما هو
بابنك وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون له أَب حى. قال : فانه ابن أَخى. قال : فما فعل
أبوه قال مات وأمه حامل به. قال : صدقت ارجع بابن أَخيك إلى بلدك(٢) واحذر عليه
اليهودَ فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لَيَبْغُنَّهُ شَرًا فإنه كائن لابن أَخيك شأن
فأَسرع به إلى بلاده ولا تذهب به إلى الروم فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه .
والتفت عنه بحيرا فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال : ما جاء
بكم؟ قالوا: جئنا إلى هذا النبى الذى هو خارج فى هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بُعث إليه ناس
وإنا قد أُخبرنا خبره بطريقك هذا . قال : أَفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع
(١) خبر بحيرا فى سيرة ابن هشام ١٨٠/١ ودلائل النبوة لأبي نعيم ١٢٥ والوفا ١٣١/١ والاكتفاء ١٩١/١ أ.
وشرح المواهب ١٩٠/١ .
قال البيهقى : هذه القصة مشهورة عند أهل المغازى وضعف الذهبى هذا الحديث . وقال ابن حجر: رجاله ثقات .
(٢) ط : إلى بلده.
- ١٩٠ -

أحدٌ من الناس ردّه ؟ قالوا: لا فبايعوه وأقاموا معه. فأَتى قريشا فقال : أنشدكم بالله أنكم
ولّه قالوا : أبو طالب . فلم یزل یناشده حتی رده أبو طالب وأرسل معه رجلا وزودهم الراهب
من الكعك والزيت(١) .
وقال أبو طالب فى هذه السَّفْرة قصائد منها ما ذكره ابن اسحاق وأبو مفان فى ديوان
شعر أبى طالب :
عِنْدى بمثلٍ مَنّازِل الأولادِ
إِنَّ ابنَ آمنة الأَمين محمدا
والعِيسُ قد قَلَّصْنَ بالأَزواد
لمَّا تعلَّق بالزُّمام رحمتُِهِ
فارفَضَّى من عَيْنَىّ دمْعٌ ذارفٌ
راعيتُ منه قَرابةً موصولة
وأَمَرْتُه بالسِّير بين عمومة
ساروا لأَبعد طَيّة معلومةٍ
حتى إذا ما القوم بُصْرى عاينوا
حَبْرا فأخبرهم حديثا صادقا
قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى
ساروا لفتك محمد فتهاممُ
فثنى زبيراءَ بَجِيرٌ فانثنى
ونهى دَرِيسَا فانتهى لمّا نى
ومنها :
مثلُ الجُمَانِ مُفَرَّق الأفراد
وحفظتُ فيه وصيسة الأجدادِ
بِيض الوجوه مَصالتٍ أَنْجادِ
فلقد تباعد طيةُ المرتاد
لاقَوْا على شَرك من المرصاد
عنه ورَدَّ معاشر الحسَّادِ
ظل الغمامة ثاغرى الأكباد
عنه وأَجْهد أَحسن الاجمـــادِ
فى القوم بعد تجَادُلٍ وتَعاد(٢)
عن قول حَبْر ناطق بسداد
كأَنْ لا يرانى راجعاً لمعَادٍ
بكى خَزَنا لما رآنى محمد
وعَبْرته عن مَضْجِعِى ووسادِى
فِتُّ يجافينى تَلُّلُ دمعه
لا تخشَ منّى جفوةً ببلاد
فقلت له قرّب قُنُودك وارتحلْ
(١) الوفا ١٣٣/١. وشرح المواهب ١٩١/١.
(٢) ص: زبيرا. وقوله زبيراء يشير إلى اسم واحد من النفر الذين قدموا إلى رسول الله عند بحيرا. وفى ابن
هشام ٨٣/١: زريرا .
- ١٩١ -

وحُلِّ زِمام الّعيس وارحلْ بِنَا مَعًا
رُحْ رائحا فى الرائجِين مُشََّّعا
فُرُحْنا مع القوم التى راح رَكْبها
فما رجعوا حتى رأوا من محمد
وحتى رأوا أَخْبار كلِّ مدينة
زُبَيْرا وتَحَّاما(١) وقد كان شاهدا
فقال لهم قولاً بَحِيرا فأيقنوا
كما قال للركب الذين تَهَوَّدوا
وقال ولم يترك له النصح ردّه
فإنى أخاف الحاسدين وإنه
على عَزْمَةٍ مِنْ أَمْرنا ورشاد
لِذِى رحم والقوم غير بعَاد
يؤمُّون من غَوْرين أرض إيادٍ
أحاديثَ تَجْلو رَيْن كلِّ فؤاد
سجودًا له من عُصْبة وفُرادِ
دريسُ فهُمُّوا كلهم بفسادٍ
به بعد تكذيبٍ وطُول بعادٍ
وجاهَدهم فى الله حقَّ جهادِ
فإِنّ له أَرصاد كل مُضّادٍ
لفى الكُتْب مكتوبٌ بأَىّ مِدَادٍ
ومنها :
ألم ترنى مِنْ بَعْد هَمِّ همَنْنُه
بأَحمد لما أَن شدَدْت مطيّتى
بکی حزنا والعِیس قد فصلت بنا
ذكسرتُ أَباه ثم رَفْرقتُ عَبْرَةً
فقلت تروِّحْ راشدًا فى عمومة
فرحْنا مع العِير التى راح أَهلُها
فلما هبطنا أَرضَ بُصْرى تَشْرِّفُوا
فجاء بَحِيرا عند ذلك حاشدًا
فقال اجمعوا أصحابكم لطعامنا
يتيمًا فقال ادعوه إِنّ طعامنا
فلما رآه مقْبلا نحو داره
حتى رَأْسِه شِيْهِ السُّجود وضمَّه
بفرقةٍ حُر الوالدين كرام
برَحْلى . وقد ودِّعته بسلامٍ
وأَمسَك بالكفّين فضلَ زمامٍ
بخورًا من العينين ذات سجامٍ
مَوَاسين فى البأساء غير لثِامِ
شآمَ الهوى والأَّصل غير شَآمٍ
لنا فَوْق دور ينظرون جسامٍ
لنا بشراب طيِّب وطعامٍ
فقلنا جَمْعنا القومَ غير غلام
كثيرٌ عليه القوم غير حرام
تُوقِّيه حرِّ الشمس ظلُّ غمامٍ
إلى نَحْره والصَدْر أَىَّ ضمَامٍ
(١) فى ابن هشام ١٨٣/١ أن اسماؤهم: زرير وتمام ودريس.
- ١٩٢ -

وأقبل ركْبُ يَطْلبون الذى رأَى بحيرا من الأعلامِ وَسْط خيامِ
وكانوا ذوى مَكْر معاً وغرام
زبير وكلُّ القوم غير نِيَّسامِ
فئـار إليهم خشيةً لغرامهم
دريس وتمّام وقد كان فيهم
فردّهم عنه بحْن خصّـام
فجاءوا وقد همُّوا بقَتْل محمدٍ
فقال لهم ما أنتم بَطغامٍ
بتأويله التوراة حتى تفرقوا
وليس نهارٌ واضح كظلام (١)
فذلك مِنْ أَعلامه وبيَانه
تَبْسِهَاتُ
الأول : وقع فى حدیث أبی سعید عن الترمذى : فلم يزل بحیرا یناشد جدّه حتى ردّه وبعث
معه أبو بكر بلالا قال الحافظ شرف الدين الدمياطى وتبعه فى المورد والعیون: فى قوله: « وأرسل
معه أبو بكر بلالا)) نكارة كيف وأبوبكر حينئذ لم يبلغ العَشْر سنين فإن النبى صلى الله عليه
وسلم أَسنُّ من أبى بكر بأَزْيَد من عامين وقد قدمنا ما كان سِنّ النبى صلى الله عليه وسلم حين
سافر هذه السَّفْرة . وأيضا فإن بلالا لم ينتقل لأبى بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين
عاما ، فإنه كان لبنى خَلَف الجمَحيّين وعندما عذّب فى الله على الإِسلام اشتراه أبو بكر
رحمةً له واستنقاذًا له من أیدیهم وسیأتی بیان ذلك.
وذكر نحو ذلك الحافظ فى الإصابة وزاد أن هذا اللفظ مقْتُطع من حديث آخر أُدْرِج
فى هذا الحديث وفى الجملة هو وَهْم من أحد رواته .
وروى ابن مَنْدة بسند ضعیف عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه قال إن أبا بكر صحب
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية عشرة سنة والنبى صلى الله عليه وسلم ابن عشرين
سنة وهم يريدون الشام فى تجارة ، حتى إذا نزل منزلا فيه سِدْرة فقعد فى ظلها ومضى أبو بكر
إلى راهب يقال له بَحِيرا يسأله عن شىءٍ فقال له : من الرجل الذى فى ظِلِّ السدرة فقال
له : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب . فقال له : هذا والله نبى هذه الأُمة ما استظل تحتها
بعدَ عيسى بن مريم إلا محمد . وذكر الحديث .
(١) يتضح فى هذا الشعر المنسوب إلى أبى طالب الصنعة والركاكة ولم يروه أحد من أهل العلم بالشعر، وليس فى سيرة
ابن هشام .
- ١٩٣ -
(١٣ - سبل الهدى والرشاد ج ٢)

قال الحافظ : فهذا إن صح يحتمل أن يكون فى سَفْرة أُخرى بعدّ سفرة أبي طالب .
وذکر نحوه فى (الزِّهْر» وزاد : وقول ابن دِخْیة: یمکن أَن یکون أبو بكر استأجر بلالا حينئذ
أو يكون(١) أُمية بن خلف بعثه: غير جيِّد لأمرين.
أحدهما أن أبا بكر لم يكن معهم ولا كان فى سِنّ من يملك . وذكر نحو ما سبق فى سِنّ
النبى صلى الله عليه وسلم إذ ذاك .
ثانيهما : أَن بلالا كان أَصْغر من أبى بكر فلا يتجه ما قاله بحال .
الثانى: قوله فى الحديث: ((فبايعوه)) فى ((العيون)): إنْ كان المراد فبايعوا بَحِيرا
على مُسَالمة النبي صلى الله عليه وسلم فقريب . وإن كان غير ذلك فلا أُدرى ما هو (٢).
وقال فى ((الغُرَر)): الأول هو الظاهر ليوافق الضمير(٣) فى فيه وفى (( وأقاموا معه )) ومعناه:
فبايعوه على أن لا يأخذوا النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا يؤذوه على حسب ما أُرْسلوا فيه ،
وأقاموا مع بحيرا خوفًا على أنفسهم إذا رجعوا بدونه . وهذا وجه حسن جدا .
الثالث: وقع فى سِيرَ الزهرى أَن بحيرا كان حَبْرا من يهود تَيْماء . قال الحافظ عماد
الدين ابن كثير : والظاهر من سياق القصة أنه كان نصرانيا (٤)
قلت : وبذلك جزم ابنُ إسحاق . كما تقدم .
وقال المسعودى فى تاريخه : كان بحِيرا نصرانيا من عبد القيس (٥).
وفى تاريخ ابن عساكر أنه كان يسكن ميفعة قرية وراء دَيْر بالبلقاء(٦). وذكر الإمام
السُّروجى فى مناسكه أَن عند كفافة منزلة وادى الظَباءِ بها شجر تَمْر الهِنْدى تزعم العامة
أن صومعة بحيرا كانت هناك . قال : ولا يوقف على حقيقة ذلك .
(١) ط : وأن .
(٢) عيون الأثر ٤٣/١.
(٣) ط: ليوافق الضميرين فيه وفى أقاموا.
(٤) السيرة النبوية لابن كثير ٢٤٩/١.
(٥) مروج الذهب ٨٩/١ (ط بيروت).
(٦) سيرة ابن كثير ١٤٠/١ عن ابن عساكر.
- ١٩٤ -

وذكر القُتَّبِىّ فى (( المعارف)) أنه سُمع قبل الإِسلام بقليل هاتف يهتف: أَلا إِن خيرَ أُهل
الأَرض بَحِيرا ورِئاب بن البرَاء الشّى والثالث المنتظر . فكان الثالث رسول الله صلى الله
علیه وسلم(١) .
قال ابن قتيبة : وكان قبر رئاب الشّى وقبر ولده من بعده لا يزال يُرَى عليه طَشّ
والطش : المطر الخفيف .
ثم إن بحيرا بباء موحدة مفتوحة فحاء مهملة مكسورة فراء فأَلف قال : غير واحد
مقصورة ورأيت بخط مُغَلْطَاى وصاحب الغُرَر وغيرهما عليها مَدَّة . فالله تعالى أعلم .
قال المسعودى : واسمه سرجس(٢). كذا فيما وقفت عليه من نسخ الرَّوْض(٣). وفى النسخ
التى وقفت عليها من الإشارة جرجيس بكسر الجيمين بينهما راء وبعد الثانية مثنَّاة تحتية
فسين مهملة. وهكذا رأيته بخط صاحبها فى ((الزهر)) وصحح عليه. وكذلك هو في الإصابة
للحافظ . وجزم الذهبى فى ترجمة أبي الفتح سعيد بن عقبة من ((الميزان)) بأن بحيرا لم يدرك
البعثة(٤). وأَقرَّه الحافظ فى اللسان(٥). وهو غير مصروف للعجمة والعلمية. وهو فى الأصل
اسم نى .
الرابع : فى بيان غريب ما سبق :
صّبّ به - بصاد مهملة فباء موحدة: أَى مال إليه ورقِّ عليه. ويروى وضّبَث به بضاد
معجمة فباء موحدة فمثلثة . أَىّ تعلّق به وأمسك .
الصَّوْمعة : منزل الراهب، سميت بذلك لأنها محدّدة الرأس من قولهم ثَرِيدة مُصَمَّعة (٦)
إذا دُقَّت وحدِّد رأسُها .
(١) المعارف لابن قتيبة س ٥٨ ( ط دار المعارف).
(٢) ط : جرجس.
(٣) الروض الأنف ١١٨/١.
(٤ ) ميزان الاعتدال ١٥٣/٢ ..
(٥) لسان الميزان ٣٩/٣.
(٦) القاموس: (صبع) والثريدة: لعلها حجر أو عظم، قال فى القاموس (ثرد): والمراد من يدبح
بحجر أو عظم أو من حديدته غير حادة ، واسم ذلك المثراد .
- ١٩٥ -

تبصَّرت : مالت وتدلت عليه .
احتضنه : أخذه مع حِضْنه أَى مع جنبه .
الغُضْروف - بضم الغين وإسكان الضاد المعجمتين فراء مضمومة فواو ساكنة ففاء :
هو رأس لوح الكتف ويقال فيه غُرْضوف بتقديم الراء .
فبايعره - بفتح المثنَّة التحتية وهو خبر لا أَمر .
أَنْشُدكم - بفتح الهمزة وضم الشين : أَى أَسألكم بالله .
العِيس - بعين مكسورة وسين مهملتين بينهما مثناة تحتية : إبلٌ بِيض فى بياضها
ظُلْمة خفيّة ، والواحدة عَيْساء بفتح العين .
قلصن : ارتفعن .
ارفضَّ: سَالِ.
ذارف - بذال معمجة - يقال ذَرف الدمعُ يَذْرف ذَرْفا وذرفاناً: سَال .
الجُمَان - بضم الجيم: جمع جمانة، حبة تُعمل من الفضة كالدُّرّة. الصَّلْت: الواضح
الجبين .
أَنْجاد : أقوياء .
على شَرك : على طريق .
ثاغِرى الأكباد : أَى سقطت أكبادهم من سرعة المشى .
الفَتْك : البطش والقتل على غفلة .
القُنُود والأقتاد جمع قتد (١) : خشب الرَّجْل .
من غَوْرين : تثنية غَوْر وهو ما انخفض من الأرض .
(١) الذى فى القاموس : جمع قتاد .
- ١٩٦ -

إِيَادِ: هم بنو إياد بن نزار من معَدّ بن عدنان .
الرَّيْنَ : الغشاء الذى على القلب من ظُلْمة الذنوب .
رَفْرَقَت: براءين مهملتين وقافين قال فى الصِّحاح : رقرقتُ الماء فترقرق : أَى جاء
وذهب ، وكذلك الدمع إذا ملأَّ الحُمْلاق(١).
سِيجَامِ : يقال سجم الدمع سَجْمًا وسِجَامَا: سَال .
(١) الحملاق: باطن أجفان العين الذى يسود بالكحلة، أو ما غطته الأجفان من بياض المقلة.
- ١٩٧ -

الباب التاسع
فى حفظ الله تعالى إياه فى شبابه عما كان عليه أَهلُّ الجاهلية واشتهاره بالأخلاق -
القاضة والخصال الحميدة قبل بعثته، وتعظيم قومِه له صلى الله عليه وسلم
قال داود بن الحصين ، فيما رواه ابن سعد وابن عساكر ، وابن إسحاق فيما رواه البيهقى وغيره:
فشبَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَكْلُوُه الله ويحفظه ويَحُوطُه من أقذار الجاهلية ومَعايبها ،
لِمَا يريد به من كرامته ورسالته ، حتى بلغ أَنْ كان رجلاً أَفضلَ قومه مروءةً وأحسنهم
خُلقا، وأكرمهم حسَبًا وأحسنهم جِوَارا، وأعظمهم حِلْما ، وأَصْدَقهم حديثا ، وأعظمهم
أمانة، وأَبْعَدهم من الفُحْشَ والأخلاق التى تدنِّس الرجال تنزُّها وتكرُّمًا. ما رئی مُلاَحيًا
ولا مُمَارِيًا أَحدًا حتى ما اسمُه فى قومه إلا الأَمين لِمَا جمع الله فيه من الأُمور الصالحة(١).
وْذكر أبو هاشم محمد بن ظفَر فى ((خَيْرِ البِشرَ بخير البَشَر)): حج أَكْثُمُ بن صَيْفِى
حكيمُ العرب ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم فى سن الخُلُم، فرآه أكثم فقال لأَبى طالب :
ما أسرع ما شبّ أَخوك . فقال ليس بأَخى ولكنه ابن أَخى عبد الله . فقال أكثم أُهو ابن
الذبيحَيْن ؟ قال : نعم . فجعل يتوسَّمه ثم قال لأَبى طالب ما تظنون به ؟ قال : نحسنُ
به الظن وإنه لَوفىّ سَخِىّ . قال؟ هل غير هذا؟ قال: نعم إنه لذو شدة ولِين ومَجْلس
ركِين وفضل متين . قال فهل غير هذا ؟ قال : إِنَّا لنتيمِّن بمَشْهده ونتعرَّف البركة فيما
لمسَه بيده. فقال أكثم : أَقول غير هذا إنه ليضرب العرب قامطةً - يعنى جامعة - بيد حائطة
ورِجْل لائطة ثم ينعق بهم إلى مَرْتع مَرِيع ووِرْدٍ سريع فمن اخْرَوْرط إليه هَداه ومن احْرَوْرَف
عنه أَرْداه .
وروى ابن سعد عن الربيع بن خُثَيْم قال : كان يُتَّحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى الجاهلية قبل الإسلام(٢).
(١) سيرة ابن هشام ١٨٣/١.
(٢) طبقات ابن سعد ١٥٧/١ (ط بيروت).
- ١٩٨ -

قال ابن اسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدّث عما كان الله يحفظه فى
صِغَره من أمر الجاهلية أنه قال : لقد رأيتنى فى غلمان من قريش نَنْقل حجارة لبعض ما
يلعب به الصبيان كلنا قد تَعرِّى وأخذ إزارَه وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة فإنى
لأقبل معهم وأُدْبر إذ لكمنى لاكمٌ لكمةً شديدة (١) ثم قال: شُدّ عليك إزارك. قال:
فأَخذته فشددته علىَّ ثم جعلت أَنقل الحجارة على رقبتى وإزارى علىَّ من بَيْن أَصحابى(٢).
وهذه القصة: شبيهة بما وقع عند بناء الكعبة .
روى الطبرانى والبيهقی فی الدلائل من طریق عمرو بن قيس(٣)، وابن جرير فى التهذيب
من طريق هارون بن المغيرة ، وأبو نعيم فى المعرفة من طريق قيس بن الرَّبيع ، وفى الدلائل
من طريق شُعَيْب بن خالد، كلهم عن سِمَاك بن حَرْب ، وأبو نعيم من طريق الحكم بن أبان،
كلاهما عن عِكْرمة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : حدثنى أبى العباس بن عبد
المطلب قال: لما بنَتْ قريْشٌ الكعبة انفردتْ رجلين رجلين ينقلون الحجارة ، فكنت أنا
وابن أَخى ، فجعلنا نأُخذ أُزرنا فنضعها على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة فإذا دنونا
من الناس لبْسنا أُزرنا فبَيْنا هو أَمامى إذ صُرِع فسعيت وهو شاخص ببصره إلى السماء فقلت :
يا بن أَخى ما شأنك ؟ قال نُهيت أَن أَمشى عريانا . قال : فكتمته حتى أظهره الله ،
بنبوته(٣) .
وورد من حديث جابر وأبى الطفيل . ويأتيان .
وروى الترمذى وغيره عن أبى موسى أَن بَحِيرا حين حلف النبيُّ صلى الله عليه وسلم
باللات والعزى قال له النبى صلى الله عليه وسلم : لا تسألنى باللات والعزى شيئا فوالله
ما أبغضت بُغْضهما شيئا(٤) .
وعن على رضى الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
ما هَمَمْت بشىءٍ مما كان أهل الجاهليةِ يَهُمُّون به من الغِنَاءِ إلا ليلتين كلتاهما عصَمنى الله
(١) سيرة ابن هشام: لكن وجيعة.
(٢) سيرة ابن هشام: ١٨٣/١.
(٣) دلائل النبوة لأبي نعيم ص ١٤٧ .
(٤) دلائل النبوة لأبى نعيم ص ١٢٧ .
- ١٩٩ -

منهما . قلت ليلةً لبعض فتيان مكة ونحن فى رعاية غنم أَهلِنا فقلت لصاحبى : أَبصرْ لى
غنمى حتى أدخل مكة فأَسْمُرَ بها كما يَسْمر الفتيان . فقال : بلى فدخلت حتى إذا جئت
أُولَ دار من دور مكة سمعت عَزْفا وغَرابيل ومَزَامير . قلت : ما هذا ؟ قيل : تزوج فلان
فلانة، فجلست أَنْظر. وضرب الله على أُذنى، فوالله ما أيقظنى إلا مَسّ الشمس فرجعت إلى
صاحبى فقال : ما فعلتَ ؟ فقلت : ما فعلتُ شيئا ثم أخبرته بالذى رأَيت . ثم قلت له
ليلةً أُخرى : أَبصر لى غنمى حتى أَسْمُر بمكة . ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثلَ الذى
سمعت تلك الليلة فجلست أَنظر وضرب الله على أُذنى فوالله ما أيقظنى إلا مس الشمس فرجعت
إلى صاحبى فقال: ما فعلت فقلت لا شى ثم أَخبرته بالذى رأَيت(١) فوالله ما همَمْت
ولا عُدْت بعدهما لشىءٍ من ذلك حتى أكرمنى الله بنبوته .
رواه ابن اسحاق(٢) وإسحاق بن راهويه والبزار وابن حبّان. قال الحافظ : وإِسناده
حسن متصل(٣).
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: لما نزلتْ ((وأَنذِرْ عشيرتك الأقربين))(٤)
نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قريش بَطْنًا بطنا فقال: ((أرأيتم لو قلت لكم إنَّ
خيلاً بسَفْح هذا الجبل أَكنتم مصدِّقَّ ؟)) قالوا : نعم ما جرَّبنا عليك كَذِبا قطَّ .
رواه الشيخان(٥) .
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت زيدَ
ابن عمرو بن نُفَيْل يعيب كلَّ ما ذُبح لغير الله فما ذقت شيئا ذُبح على النَّصب حتى أكرمنى
الله برسالته .
(١) ط : ثم أخبرته الخبر.
(٢) ليس فى سيرة ابن هشام إذ أن هذا الخبر من رواية يونس من بكير عن ابن إسحق. وهو فى السيرة النبوية لابن كثير
٢٥١/١ وفى دلائل النبوة لأبي نعيم ١٤٣. والخصائص الكبرى للسيوطى ٢١٩/١ (ط القاهرة).
(٣) قال ابن كثير: ((وهذا حديث غريب جدا، وقد يكون عن على نفسه، ويكون قوله فى آخره: حتى أكرمنى
الله عز وجل بنبوته)) مقحما. والله أعلم. السيرة ٢٥٢/١.
(٤) سورة الشعراء ٢١٤ .
(٥) صحيح البخارى كتاب التفسير (سورة تبت).
وصحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٣٥٥ .
- ٢٠٠ -