النص المفهرس
صفحات 161-180
جَمَاع أبواب بَعْضِ الأمُور الكَائِنَّةِ بَعْدَ مَوْلِدُهُ وَقَبْلَ بِشَّتِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْه وَسَلّم (١١ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) الباب الأول فى وفاة أمه آمنة بنت وهب وحضانة أم أيمن له توفيت أمه وهو ابن أربع سنين. وقدَّمه فى الإِشارة. وقيل ست. وقيل سبع . وقيل تسع . وقيل خَمْس . وقيل اثنتى عشرة سنة وشهرٍ وعشرة أيام بالأَبواء . وقيل بِشعب أبى دبّ بالحَجُون . وغلِط قائله . قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب فى كَلاءة الله وحفظه يُنْبته الله نباتًا حسنًا لِمَا يريد به من كرامته، فلما بلَغ رسولُ الله صفى اله عليه وسلم ستَّ سنين توفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة(١) قال البلاَذُرىّ: وزعم بعض البصريين أنها ماتت بمكّة ودفنت فى شعب أبى دُبّ الخُزَاعى وذلك غير ثَبْت (٢) . وقال ابن سعد: هو (٣) غلط وليس قبرها بمكة، قبرها بالأَبواء وكانت أُّه قدمت به على أخواله من بنى عدىّ بن النجار تُزيره إياهم فماتت وهى راجعة به إلى مكة . قال ابن هشام : أم عبد المطلب بن هاشم: سَلْمى بنت عمرو النجَّرية فهذه الخثولة التى ذكر ابنُ إسحاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم (٤) . وروى ابن سعد عن ابن عباس وغيره قالوا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب فلما بلغ ستَّ سنين خرجت به إلى أخواله بنى عدىّ بن النجار تزورهم به (١) السيرة النبوية لابن هشام ١٦٨/١. (٢) أنساب الأشراف البلاذرى ٩٥/١. (٣) ط، ص : هذا غلط . (٤) السيرة النبوية لابن هشام ١٦٨/١. - ١٦٣ - ومعه أم أيمن رضى الله تعالى عنها تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به فى دار النابغة فأقامت به عندهم شهرًا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أموراً كانت فى مقامه ذلك ولما نظر أطمَ بنى عدىّ بن النجار عرفه فقال : كنت ألاعب أنيسةً جارية من الأنصار على هذا الأُعُم، وكنت مع الغلمان من أَخوالى نطيِّر طائراً كان يقع عليه . ونظر إلى الدار فقال : ها هنا نزلت بى أُمى وفى هذه الدار قبر أبى عبد الله وأَحْسَنْتُ العَوْمَ فى بئر بنى عدىّ ابن النجار . وكان قوم من اليهود يختلفون إليه ينظرون إليه . قالت أم أيمن : فسمعت أحدهم يقول : هذا نبىّ هذه الأُمة وهذه دار هجرته . فوعيتُ ذلك منه . ثم رجعت به أمه إلى مكة ، فلما كانت بالأبواء توفيت أمه آمنة بنت وهب ، فقبرها هناك فرجعت به أم أيمن إلى مكة وكانت تحضنه (١) . وروى أبو نعيم عن محمد بن عمر الأُسْلَمىّ عن شيوخه مثله وزاد : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنظر إلىّ رجل من اليهود يختلف ينظر إلىّ فقال : يا غلام ما اسمك ؟ قلت: أحمد، ونظر إلى ظهرى فأَسمعه يقول: هذا نبىُّ هذه الأمة، ثم راح إلى أَخوالى فأخبرهم فأخبروا أبى فخافت علىّ فخرجنا من المدينة . وكانت أُم أيمن تحدِّث تقول : أَتانى رجلان من يهود يومًا نصف النهار بالمدينة فقالا أخرجى لنا أحمد. فأَخرجته فنظرا إليه وقبِّلاه مليًّا ثم قال أحدهما لصاحبه : هذا نبى هذه الأُمه وهذه دار هجرته وسيكون بهذه البلدة من القتل والسَّبِى أَمرٌ عظيم . قالت أم أيمن : ووعيت ذلك كله من كلامهما (٢) . وروى أبو نعيم عن أُم سماعة بنت أبى رُهْم عن أُمها قالت : شهدت آمنة بنت وهب فى عِلتها التى ماتت فيها ومحمد غلام يَفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت : يا ابن الذى من حَوْمة الحِمَامِ (٣) بارك فيك الله من غلامٍ فوُدِى غَداة الضَّرْب بالسِّهامِ نجَا بَعَوْن الملِك المِنْعام (١) طبقات ابن سعد ١١٦/١ (ط بيروت). (٢) دلائل النبوة لأبي نعيم ١١٩ (ط حيدر آباد). (٣) غير ط : من حرمة الحرام. - ١٦٤ - إِنْ صحَّ ما أبصرتُ فى مَنامِ بمائة من إبل سَوامٍ من عند ذی الجلال والإ كرام فأَنت مبعوث إلى الأنام تبعث بالتحقيق والإِسلام تُبْعث فى الحلِّ وفى الحرامِ تُبْعث بالتخفيف (١) والإِسلام دِين أبيك البَرِّ إبراهام فالله أنهاك عن الأَصنَامِ أن لا تواليها (٢) مع الأقوام ثم قالت : کلّ حیّ میت و کل جدید بَالٍ و کل کبیر يَفْنى وأنا ميتة وذِكْری باق وقد تركتُ خيرا وولدت ◌ُهرا . ثم ماتت وكنا نسمع نَوْح الجن عليها فحفظنا من ذلك : ذات الجمال العَفَّة الرزينَهْ نبكى الفتاة البَرّة الأمينة أُم نبيّ الله ذى السَّكينَة زوجة عبد الله والقرينه صارت لدى حُفْرتها رهينَة وصاحب المِنْبر بالمدينة وللمنايَا شَفْرة سَنِينة لو فُوديت لفوديتْ ثمينه إِلا أَنت وقطَّعت وَتينهْ لا تُبْقِى ظَعَّانا ولا ظَعِينة عن الذى ذوالعرش يُعْلی دِینَهْ أَما هلكتِ أَيها الحزينة نبكيك للعُطْلة أو للزينه فكلنا والهة حزينه وللضعيفات وللمسكينة (٣) تنبيه روى أبو حفص ابن شاهين فى الناسخ والمنسوخ من طريق أحمد بن يحيى الحضَرمى ، والمحبُّ الطبّرى فى سيرته من طريق القاضى أبى بكر محمد بن عمر بن محمد بن الأخضر، والدارقطنى وابن عساكر كلاهما فى غرائب مالك ، والخطيب فى السابق واللاحق من طريق على بن أيوب الگمْى ، قالوا : حدثنا أبو غزيّة محمد بن يحيى الزهرى ، حدثنا (١) غير ص : بالتحقيق. (٢) ط : أن لا تواقعها. (٣) هامش دلائل النبوة لأبى نعيم ١٢٠ - ١٢١ باختصار فى الأبيات. وهى كذلك فى شرح المواهب ١٦٤/١ والخصائص الكبرى السيوطى ١٩٦/١ (ط الهراس). - ١٦٥ - عبد الوهاب بن موسى الزهرى . قال الحضرمى وابن الأخضر عن عبد الرحمن بن أبى الزِّنَاد . وقال الكَعْبى : عن مالك بن أنس. قالا عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائِشة رضى الله تعالى عنها قالت : حجَّ بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمِّر بى على عُقبة الحَجُون وهو باكِ حزين مغتمّ فبكيت لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انه طَفِيقٍ يقول: ياحُمَيْراء استمسِكى. فاستندتُ إلى جَنْب البعير فمكث عنَى طويلا ثم عاد إلىّ وهو فرح مبتسم فقلت : بأبى أنت وأمي يا رسول الله ! نزلت من عندى وأنت باك حزين مغتمّ فبكيتُ لبكائك ثم إنك عُدْت إلىّ وأَنت فَرِحِ ميتسم فممّ ذاك ؟ قال : ذهبتُ لقبر أبى فسألت اللهُ أَن يحييها فأَحياها فآمنتْ بى وردّها الله . تفرَّد بهذا الحديث أَبو غَزِيّة وتفرَّد عنه الكعبى بذكر مالك فى إسناده. قال الدار قطنى : هذا كذبٌ على مالك والحَمْل فيه على أَبى غزيّة والمتهم بوضعه هو أو من حدَّث به عنه . وهذا الحديث قد حكم بوضعه الحافظ أبو الفضل بن ناصر والجُوزَقانى وابن الجَوْزى والذهبى وأقرّه الحافظ فى اللسان ، وحكَم بوضعه جماعة سبق ذكرهم فى ترجمة عبد الله والد النبى صلى الله عليه وسلم . وجعله ابن شاهين ومن تبعه ناسخًا لأحاديث النهى عن الاستغفار (١). قلت : وهذا غير جيّد لأَن أحاديث النهى عن الاستغفار لهما بعض طُرقها صحيح . رواه مسلم وابن حبان فى صحيحيهما وهذا الحديث على تسليم ضعفه لايكون ناسخًا للأحاديث الصحيحة والله تعالى أعلم. قال أبو الخطاب ابن دحية : الحديث فى إحياء أبيه وأمه موضوع يردُّه القرآن والإِجماع قال تعالى: (( ولا الذين يَمُوتون وهم كُفَّار(٢))) وقال: ((فَيمُتْ وهو كافرٌ (٣) فمن مات وهو كافر لم ينفعه الإيمان بعد الرَّجْعة بل لو آمنَ عند المعاينة لم ينفعه ، فكيف بعد الإعادة ؟ وفى التفسير أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((ليت شِعْرى مافعل أَبوَاىَ ؟)) فنزلت (( ولا تُسْأَل عن أصحابِ الجحيمِ (٤))). (١) انظر اللآلئ المصنوعة للسيوطى ٢٦٦/١ (ط الحسينية). (٢) سورة النساء ١٨. (٣) سورة البقرة ٢١٧. (٤) سورة البقرة ١١٩. - ١٦٦ - قلت: لو اقتصر أبو الخطاب على الحُكْم بوَضْع الحديث فقط وسكَت عما ذكره لكان جيّداً وتأَدّبًا مع النبى صلى الله عليه وسلم- فى حق أبويه. وقد تعقبَّه القرطبىُّ فقال: وفيما ذكره ابن دحية نظر. وذلك أن فضائل النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه لم تزل تتوالى وتتتابع إلى حين مماته فيكون هذا مما فضله تعالى وأكرمه به ، وليس إحياؤهما وإيمانهما به ممتنعاً عقلا ولا شرعاً ، فقد ورد فى الكتاب العزيز إحياء قتيل بنى إسرائيل وإخباره بقاتله وكان عيسى صلى الله عليه وسلم يحيي الموتى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أحيا الله تعالى على يديه جماعة من الموتى . وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة فى كرامته وفضيلته مع ما ورد من الخبر فى ذلك ويكون مخصوصاً ممن(١) مات كافراً . وقوله: ((فمن مات كافراً)) إلى آخر كلامه مردودٌ بما فى الخبر أَن الله ردِّ الشمسَ على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد مَغِيبها حتى صلى علىَّ العصرَ . ذكره الطَّحَاوىّ وقال إنه حديث ثابت . فلو لم يكن رجوع الشمس نافعاً وأنه لا يتجدد الوقت لما ردَّها عليه ، فكذلك يكون إحياء أَبوى النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد قبل الله تعالى إِيمانَ قومٍ يونس وتوبتهم مع تلبّسهم بالعذاب كما هو أحد الأقوال وهو ظاهر القرآن . وأما الجواب عن الآية فيكون ذلك قبل إيمانهما وكونهما فى العذاب . انتهى كلام القرطبى . ونقله الحافظ فى شرح الدُّرَر ملخّصا له . وأَفرِّه. قال الشيخ رحمه الله : استدلاله على عدم تجدّد الوقت بقصة رجوع الشمس فى غاية الحسن ولهذا حكم بكون الصلاة أَدَاء وإلا لم يكن لرجوعها فائدة إذ كان يصح قضاء العصر بعد الغروب . قال : وقد ظفرتُ باستدلال أوضح منه ، وهو ما ورد أن أصحاب الكهف يُبعثون آخر الزمان ويحجُّون ويكونون من هذه الأُمة تشريفًا لهم بذلك. وورد عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما مرفوعاً : أَصحابُ الكهف أَعوانُ المهدى . رواه ابن مردويه فى التفسير . فقد اعتدّ بما يفعله أصحاب الكهف بعد حياتهم عن الموت . (١) غير ط: فيمن مات. - ١٦٧ - ولا بدّع فى أَن يكون الله تعالى كتبَ لأَبوَى النبى صلى الله عليه وسلم عُمْرًا ثم قبضهما قبل استيفائه ثم أعادهما لاستيفاء تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيُعتدّ به ويكون تأخير تلك البقية بالمدة الفاصلة بينهما لاستدراك الإيمان ، من جملة ما أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ، كما أَن تأخير أصحاب الكهف هذه المدة من جملة ما أكرموا به ، فيحوزون شرفَ الدخولِ فى هذه الأُمة . وأما حديث: ((ليت شعرى ما فعل أبواى)) فإنه معْضَل ضعيف لا تقوم به حجة . وقال الحافظ ابن سيِّد الناس فى ((العيون)) بعد أن ذكر أنه روى أَن الله تعالى أَحيا أبويه فآمنا به قال : وهو مخالِف لما أخرجه أحمد عن أبى رزين العقيلى قال : قلت : يارسول الله أين أبى ؟ قال : أُمك فى النار . قلت : فأَين من مضى من أهلك ؟ قال : أَمَا ترضى أن تكون أُمك مع أمى. قال : وذكر بعض أهل العلم فى الجمع بين هذه الروايات ما حاصله : أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يزَلْ راقيًا فى المقامات السنية صاعدًا إلى الدرجات العليّة إلى أن قبض الله روحه الطاهرة لديه وأَزْلفه بما خصَّه به لديه من كرامة القدوم عليه ، فمن الجائز أن تكون هذه كرامة حصلت له صلى الله عليه وسلم بعد أن لم تكن وأن يكون الإِحياء والإيمان متأخراً عن تلك الأحاديث ، فلا تعارُض . انتهى . فصيل فى الكلام على أحاديث النهى عن استغفار النبى صلى الله عليه وسلم لأبويه حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( ليت شعرى ما فعل أبواى)) فنزل (( إنا أرسلناك "بالحق بشيراً ونذيراً ولا تُسْأَل عن أصحاب الجحيم )) فما ذكرهما حتى توفاه الله . رواه ابن جَرِير (١) وغيره عن محمد بن كعب القُرَظىّ مرسلا وسنده ضعيف لا تقوم به حجة. وروى أيضاً عن داود ابن أبى عاصم نحوه وهو مُعْضَل وسنده ضعيف لا تقوم به حجة . ثم إن هذا السبب مَرْهود بوجوه أخرى من جهة الأُصول والبلاغة وأسرار البيان ، وذلك أن الآيات من قبل هذه الآيات ومن بعدها كلها فى اليهود من قوله تعالى ((يا بنى إسرائيل (١) تفسير الطبرى ٥١٦/١ ( ط الحلى). - ١٦٨ - اذكروا نعْمتى التى أَنسَّتُ عليكم وأَوْفُوا بعَهْدى أُوفِ بعَهْدكم وإياى فارهبون(١))) إلى قوله: ((وإذ ابتلى إبراهيم ربِّه بكلمات)) واختتمت القصة بمثل ما صُدِّرت به وهو قوله (((يا بنى إسرائيل اذكروا نِعْمَتى التى أَنعمتُ عليكم)) الآيتين فتبين أن المراد بأصحاب الجحيم كفار أهل الكتاب وقد ورد ذلك مصرَّحًا به فى الأَثر. روى عَبْد بن حُمَيْد والفرْيابيّ عن مجاهد قال : من أول البقرة أربع آيات فى نَعْت المؤمنين ، وآيتان فى نعت الكافرين ، وثلاث عشرة آية فى نعت المنافقين ، ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة فى بنى إسرائيل . ومما يؤيد ذلك أن السورة مدنية وأكثر ما خوطب فيها اليهود ، ويرشِّح ذلك من حيث المناسَبةِ أَن الجحيم اسمٌ لما عَظُم من النار كما هو مقتضى اللغة والآثار ، روى ابن جرير عن مالك (٢) فى الآية قال: الجحيم اسمٌ لِمَا عَظُم (٣) من النار. وروى ابن جرير وابن المنذر عن ابن جُرَيْج فى قوله تعالى (( لها سبعةُ أَبواب)) قال : أولها جهنم ثم لظَى ثم الخُطَمة ثم السَّعير ثم سَقَر ثم الجحيم ، ثم الهاوية . قال: والجحيم فيها أبوجهل(٤) . إسناده صحيح . فاللائق بهذه المنزلة من عَظُم كفره واشتد وِزْره وعانَد عند الدعوة ، وبدَّل وحَرِّف وجّحد بعد عِلْم ، لا مَنْ هو بمظنّة التخفيف. وإذا كان قد صحَّ فى أَبى طالب أَنْه أَهْوَن أَهلِ النار عَذابًا لقرابته منه صلى الله عليه وسلم وبِرّه به ، مع إدراكه الدعوةَ وامتناعه من الإجابة وطول عُمْره ، فما ظنك بأَبْوَيْه اللذين هما أَشدُّ منه قُرْبا وآكَدُ منه حبًا، وأَبْسَط عُذْرا وأَقْصَر منه ◌ُمْرا؟ فمعاذ الله أَنْ يُظن بهما أنهما فى طبقة الجحيم وأن يشدَّد عليهما العذاب العظيم هذا لا يفهمه من له أدنى ذوق . (١) سورة البقرة ٤٠ . (٢) ط : عن أبى مالك. (٣) غير ط: الجحيم ما عظم من النار. (٤) تفسير الطبرى ٣٥/١٤ الحلبى. - ١٦٩ - حديث: أنه صلى الله عليه وسلم استغفرٍ لأُمِّه فضربَ جبريل فى صدره وقال لا تَسْتَغفر لمن مات مُشْركا . رواه البزَّار وفى سنده من لا يُعْرف فلا تقوم به حجة . وأما ما يُؤْوى فى سبب نزول قوله تعالى ((ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين)» من أن النبى صلى الله عليه وسلم استغفر لأُمه فنزلت الآية . فرواه الحاكم عن ابن مسعود ، وابن جرير من طريق عطية العَوْفى ، والطبرانى من طريق عِكْرمة ، كلاهما عن ابن عباس وابن مردويه عن بُرَيْدة قال : وفيه أن قبرها بمكة . قال الشيخ رحمه الله تعالى: ( فأَما حديث ابن مسعود وإن صححه الحاكم فقد تسقِّبه الذهبى فى مختصره فقال : فى سنده أيوب بن هانئ ضعَّه ابن مَعِين . فهذه عِلة تَقْدح فى صحته . وله علة ثانية وهى مخالفته لما فى صحيح البخارى وغيره أن هذه الآية نزلت بمكة عقب موت أبى طالب واستغفار النبى صلى الله عليه وسلم له كما سيأتى فى باب موت أبى طالب . وأما حديث ابن عباس فله عِلتان : مخالفته للحديث الصحيح كما سبق وضعف إِسناده . وأما حديث بُرَيْدة فله علتان : إحداهما المخالفة فى سبب نزول الآية . والثانية : قال ابن سعد بعد تخريجه : هذا غلط وليس قبرها بمكة وقبرها بالأَبواء . قال الشيخ رحمه الله تعالى: وأصح هذه الطرق أن النبى صلى الله عليه وسلم زار قبر أُمه فى أَلْفَى (١) مُقَنَّع فما رنى أكثرباكيًا من ذلك اليوم. رواه الحاكم وصححه عن [ بُرَيْدة](٢). وهذا القَدْر لا عِلَّة له، وليس فيه مخالفة لشىء من الأحاديث ولا نَهْى عن الاستغفار ، وقد يكون البكاء لمجرد الرِّقة التى تحصل عند زيارة الموتى من غير سبب تعذيب ونحوه . ثم قال الشيخ : وقد ظفرت بأَثر يدل على أنها ماتت وهى موحّدة . فذكر أَثر أُم سماعة- بنت أبى رُهم عن أمها - السابق ثم قال : فهذا القول من أُم النبي صلى الله عليه وسلم صريح فى أنها مودِّدة إذ ذكرت دينَ إبراهيم وبَعْثَ ابنِها صلى الله عليه وسلم بالإِسلام من عند ذى (١) غير ط : فى ألف. (٢) بياض بالأصول. وما أثبته عن سيرة ابن كثير ٢٣٦/١. وفيها أورد طرق هذا الحديث ونقدها. - ١٧٠ - الجلال والإكرام ونَهيْه عن عبادة الأصنام وموالاتها مع الأقوام وهل التوحيد شىء غير هذا ؟ التوحيد الاعتراف بالله وإلهيته وأنه لا شريك له والبراءة من عبادة (١) الأصنام ونحوها. وهذا القَدْر كاف فى التبرِّى من الكفر وصفة ثبوت التوحيد فى الجاهلية قبل البعثة . وقد قال العلماء فى حديث الذى أَمر بنيه عند موته أَن يَحْرقوه ويَسْحقوه ويُذْروه فى الرِّيح وقوله : ((إِنْ قَدَر الله علىّ)) إنَّ هذه الكلمة لا تنافى الحكم بإيمانه لأنه لم يشكّ فى القدرة ولكن جهل فظن أنه إذا فعل ذلك لايُعَاد. ولا يُظَنِّ بكلِّ من كان فى الجاهلية أنه كان كافراً ، فقد كان جماعة تحنّفُوا وتركوا ما كان عليه أهل الشرك وتمسّكوا بدِين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو التوحيد ، كزيد بن عمرو بن نُفَيْل وقُسّ بن ساعدة وورَقة بن نَوْفل ، فكلهم محكوم بإيمانه فى الحديث ومشهود له بالجنة ، فلا بِدْع أن تكون أُم النبى صلى الله عليه وسلم منهم ، كيف وأكثر من تحنّف إنما كان سبب تحنّفه ما سمعه من أَهل الكتاب قُرْبَ زمنه صلى الله عليه وسلم من أَنه قَرُب بَعْث نبىُّ من الحَرم صفته كذا ، وأُم النبى صلى الله عليه وسلم سمعت من ذلك أكثر مما سمعه غيرها، وشاهدت فى حَمْله وولادته من آياته الباهرة ما يَحْمل على التحنف ضرورة، ورأت (٢) النورَ الذى خرج منها أضاءت له قصورُ الشام حتى رأتها كما ترى أُمْهاتُ النبيين صلى الله عليهم أجمعين وقالت لحليمة حين جاءت به وقد شُقّ صدره وهى مَذْعورة : أَخشيتما عليه الشيطان ؟ كلاّ والله ما للشيطان عليه سبيل وإنه لَكائن لابنى هذا شأن. فى كلمات أُخرى من هذا النمط ، وقدمت به المدينة عام وفاتها وسمعت كلامَ اليهود فيه وشهادتهم- له بالنبوة ورجعت به فماتت فى الطريق . فهذا كله مما يؤيد أنها تحنّفت فى حياتها . قال الشيخ رحمه الله تعالى: فإن قلت كيف قررت أنها كانت موحّدة فى حياتها ومتحنِّفة وقد صح أنه استأذن ربَّه فى الاستغفار لها فلم يؤذّن له. وقوله فى الحديث (( أَتِى مع أمكما)) يُؤْذِن بخلاف ذلك وهَبْك أَجبتَ عنهما فيما يتعلق بحديث الإِحياء بأنهما متقدمان فى التاريخ وذاك متأخر فكان ناسخّا ، فما تقول فى هذا ؟ فإن الموت على التوحيد ينفى التعذيب البتة ؟ (١) ط : والبراءة من الأصنام. (٢) ص : إذا رأت . - ١٧١ - قلت: أما حديث: ((((أَفِى مع أُمّكما)) وإنْ صححه الحاكم، فقد تقرر فى علوم الحديث أن الحاكمْ يَتَساهل فى التصحيح . وقال الذهبى بعد قول الحاكم فى هذا الحديث : إنه صحيح : قلت: لا والله فإن عثمان بن عُمَيْر ضعَّفه الدارقطنىُّ. فبيَّن الذهبى ضعفَ الحديث وحلف عليه يمينًا . وعلى تقدير أن يكون صحيحاً فأَحسن ما يقرّر به الجواب أن يقال : إن قوله ((أُنِّى مع أُمّكما)) صدَر قبل أَن يوحَى إليه أنها من أهل الجنة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا أدرى تُبَّعاً كان نبيًّا أم لا)) رواه الحاكم وابن شاهين من حديث أَبجم هريرة. وقال صلى الله عليه وسلم بعد أن أُوحى إليه فى شأنه: (( لا تسبُّوا تبعًا فإنه كانم قد أَسْلَم )) رواه ابن شاهين فى نُسَخْه من حديث سهل بن سعد وابن عباس. وكأنّه صلى الله عليه وسلم أولاً لم يُوحَ إليه فى شأنها شيء ولم يَبْلغه الذى قالته عند موتها ولا تذكَّره فإنه كان إذ ذاك ابنَ خمسٍ سنين ، فأَطلقَ القولَ بأنها مع أُمهما جَرْيًا على قاعدة أهل الجاهلية ، ثم أُوحى إليه فى أمرها بعد ذلك . ويؤيد ذلك أَن فى آخر الحديث نفسه ((ما سأَلتُهما ربى)) فهذا يدل على أنه لم يكن بعدُ وقعت بينه وبين ربه مراجعةٌ فى أمرها ثم وقع بعد ذلك . وأَما عدَم الإذن فى الاستغفار فلا يلزم منه الكفر بدليل أنه صلى الله عليه وسلم كان ممنوعًا فى أول الإسلام من الصلاة على من. عليه دَيْن لم يَتْرك وفاءً ومن الاستغفار له وهو من المسلمين ، وعلَّل ذلك بأَن استغفاره مجابٌ على الفَوْر ، فمن استغفر له وصلَ عَقب دعائه إلى منزله الكريم فى الجنة والمديون محبوس عن مقامه حتى يُقْضى دينه كما ورد فى الحديث ((نفسُ المؤمن معلَّقة بِدَيْنِه حتى يُقْضى (١) )) فقد تكون أمُّ النبى صلى الله عليه وسلم مع كونها متحنّقة كانت محبوسة فى البرزخ عن الجنة لأمور أخرى غير الكفر اقتضت أَن لا يُؤْذن له فى الاستغفار إذ ذاك بسببها إلى أَن أَذِن الله تعالى فيه بعد ذلك . ويحتمل أن يجاب عن الحديثين بأنها كانت موحِّدة غير أنها لم يَبْلِغها شأْنُ البعث والنُّشور وذلك أَصلٌ كبير ، فأحياها الله تعالى له حتى آمنت بالبعث وبجميع ما فى شريعته ولذلك تأخر إحياؤها (٢) إلى حجة الوداع (١) سنن الترمذى كتاب الجنائز باب ٧٦ . (٢) ط : إحياؤهما. - ١٧٢ - حتى تمت الشريعة(١) ونزل: ((اليوم أكملت لكم دينكم(٢))) فأحييت حتى آمنت بجميع ما أنزل عليه وهذا معنى نفس بليغ . وبسط الشيخ رحمه الله تعالى الكلام على ذلك فى كتابيه ((الدُّرَر الكامنة فى إِسلام(٣) السيدة آمنة)) وفى ((مسالك الحُنَفا فى والدى المصطفى)) والذى ذكرتُه خلاصتهما وفيه مناقشات ليس المقام لائقاً لذكرها . وتقدم فى ترجمة عبد الله والد النبى صلى الله عليه وسلم ما فيه مَقْنَع . وقد وقعتُ على فتوى بخط بعض علماء المغاربة بسَط فيها الكلام على هذا المقام ورجَّح ما مشى عليه الشيخ ، ومن جملة ما ذكره : أن المتكلم فى هذا المقام على ثلاثة أقسام : قسم يوجب تكفيرَ قائله وزَنْدقتَه وليس فيه إلا القَتْل دون تلعثم ، وهو حيث يتكلم بمثل هذا الكلام المؤذى فى أبويه صلى الله عليه وسلم قاصدًا لأُذيّته(٤) وتعييره والإزراء به والتجسِّر على جهته العزيزة بما يصادم تعظيمه وتوقيره(٥) . وقسم ليس على المتكلم به وَضْم وهو حيث يدعوه داع ضرورى إلى الكلام به ، كما إذا تكلم على الحديث مفسِّراً له ومقرِّراً ، ونحو ذلك مما يدعو إلى الكلام به من الدواعى الشرعية . وقسم يَخْرم علينا التكلم فيه ولا يَبْلِغ بالتكلم به(٦) إلى القتل ، وهو حيث لا يدعوه داع شرعى إلى الكلام به فهذا يؤدَّب على حسب حاله ويشدَّد فى أَدبه إن عُلم منه الجرأة وعدم التحفظ فى اللسان ، ويُعْزل عن الوظائف الشرعية . واستدل بعزل عمر بن عبد العزيز عاملَه . وسبق ذلك فى ترجمة عبد الله والد النبى صلى الله عليه وسلم(٧) . (١) ط : الشرائع. (٢) سورة المائدة الآية ٣. (٣) ط: فى إيمان. (٤) غير ص : لإذايته . (٥) غير ط : وترفيعه. (٦) ت م : ولا يباح بالمتكلم فيه. (٧) سبق ذلك فى الجزء الأول من هذا الكتاب - ١٧٣ - ثم قال : ولا ينبغى لعاقل إنكارُ ذلك . أَى حديث إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم - فكرامتُه صلى الله عليه وسلم على مَوْلاه أعظمُ من ذلك ، ولا يُتّشاغل فى هذا المقام بكونه صحيحاً ، فقد قال العلماء : أحاديثُ الترغيب والترهيب لايُشْترط فيها الصحة ، فما بالك بهذا المقام ؟ ولا مانع من صحته إن شاء الله تعالى وذلك هو الذى يغلب على ظن كل مُحب للجنَاب الشريف صلى الله عليه وسلم . - ١٧٤ - الباب الثانى فى كفالة عبد المطلب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ومعرفته بشأنه لمّا توفيت آمنةُ أُم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمَّه إليه جده عبد المطلب ورقِ عليه رقةً لم يرقِّها على ولده . قال ابن إسحاق : حدثنى العباس بن عبد الله بن مَعْبَد عن بعض أهله قال : كان يوضع لعبد المطلب فراشٌ فى ظل الكعبة وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى حتى يجلس عليه فيذهب أعمامه يؤخِّرونه فيقول جده: دَعُوا ابنى. فيمسح ظهره ويقول: إنَّ لا بنى هذا لَشأنا(١). وروى أبو نُعَيْم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما مثله . وزاد: دَعُوا ابنى يجلس فإنه يحسّ من نفسه بشىء، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم (٢) يبلغه عربى قبله ولا بعده(٣). وروى ابن سعد وابن عساكر عن الزُّهْرى ومجاهد ونافع وابن جُبَيْر قالوا : كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس على فراش جده فيذهب أعمامه ليؤخِّروه فيقول عبد المطلب : دعوا ابنى إنه ليؤنس مُلْكا(٤). وقال قوم من بنى مُدْلج لعبد المطلب : احتفظ به فإِنا لم نَرَ قَدَمًا أشبه بالقدم التى فى المقام منه (٥). وقال عبد المطلب لأم أيمن : يا بركة احتفظى به لا تَغْفلى عنه فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبيّ هذه الأُمة . (١) السيرة النبوية لابن هشام ١٦٨/١. (٢) ط : ما لا يبلغه. (٣) دلائل النبوة لأبى نعيم ١٢١ ( ط حيدر آباد الثانية) (٤) طبقات ابن سعد ٧٠/١. (٥) الاكتفاء ١٧٨/١. - ١٧٥ - وروى المحَاملىّ عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : سمعت أبى يقول : كان لعبد المطلب مَفْرش فى الحِجْر لا يجلس عليه غيره وكان حَرْب بن أُمية فمن دونه يجلسون حَوْله دون المفرش ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا وهو غلام لم يبلغ الحلُم فجلس على المفرش فجذّبه رجل فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عبد المطلب - وذلك بعد ما كُفَّ بصرهُ: ما لابنى يبكى ؟ قالوا له : أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه . فقال عبد المطلب : دعوا ابنى يجلس عليه فإنه يحس من نفسه بشرف وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربىٌ قبله ولا بعده(١). وروى البَلاذُرىُّ عن الزُّمْرى ومحمد بن السائب أن عبد المطلب كان إذا أتى بالطعام أَجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جَنْبه وربما أَقْعده على فخذه فيُؤْثره بأَطْيب طعامه ، وكان رقيقًا عليه بَرًّا به ، فربما أتى بالطعام وليس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حاضراً فلا يمسّ شيئاً منه حتى يؤتى به . وكان يُفْرش له فى ظل الكعبة ويجلس بَنُوه حول فراشه إلى خروجه فإذا خرج قاموا على رأسه مع عبيده إجلالا له و کان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى وهو غلام جَفْر فيجلس على الفراش فيأخذه أعمامه ليؤخّروه فيقول عبدُ المطلب : دعوا ابنى ما تريدون منه؟ إِن له لشأنا. ويقبّل رأسه ويمسح صدره ويُسَرّ بكلامه [ وما يَرى منه](٢) وروى أبو نُعيم عن محمد بن عمر الأَسلمى عن شيوخه قالوا : بَيْنا عبد المطلب يومًا فى الحِجْر وعنده أَسقفُّ نجران وهو يحادثه ويقول: إنا نجد صفة نبيّ بقى من ولد إسماعيل، هذا البلد مَوْلده ومن صفته كذا وكذا . وأَتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه الأَسقفُّ وإلى عينيه وإلى ظهره وإِلى قدميه فقال : هو هذا ، ماهذا منك ؟ قال : هذا ابنى. قال الأَسقف : لا ، ما نجد أباه حيّا . قال: هو ابن ابنى وقد مات أبوه وأمه حُبْلى به . قال : صدقتَ . قال عبد المطلب لبنيه : تحفظوا بابن أخيكم ألا تسمعون مايقال فيه(٣)؟. وروى البخارى فى تاريخه وابن سعد والحاكم وصححه ، عن كندير بن سعيد بن حَيْوة ويقال حَيْدة ، عن أبيه ، والبيهقى عن معاوية بن حيدة قال الأول : خرجتُ حاجًّا (١) الوفا ١٢٠/١. (٢) من أنساب الأشراف للبلاذرى ٨١/١. (٣) دلائل النبوة لأبي نعيم ١٢٢. - ١٧٦ - فى الجاهلية . وقال الثانى : خرجت معتمراً فى الجاهلية . قالا : فإذا شيخ طويل يطوف بالبيت وهو يقول : رُدّ إلىّ راکی محمدا ارْدُذه ربى واتخذ(١) عندی یدا فسألا عنه فقيل هذا سيد قريش عبد المطلب له إبل كثيرة فإذا ضل منها شىء بعث فيه بنيه يطلبونها فإذا غابوا بعث ابن ابنه ولم يبعثه فى حاجة إلا أنجح فيها ، وقد بعثه فى حاجة أَعيا عنها (٢) بنوه وقد أبطأ عليه. قالا: فلم نلبث حتى جاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالإِبل معه ، فقال له عبد المطلب : يا بنى حزنتُ عليك حزنًا لا تفارقْنى بعدُ أبدًا(٣). وروى ابن الجوزى عن أم أيمن رضى الله تعالى عنها قالت: كنت أَحْضن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فغفلت عنه يومًا فلم أدر إلا بعبد المطلب قائماً على رأسى يقول: يابركة . قلت : لبيك . قال : تَذْرين أين وجدت ابنى؟ قلت : لا أدرى . قال : وجدته مع غلمان قريبا من السِّدْرة ، لا تغفلى عنه فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبى هذه الأُمة وأنا لا آمَنُهم عليه(٤). (١) ط : واصطنع . (٢) غير ط : منها. (٣) طبقات ابن سعد ٧٠/١ القسم الأول. (٤) الوفا ١٢٠/١. - ١٧٧ - (١٢ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) الباب الثالث فى استسقاء أهل مكة بجَدِّه وهو معهم وسُقْياهم ببركته روى ابن سعد والبلاَذُرىّ وابن أبى الدنّيا والطبرانى والبيهقى عن رُقَيْقة بنت أَبِى صَيْفى ابن هاشم وكانت لِدَة عبد المطلب قالت: تتابعت على قريش سِنُون جدبة أَفْحلت الجلدّ وأَدْقَّت العَظْم ، فبينا أنا نائمة أو مهوِّمة إذا هاتف يصرخ بصوت صَحْل يقول : يا معشر قريش إن هذا النبى المبعوث منكم قد أُظلتكم أيامه وهذا إبان مَخْرَجه(١) فحىّ هلاً بالحيًا والخصب ، أَلا فانظروا رجلا منكم وَسِيطا عظَاما جسَاما أَبيض بَضَّا أَوْطَف الأهداب سهل الخدين أَثَّمَ العِرْنين له فخر يَكْظم عليه وسُنَّة يهندى (٢) إليها، فليَخْلص هو وولده وولد ولده ، وليَذْلف إليه من كل بطن رجلٌ، فليشنُّوا من الماء(٣) وليَمسُّوا من الطِّيب ثم يستلم الركن، وليطوفوا بالبيت سبعاً ثم ليرتقوا أَبا قُبَيْس فليستق الرجل وليؤمِّن القوم ، ألا وفيهم الطيب الطاهر فغثْتم إِذًا ما شئتم . قالت : فأصبحتُ مَذْعورة قد اقشعر جلدى ووَله عَقْلى واقتصيت رؤياى فنمتُ فى شعاب مكة ، فما بقى أَبطحىٌّ إلا قال: هذا شَيْبة الحَمْد . وتتأمَّتْ عنده قريش وانقضَّ إليه من كل بطن رجل فشَنُّوا من الماء ومسُّوا من الطِّيب واستلموا وطافوا ثم ارتقوا أَبا قُبَيْس فَظْفِقِ القومُ يَدلِفون حوله ما إِن يُدْرك سَعْيهم مُهْلة، حتى قَرّ لذروته، فاستكفُّوا جانبيه ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ غلام قد أَيْفَع أَوكرب فقام عبدُ المطلب فقال: اللهم سادَّ الخَلَّةِ وكاشف الكُرْبة أنت عالم غير مُعَلَّم ومسئول غير مُبَخّل وهذه عبادك وإِماؤك بعَذْرات حَرَمك(٤) يَشْكون إليك سنتَهم التى قد أَفْحلت الظُّلْف والخُفَّ فَأَمْطِرْنا الله (١) ط : خروجه. (٢) ط: نهتدى. وفى أعلام النبوة للماوردى والوفا: وسنه يهدى إليه. (٣) ط: بالماء. (٤) غير ط : رحمتك . - ١٧٨ - ** غيئًا مَرِيعًا مُغْدِقًا. فما برحوا حتى انفجرت السماء بمائِها وكَظَّ الوادِى بثجيجه فلَسمعت شيخان قريش وهى تقول لعبد المطلب : هنيئًا لك أبا البطحاء بك عاش أَهلُ البطحاء . وفى ذلك تقول رُقيقة بنت أبى صَيْفی : وقد فقَدْنا الحيا واجلوَّذَ المطرُ بشيبة الحمد أستی الله بلدتنا سَحَّا فعاشت به الأَنعامِ والشجرُ فجاد بالماء جَوْنىّ له سَّبلٌ وخَيْر من بشّرت يوماً به مُضَرُ سَيْلٌ من الله بالميمون(١) طائره ما فى الأنام له عِدْل ولا خطَّرُ (٢) مبارَك الأمر يُسْتسقى الغمامُ به [ تفسير الغريب ] رُقَيْقة : براء مضمومة وقافين مصغرة ، بنت أبى صيفى بن هاشم بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية والدة مَخْرمة بن نوفل . ذكرها ابن سعد فى المسلمات المهاجرات (٣). لِدَة الرجل : تِرْبه الذى ولد هو وإياه فى وقت واحد . التتابع : بمثناتين فوقيتين فألف فمثناة تحتية فعين مهملة قال فى النهاية : الوقوع فى الشر من غير فكرة ولا رويّة والمتابعة عليه ، ولا يكون فى الخير . وقال غيره : التتابع بالموحدة يقال فى الخير ، والمثناة يقال فى الشر . السُّنون : جمع سَنة وهى الجَدْب بفتح الجيم وسكون الدال المهملة نقيض الخِصْب . أَفحلت : بقاف فحاء مهملة: أَيْبست. مُهَوِّمة: بضم الميم وفتح الهاء وكسر الواو المشددة قال فى النهاية : التَّهْويم : أول النوم ، وهو دون النوم الشديد . الهاتف : ما يُسمع صوته ولا يرى شخصه . بصوت صَحِل : بصاد مفتوحة فحاء مهملتين فلام أى غير(٤) حاد الصوت . (١) ط: الميمون. (٢) أنساب الأشراف ٨٢/١ والوفا ١٢٠/١ وأعلام النبوة الماوردى ص ١١٥. (٣) الذى فى طبقات ابن سعد زينب بنت صيفى، ولم يرد فيه ذكر لرقيقة، وقد ذكر فى أول الخبر أن رقيقة كانت لدة عبد المطلب ، فكيف تكون من المسلمات المهاجرات . (٤) ط: أى حاد الصوت. وفى القاموس: محل صوته، كفرح، فهو أصحل ومحل .. مح أو احتد فى بمح. أو الصحل محركة : خشونة فى الصدر وانشقاق فى الصوت من غير أن يستقيم . - ١٧٩ - إبّان الشىء بكسر الهمزة وتشديد الموحدة : وقته . حىّ هلاّ: اسم فعل بمعنى أقبلوا وأسرعوا، وهى كلمتان جعلتا كلمة فحَىّ بمعنى أَقْبِل وهلا بمعنى أَسْرع . الحيًّا بالقصر: الغَيْث . الخِصْب بالكسر: نقيض الجذب . وَسِيطًا : يقال فلان وسيط قومه إذا كان أَوسطهم نسبًا وأرفعهم محلا . عُظَاما: بضم العين المهملة بمعنى عظيم. جُسَاما : بضم الجيم بمعنى جسيم . بَضًّا : بموحدة فضاد معجمة مشددة قال فى النهاية : البضاضة رقّةُ اللون وصفاؤه الذى يؤثر فيه أدنى شىء . الوَطَف: بفتح الواو والطاء المهملة : طول شعر العين مع سعتها . الشَّمَم : ارتفاع قصبة الأنف واستواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا . العِرْنين بكسر العين المهملة وسكون الراء : الأنف وهذا اللفظ كناية عن الرفعة والعلو وشرف النفس . يَكْظم عليه : بمثناة تحتية مفتوحة فكاف ساكنة فظاء مشالة مضمومة فميم أى لا يُبْديه ولا يظهره . يَدْلِفُون : :بدال مهملة وفاء : أَى يَقْربون منه . شَتُّوا من الماء : اغتسلوا به . تتامَّ القومُ: جاءُوا كلهم وتموا . العَذْرات : بعين مهملة مفتوحة فذال معجمة فراء فتاء تأنيث جمع عَذِرة بفتح أوله وكسر ثانيه وهى فِنَاء الدار ، وهو سعَة أَمامها . وقيل : ما امتد من جوانبها . الغَدق بفتح الغين المهملة : المطر الكِبار القَطْر ، والمُغْدِقِ: مُفْعِل منه . مَرِيعًا بفتح الميمِ : مُخْصبا . الحَيَا : هنا(١) بالقصر المطر . (١) ط: هو بالقصر. - ١٨٠ -