النص المفهرس
صفحات 461-480
الثالثة: امرأة من بنى سعد غير حليمة . روى ابن سعد عن ابن أبي مليكة رحمه الله تعالى أن حمزة كان مسترضَعا له عند قوم من بنى سعد بن بكر ، وكانت أُم حمزة قد أَرضعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو عند أُمه حليمة(١). * الرابعة : خَوْلة بنت المنذر بن زيد بن لَبِيد بن خِدَاش بن عامر بن عدى بن النجار ، أُم بُرْدة الأَنصارية؛ ذكر(٢) الإِمام أبو الحسن إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم المعروف بابن الأَمين أنها أَرضعت النبى صلى الله عليه وسلم وقال: ذكرها العدوى وتابعه فى العُيون والمورد، وهو وَهْم إِنما (٣) أَرضعت ولده صلى الله عليه وسلم إبراهيم. كما ذكر ابن سعد وأبو عمر وغيرهما وعليه جرى الحافظ فى الإصابة كما رأيته بخطه . ونصه بعد أَن ساق نسبها : مرضعة ابن النبى صلى الله عليه وسلم (٤) . وهذا هو الصواب . خلافًا لما فى بعض النسخ السقيمة من إسقاط ابن ولم أَر من نبَّه على ذلك ثم بعد(٥) مُدة رأيت القاضى عز الدين ابن القاضى بدر الدين بن جماعة رحمهما الله تعالى ذكر فى سيرته المختصرة أن ابن الأَمين وَهِم فى ذكرها فى الرضاع وأن بعض العصريين حكوا ذلك عنه من غير تعقب . انتهى فسررت بذلك وحمدت الله تعالى . ١ # الخامسة (٦): أُم أيمن بركة ذكرها القرطبى. والمشهور. أنها من الحوَاضِن لا من المراضع. السادسة والسابعة والثامنة. قال أبوعمر رحمه الله تعالى: أنه صلى الله عليه وسلم مُرّ به على نسوة ثلاثة من بنى سُلَيْم فأَخرجن ثُديّهن فوضعنها فى فيه فدَرّت عليه . ورضع منهن . التاسعة : أُم فَرْوة ذكرها المُسْتَغْفِرى. ثم روى عن ابن إسحاق عن أُم فروة ظِئْر النبى صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِذا أَوَيْت إلى فراشك فاقرأ: ( قل يا أيها الكافرون ) فإنها براءة من الشِّرْك)) قال أبو موسى المدِينىّ! رحمه الله (١) طبقات ابن سعد ٦٨/١ القسم الأول. (٣) ص ت م: وأنها إنما . (٢) ط : روى .. (٤) الإصابة ٧٢/٨، ونصه: مرضعة إبراهيم بن النبى صلى الله عليه وسلم أم بردة مشهورة بكنيتها. (٥) ص : ثم بعيد . (٦) لط : والخامسة. - ٤٦٠ - تعالى : اختلف فى راوى هذا الحديث . فقيل فروة . وقيل أبو فروة وقيل أُم فروة وهذه أَغرب الأقوال . قال الحافظ فى الإصابة : بل هو غلط محض وإنما هو أَبو فروة وكأن بعض رواته لمّا رأَى عن أبى فروة ظِئْر النبى صلى الله عليه وسلم ظنه خطأ والصواب أُم فروة فرواه على ما ظن فأَخطأ هو واسم الظِّئر لا يختص بالمرأة المرضعة بل يُطلق على زوجها أيضا . وقد أخرجه أصحاب السنن الثلاثة من طرق عن ابن إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه . وهكذا أخرجه أبو داود والنسائى من رواية إِسرائيل كلاهما عن أبى إسحاق مجردا وفيه على أبى(١) إِسحاق اختلاف. وهذا هو المعتمد (٢) . انتهى . العاشرة : حليمة بنت أبى ذُوَّيْب بذال معجمة ، ابن عبد الله بن سِجْنَة بسين مهملة مكسورة فجيم ساكنة فنون مفتوحة . ابن رِزَام براء مكسورة ثم زاى ، ابن ناصرة بن فُصَيّة بالفاء تصغير فصاة وهى النواة من التمر ، ابن سعد بن بكر بن هوازن . كذا قاله(٣) ابن إسحاق . وقال ابن الكلبى: اسم أَبى ذؤيب الحارث بن عبد الله بن سِجْنة . قال البلاذرى : وهو الثبت . قال النووى رحمه الله تعالى : كنية حليمة أُم كَبْشة اسم أَبيه الذى أَرضعه الحارث ابن عبد العُزَّى . (١) ص، ت، م: على ابن إسحاق. (٣) ط : قال . (٢) انظر الإصابة ٢٠٨/٥، ١٦٨/٨. - ٤٦١ - الباب الثانى فى إخوته(١) صلى الله عليه وسلم من الرضاعة عمه حَمْزة أَسد الله وسيد الشهداء رضى الله تعالى عنه ، روى سعيد بن منصور وابن سعد والشيخان عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ، قال: قال علىّ بن أبى طالب للنبي صلى الله عليه وسلم : أَلا تتزوج ابنةَ حمزة فإِنها من أَحْسن فتاة فى قريش ؟ قال: إِنها ابنة أخى من الرضاعة(٢) انتهى . وحمزة رضى الله تعالى عنه رضيح رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة حليمة . ومن جهة السعدية السابقة . أبو سَلَمة عبد الله بن عبد الأَسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم من السابقين الأولين إلى الإِسلام . روى الشيخان عن زينب بنت أُم سلمة عن أُم حبيبة ، بنت أبى سفيان رضى الله تعالى عنهما قالت: قلت يا رسول الله: ألا تنكح(٣) أُختى بنت أبى سفيان. ولمسلم عَزَّة بنت أبى سُفْيان؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أتحبين ذلك؟ قالت(٤): نعم لست لك . بمخلِّية وأحبُّ من شارَ كنى(٥) فى خيرٍ أُختى. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: فإن ذلك لا يحل لى. قالت: فإِنا نحدَّث أنك تريد أن تنكح بنت أبى سلمة. وفى رواية : دُرّة بنت أبى سلمة. قال : بنت أبى سلمة؟ قلت : نعم. قال: إنها لو لم تكن رَبِيبَتى فى حِجْرى ما حَلَّت لى إنها لابنة أَخى من الرضاعة أرضعتنى وأَبا سلمة ثُوَيْبة(٦). وذكر الحديث. (١) ص ت م : فى أخواته . (٢) صحيح البخارى ٢٠٢/٣ كتاب النكاح باب ((وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم))، وطبقات ابن سعد ٦٨/١ (القسم الأول] وصحيح مسلم كتاب الرضاع حديث رقم ١١، ١٢، ١٣، ١٤. (٣) ط: أنكح أختى. (٤) ط : قلت . (٥) ض ت م : من يشاركى. (٦) صحيح البخارى٠ ٢٠٢/٣ كتاب النكاح باب ((وأمهاتكم اللاتى أرضمنكم)). - ٤٦٢ - : مخلية بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام وبالتحتية المثناة أى لم أجدك خاليا من الزوجات غيرى وقال ابن الجَوْزى : المعنى بمنفردة للخلوة بك نُحدَّث بضم النون وفتح الحاء والدال المهملتين . حجْرى بفتح الحاء وكسرها . عَزَّة بفتح المهملة بعدها زاى . دُرة : بضم المهملة . مَشْروح : تقدم الكلام عليه . عبد الله بن جحش رضى الله تعالى عنه. قاله السهيلى رحمه(١) الله تعالى . وتعقبه فى الزهر بأَن الذى ذكره أهل التاريخ وأهل الصحيح لا أَعلم بينهم اختلافا أَن الراضع مع حمزة أبو سلمة عبد الله بن عبد الأَسد لا ذِكْر لابن جحش عندهم . قلت : هذا هو الصواب . وما ذكره السهيلى سَبْق قلم ؟ فإِن أَبا سلمة ذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه رضع هو وإياه من ثُوَيْبة كما فى صحيح البخارى ولم يذكر ذلك السهيلى ، وذكر ابن جحش . عبد الله بن الحارث بن عبد العُزَّى ابن حليمة وهو الذى شرب مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ووقع للبيهقى من طريق العلائى أَن اسمه ضَمْرة . فالله تعالى أعلم . حفص بن الحارث : ذكره الحافظ فى الإصابة(٢). أُمية بنت الحارث ذكرها أَبو سعد النيسابورى فى الشَّرف وأقره الحافظ . خِذَامة بخاء مكسورة وذال معجمتين . ويقال بجيم مضمومة ودال مهملة ، ويقال حذافة بحاء مهملة مضمومة وذال معجمة وفاء ، قال الخُشَنِى : وهو الصوَاب وهى : الشَّيْماء يفتح المعجمة وسكون المثناة التحتية . وكانت تحضن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مع أمها إِذا كان عندهم . قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى فى رواية يونس بن بُكَيْر وغيره : (١) الروض ١٠٨/١. (٢) الإصابة ٢٥/٢ ولم يقل: ابن الحارث وإنما قال: حفص بن حليمة السعدية التى أرضعت النبى صلى الله عليه وسلم ، أخو النبى صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. - ٤٦٣ - ١ إِن حذافة وهى الشَّيْماء غلب عليها ذلك ، وذكر أن الشيماءَ كانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمها . وروى ابن إسحاق عن أَبِى وَجْزَة السَّعْدى أَن الشَّيْماءِ لما انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إنى لأختك من الرضاعة . قال: وما علامة ذلك ؟ قالت : عضة عضَضْتنِيها فى ظهرى وأَنا متوركتك . فعرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه ثم قال: ها هنا فأَجلسها عليه وخيَّرها فقال: ((إِن أحببتِ فأَّقيمى عندى مُحَبَّبة مكرَّمة وإِن أَحببت أَن أمتعك (١) فترجعى(٢) إِلى قوملك فعَلْتُ)) . فقالت : بل تمتّعنى وتردّنى إلى قومى. فمتَّعها وردّها إلى قومها. فزعم بنو سعد ابن بكر أنه صلى الله عليه وسلم أعطاها غلاما يقال له مكحول وجاريةً فزوَّجوا الغلام الجارية(٣) فلم يزل من نَسلهما بقية (٤) . أبو وَجْزة بفتح الواو وسكون الجيم بعدما زاى اسمه يزيد بن عبيد. وذكر أبو عمر رحمه الله تعالى نحوه . وزاد أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطالها وشيًا أَى ثوبا(٥) موشّى وثلاثة أَعبد وجارية، ونقل فى الزَّهْر والإصابة أَن محمد بن المعلِّى قال فى كتاب الترقيص: إِن الشَّيْماء كانت ترقِّص رسولَ(٦) الله صلى الله عليه وسلم وتقول } يا ربنا أبْق أَخِى محمدا حتى أَراه يافعًا وأَمْرَدَا واكبت أَعَاديه معًا والحسَّدا وأَعطه عزَّا يدوم أَبَدا زاد فى الزهر فى النقل عنه : هذا أَخُ لى لم تلِدْه أَِّى ... وليس من نَسْلِ أَبِى وعِّى فَدَيْتِهِ مِن مُخِوِلِ مُعِمِّ فَأَنْمِه اللهم فيما تُنْمِى وتقول أيضا رضى الله تعالى عنها : ٠٠. من مضى ومن غَبَرْ محمدٌ خير البشرْ من حجَّ منهمُ أَو اعتمر أَحَسنُ من وجِهِ القَمَرْ من كل أنثى وذكر من كل مَشبوبٍ أَغَرّ جنَّبنى الله الغِيَر فيه وأوضح ◌ِ الأَثَرْ (٢) ط : فارجعى . (١) ص: وإن أحببت أمتعتك. (٣) كذا فى ط موافقاً لابن هشام، وفى ص ت م: فزوجوا الغلام والجارية. (٤) سيرة ابن هشا ١٠٤/٢. (٦) ط : ترقض النبي صلى الله عليه وسلم. (٥) ط : أعطاها وشاء و ثلاثة أعبد. - ٤٦٤ - الباب الثالث ٠ فى إِسلام(١) السيدة حليمة وزوجها رضى الله تعالى عنهما قال الحافظ عماد الدين بن كَثِير رحمه الله تعالى: الظاهر أن حليمة لم تُدْرك البعْئة . قال الحافظ فى شرح الدُّرَر: وهو غير مسَلَّم ، فقد روى أبو يَعْلى والطبرانى وابن حِيّان ، عن عبد الله بن جعفر رضى الله تعالى عنهما قال : حدثتنى حليمة . وعبد الله إِنما ولِد بعد البعثة بمدة ، بل لم يتهيأ له السَّماع من حليمة إلا بعد الهجرة بسبع سنين أو أكثر، لأنه قدِمٍ من الحبشة مع أبيه وهو صغير ليلة الغزوة فى خيبر سنة سبع ، وحليمة إنما قدِمت فى هذه المدّة (٢) أو بعدها بسنة فى الجِعْرانة. ومُسْتَند ابن كثير الاختلاف على ابن إسحاق فى حديث حدَّثه عبدُ الله ، فمنهم من قال : عن عبد الله بن جعفر ، عن حليمة . ومنهم من قال : عن عبد الله بن جعفر حدثتنى حليمة . قلت : ليس هذا مستنده إنما مستنده قول من قال : عن عبد الله بن جعفر حُدِّثت عن حليمة . والله تعالى أعلم . قال الحافظ : فرأى ابن كثير أن هذه عِلَّة تمنع من الجزم بإدراك عبد الله بن جعفر لها ، وليست هذه(٣) فى التحقيق علة، فإن الشواهد التى تدل على إدراك عبد الله بن جعفر لها كثيرة وأسانيدها جيدة . وروى ابن سعد بسند رجاله رجال الصحيح ، عن محمد بن المنكّدِر - مرسلا - قال : . (٢) كذا فى ط وفى ص ت.م: فى هذه الغزوة. (١) ط : فى إيمان. (٣) ص ت م : وليس هذا . - ٤٦٥ - ٥٩ - سبل الهدى والرشاد استأذنتْ امرأةٌ على النبى صلى الله عليه وسلم . قد كانت تُرْضعه فلما دخلت عليه قال أمىّ أمى ! وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه (١) انتهى. قلت: ويجاب عن رواية: (( حُدّثت عن حليمة)) أنه سمع منها بعض القصة وبعضّهَا عمن سمع منها (٣) أو أنه سمع ممن(٣) روى عنها. ثم سمع منها . والله تعالى أعلم. وقد ألف الحافظ مغلطاى رحمه الله تعالى جزءًا فى إيمانها وهذه خلاصته مع زيادة : روى البخارى فى الأدب وأبو داود والطبرانى وابن حِبّان فى صحيحه عن أبى الطفيل رضى الله تعالى عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحمًا بالجِعْرانة - وأنا يومئذ غلام أحمل عَظم الجَزُور . إذ أَقبلت امرأة حتى دنت إلى رسول(٤) الله صلى الله عليه وسلم فبسط لها رداءه فجلست عليه فقلت : من هذه ؟ قالوا هذه أمه صلى الله عليه وسلم التى أرضعته . وقول الذهبى : يجوز أن تكون هذه ثُوَيْبة مردود بما ثبت أنها توفيت سنة سبع من الهجرة ثم ذكر الحافظ مغلطاى حديث الرضاع ثم قال : فإن قيل : ما وجه الاستدلال من هذين الحديثين ؟ قلنا : من وجوه: الأول: دَفع شبهة من زعم أن القادمة فى حُنَيْن أخته صلى الله عليه وسلم لأَنّه يُسْتبعد أن تكون عمِّرت إلى ذلك الحين تخرّصًا من غير يقين ، لأَن رواية هذين الصحابيين عنها مشافهةً مع صِغَرهما يقرّب ذلك الاستبعاد . قلت : قال الحافظ بعد أن أورد عدة آثار فى مجىء أمه صلى الله عليه وسلم من الر عة إليه ثم قال : ففى(٥) تعدد الطرق ما يقتضى أن لها أصلا أَصيلا، وفى اتفاق الطرق على أنها أمُّه ردّ على(٦) من زعم أن التى قدمت عليه أخته ، وزاعم ذلك هو الحافظ الدمياطى رحمه الله تعالى والله تعالى أعلم . وقد ذكرها فى الصحابة جماعة . قال أبو بكر أحمد بن أبى خيثمة فى تاريخه : (١) طبقات ابن سعد ٧١/١ (القسم الأول). (٣) ص ت م : عمن . (٥) ص ت م : في تعدد , (٢) ط : عمن سمع منه. (٤) ط: إلى النبى. (٦) ص ت م : ورد. - ٤٦٦ - ذكر ما انتهى إلينا من سند (١) النساء اللاتى رويْن عن النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال : باب الحاء : حليمة بنت أَبى ذُؤَيْب وقال الحافظ أَبو محمد المنذِرىّ فى مختصر سُنَن أَبى داود : حليمة أمُّه صلى الله عليه وسلم أَسلمت وجاءت إليه وروت عنه عليه الصلاة والسلام . قال (٢) الحافظ أبو الفرَج بن الجَوْزِىّ رحمه الله تعالى فى الحدائق : قدِمْت حليمة ابنة الحارث على النبى صلى الله عليه وسلم بعد ما تزوّج خديجة فشكّت إليه جَدْب البلاد فكلَّم خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيرا ، ثم قدمت عليه بعد النبوّة فأَسلمت وبايعَت وأسلم زوجُها الحارث . وقال القاضى أبو الفضل عِيَاض رحمه الله تعالى: لما وردت حليمة السعدية على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط لها رداءه وقضى حاجتها فلما توفى قدمتْ على أبى بكر فصنع لها مثل ذلك(٣). قلت : هذا كلام القاضى فى الشِّفاء وروى ابن سعد عن عمر بن سعد مرسَلا قال : جاءت ظِئر النبى صلى الله عليه وسلم فبسط لها رداءه وقضى حاجتها ثم جاءت أبا بكر ففعل ذلك ، ثم جاءت عمر ففعل ذلك(٤) والله تعالى أعلم . الوجه الثانى: أَن لفظ الأمّ لا ينطلق عُرْفا ولغة إلاَّ على الأم الحقيقية، ولم نرَ من يسمى الأختَ أمَّا ، على أنه قد جاء ما يدفع هذا لو قيل به. وروى أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن السائب رحمه الله تعالى أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا يومًا فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعضَ ثوبه فقعد عليه ، ثم أَقبلت أمّه فوضع لها شِقَّ ثوبه من جانبه الآخر فجلست إليه ، ثم أَقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلسه بين يديه(٥) . وذكر أبو عُمَر عن زيد بن أَسْلَم رحمه الله تعالى عن عطاء بن يسَار قال: جاءت حليمةٌ (٢) ط : وقال . (١) ط : من مستند. (٣) الذى فى الشفا للقاضى عياض ص ١٠٠ ط استامبول: ((وقال أبو الطفيل: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم وأنا غلام إذ أقبلت امرأة حتى دنت منه فبسط لها رداءه فجلست عليه فقلت: من هذه؟ قالوا: أمه التى أرضعته)). (٤) طبقات ابن سعد ٧١/١ (القسم الأول). (٥) سنن أبي داود كتاب الأدب، والشفا ص ١٠٠ ((باب فى بر الوالدين)) ٢٣٥/٢ ( ط التازى). - ٤٦٧٠ - ابنة عبد الله أُمّ النبى صلى الله عليه وسلم، فقام لها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبسط لها رداءه فجلست عليه(١) . وهو مرسَل جيّد الإسناد . الوجه الثالث: ليس لقائل أن يقول: سلّمنا أن القادمة أمُّه صلى الله عليه وسلم فما الدليل على إسلامها حينئذ ؟ ولعل(٢) الدليل من قول من قال أسلمت وبايعت . وقول من قال : روت عن النبى صلى الله عليه وسلم . وروى عنها . .: قال الحافظ مُغلطَاى رحمه الله تعالى: ورأيت ليلة الأحد ثانى وعشرين شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة فى المنام عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام وسأَلتُه عنها فقال مجيبا : رَضِى الله تعالى عنها. ثم قال الحافظ مغلطاى: أَنشدنا الإمام العالم العلامة أبو الحسن على بن جابر الهاشمىّ رحمه الله تعالى لنفسه: فبهِ غدتْ(٣) تَزْهَى على الأُخیارِ أَمّا حليمةُ مُرْضع المختسارِ أكرِمْ بها يا صاحبى من دارٍ فى جنة الفردوس دارُ مُقَامها قال الحافظ مُغلطَاى رحمه الله تعالى ورضى عنه: ومما قلته فيها من الأبيات (٤) رضى الله تعالى ونفعنا بها : ؛ ما نالَها فى عَصْرها إِثنانِ (٥) أَضحت حَلِيمةُ تَزْدَهِى بمفاخرٍ والغايةُ القُصْوَى رِضًا الرحمنِ منها الكَفالةُ والرَّضَاعُ وصُحْبةٌ وأما زوج حليمة أبو عبد الله الحارث فلم يذكره كثير ممن ألَّف فى الصحابة. وذكره ابن إسحاق فی روایة یونس بن بُگیْر فقال : حدثی والدی إسحاق بن یسَار عن رجال من بنى سعد بن بكر قالوا : قدِمِ الحارثُ بن عبد العُزَّى أَبو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقالت له قريش ، حين نزل عليه : ألا تسمع يا حارث(٦) ما يقول ابنك هذا؟ قال ما يقول: قالوا يزعم أن الناس يُبعثون بعد الموت وأن لله دارًا من نار يعذِّب فيها من عصاه ودارًا يكرم فيها من أطاعه، شنَّت (١) الاستيعاب ض ١٨١٣ (تحقيق الأستاذ البجاوى) ونصه : فقام إليها . (٢) كذا فى ص ت م، وفى ط : لما أسلفناه من قول من قال . (٣) ط ت م: غداً، والتصويب من ض . (٤) ط : من أبيات. (٥) ص ت م : إنسان، وما أثبته من ط . (٦) ط : يا حار . - ٤٦٨ -- أَمْرنا وفرَّق جماعتنا. فأتاه فقال: أَى بُنَّىّ مالك ولقومك يُشَانئونك ويزعمون أنك تقول إن الناس يُبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنةٍ ونار . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَنا أَزعم ذلك ، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت لقد أَخذتُ بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم . فأَسلم الحارثُ بعدَ ذلك فحَسُن إِسلامه وكان يقول حين أَسلم : لو قد أَخذ ابنى بيدى فعرّفنى ما قال لم يرسلنى إن شاء الله تعالى حتى يُدْخلنى الجنة قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وبلغنى أَن الحارث إنما أسلم بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم . - ٤٦٩ - ۔۔ الباب الرابع فى سياق قصة الرضاع وما وقَع فيها من الآيات . روى ابن إِسحاق وابن راهَوْية وأَبو يَعْلى والطَّبرانى وابن حِبّان عن عبد الله بن جعفر رضى الله تعالى عنهما قال : حدثتنى حليمة ، والبَيْهفى وابن عساكر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ، وفى سنَده من تُكلِّم فيه لكن لأَكثره شاهد قوىّ والبيهقى عن الزُّهْرِى وأبو يَعْلى وأَبو نُعَيْم عن شدَّاد ابن أَوْس مرفوعا مختصرا ، والإمام أحمد والدارمىّ عن عتبة ابن عبد الله(١) مرفوعا مختصرا، وأَبو نُعَيْم عن بُرَيْدة ، وابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن يحيى بن يزيد السعدى وابن سعد عن زيد بن أَسْلم - رضى الله تعالى عنهم - أَن حليمة قالت : قدِمْتُ على أتان لى قَمْراء قد أَزَمَّت بالرَّكب حتى شقَّ ذلك عليهم ضَعْفا وعَجفًا ومعى صبيّ لنا وشارِف لنا والله ما تَبِضُّ بقَطرة، وماننام ليلَنا أَجَمْع، [من(٢)] صبيّنا ذاك (٣) لا يجد فى شارِفنا مايكفيه ولا فى ثدني ما يُغنيه (٤) فقدِمْنا مكة . وذكر العَوْفى رحمه الله تعالى أن عبد المطلب سمع وقت دخول حليمة مكة هاتفا يقول : خير الأَنَام وخِيرة الأخيارِ إِنَّ ابن آمنة الأَمينَ محمدًاً نِعْمِ الأَمينة هِى على الأَبْرارِ ما إِن له غير الحليمة مُرْضعٌ ونقيّة الأَثواب والأزرارِ مأمونةٌ من كل عَيْب فاحشٍ أَمرٌ وحُكم جا من الجَبَّارِ لا تُسلمْنَه إِلى سِوَاها إِنه قالت : فوالله ما علمتُ امرأةً منا إلا وقد عُرض عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (١) ط : عن عتبة بن عبد. (٢) من ابن هشام ١٦٢/١. (٤) ص ت م : ما يغذيه . و ما أثبته من ط . (٣) ط : ذلك. - ٤٧٠ - - فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم ، وذلك أنّا(١) إِنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبىّ، فكنا نقول يتيم ما عسى تصنع أُمه وجده . فكنا نَكرهه لذلك . فوالله ما بقى من صوَاحِى امرأة إِلا أَخذَت رضيعا غَيْرى ، فلما لم أجد غيره قلت لزوجى: والله إنى لأَكره أَن أَرجع من بين صَوَاحِى ليس معى رَضيع ، لَأَنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنَّه . فذهبتُ فأخذته فجئت به رَحْلى . فقالت آمنة: يا حليمة قيل لى ثلاث ليال : استرضعِى ابنك فى بنى سعد بن بكر ثم فى آل أَبِى ذُوَّيْب . قالت حليمة : فإِنَّ زوجى أَبو ذؤيب. وإِنها أَخبرتها بما رأَت فى حَمْله صلى الله عليه وسلم وحين وضعته . قالت حليمة : فلما وضعتُه فى حِجْرى أَقبل عليه ثَدْياى . بما شاء الله من لبن ، فشرب حتى رَوِىَ ثم شرب أَخوه حتى رَوِى ثم ناما . وقام زوجى إلى شارفنا فإِذا إِنها لحَافل ، فحلَب فشرب وشربتُ حتى انتهينا ، وبتنا بخير ليلة . فقال صاحبى : تعلَّمى يا حليمة والله إنى لَأَّراك قد أَخذت نَسَمَةً مباركة ألم ترى إلى ما بِتنا فيه الليلة من الخير والبركة حين أخذناه ؟ قلت : والله إنى لأرجو ذلك . وفى حديث إسحاق بن يحيى عند ابن سعد أَن اليهود مُرُّوا على حليمة فقالت : ألا تحدِّثونى عن ابنى هذا فإنى حملتُه كذا ووضعته كذا ورأيت كذا كما وصفت أُمّه . فقال بعضهم لبعض : اقتلوه فقالوا أيتيم هو ؟ قالت : لا هذا أبوه وأَنا أُمه فقالوا : لو كان يتيما قتلناه . قالت : ثم رجعنا وركبت أَتانى وحملتُه عليها معى، فوالله لقد قطعت(٢) أَتانى بالرَّكب حتى ما يتعلَّق بها حمار ، حتى إن صواحبى ليقُلن لى يا بنت أَبى ذُؤَيْب ويحك! ارْبَعِى علينا ، أَهذه أَتَانُك التى خرجت عليها معنا؟ فأَقُول نعم والله إنها لَهى فيقلن: والله إنَّ لها لَشأنا . وفى حديث الزُّهْرِى أَن حليمة نزلت به صلى الله عليه وسلم سوقَ مُكَاظ فرآه كاهنٌ من الكهان فقال : يا أهل (٣) سوق عكاظ: اقتلوا هذا الغلام فإن له مُلكا. فزاغت به حليمة فأنجاه الله تعالى منهم . (١) ط ت م: إنما كنا، وص: أنا كنا ، وقد جمعت بين الروايتين، موافقاً لابن هشام وسائر المراجع. (٣) ص ت م: لأهل سوق عكاظ . (٢) ط : لقطعت . - ٤٧١ - ثم قدِمْنا أَرضَ بنى سعد ، وما أَعلم أرضًا من أرض الله تعالى أَجدب منها، فكانت : غنمى تَسْرح ثم تَرُوحِ(١) شِبَاعًا لُبَّنَا فنحلب ونشرب وما يَحْلب إنسانٌ قطرةَ لبن ولا يجدها فى ضَرْع ، إن كان(٢) الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم: ويحكم انظروا حيث(٣) تَسْرح غنمُ حليمة فاسرحوا معهم . فيسرحون مع غنمى حيث تسرح فتروح (٤) أغنامهم جياعا مافيها قطرة لبن وتروح غنمى شبَاعًا لُبَّنَا 1 قالت : ولما دخلتُ به إلى منزلى لم يبق منزل من منازل بنى سعد إلا شمَمْنا منه ريح المسك وأُلقيت محبتُه صلى الله عليه وسلم فى قلوب الناس حتى إنَّ أَحدهم كان إذا نزل به أَذى فى جسده أَخذ كفَّه صلى الله عليه وسلم فيضعها على موضع الأُذى فيبرأ بإذن الله تعالى سريعا . وكذلك(٥) إذا اعتلَّ لهم بعيرٌ أَو شاة فعلوا ذلك: وروى أبو نُعَيْم عن بعض من كان يرعى غنم حليمة أنهم كانوا يرون غنمها ما ترفع برءوسها وتُرَى الخُضَر فى أَفواهها وأَبعارها ، وما تزيد غنمنا على أَن تربض ما تجد عودا تأكله . 1 قالت حليمة : فلم يزل الله تعالى يرينا البركة ونتعرّفها ، حتى بلغ صلى الله عليه وسلم سنتين ، فكان يشبّ شبابًا لا يَشِبُّه الغلمان . وفى حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : كان أول كلامٍ تكلم صلى الله عليه وسلم به حين فطمته : الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيرا وسبحان الله بُكرةً وأَصيلا (٦). وروى أبو نُعَيْم عن بعض رُعَاة حليمة قالوا : مكث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سنتين حين فطم وكأنه ابن أربع سنين فقدِموا به على أُمه زائرين لها ، وهم أحرص شىء على رَدِّه مكانَه لما رأوا من عِظَم بركته، فلما كانوا بوادى السَّرر(٧) لقيتْ نفرًا من الحبشة فرافقتْهم فسألوها فنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرا شديدا ثم نظروا(٨) إلى . أ (٢) ابن هشام : حتى كان . (١) ص : ثم ترجع. (٣) ص ت م: انظروا كيف تسرح . (٤) الأصل: فيروحون أغنامهم جياعاً، وما أثبته من ابن هشام والمراجع . (٦) لم يرد ذلك فى خبر صحيح. (٥) ص : وكانوا . (٧) الأصل: بوادى السدر، وما أثبته عن دلائل النبوة لأبى نعيم ١١٦، قال ياقوت: السرر: واد على أربعة (٨) ص ت م: ثم رأوا. وما أثبته من ط. أميال من مكة عن يمين الجبل ، وهو بضم السين وبفتحها . - ٤٧٢ - خاتم النبوة بين كتفيه وإلى حُمْرة فى عينيه فقالوا : هل يشتكى عينه ؟ قالت : لا ولگن هذه الحمرة لا تفارقه . قالوا : والله نبى . انتهى . قالت : فقدِمْنا به إلى أُمه فلما رأته قلنا لها : اتركى ابننا عندنا هذه السَّنَّة فإننا نخاف عليه وباء مكة . فوالله ما زلنا بها حتى قالت نعم فسرحته معنا . وعند أبي نعيم عن بعض رعاة حليمة أنها مزت بذى المجاز وهى راجعة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبه عرَّاف يُؤتَى إِليه بالصبيان ينظر إليهم فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الحمرة بين عينيه وإلى خاتم النبوة صاح : يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبى فليقتلنَّ أَهلَ دينكم وليَكسرن أَصنامَكم وليَظهرن أَمْرُه عليكم. فانسلَّت به حليمة (١) . زاد ابن سعد : فجعل الهُذَلى يصيح : يا لَهُذيل يا لهذيل وآلهته إِنَّ هذا لينتظر أَمرًا من السماء . وجعل يُغرِى بالنبى صلى الله عليه وسلم ، فلم ينشب أَن دَلِهِ فذهب عَقلُه حتى مات كافرا . فأَقمنا شهرين أو ثلاثة، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم وفى حديث الزهرى عند ابن سعد قال : كانت حليمة لا تدع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يذهب مكانا بعيدا ، فغفلت عنه يومًا فخرج مع أُخته الشَّيْماء فى الظهيرة فخرجت حليمة تطلبه حتى وجدته مع أُخته فقالت : فى هذا الحر ؟ فقالت أُخته: يا أُمّه ما وجد أَخى حرا رأيت غمامة تُظِلّ عليه إذا وقف وقفت وإِذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع. قالت : حقًّا يا بنية ؟ قالت : إِى والله . انتهى . فقال لى يوما : يا أُماه مالى لا أرى إخوتى بالنهار . قالت : يرعون بُهما غنمًا لنا فيروحون من الليل إلى الليل . فقال : ابعثينى معهم . فكان صلى الله عليه وسلم يخرج مسرورا ويعود مسرورا . فلما كان يوما من ذلك خرج . فلما انتصف النهار إذ جاءنا أَخوه يشتدّ فقال: يا أَبةِ ويا أُمّة الحقا أَخى محمدا فما تلحقانه إلا ميّتا. قلت (٢): وما قصته (١) دلائل النبوة لأبي نعيم ١١٦ باختلاف. (٢) ص : فقلت . - ٤٧٣ - ٦٠ - سبل الهدى والرشاد قال : بَيْنا(١) نحن قيام إذ أَتانا (٢) رجل فاختطفه من أوساطنا وعلا به ذروة جبل (٣) ونحن ننظر إليه حتى شق من صدره إلى عانته . وعند ابن إسحاق: ورَجُلان عليهما ثياب بيض فشقًا بطنه فهما يَسُوطانه انتهى . وما أَدرى ما فعلَ . فأَقبلت أَنا وأَبوه نسعى سعيا فإِذا به قاعدا على ذِرْوة الجبل شاخصا ببصره إلى السماءة فنجده مُنتقعًا لونُه فأَكَبَبْتُ عليه وقبَّلت بين عينيه وقلت : فدَتك نفسى ما دَهاك ؟ قال : خيرا يا أماه بَيْنَا أَنا الساعة قائم إذ أَتانى رَهْطٌ ثلاث بيد أَحدهم إِبريق فضة وفى يد الثانى طَسْت من زمرّدة خضراء ملآن(٤) ثلجًا فأخذونى وانطلقوا بى إلى ذروة الجبل فَأَضجعونى إِضجاعًا لطيفا، ثم شقَّ أَحدهم من صدرى إلى عانَتِى وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حسًّا ولا أَلمًا ثم أدخل يده فى جوفى فأخرج أَحشاء بطنى فغسلها بذلك الثلج فأَنعم غبلها ثم أعادها . كذا فى حديث ابن عباس عند البيهقى ، وشدَّاد بن أَوْس عند أبى يعلى ، وأبى نعيم . وفى صحيح مسلم : فأَتاه جبريل فأخذه فصرَعه فشقَّ عن قلبه واستخرج القلبَ ، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة سوداء فقال : هذا حظ الشيطان منك يا حبيب الله . ثم حشاه بشىء كان معه وردَّه مكانه ثم ختمه بخاتم من نور . فأَنا الساعة أَجد بَرْد الخاتم فى عروقى ومفاصلى. وقام الثالث فقال تنحَّيًا فقد أَنْجزيتما ما أَمر كما الله تعالى به . ثم دنا منى فأَمَرَّ يده من مَفْرق صدرى(٥) إلى منتهى عانتى فالتأَم الشق بإذن الله تعالى(٦). وفى حديث عبد الله بن عُثْبة : فأَقبل إِلىّ طائران (٧) أَبيضان كأنهما نَسْران فقال أحدهما لصاحبه أَهو هو ؟ قال : نعم فأَقبلا يبتدرانى فأخذانى قبطَحانى لِلْقَفا فشقًّا بطنى ثم استخرجا قلبى فشقَّاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه : ايتنى بماء ثلج فغسلاً به جوفى . ثم قال : ايتنى بماء بَرَد فغسلا به قلبى . ثم قال ايتنى بالسَّكِينة فذَرَّاها فى قلبى . ثم أَخذ بيدى فأَنهضنى إنهاضا لطيفا ثم قال الأول : زِنْه بعشرة من أُمته (١) ص ت م : بينما . (٣) ط : ذروة الجبل. (٥) ص ت م : من مفرق، وما أثبته من ط . (٧) ص : فأقبل على طير أن . (٢) ط : إذ أتاه. (٤) ط : ملئ. (٦) صحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٢٦١. - ٤٧٤ - فوزنونى بهم فرجَحْتھم. ثم قال: زِنْه بمائة فوزنوڤی نهم(١) فرجختهم ثم قال: زِنْه بأَلف من أُمته . فوزنونى بهم فجعلت(٢) أَنظر إلى الأَلف فوق أشْفِقٍ أَن يخرّ علىّ بعضُهم فرجَحْتهم، فقال: دَعُوه فلو وزنتموه بأُمته كلها لرجحهم. ثم ضمُّونى إلى صدورهم وقبّلوا رأسى وما بَيْن عينىّ ثم قالوا: يا حبيب الله لَمْ تُرَعْ إِنك لوتدرى ما يراد بك من الخير لقرَّت عيناك . قالت حليمة : فأتيت به منازل بنى سعد فقال الناس : اذهبوا به إلى الكاهن حتى ينظر إِليه ويداويه . فقال : ما بى شئ مما تذكرون إِنى أرى نفسى سليمة، وفؤادى صحيح. فقال الناس أَصابه لَمَم أَوطائف من الجن . فغلَبونى على أَمرى فانطلقتُ به إلى الكاهن فقصَصْت عليه القصة فقال : دعينى أَنا أَسمع منه فإن الغلام أَبْصَر بأَمره منكم، تكلَّمْ يا غلام . فقصَّ قصته عليه. فوثب الكاهن قائمًا على قدميه ونادى بأعلى صوته : يا للعرب من شرِّ قد اقترب اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه فإنكم إن تر كتهوه وأُدرك مدارك(٣) الرجال لَيُسْفُّهنَّ أَحلامَكم وليكذِّبن أَرْبابكم(٤) وليَدْعونّكم إلى ربِّ لا تعرفونه ودين تُنْكرونه . قالت : فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت لَأَنت أَعْتَه منه وأَجَنَّ ، ولو عامتُ. هذا من قولك ما أتيتك به ، اطلب لنفسك من يقتلك فإِنا لا نقتل محمدا . فأَتيت به منزلى فما أَتيت (٥) منزلاً من منازل بنى سعد إلا وقد شمَمْنا منه ريحَ المسك . فقال الناس: يا حليمة ردِّيه إلى جَدّه واخرجى من أمانتك. وقال زوجى: أَرى أَنْ نردّه على أُمه لتعالجه، فوالله إِنْ أَصابه ما أَصاب إلا حسدًا من آل فلان لما يرون من عظيم بركته يا حليمة أخذناه ولنا أَعْنُزُ عِجَاف فهن اليوم ثلاثمائة . قالت : فعزمت على ذلك . فسمعت مناديا ينادى : هنيئا لك يا بطحاء مكة اليوم يُرَدّ إليك النُّور والدِّين والبهاء والكمال فقد أَمِنْتِ أَن تُخْذَلِ (٦) أَو تُخْزَىْ أَبدَ الآبدين. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وزعم الناس فيما يتحدثون - والله تعالى أعلم - أن أُمه السعدية لمّا قدِمت به مكة أَضلَّها فى الناس وهى مُقْبلة نحو أهله، فالتمستُه فلم تجده (١) ص : فوز ننى بهم. (٣) ص : مدرك الرجال . (٥) ط : فمارأيت . (٢) ص : ثم جعلت . . (٤) ط : وليكذبن أديانكم. (٦) الأصول : أن تخذلين . أو تخزين. - ٤.٧٥ - فأنت عبد المطلب فقالت: إنى قدِمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأُعلى مكة أَضلَّنى، أ فوالله ما أدرى أين هو . فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى أن يردّه صلى الله. عليه وسلم عليه . زاد البيهقى رحمه الله تعالى: فقال عبد المطلب : يارب إنْ محمدا لم يوجدْ فجَمْع قومى. كلُّهم مُبَدّدْ زاد ابن سعد وابن الجَوْزى فقال عبد المطلب : لأُهُمَّ(١) رُدَّ راكَبِى محمدًا ارْدُدْهُ لى ثم اتخذْ عِندِى يدَا أَنت الذى جعلته لِ عَضُدا لا يَبْعَدِ الدهرُ به فيَبْعَدَا أَنت الذى سمَّيْتَه محمدا فسمع هاتفا من السماء: أيها الناس لا تضجّوا إن لمحمد صلى الله عليه وسلم ربًّا لن يخذله ولن (٢) يضيعه . فقال عبد المطلب : من لنا به ؟ فقال: إِنه بوادى تهامة عند الشجرة اليُمْنى . فركب عبد المطلب نحوه وتبعه ورقة بن نوفل وسار فإذا النبى صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يَجْذب غصنا من أَغصانها فقال له جده : من أنت يا غلام ؟قال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب . قال : وأَنا جَدّك فدتك نفسى . واحتمله وعانقه وهو يبكى ثم رجع إلى مكة وهو قُدّامه على قَرَبُوس فرسه فاطمأنت قريش ، ونحر عبدالمطلب عشرين جَزُورا وذبح الشِّيَّاه والبقر وأَطعم أهل مكة من ذلك. انتهى . قالت حليمة : فقالت أمه : ما ردَّ كما به يا ظِئر فقد كنتما عليه حريصين ؟ قلنا : نخشىَ الأَتلاف والأحداث فقالت : ما ذاك بكما اصدُقَانى شأنكما . فلم تدَعْنا حتى أَخبرناها خبره . فقالت : أَخشيما عليه الشيطان ؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل ، والله إنه لَكائن لابنى هذا شأن ، ألا أُخْبر كما خبره ؟ قلنا: بلى . قالت : حملتُ به فما حملتُ حملاً فط أَخفَّ منه، فأُريت فى النوم حين حملت به خرج منّى نور أضاءت له قصور بُصْرى من أرض الشام ، ثم وقع حين ولدتُه وقعًا ما يقعه المولود ، معتمدًا على يديه رافعا رأسه إلى السماء . (١) كذا فى ط موافقاً للوفا، وطبقات ابن سعد، وفى ص ت م : لاهم ربى . (٢) ط : ولا يضيعه. - ٤٧٦ - قالت حليمة : وحدثت عبد المطلب حديثه كله فقال : يا حليمة إِن لابنى هذا شأنا وودِدْت(١) أَنى أُدرك ذلك الزمان ، ثم جهّزنى عبدُ المطلب أحسن جهاز وصرفنى إلى منزلى بكل خير (٢) . وذكر ابن المعلّى الأَزْدى رحمه الله تعالى فى كتاب ((النَّرْقيص)) أن من شعر حليمة مما كانت ترقِّص به النبيَّ صلى الله عليه وسلم : ياربِّ إِذا أَعطَيْته فَأَبْقِهِ وَأَعْلِهِ إلى العُلاَ وَرَقِّهِ وادْحَض أَبَاطِيلَ العِدَا بحقِّهِ وذكر ابن سَبع رحمه الله تعالى أن حليمة قالت : كنت أُعطيه صلى الله عليه وسلم الثدى فيشرب منه ثم أَحوّله إلى الثدى الأيسر فيأبى أن يشرب منه . قال بعضهم : وذلك من عَدْله صلى الله عليه وسلم لأنه علم أن له شريكا فى الرضاعة . وكان صلى الله عليه وسلم مفطورًا على العَدْلِ مجبولاً على جميل المشاركة والفضل ، صلى الله عليه وزاده شرفا وفضلا لديه . قال العَزَفِىّ : رحمه الله تعالى: كان النساء يرين إِرضاع أولادهن عارا عليهن . وقال غيره : لينشأً غريبا فيكون أنجب للغلام وأفصح له . وقال آخر : كان عادة العرب أَن تفعل ذلك لتَفرُغ النساءُ للأزواج وهو منتفٍ هنا لأَن أَباه(٣) توفى وهو حَمْل على الصحيح. قال الواقدىّ رحمه الله تعالى: وكان ابن عباس رضى الله تعالى عنهما يقول: رجع صلى الله عليه وسلم إلى أُمه وهو ابن خمس سنين، وكان غيره يقول: رجع إليها وهو ابن أربع سنين . وذكر الأموى - رحمه الله تعالى - أنه صلى الله عليه وسلم رجع وهو ابن ست سنين تُزِيرِه جدَّه فى كل عام، ولم تره بعد أن ردَّتْه إلامرتين إحداهما بعد تزويج خديجة ، جاءته صلى الله عليه وسلم تشكو إليه السَّنَة وأَن قومها قد أَسْنَتُوا فكلَّم لها خديجةَ فأعطتها عشرين رأسا من غنيم وبَكْرات . والمرة الثانية يوم حُنَّيْن . (١) ص ت م : وددت. (٢) خبر حليمة وقصة الرضاع كما أوردها المؤلف فى سيرة ابن هشام ١٧١/١، وطبقات ابن سعد ١/ (القسم الأول)، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص ١١١، والوفا لابن الجوزى ١٠٨/١، وسيرة ابن كثير ٢٢٧/١. (٣) ص : إذ أبوه . - ٤٧٧ - مقامًا علا فى ذِرْوة العِزِّ والمجدِ حليمة .لقد بلغت بالهاشمى وزادت مَواشيها وأَخصب رَبْعها(١) وقد عمَّ هذا السعدُ كلَّ بنى سعد ويرحم الله تعالى العلامة بن جابر حيث قال : بِخَيْرِ الخَلْقِ يُشْرح كلُّ صَدْر بِشَقّ الصَّدْر خُصَّ كشَقّ بَدْر وسَعْى الدَّوْح(٣) جاء(٤) لدَفْع شك له الشَّرَفان من عَمِّ وخالٍ بدًا من خير بيتٍ فى قريش فضم إلى فصاحة آل سعد لقد سَعِدتْ حليمةُ حيث حازت فدَرَّ عليه منها الثدىُ حالاً وأعلم أنه لأخيه حَقّ وشارِفُها جرَتْ لبِنًا فَأَرْوَتْ وأسرعت الأَثانُ به نهوضًا وكانت من وراء القوم ضَعْفا فقالوا إِن لابنك ذا لشأنًا وكان يشبّ فى شهرٍ كعامٍ ويصبح دون صِبْیتھم دَهِینا وكانوا فى أشدِّ الأَرض جَدْبًا وخلف بيوتهم جبريل وافى وأُلقَى مَغْمَز الشيطان منه حشًا منه الحَشَا عِلْمًا وحِلْما: وأكرمه الإِلهُ بِشَقّ صَذْر 1 وعند الله حاز أَجَلَّ(٧) قَدْرِ . كما خُصَّ الكليم بشَقّ بَحْرٍ اكسَعْى عصَا الكلِيم لدفع سِخْر ففاق المرسلين بكل عَصْر وأُرضع فی بنی سعد بن بَكْرٍ سماحةً هاشم وجَلال فِهْرٍ رضاعتَه ونالت كلَّ فَخْرٍ ولم يكُ قبل ذا يَشْفى بدَرِّ فغادر ثَدْيِها الثانى بوَفْرٍ وكانت لا تبِضُّ لهم بقَطْرٍ فَأُعجب كلُّ من فى الركب يَسْرِى فصارت عن (٥) أَمام القوم تجرِى أَخذْتِ مباركا فثِقِى بُيُسْرِ إذا اعتبروا وفى يومٍ كشهرٍ كحيلا طيِّيا من غير عطرٍ فَعَمَّ القطرُ منها كلَّ قُطٍْ قشق الصدر منه بغير ضرّ فطهَّره فنال أَتَمَّ ◌ُهْرٍ وإيمانا على ورَع وصَبْر ووَضْع الوزر عنه ورَفْع ذِكْرٍ (١) ط : وأخصب زرعها. (٣) ص ت م: وسعى الروح (٢) ص تم : حاوى كل قدر . (٥) ص : فى أمام القوم. (٤) ط : جاز . - ٤٧٨ - ٠ فكان رضًا بلا سّخطٍ وبَذْلا له خُلق الملائك وهو خَلْقٌ إِلهُ العَرْشِ (١) أَرْسله بشيرا فأَبدلنا(٢) بَهْدىٍ بعد جهلٍ عليه صلاةُ ربِّ العرشِ تَنْدى يواصل عَرْفُها آلاَ وصَحْبا والشرفَ البوصيرى حيث قال : إذ أَبْه لِيُتْمِه مُرْضعاتٌ فَأَتَنْه من آلِ سعدٍ فتاةٌ أَرضعتْه لِبَانها فسقَتْها(٤) أَصبحت شُوَّلاً عِجَافًا وأَمستْ أَخْصَب العيش عندها بعد مَخْل يالها منة لقد ضُوعف الأَجْـ حيث أَنبتت سنابل والضِّعـ وإِذا سخّر الإله أناساً وأَنْت جدَّه وقد فصلّتْه إذ أحاطت به ملائكة اللـ ورأى وَجْدها به ومن الوجْـ فارقتْه كرها وكان لديها شقَّ عن صَدْرِه(٥) وأَخرج منه ختمَتْه يُمْنىَّ الأَمين وقد أُوْ بلا بُخْل وخيرًا دون شر من البشر الخصيص بكل بشْرٍ نذيرًا داعيًا لَهُدًى ويُسْرٍ وعَوَّضنا (٣) بيُسْرِ بعد عُشْرٍ كما تَنْدَی الریاضُ بكل فَجْرٍ كأَنّ ثناهُ نفَحات زَهْرٍ وبدَتْ فى رضاعه معجزاتٌ ليس فيها عن العيون خَفَاءُ قُلْن ما فى اليتيم عَنَّا غَنَاءُ قد أَبتْها الفقرها الرُّضَعاءُ وبَنِيهَا أَلبانَهن الشِّيَاءُ ما بهنا شائلٌ ولا عَبْقَاءُ إذ غدا للنبىِّ منها غِذَاءُ سرُ عليها من جنْسها والجزاءُ ـفَ لديه يَسْتشرف الضعفاء سُعَداءُ لسعيدٍ فإنهم وبها من فِصَّاله البُرَحاءُ ـه فَظَنَّت بأنهم قُرَنَاءُ سد لهِيبٌ تَصْلَى به الأحشاء ثاويًا لا يُملُّ منه النَّواءُ مُضْغَةً عند غَسْله سوداء فِع ما لم يُذَعْ له أنباءُ (١) ص ت م: إله الخلق، وما أثبته من ط . (٣) ص ت م: وعوضها، وما أثبته من ط . . (٢) كذا فى ط ، وفى ص ت م : فأبدلها. (٤) ص: فسقته .. (٥) ط: شق عن قلبه. - ٤٧٩ -