النص المفهرس
صفحات 1-20
زَوَائِدُ تَخْدَادُ تَيَخْ بَغْـ عَلَى الْكُكتُبْ السَّّةِ تأليف الدكتور خلدون الأحدب أستاذ الحديث وعلومه في جامعة الملك عبد العزيز في جدّة -- الَجَلّد الأول الأحاديثْ ١ - ١٧٣ دار القلم ومشوع 1 - بِسْمِاللُ الرَّمِالرَِّ المقَدّمَة الحمد لله حَمْدَاً يُوافي نعمه ويُكافىء مزيده. يا ربَّنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، لا نُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نَفْسِك. والصَّلاة والسَّلام على من بعثه ربَُّا جَلَّ ثناؤه لمنهج الهداية رسولاً، فأنزل عليه الفُرْقَانَ ليكون للعالَمِينَ نذيراً، وأوحى إليه بالسُّنَّةِ المُطَهَّرةِ لتكون على الأحکام دليلاً. صلوات ربِّي وسلامه عليه وعلى أبويه إبراهيم وإسماعيل، وعلى آله وصحبه وأتباعه وسلّم تسليماً كثيراً. وبعد: ((فإنَّ شرفَ العلوم يتفاوتُ بشَرَفِ مَذْلُولِهَا، وقَدْرَهَا يَعْظُمُ بِعِظَم محصولها، ولا خلافَ عند ذوي البصائرِ: أنَّ أجلَّها ما كانت الفائدةُ فيه أعمَّ، والنَّفْعُ به أتمَّ، والسَّعَادةُ باقتنائه أَدْوَمَ، والإِنسانُ بتحصيله ألزمَ، كعِلْم الشَّريعةِ الذي هو طريقُ السُّعَداءِ إلى دار البَقَاءِ ... وعلوم الشَّريعةِ على اختلافها تنقسمُ إلى فَرْضٍ، ونَفْلٍ. : والفَرْضُ ينقسمُ إلى: فَرْضٍ عَيْنٍ، وفَرْضِ كِفَايَةٍ . ولكلِّ واحدٍ منهما أقسامٌ وأنوائٌ، بعضها أُصولٌ، وبعضها فُروعٌ، وبعضها مقدِّماتٌ، وبعضها مُتَمِّمَاتٌ ... إلَّ أَنَّ من أصول فروض الكِفَايَات، عِلْمَ أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وآثارَ أصحابه رضي الله عنهم، التي هي ثاني أدلَّةِ الأحكام. ومعرفتها أمرٌ شريفٌ، وشأنٌ جليلٌ، لا يُحيطُ به إلاَّ من هَذَّبَ نَفْسَهُ بمتابعةِ أوامر الشَّرْعِ ونَواهيِهِ، وأزالَ الزَّيْغَ عن قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ»(١). وقد بَذَلَ السَّلَفُ والخَلَفُ في سبيل خدمة السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، روايةً ودِرَايةٌ، حفظاً وصوناً، إعلاءً وتمكيناً، ما تنطق به رحلاتهم الواسعة، ومجالسهم العامرة، ومواقفهم العظيمة المسدَّدة، وتحققهم الصادق النيِّر، ومصنَّفاتهم الكثيرة المتنوعة. فقد استفرغوا الوسع وزادوا، وصدقوا الله في نِيَّاتهم وأعمالهم، فصدقهم الله تعالى، فنضَّر وجوههم، وخلَّد ذكرهم، وأعلى مقامهم، وبارك في آثارهم. وما عملي هنا في هذا الكتاب إلّ لَبِنَةً متواضعةً في بنائهم الراسخ الممتد في خدمة حديث النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، يمكن أن يُضَمَّ إلى ما صنَّقوا في فَنِّ الزوائد من موسوعات جليلة، أسهمت في حفظ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وتقريبها. و تیسیرها. وموضوع هذا الكتاب كنت أتلمس أهميته وضرورته كلَّما ازدادت صلتي بـ (تاريخ بغداد) استفادةً وتحصيلاً، مراجعةً وإحالةً؛ فكنت أقف متأملاً هذا العدد الكبير من الحديث الشريف البالغ (٤٣٨٥) حديثاً على ما أحصيتُهُ، والمتفرقَ في: ثنايا تراجم الكتاب البالغة (٧٨٣١) ترجمةً، ضمَّتها المجلَّدات الأربعة عشر منه، متسائلاً عن سبب عدم توجه علمائنا السابقين واللاحقينَ إلى هذا العدد الكبير من. الحديث النبوي - الذي يزيد على عدد أحاديث بعض الكتب الستة: كستن التِّرْمِذِيّ وابن مَاجَه -، بالعناية والدراسة: جمعاً وتصنيفاً، تصحيحاً وتضعيفاً. وكنت أرى أَنَّ مَرَدَّ هذا الإِغفالِ، في غالب الرأي، يعود إلى هذا الذي ذُكِرَ (١) من كلام الإمام ابن الأثير الجَزَري في مقدمته لكتابه ((جامع الأصول)) (٣٦/١ -٣٧). ٦ وانتشر بين أهل العلم وطُلَّبِه، وهو أَنَّ مجرَّدَ عزو الحديث إلى الخطيب، مُعْلِمٌ بضَعْفِهِ، أو غَرَابَتِهِ، أو نَكَارَتِهِ، أو وَضْعِهِ، فلا يحتاج معه إلی بیان درجته من حیث القبول والردُّ. فلما تَقَرَّرَ هذا الاتجاهُ، أُغْمِضَتِ العيونُ عن أحاديثه وآثاره، فأُهملت وتُركت، وصُرفتِ الجهودُ إلى غيره بالعناية والدراسة. بيد أنَّه لما ظهر لي أنَّ هذا الذي تَقَرَّرَ، ليس على الصورة التي قُرِّرَ بها - كما بَّنْتُهُ وفَصَّلْتُهُ في الدراسة الآتية -، وجدت أنَّه من اللازم أن يُصارَ إلى العناية والاهتمام بما تضمنه (تاريخ بغداد) من حديث النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: دراسةً وتصنيفاً، تصحيحاً وتضعيفاً. ووجدتُ أن أجدى الطرق وأَنْفَعَهَا في سبيل تحقيق ذلك، هو إفرادُ زوائد . أحاديث (التاريخ) على الكتب الستة الأصول أولاً، فما كان منها فيها أو بَعْضَهَا، لم أُفْرِذْهُ، استغناءً بها، ولأنَّ العزو ساعتئذٍ لا يَصِحُّ للمصدر النازل، والمصدرُ الأعلى قائمٌ موجودٌ، فضلاً عن أنَّ هذه الأحاديثَ قد تكاملت العناية بها من كلِّ وجهٍ، ومن ثَمَّ فإِنَّا لا نحتاجُ إلى أن تنصرف الجهود بدايةً إلى ما لم يكن من الزوائد. وبعدَ إفراد هذه الزوائد تكون المرحلة الثانية من العناية والاهتمام، وذلك في التوجه صوب دراسة كُلِّ حديثٍ من تلك الأحاديث الزوائد، من جهة قبوله وردِّه، وبيانِ موجباتِ ذلكَ. ثم تخريجُهُ، وذكرُ متابعاته وشواهده، ومراتِبِهَا، خاصةً عند الاحتياج إليها في تعضيده إذا كان ضعيفاً، ثم بيانُ غريبه إنْ كان مشتملاً على غریب . أمَّا المرحلة الثالثة: فهي في تصنيف هذه الزوائد - من خلال الفهارس - ، حَسْبَ المسانيدِ، والموضوعاتِ، والأطرافِ، لِيُنْتَفَعَ بها من أقرب طريقٍ، ويُستفادَ منها بأقل جهد ووقت. ٧ وكانت مرحلةُ إفراد الزوائد من مجموع أحاديث (التاريخ) بعددها الكبير، من أَدَقُّ مراحل العمل، وأكثرها صعوبةً، لأنَّ هذا يتطلبُ عرض كلِّ حديث من أحاديث (التاريخ) البالغة (٤٣٨٥) حديثاً، على أحاديث الكتب الستة الأصول: ((الصحيحينِ)) للإِمامين البُخَاريُّ ومُسْلِمٍ، و ((السُّنَنِ)) للأئمة: أبي داودَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسَائِيِّ وابن مَاجَه، بآلافها المؤلَّفَةَ، وكتبها وأبوابها الكثيرة، وفِقْهِهَا الدَّقيقِ والمتنوعٍ، والذي يحتاج إلى تأملٍ عميقٍ، ونظرٍ واسعٍ، خاصةً مع تقسيم بعضهم للحديث الواحد إلى أجزاءٍ متعددةٍ بحَسْبٍ ما يدلُّ عليه من فِقْهِ، وما يُسْتَنْبَطَ منه من أحكامِ، وإلحاقٍ كُلِّ جزءٍ بالباب الذي يناسبُهُ. وهذا الأمر إذا كان متيسراً إلى حَدٍّ كبيرٍ للأئمة السابقينَ، لواسِع حِفْظِهِمْ، وقُوَّةِ اسْتِحْضَارِهِمْ، وعظيمِ اطلاعهم، مع دِقَّةِ الأفهامِ، والفِقْهِ، وبَالغِ النَّّاتِ والصِّدْقِ؛ فإنَّ فيه بالنسبةَ للمعاصرينَ، مشقَّةٌ وعَنَاً، وذلك لما للسابقينَ من الصفات المذكورة التي تَقَاصَرَ عنها المعاصرونَ، مما يجعل عملهم أكثرَ صعوبةً، وأجَلَّ خطورةً، ممّا يستتبعُ مزيداً من الدِّقةِ والنظرِ، والخَيْطَةِ والحَذَرِ . هذا أمرٌ، والْآخَرُ: أَنَّه لا نجدُ بين أيدينا قواعدَ منظومةً محرَّرةً جامعةً في فَنِّ الزوائدِ، تُتَمَثَّلُ، ويُهْتَدَى بها في مثل هذا العمل، إلَّ بعضاً من الضوابط والشروطِ التي يقفُ عليها الباحث في مقدِّمات بعض مصنَّفات الزوائد للأئمةِ المتقدمينَ، أمثالِ: الهَيْثَمي وابنٍ حَجَرٍ والبُوصِيري؛ مما جعل الأمر يحتاج إلى اهتداءٍ وتَلَمُّس لبعضها من واقع عمل الأئمة في مصنَّفاتهم تلك، وتقعيدِهَا؛ وإلى إنشاءِ قواعدَ جديدةٍ تتفقُ وحَدَّ هذا العلم وموضوعَهُ، حتى يكون العمل عِلْمِيَّاً منهجياً، ومُتَسَاوِقَاً منضبطاً. وهذا ما قمت به ابتداءً وأتيت عليه في الدراسة التي تلي هذه المقدّمة. وقد بلغ عدد الأحاديث الزوائد في (تاريخ بغداد)، بعد هذا العَرْضِ وتلك المقابلة: (٢٢٢٣) حديثاً، أي ما يزيد على نصف مجموع أحاديثٍ (التاريخ) بشيء يسيرٍ، وهو عدد ليس بالقليل. ٨ أمّا ما يتعلقُ بالحكم على تلك الأحاديث الزوائد قبولاً وردَّاً، وَفْقَ قواعد علم أصول الحديث وتطبيقاته، وذِكْرٍ من خَرَّجَهَا من الأئمة في مصنَّفاتهم، وطرقهم والكلام عليها، فإنَّ المنهج الذي اتبعتُهُ في ذلك هو التالي: أولاً: سوق الحديث بإسناده ومَتْنِهِ كما في (تاريخ بغداد)، وَوَفْق ترتيب تراجمه، والتي رُقِّبَتْ على حَسْبٍ حروف المعجم، مع خللٍ في ذلك في نطاق تراجم الحرف الواحد، وكان ذلك مراعاةً ومحافظةً على منهج الحافظ الخطيب في كتابه، وللتيسير في الإِحالة والعزو والمراجعة. ثم ذكرُ الجُزْءِ والصفحة واسم صاحب الترجمة الذي ساق الخطيب الحديث في ترجمته. ثانياً: ذكر مرتبة الحديث، ويُسَجَّلُ ابتداءً خلاصة الدراسة حول مرتبته، تقريباً وتيسيراً. ثم يُشْرَُ ببيان حال إسناده، فإن كان مقبولاً، ذُكِرَتْ أسبابُ قبوله إجمالاً، مع ترجمة من يُحْتَاجُ إلى ترجمته، دون التزام بذكر تراجم جميع رجال الإسناد، حيث إنَّهم مقبولونَ بعد النظر والتدقيق فيهم، فإثقالُ الكتاب بذكر أقوال النُّقَّادِ فیھم، لیس فیه کبیر فائدة. أُمَّا عندما يكون الإِسناد مردوداً، فإنَّ أسبابَ ردِّهِ تُذْكَرُ تفصيلاً، مع الترجمة للرواة المجروحين وحدهم، إلّ إذا اقتضى البحث غير ذلك. وكان الاعتمادُ في التراجم على المصادر الأصلية والأولى في علم الجرح والتعديل استيعاباً ما دامت الكفاية فيها قائمةً. مع مراعاة ذكر الأقدم تصنيفاً أولاً، لمعرفة التطور الاجتهادي في الحكم على الرواة. وكانت الغايةُ من هذا التقصِّي المقصودِ، الوقوفَ على جميع ما صدر بحقٌ الراوي المتكلّم فيه من جَرْحٍ وتعديلٍ، ثم الموازنةَ بين تلك الأقوال وَفْقَ قواعد علم الجرح والتعديل وتطبيقات الأئمة النُّقَّاد لها، ليكون الحكم في المآل على الراوي حُكْمَاً عادلاً منصفاً، وكاشفاً مُفسَّرَاً. والحكمُ - وإنْ كان متجهاً صوبَ إسناد الخطيب أولاً، احتياطاً وحَذَرَاً - إلّ ٩ أنَّه إذا كان ضعيفاً ضعفاً مُحْتَمَلاً، وَوُجِدَ له من المتابعاتِ أو الشواهد، أو كليهما، ما يعضُّدُهُ ويقوِّيهِ، ويرفعُهُ من مرتبة الضعف إلى مرتبة القبول، ذكرتُهُ، وبيَّنْتُ حال تلك المتابعات والشواهد ومن خَرَّجَهَا . أمّا إذا كان ضَعْفُهُ غيرَ مُحْتَمَلٍ، ولا يَقْبَلُ تعضيداً - بَيْدَ أَنَّ مَثْنَ الحديث قد رُوي من طُرقٍ مقبولةٍ أخرى، صحيحةٍ أو حسنةٍ، أو بمجموعها كانَ مقبولاً - ◌َتُهُ أيضاً، أولاً: بذكره على سبيل الإجمال مقترناً مع درجة إسناد الحديث في أول البحث، وثانياً: بتفصيله عند الكلام عن التخريج. وهذا المَسْلَكُ إنّما كان لرفع كُلِّ ظنٍ أو اشتباهٍ يمكن أَنْ يَحْصُلَ من جرَّاءِ ذِكْرِ الحُكْمِ على الإِسناد وحدَهُ، كما يفعلُهُ الكثير من الدَّارِسينَ والمخرِّجينَ. ثالثاً: تخريجُ الحديث، بذكر من خَرَّجَهُ، من الأئمة في مصنَّفاتهم، وبيانُ ◌ُقِهِمْ وحَصْرُها قَدْرَ الإِمكان والحاجة، ثم الكلامُ عنها، وبيانُ ما فيها من عللٍ إن وجدت، مستهدياً في ذلك كلِّه بقواعدِ أصولِ التخريجِ، وقواعدٍ علومِ الحديثِ، وكلام أئمةِ هذا الفَنِّ، وأحكامهم، وتَنْفِيداتِهِمْ، وتحقيقاتهمْ، مُتَابِعًاً لهم على بَصيرةٍ وعِلْمِ، مُخَالِفَاً لبعض ما صَدَرَ عنهم عند وجودِ ما يوجبُهُ، مقترناً بالحجَّة والدليل. وَمُنَبِّهَاً على بعض ما يَلْزَمُ التنبيه عليه ممّا كان من بعض الباحثينَ والمشتغلينَ بهذا العلم من المُعَاصرين، مما له صلةٌ بالبحث، نُصْحَاً وأَمَانَةٌ، دون تعسفٍ أو تجاوزٍ أو حَيْفٍ إن شاء الله تعالى، سائلاً المولى جَلَّ شأنه أَنْ أُرْزَقَ من يَدُلِّي على ◌ِثَارٍ لي، مأجوراً مشكوراً، فالخطأُ مُلازِمٌ للعمل البشري مهما بلغ من الجودة والإتقان، لا يُعْصَمُ منه أحدٌ، إلّ من عصمه مولاه سبحانه. وعَقِبَ التخريج أذكرُ غريبَ الحديث إنْ كان فيه غريبٌ، حتى يُعْلَمَ معناهُ، ويوقفَ على فوائده. وأحكامه . وقد قَدَّمْتُ لهذا العمل الذي ضمَّه ثالث أبواب الكتاب، وهو أُتُّها وقاعدتها، بدراسة لازمةٍ كاشفةٍ، ضمَّت بابین اثنين. ١٠ أولهما: يشتملُ على تعريفِ علم الزوائد، وثمرتِهِ، ومراتب الأحاديث الزوائد روايةً واستدلالاً، وذِكْرِ المصنَّفات في هذا الفَنِّ، وخصائِصِهَا، ومناهجٍ أصحابِهَا فيها على سبيل الإِجمال، ثم بيانٍ قواعدِ علم الزوائد، التي ارتُسِمَتْ في هذا العمل. ثانيهما: يتناول مبحثاً عن أهمية كتاب (تاريخ بغداد) باعتباره مصدراً من مصادر الحديث الشريف، وآخرَ في ترجمة موجزةٍ للحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى. أمّا التعريف، فقد ذكرت في أول مبحثه أنه لم يُوقف على تعريفٍ مِنْ أَحَدِ المتقدِّمينَ له، وأنَّ ما ذَكَرَهُ بعض المعاصرين تَبَعَاً للعلاّمة محمد بن جعفر الكَثَّاني رحمه الله، إنما هو تعريف لكتب الزوائد، وليس تعريفاً للزوائد بوصفه عِلْمَاً. وأنَّ تعريفه بتلك الصفة هو: ((علمٌ يتناولُ إفرادَ الأحاديثِ الزائدةِ في مصنَّفٍ، رُويت فيه الأحاديثُ بأسانيدِ مُؤْلِّفِهِ، على أحاديثٍ كُتُبِ الأصولِ السنةِ أو بعضِهَا، مِنْ حديثٍ بتمامهِ لا يُوجَدُ في الكتبِ المَزِيدِ عليها، أو هو فيها عن صحابي آخرَ، أو من حديثٍ شاركَ فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثّرة عنده». ثم شرحت التعريف شرحاً مُفَصَّلاً، أظهرتُ فيه كُلِّيَاتِهِ وأفرادَهُ وتطبيقاتِهِ، مبيناً فيه محترزاتِهِ وقيودَهُ. وبعد ذلك ذكرت غاية هذا العلم وثمرتَهُ، التي تتمثل في تقريب السُّنَّةِ المُطَّهَّرَةِ وتيسيرها، مع ذكرٍ أربعة أوجهٍ لهذا التقريب والتيسير تفصيلاً، وأتبعتها ببيانِ مراتبِ الأحاديثِ الزوائدِ روايةً واستدلالاً . ثم ذكرتُ المصنَّفاتِ في فَنِّ الزوائد، وترتِيبَهَا وَفْقَ وفَيَاتِ أصحابِهَا، وخصائِصَهَا ومناهجَ أصحابها فيها على سبيل الإجمال. وآخر مباحث الباب الأول هو: القواعدُ التي ارْتُسِمَتْ في إفرادِ زوائد (تاريخ ١١ بغداد) على الكتب الستة الأصول، وقد بلغ مجموعها (إحدىُ عَشْرَةَ) قاعدةً ذُكرت مفصّلةً مقترنةً بالتطبيقات اللازمة لها. أمَّا الباب الثاني: فاشتمل أولاً على بيان أهمية (تاريخ بغداد) باعتباره مصدراً من مصادر الحديث الشريف، وذِكْرِ موضوعهِ، وأهميتِهِ المتعددةِ المظاهرِ والجوانبِ، وأنَّ الأهميةَ العُظْمَى له هي في نطاقِ الحديث الشريف، حيثُ اختصَّ رجالُ الحديث بخمسةِ آلافٍ ترجمةٍ من مجموع تَرَاجِمِهِ البالغةِ (٧٨٣١) ترجمةً، وأنَّ عدد أحاديثه - كما أسلفتُ - (٤٣٨٥) حديثاً. ثم بحثتُ فيما يتعلَّقُ بقيمة مروياته الكثيرةِ تلكَ مِنْ حيثُ القبولُ والرَُّ، ومناقشةِ أقوال العلماء في ذلك، والتعقيب عليها، وتوجيهها، والكشفِ عن أنَّ قُرَابَةَ نِصْفِ هذه الأحاديثِ، هو ممَّا خُرِّجَ في الكتب الستة الأصول، أو بعضها، وجلُّ هذا القسم من المقبول. وبيانُ أنَّ الزوائدَ عليها، تدورُ بين الصِّحَةِ والحُسْنِ والضَّعْفِ والنَّكَارةِ والوَضْع، وأنَّ التَالِفَ والغريبَ والمُنكَرِ والموضوعَ، هو الأصلُ في الأحاديث التي تَفَرَّد الخطیب بروایتها، ولم یشارکُ أحدٌ في روایتها ممن سبقه، مع ذکري لأسباب ذلك مقترناً بالإشارة إلى أنَّ هذه الأحاديثَ التي تَفَرَّدَ بها، قليلةٌ بالنسبةِ لمجموع أحاديث الزوائد. وقد ذكرتُ النتيجة التي توصلت إليها في شأن قِيمَةِ مروياتِهِ، وهي أَنَّ قِيمَةَ ما يرويه الخطيبُ قيمةُ سَنَدِهِ :: أما آخر مباحث الدراسة، فكان ترجمةً موجزةً للحافظ الخطيب البغدادي، أتت على ذكر الدراسات التي كُتِبَتْ فيه: اسمِهِ وكُنْيَتِهِ ومَوْلِدِهِ، ونشأتِهِ وطَلَبِهِ ورحلتِهِ في طلبِ العلم، ثم ثقافتِهِ وعلومِهِ، ثم صفاتِهِ ومناقبِهِ، وذِكْرِ أهمِّ شیوخِهِ وتلامذتِهِ، ثم توثيقِهِ وبيانِ مكانتِهِ وثَنَاءِ العلماءِ عليه، وأخيراً ذِكْرِ عدد مصنَّفَاتِهِ وموضوعاتِهَا، وتسمية المطبوعِ منها . ١٢ ولا بد من الإشارة هنا إلى أنَّ النسخة المطبوعة من (تاريخ بغداد) - كما هو معروفٌ عند أهل العلم والباحثينَ - فيها من أنواع التصحيف والتحريف والسَّقْطِ والقَلْبِ، ما يُوجب الرجوعَ إلى النُّسَخِ الخَطَّيَّةِ منه، لتقويم النصوصِ، واستدراك ما يكونُ فيها من سَقْطٍ . وقد سافرتُ إلى كُلِّ مِنْ تُونُسَ ومِصْرَ والمدينةِ المُنَوَّرَةِ، للوقوف على النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ من (تاريخ بغداد)، والاستفادةِ منها فيما قدَّمت، وتصويرٍ ما يمكن تصويره : منها . وفي تونس عثرت في المكتبة الأحمدية على نسخة غير كاملة من (التاريخ)، وهي بمقدار نصفه، وتقابلُ الأجزاءَ السبعة الأخيرة من النسخة المطبوعة، مع سَقْطٍ كبيرٍ في مواطن عدّة منها كما لاحظته أثناء الاستفادة منها، وهي برقم (٤٩٢٧)، وعدد أوراقها (٤٣٦) ورقة من القطع الكبير، وخَطَّهَا مَشْرِقِي جميل، وقد نَسَخَهَا محمد أمين التوني عام (١١٢٩) للهجرة في مدينة (استانبول). كما وجدت فيها مُجَلَّدَاً واحداً من نسخة أخرى، عدد أوراقه (١٢٥) ورقة، وخَطُّهُ مَشْرِقِي أيضاً، وهو برقم (١٦١١٩)، وهذا المجلَّد يقابلُ من المطبوع من (١/ ١٥٠) إلى (١٥/٢)، وتاريخ نَسْخِهِ سنة (٥٩٥) للهجرة. أمّا في مِصْر، فلم أُمَكَّن من الوقوف إلاَّ على (ميكروفيلم) يحمل رقم (٣٤٤٢)، في دار الكتب المِصْرِية، وهو لنسخة ناقصة من (التاريخ) لم يبق منها إلا أقلّها، وقد گُتبت عام (٦٠٧ هـ) في دمشق. وقد استفدت منها في مواضع، سيأتي ذكرها في محلِّه. وأَقْدَمُ النُّسَخ التي تمكَّنتُ من الوقوف عليها، نسخة غير كاملة أيضاً، ضمَّتها خِزَانَةُ المكتبة المحمودية في المدينة المُنَوَّرَةِ. وهي مشتملة على أربعة مجلداتٍ ضِخَامٍ، عدد أوراقها (٩٤٧) ورقة، وخطوطها قديمة مختلفة، وفي الأول منها سماع تاريخه عام (٥٥٦) للهجرة في دمشق، وعلى الأجزاء سماعات كثيرة ١٣ المشاهير المُحَدِّثين. وهي فيها بأرقام (٢٥٢٦ و ٢٥٢٧ و ٢٥٢٨ و٢٥٢٩). ولم أقم بمقابلة جميع الأحاديث الزوائد على ما وقفت عليه من النُّسَخ الخَطِّيَّةِ، وإنما راجعتُ فيها ما اشتبه، أو أَشْكَلَ، أو تَعَيَّنَ لي فيه سَقْطٌ أو قَلْبٌ، ونحو ذلك. وقد فاتتني مواضع قليلة، أبقيتها كما هي عليه في المطبوع، مع ما فيها من إشكال، لعدم عثوري عليها في النسخ المتقدِّم ذكرها. وبعد: فلئن استغرق هذا العمل مني سنين سَبْعَاً، بذلتُ فيها من الجهد والعناية ما أعانَ اللهُ عليه وَوَفَّقَ ويَسَّرَ، حتى تمَّ مع اتساعه على الوَجْهِ الذي أرجو أن يكون مرضياً إن شاء الله، مع الاشتغال في الوقت نفسه بالتدريس الجامعي وما يحتاج ويتطلب؛ فإنها لمن أحبُّ وآثر ما مضى من العمر، لما كان فيها من خدمةٍ للسُّنَّة المشرّفة: تأصيلاً منهجياً لعلم زوائد الحديث، ودراسةً علميةً لهذا العدد الكبير من الحديث الشريف: إفراداً وتمييزاً، تصحيحاً وتضعيفاً، تبويباً وفهرسةً. فله وحده سبحانه وتعالى المِنَّة والفضل. وهذا الكتاب في أصله، كان رسالةً علميةً، تقدَّمتُ بها لنيل درجة (الدكتوراه) في الحديث الشريف وعلومه، من جامعة أُمِّ دُرْمَان الإسلامية. وقد أُجيزت بتقدير (الامتياز) من مرتبة الشرف الأولى. وقد تفضَّل بالإشراف عليها: أستاذنا فضيلة الدكتور أحمد نور سيف مثَّع الله به، وأجزل له المثوبة في الدَّارَیْنِ. وإنِّي لُأُسْدِي الشكر خالصاً إلى زوجتي الكريمة، التي كانت خير عَوْنٍ لي بعد الله عزّ وجلّ، في إنجاز هذا العمل، فجزاها الله تعالى خير الجزاء وأوفاه. وإنِّي لأسأل المولى سبحانه أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبَّله بما هو أهله، وأن ينفعني به وذُرِّيتي يوم العَرْضِ عليه. ١٤ ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا واغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ﴾ [سورة التحريم: الآية ٨]. ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّك أَنْتَ الوَهَّابُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٨]. وصلَّى الله وبارك على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه الأخيار الأبرار، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين. جُدَّة في ٨ رجب ١٤١٢ هـ ١٢ كانون الثاني ١٩٩٢م وكتبه الدكتور خلدون الأحدب ١٥ .-. الباب الأول في تعريفت علم الزوائد، وثمرته، وَالْمَصَنّفات فيّه، وَالْقَوَاعِدُ التِى يَقُومِ عَليْهَا ١٧ تعريف علم الزوائد من نظر فيما قيل في تعريف علم الزوائد، يجد أَنَّ من عَرَّفَهُ من المعاصرين(١)، إنما اتجه صوب تعريف (كتب الزوائد) وليس (علم الزوائد)، وأَنَّ جميع من عرَّف (كتب الزوائد)، لم يخرج على ما ذكره المُحَدِّث محمد بن جعفر الكَثَّاني رحمه الله في ذلك، حيث يقول في (الرسالة المُسْتَطْرَفَة))(٢): ((ومنها - يعني كتب الحديث - كتب الزوائد: أي الأحاديث التي يزيد بها بعض كتب الحديث على بعض آخر معين)». وهذا الاقتصار المتوجه صوب تعريف (كتب الزوائد) وحدها، جعل من اللازم التوجه صوب تعريف (علم الزوائد) ذاته. وقد راعيت عند وضع التعريف، ما ذكره المصنّقون في هذا الفنّ من ضوابط وشروط، مع ملاحظة المسلك التطبيقي لهم. بعد تلك الملاحظة يمكن تعريف (علم الزوائد) بأنه: («علم يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مصنَّفٍ رُويت فيه الأحاديث بأسانيد (١) انظر على سبيل المثال: كتاب ((ابن حَجَر العَسْقَلاني ودراسة مصنفاته ومنهجه وموارده في كتاب الإصابة)) للدكتور شاكر عبد المنعم (٤١٩/١)، و ((بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة)) للدكتور أكرم ضياء العُمَري ص ٢٤٨، و(«أصول التخريج ودراسة الأسانيد) للدكتور محمود الطخَّان ص ١١٩ . (٢) ص ١٧٠ . ١٩ مُؤَلِّفِهِ، على أحاديث كُتُبِ الأصول الستة أُو بَعْضِهَا، مِنْ حديثٍ بتمامه لا يوجدُ في الكتبِ المزيدِ عليها، أو هو فيها عن صحابي آخرَ، أو من حديثٍ شاركَ فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثِّرة عنده)). شرح التعريف: لا بد من شيء من التفصيل للتعريف المتقدِّم، حتى يوقف على حقيقة هذا العلم وموضوعه، ومن ثمَّ تتضح معالمه، وتعرف ضوابطه وقيوده. أولاً: القول في التعريف: ((في مصنَّفٍ رُويت فيه الأحاديث بأسانيد مُؤَلِّفِهِ». فإنه يشتمل على نقطتين اثنتين: النقطة الأولى: أنَّه ليس شرطاً أن يكون الكتاب الذي تُفْرَدُ زوائده، من كتب الرواية، كالمسانيد، والسنن، والجوامع، والمعاجم، وكتب الفوائد. وإن كان جُلُّ المصنفات التي أفردت زوائدها، تناولت کتب الرواية، أمثال (مسانيد) الأئمة: أحمد وأبي يَعْلَى والبزَّار والطَّيَالِسِي والحُمَيْدي والحارث بن أبي أسامة وابن مَنِيع وسواهم، ومن مثل (معاجم) الطبراني الثلاثة، و (السنن الكبرى) للبيهقي. حيث إنَّ هناك الكثير من المصنَّفات من غير كتب الرواية المتخصصة، قد ضمت نسباً متفاوتة من الحديث النبوي، بلغ في بعضها آلافاً مؤلفةً، ولا يوجد كثير مما تضمنته من الحديث، في كتب الرواية، وهذه المصنَّفات جميعاً قد ساق أصحابها ما ذكروا من الحديث النبوي بأسانيدهم. ويمكن أن نُدْرِجَ هذه المصنَّفات تحت الأقسام الكلية التالية - ويمكن الزيادة عليها - ، مقتصرين على ذكر بعض مصنَّفات كلِّ قسم من تلك الأقسام. ٢٠