النص المفهرس
صفحات 581-600
يَخَافَا أَنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتَدَتْ به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا في حق الحرائر دون الإِماء، فإن افتداءَ الأمة إلى سيدها، لا إليها. ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فجعل ذلك إليهما، والتراجع المذكور في حق الأمة، وهو العقد، إنما هو إلى سيدها، لا إليها، بخلاف الحرة، فإنه إليها بإذن وليها، وكذلك قوله سبحانه في عدة الوفاة ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ ويَدْرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بِالمعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وهذا إنما هو في حق الحرة، وأما الأمة، فلا فعل لها في نفسها ألبتَّةَ، فهذا في العدة الأصلية. وأما عدة الأشهر ففرع وبدل. وأما عدة وضع الحمل، فيستويان فيها، كما ذهب إليه أصحابُ رسولِ اللهِ نَّه، والتابعون، وعمل به المسلمون، وهو محض الفقه، وموافق لكتاب الله في تنصيف الحدِّ عليها، ولا يعرف في الصحابة مخالف في ذلك، وفَهْمُ أصحابِ رسولِ اللّهِ وََّ عن الله أولى من فَهْمِ مَنْ شَذَّ عنهم من المتأخِّرين، وبالله التوفيق. ٠٪ ولا تعرف التسوية بين الحُرَّة والأمة في العِدَّة عن أحدٍ من السلف إلا عن محمد بن سيرين، ومكحول. فأما ابنُ سيرين، فلم يَجزِمْ بذلك، وأخبر به عن رأيه، وعلّق القولَ به على عدم سُنَّة تُتَبَعُ. وأما قول مكحول، فلم يذكر له سنداً، وإنما حكاه عنه أحمد رحمه الله، وهو لا يقبل عند أهل الظاهر، ولا يصح، فلم يبق معكم أحد من السلف إلا رأيُ ابنِ سيرين وحدَه المعلَّقُ على عدم سُنةٍ مُتَّبعةٍ، ولا ريب أن سُنَّةَ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه في ذلك مُتَبَعَةٌ، ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم، والله أعلم. فإن قيل: كَيفَ تَدَّعُون إجماع الصحابة وجماهيرِ الأُمَّة، وقد صحَّ عن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه، أن عِدَّةَ الأمَةِ التي لم تبلغْ ثلاثةُ أشهر، وصح ذلك عن عمرَ بنِ عبد العزيز، ومجاهدٍ، والحسنِ، وربيعةً، والليثِ بن سَعْدٍ عدة الأمة غير البالغة ٥٨١ والزهريِّ، وبكر بنِ الأشجِّ، ومالكِ، وأصحابه، وأحمدَ بنِ حنبلٍ في إحدى الروايات عنه . ومعلوم أن الأشهر في حق الآيسة، والصغيرة بَدَلٌ عن الأَقراء الثلاث، فدل على أن بَدَلها في حقها ثلاثةٌ . فالجواب: أن القائلين بهذا هم بأنفسهم القائلون: إن عِدَّتها حیضتان، وقد أَفْتَوْا بهذا، ولهذا، ولهم في الاعتداد بالأشهر ثلاثةُ أقوال، وهي للشافعي، وهي ثلاث روايات عن أحمد. فأكثر الرواياتِ عنه أنها شهران، رواه عنه جماعة من أصحابه، وهو إحدى الروايتين عن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه، ذكرها الأثرم وغيره عنه . وحجةُ هذا القول: أن عِدَّتها بالأقراء حيضتان، فجعل كل شهر مكان حيضةٍ . والقول الثاني: أن عِذَّتها شهرٌ ونصف، نقلها عنه الأثرم، والميموني، وهذا قول عليٍّ بنِ أبي طالب، وابنِ عمر، وابنِ المسيِّب، وأبي حنيفة، والشافعيِّ في أحد أقواله. وحجته: أن التنصيف في الأشهر ممكن، فتنصفت، بخلاف القروء. ونظير لهذا: أن المُحْرِمَ إذا وجبَ عليه في جزاء الصيد نصفَ مَدَّ أخرجه، فإن أراد الصيام مكانه، لم يجزه إلا صوم يومٍ كاملٍ. والقول الثالث: أنَّ عِدَّتها ثلاثةُ أشهرٍ كواملَ، وهو إحدى الروايتين عن عمر رضي الله عنه، وقول ثالث للشافعي: وهو فيمن ذكرتموه. والفرق عند هؤلاء بين اعتدادها بالأقراء، وبين اعتدادها بالشهور، أن الاعتبار بالشهور للعلم ببراءة رحمها، وهو لا يحصل بدون ثلاثة أشهر في حق الحرة والأمة جميعاً، لأن الحمل يكون نُطفةً أربعين يوماً، ثم عَلقةً أربعين، ثم مُضْغةً أربعين، وهو الطَّوْر الثالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل، وهو بالنسبة إلى الحرة والأمة سواء، بخلاف الأقراء، فإن الحيضة الواحدة عَلَم ظاهر على ٥٨٢ الاستبراء، ولهذا اكتفي بها في حَقِّ المملوكة، فإذا زُوَّجَتْ فقد أخذت شَبَهاً من الحرائر، وصارت أشرفَ من ملك اليمين، فجعلت عِدَّتُها بين العدتين. قال الشيخ في ((المغني)): ومن ردَّ هذا القول، قال: هو مخالف لإٍجماع الصحابة، لأنهم اختلفوا على القولين الأَوَّلَيْن، ومتى اختلفوا على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث، لأنه يفضي إلى تخطئتهم، وخروجٍ الحق عن قول جميعهم. قلت: وليس في هذا إحداثُ قولٍ ثالثٍ، بل هو إحدى الروايتين عن عمر، ذكرها ابن وهب وغيره، وقال به من التابعين من ذكرناهم وغيرهم. فصل وأما عِدَّة الآيسةِ، والتي لم تَحِضْ، فقد بينها سبحانه في كتابه فقال: عدة الآيسة والتي لم ﴿وَالَّانِي يَبِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ تحض يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، وقد اضطرب الناس في حد الإِپاس اضطراباً شديداً، حد الإياس فمنهم من حدَّه بخمسين سنة، وقال: لا تحيض المرأة بعد الخمسين، وهذا قول الروايات عن أحمد في حد إسحاق ورواية عن أحمد رحمه الله، واحتج أرباب هذا القول بقول عائشة الإياس رضي الله عنها: إذا بلغتْ خمسين سنةً، خرجت من حَدِّ الحُيَّصِ. وحَدَّه طائفةٌ بستِّين سنةً، وقالوا: لا تحيضُ بعد الستين، وهذه رواية ثانية عن أحمد. وعنه رواية ثالثة: الفرق بين نساءِ العرب وغيرِهم، فحدُّه ستون في نساءِ العرب، وخمسون في نساءِ العجم. وعنه رواية رابعة: أن ما بين الخمسين والستين دم مشكوك فيه، تصوم وتصلِّي، وتَقْضي الصومَ المفروضَ، وهذه اختيار الخِرَقيِّ. وعنه رواية خامسة: أن الدم إن عاود بعد الخمسین وتكرر، فهو حیض، وإلا فلا. وأما الشافعي رحمه الله، فلا نص له في تقدير الإِياس بمدة، وله قولان مذهب الشافعي في حدّ بعدُ. أحدهما: أنه يُعْرَف بيأس أقارِبها. والثاني: أنه يعتبر بيأس جميع النساء، الإياس فعلى القول الأول: هل المعتبر جميعُ أقاربها، أو نساءُ عَصَبَاتِها، أو نساء بلدِهَا خاصة؟ فيه ثلاثة أوجه، ثم إذا قيل: يعتبر بالأقارب، فاختلفتْ عادتُهن، فهل يعتبر بأقَلِّ عادةٍ منهن، أو بأكثرهن عادةً، أو بأقصرِ امرأة في العالم عادةً؟ على ٥٨٣ ثلاثة أوجه. والقول الثاني للشافعي رحمه الله: أن المعتبر جميعُ النساء. ثم اختلف أصحابه: هل لذلك حَدٌّ، أم لا؟ على وجهين. أحدهما: ليس له حَدٌّ، وهو ظاهر نَصِّهِ. والثاني: له حَدٌّ، ثم اختلفوا فيه على وجهين. أحدهما: أنه ستون سنة، قاله أبو العباس بن القاص، والشيخ أبو حامد. والثاني: اثنان وستون سَنَةً، قاله الشيخ أبو إسحاق في ((المهذب))، وابن الصَّاغ في ((الشامل)). وأما أصحاب مالك رحمه الله، فلم يَحُدُّوا سِنَّ الإِياس بحدٌّ ألبتَّةَ . وقال آخرون، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية: اليأس يختلف باختلاف النساء، وليس له حَدٌ يَتَّفِقُ فيه النساء. والمراد بالآية، أن يأس كل امرأة من نَفْسها، لأن اليأسَ ضِدُّ الرجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض، ولم ترجُهُ، فهي آيسةٌ، وإن كان لها أربعون أو نحوها، وغيرها لا تيأس منه وإن كان لها خمسون. وقد ذكر الزبير بن بكَّار: أن بعضهم قال: لا تَلِدُ لخمسين سَنَةً إلا عربيةٌ، ولا تَلِدُ لستِّيْنِ سَنَةً إلا قرشيَّةٌ. وقال: إن هندَ بنتَ أبي عبيدة بن عبد الله بن ربيعة، ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ولها ستون سنة. وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة طلِّقت، فحاضت حَيْضَةً أو خَيْضَتين، ثم يرتفع حيضها لا تدري ما رَفَعَهُ أنها تتربَّص تسعةً أشهر، فإن استبان بها حَمْل، وإلا اعتدَّتْ ثلاثة أشهر. وقد وافقه الأكثرون على هذا، منهم مالك، وأحمد، والشافعي في القديم. قالوا: تتربَّص غالب مدة الحمل، ثمَّ تعتدُّ عِدَّة الآيسةِ، ثم تَحِلُّ للأزواج ولو كانت بنت ثلاثين سنةً، أو أربعين، وهذا يقتضي أن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، ومن وافقه من السَّلَفِ والخَلَفِ، تكون المرأةُ آيسةٌ عندهم قبل الخمسين، وقبل الأربعين، وأن اليأس عندهم ليس وقتاً محدوداً للنساء، بل مثل لهذه تكون آيسةً وإن كانت بنت ثلاثين، وغيرُها لا تكون آيسةً وإن بلغت خمسين. وإذا كانوا فيمن ارتفع حيضُها ولا تدري ما رَفَعَهُ، جعلوها آيسةً بعد تسعة أشهر، فالتي تدري ما رَفَعَهُ إما بدواءٍ يعلم أنه لا ٥٨٤ يعودُ مَعَهُ، وإما بعادةٍ مستقرَّةٍ لها من أهلها وأقاربها أولى أن تكون آيسةً. وإن لم تبلغ الخمسين، وهذا بخلاف ما إذا ارتفع لمرض، أو رضاع، أو حمل، فإن هذه ليست آيسةً، فإن ذلك یزول. فالمراتب ثلاثة. أحدها: أن ترتفعَ لِيَأس معلوم متيقَّنٍ، بأن تنقطع عاماً بعد عام، ويتكرَّر انقطاعه أعواماً متتابعة، ثم يطلِّق بعد ذلك، فهذه تتربص ثلاثة أشهر بنص القرآن، سواء كانت بنتَ أربعين أو أقلَّ أو أكثرَ، وهي أولى بالتربُّص بثلاثة أشهر من التي حكم فيها الصحابة والجمهور بتربُّصِها تسعة أشهر ثم ثلاثة، فإن تلك كانت تحيض وطُلِّقتْ وهي حائض، ثم ارتفع حيضُها بعد طلاقها لا تدري ما رَفَعَه، فإذا حكم فيها بحكم الآيساتِ بعد انقضاءِ غالبِ مدةِ الحمل، فكيف بهذه؟ ولهذا قال القاضي إسماعيل في ((أحكام القرآن)): إذا كان اللّهُ سبحانه قد ذكر اليأسَ مع الرِّبة، فقال تعالى: ﴿وَالََّائِي يَئِسْنَ مِنَ المحِيضِ منْ نِسَائِكُمْ إِن ارْتَبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، ثم جاء عن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه لفظ موافق لظاهر القرآن، لأنه قال: أيُّما امرأةٍ طُلِّقَتْ فحاضت حَيْضَة، أو حيضتين، ثم ارتفعتْ حيضتُها لا تدري ما رَفَعَهَا، فإنها تنتظر تسعة أشهر، ثم تعتدُّ ثلاثةَ أشهر. فلما كانت لا تدري ما الذي رَفَعَ الحَيْضَة، كان موضع الارتياب، فحكم فيها بهذا الحكم، وكان اتِّباع ذلك ألزمَ وأولى من قول من يقول: إن الرجلَ يطلِّقُ امرأتَهُ تطليقةً أو تطليقتين، فيرتفع حيضُها وهي شابَّةٌ: أنها تبقى ثلاثين سَنَةً معتدَّةً، وإن جاءت بولد لأكثر من سنتين، لم يلزمْهُ، فخالف ما كان من إجماع المسلمين الذي مَضَوْا، لأنهم كانوا مُجْمِعِينَ على أن الولدَ يلحق بالأبِ ما دامتِ المرأةُ في عِدَّتِها، فكيف يجوزُ أن يقولَ قائلٌ: إن الرجل يطلِّق امرأتَهُ تطليقَةً أو تطليقتين، ويكون بينها وبين زوجها أحكامُ الزوجات ما دامتْ في عِدَّتِها من الموارَثَةِ وغيرها؟ فإن جاءت بولد لم يَلْحَقْه، وظاهر عِدَّة الطلاقِ أَنَّها جُعِلَتْ من الدخول الذي يكون منه الولدُ، فكيف تكونُ المرأة مُعتدَّةً والولد لا يلزم؟ قلت: هذا إلزام منه لأبي حنيفة، فإن عنده أقصر مدة الحمل سنتان، ٥٨٥ والمرتابةُ في أثناءِ عِدَّتِها لا تزال في عِدَّةٍ حتى تبلغَ سِنَّ الإِياس، فتعتدُّ به، وهو يلزم الشافعي في قوله الجديد سواء، إلا أن مدةَ الحملِ عنده أربعُ سنينَ. فإذا جاءت به بعدَها لم يَلْحَقْهُ، وهي في عِدَّتها منه. قال القاضي إسماعيل واليأسُ يكون بعضُه أكثرَ من بعض، وكذلك القنوطُ، وكذلك الرجاءُ، وكذلك الظن، ومثل هذا يَتَّسع الكلام فيه، فإذا قيل منه شيء، أُنزل على قدر ما يظهر من المعنى فيه، فمن ذلك أن الإنسان يقولُ: قد يَتِسْتُ من مريضي، إذا كان الأغلب عنده أنه لا يبرأُ ويئست من غائبي إذا كان الأغلب عنده أنه لا يَقْدَمُ، ولو قال: إذا مات غائبهُ، أو مات مريضُه: قد يئستُ منه، لكان الكلامُ عند الناس على غیرِ وَجْهِهِ، إلا أن يتبيَّن معنى ما قصد له في كلامه، مثل أن يقول: كنتُ وَجِلاً في مرضه مخافة أن يموت، فلما ماتَ وقع اليأس، فينصرف الكلامُ على لهذا وما أشبهه، إلا أن أكثر ما يلفظُ بالیأس إنما يكون فیما هو الأغلبُ عند الیأس أنه لا یکون، ولیس واحد من اليائس والطامع يعلم يقيناً أن ذلك الشيءَ يكون أو لا يكون، وقال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنِ النَّسَاءِ الَّلاتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرَّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، والرجاء ضِدُ اليأس، والقاعدةُ من النساءِ قد يمكن أن تُزَوَّجَ، غير أن الأغلب عند الناس فيها أن الأزواج لا يرغبون فيها. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] والقُنوط شِبْهُ اليأس، وليس يعلمون يقيناً أن المطرَ لا يكون، ولكن اليأس دَخَلَهُم حين تطاول إبطاؤه. وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيََّسَ الرُّسُلُ وَظَنُوا أَنَّهُمْ قَد كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠]، فلما ذكرَ أن الرسلَ هم الذين استيأسوا كان فيه دليل على أنهم دخل قلوبَهم يأسٌ من غير يقين استيقنوه، لأن اليقين في ذلك إنما يأتيهم من عند الله، كما قال في قصة نوح: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحِ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَتِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون﴾ [هود: ٣٦] وقال الله تعالى في قصة إخوة يوسف: ﴿فَلَمَّا اسْتَّأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيَا﴾ [يوسف: ٨٠]، فدل الظاهر على أن يَأْسَهم ليس بيقين، وقد حَدَّثنا ابن أبي أُوَيْس، حدثنا مالك، ٥٨٦ عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول في خطبته: تَعْلَمُنَّ أيُّها الناس: أن الطمع فَقْر، وأن اليأسَ غِنى، وأن المرء إذا يئس من شيء، استغنى عنه فجعل عمر اليأس بإزاء الطمع، وسمعت أحمد بن المعدّل يُنشد شعراً لرجل من القدماء يصف ناقة: صَيََّتُهَا كَالظَّبِي فِي الْكِنَاسِ صَفْرَاءُ مِنْ تَلْدِ بَنِي العَبَّاسِ فَالنَّفْسُ بَيْنَ طَمٍَ وَيَاسٍ (١) تَدِرُّ أن تَسْمَعَ بِالإِسَاسِ فجعل الطمع بإزاء اليأس . وحدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، عن الأعمش، عن سلاَم بن شُرحبيل، قال: سمع حَبَّةَ بن خالد، وسواء بن خالد، أنهما أتيا النبيَّ ◌ََّ، قالا: علِّمنا شيئاً، ثم قال: ((لاَ تَيْاَسا مِنَ الخَيْرِ مَا تَهَزْهَزَتْ رُؤُوسُكُما فَإِنَّ كُلَّ عَبْدٍ يُولَدُ أَحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللّهُ ويُعْطِيه)(٢) . وحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا ابنُ عُيينة، قال: قال هشامُ بنُ عبد الملك لأبي حازم: يا أبا حازِم، ما مالُك. قال: خيرٌ مالٍ ثقتي بالله، ويأسي مما في أيدي الناس. قال: وهذا أکثر من ان یحصی، انتھی. قال شيخنا: وليس للنساء في ذلك عادة مستمرة، بل فيهنَّ مَنْ لا تحيضُ وإن بلغت، وفيهن من تَحيضُ حيضاً يسيراً يتباعد ما بين أقرائها حتى تحيضَ في السنة مرةً، ولهذا اتفق العلماء على أن أكثر الطهر بين الحيضتين لا حدَّله، وغالبُ النساء يَحِضْنَ كل شهر مرةً، ويَحِضْنَ رُيُع الشهر، ويكون طهرهُنَّ ثلاثةَ أرباعه. ومنهن من تطهر الشهور المتعددة لقلةِ رطوبتها، ومنهنَّ مَنْ يسرع إليها الجفاف، (١) الإبساس عند الحلب: أن يقال للنّاقة: بِس، بس، وناقة بسوس تدر عند الإِبساس، وفي المثل ((الإِيناس قبل الإِبساس)) يضرب في المداراة عند الطلب. (٢) أخرجه أحمد ٤٦٩/٣، وابن ماجه (٤١٦٥) في الزهد: باب التوكل واليقين، وسلام بن شُرَحبيل لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات. ٥٨٧ فينقطع حيضها، وتيأس منه وإن كان لها دون الخمسين، بل والأربعين. ومنهن من لا يسرع إليها الجفاف، فتجاوز الخمسين وهي تحيض. قال: وليس في الكتاب ولا السُّنَّةِ تحديدُ اليأس بوقت، ولو كان المراد بالآيسة من المحيض مَنْ لها خمسون سنة أو ستون سنة أو غير ذلك، لقيل: واللائي يبلغن من السن كذا وكذا، ولم يقل: يئسن. وأيضاً، فقد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم جعلوا من ارتفع حيضُها قبل ذلك يائسةً، كما تقدم. والوجود مختلف في وقت يأسِهِنَّ غير متفِقِ، وأيضاً فإنه سبحانه قال: ﴿والَّلَائي يَبِسْنَ﴾، ولو كان له وقت محدود، لكانت المرأة وغيرها سواء في معرفة يأسِهِنَّ، وهو سبحانه قد خص النساء بأنهن اللائي يئسن، كما خصهن بقوله: ﴿وَالَّلَائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فالتي تحيض، هي التي تَيْأَسُ، وهذا بخلاف الارتياب، فإنه سبحانه قال: ﴿إن ارْتَبْتُم﴾ ، ولم يقل: إن ارتبن، أي: إن ارتبتم في حُكمهنَّ، وشککتم فيه، فهو لهذا لا هذا الذي عليه جماعة أهل التفسير، كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره، من حديث جرير، وموسى بن أَعْين، واللفظ له، عن مطرِّف بن طريف، عن عمرو بن سالم، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قلت: يا رسول الله! إن ناساً بالمدينة يقولون في عِدَد النساء ما لم يَذْكُر الله في القرآن الصغار والكبارَ وأولاتِ الأحمال، فأنزل الله سبحانه في هذه السورة ﴿والَّلائي يَتِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ نِسَائِكُم إن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرِ وَالَّلائي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فأجَلُ إحداهن أن تضعَ حملها، فإذا وضعتْ، فقد قضت عدَّتَها (١). ولفظ جرير: قلت: يا رسول الله! إن ناساً مِنْ أهلِ المَدينَةِ لَمَّا نَزلت هذه الآية التي في البقرة في عِدَّة النساء، قالوا: لقد بقي من عِدَدِ النساء عِدَدٌ لم يُذْكَرْنَ في القرآنِ، الصغارُ والكبارُ التي قد انقطع عنها الحيض، وذواتُ الحمل، قال: فأُنزلت التي في النساء القُصرى، ﴿وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ (١) ذكره ابن كثير ٣٠٨/٤ عن ابن أبي حاتم. وعمرو بن سالم عن أُبي بن كعب مرسل وانظر ((جامع البيان)) ١٤١/٢٨. ٥٨٨ نِسَائِكُم إن ارْتَبْتُم﴾ [الطلاق: ٤] ثم روي عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿والَّلائي يَئِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ نِسائِكُم﴾ يعني الآيسةَ العجوزَ التي لا تحيض، أو المرأة التي قَعَدَتْ عن الحيضة، فليست هذه من القُروء في شيء. وفي قوله: ﴿إن ارْتَبْتُمُ﴾ في الآية، يعني إن شككتم، فعدَّتُهن ثلاثةُ أشهر، وعن مجاهد: ﴿إن ارْتَبْتُمْ﴾ لم تعلموا عِدَّة التي قَعَدَتْ عن الحيض، أو التي لم تَحِض، فعدتُهن ثلاثةُ أشهر. فقوله تعالى: ﴿إِن ارْتَبْتُمْ﴾، يعني: إن سألتم عن حكمهن، ولم تعلموا حُكْمَهُنَّ، وشككتم فيه، فقد بيناه لكم، فهو بيان لنعمته على من طلب عليه ذلك، ليزول ما عنده من الشك والرَّيْب، بخلاف المُعْرِض عن طلب العلم. وأيضاً، فإن النساء لا يستوين في ابتداء الحيض، بل منهن من تَحيض لعشر أو اثنتي عشرة، أو خمس عشرة، أو أكثر من ذلك، فكذلك لا يستوين في آخر سِنِّ الحيض الذي هو سِنُّ اليأس، والوجود شاهد بذلك. وأيضاً، فإنهم تنازعوا فيمن بلغت ولم تَحِضْ، هل تعتد بثلاثة أشهر، أو بالحَوْل كالتي ارتَفَع حيضُها لا تدري ما رَفَعَه؟ وفیه روایتان عن أحمد. قلت: والجمهور على أنها تعتد بثلاثة أشهر، ولم يجعلوا للصِّغر الموجب للاعتداد بها حداً، فكذلك يجب أن لا يكون للكِبَرِ الموجِب للاعتداد بالشهور حداً، وهو ظاهر، ولله الحمد. فصل وأما عِدةُ الوفاة، فتجبُ بالموت، سواءٌ دخل بِها، أو لم يدخُل اتفاقاً، كما دلَّ عليه عمومُ القرآن والسنة، واتفقوا على أنهما يتوارثان قبلَ الدخول، وعلى أن الصَّداقَ يستقِرُّ إذا كان مسمَّى، لأن الموتَ لما كان انتهاء العقدِ استقرَّت به الأحكام، فتوارثا، واستقر المَهر، ووجبت العِدة. واختلفوا في مسألتين إحداهما: وجوبُ مهرِ المثل إذا لم يكن مسمَّى، فأوجبه أحمدُ وأبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، ولم يُوجبه مالك والشافعي الاختلاف في وجوب من المثل إذا لم يكن مسمى للمتوفى عنها وزوجها قبل الدخول ٥٨٩ في القول الآخر، وقضى بوجوبه رسولُ الله ◌َّله، كما جاء في السنة الصحيحة الصريحةِ مِن حديث بَرْوَع بنت واشق وقد تقدم. ولو لم ترد به السنةُ، لكان هو محض القياس، لأن الموتَ أُجْرِيَ مجرى الدُّخولِ في تقرير المسمى، ووجوبٍ العدة . والمسألة الثانية: هل يثبت تحريمُ الربيبة بموتِ الأم، كما يثبت بالدخول بها؟ وفیه قولان للصحابة، وهما روایتان عن أحمد. هل يثبت تحريم الربيبة بموت الأم والمقصود: أن العدة فيه ليست للعلم ببراءة الرحم، فإنها تجب قبلَ الدخولِ، بخلاف عدة الطلاق. وقد اضطرب الناسُ في حكمة عدة الوفاة وغيرها، فقيل: هي لبراءة الرحم، وأُورِدَ على هذا القول وجوه كثيرة. الاختلاف في حكمة عدة الوفاة من قال هي لبراءة الرحم منها: وجوبُها قبل الدخول في الوفاة، ومنها: أنها ثلاثةُ قروء، وبراءةُ الرحم يكفي فيها حيضة، كما في المستبرأة؛ ومنها: وجوب ثلاثة أشهر في حق من يُقطع ببراءة رحمها لصغرها أو كبرها. من قال هو تعبد لا يعقل معناه ومن الناس من یقول: هو تعبد لا يُعقل معناه، وهذا فاسد لوجهین. أحدهما: أنه ليس في الشريعة حكم إلاَّ وله حِكمة وإن لم يعقلها كثيرٌ من الناس أو أكثرُهم. الثاني: أن العدد ليست من العبادات المحضة، بل فيها من المصالح رعاية حق الزوجين والولد والناكح. حكمة عدة الوفاة عند ابن تيمية قال شيخنا: والصواب أن يُقال: أما عِدة الوفاة فھي حرم لانقضاء النكاح، ورعاية لحق الزوج، ولهذا تَحُدُّ المتوفى عنها في عدة الوفاة رِعاية لحق الزوج، فجعلت العِدة حريماً لحق لهذا العقد الذي له خطر وشأن، فيحصُل بهذه فصل بين نكاح الأول ونكاح الثاني، ولا يتصل الناكحان، ألا ترى أن رسول الله صل لما ٥٩٠ عظم حقه، حرم نساؤُه بعده، وبهذا اختص الرسول، لأن أزواجه في الدنيا هنَّ أزواجُه في الآخرة بخلاف غيره، فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغيرِ زوجها، تضررت المتوفى عنها، وربما كان الثاني خيراً لها من الأول. ولكن لو تأيمت على أولادٍ الأول، لكانت محمودة على ذلك، مستحباً لها، وفي الحديث: ((أنا وامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الخذَّيْنِ، كَهَاتَيْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وأومأ بالوسطى والسَّبابة، امْرَأَةٌ آمت مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، وحَبَسَتْ نَفْسَهَا علىْ يَتَامِىُ لَهَا حَتَّى بَانُوا أو ماتُوا))(١). وإذا كان المقتضي لتحريمها قائماً، فلا أقلَّ مِن مدة تتربَّصُها، وقد كانت في الجاهلية تتربَّصُ سنة، فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر، وقيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيها يُنفخ الروح، فيحصل بهذه المدة براءةُ الرحم حيث يحتاج إليه، وقضاءُ حق الزوج إذا لم يحتج إلى ذلك. فصل وأما عِدة الطلاق، فهي التي أشكلت، فإنه لا يُمكن تعليلُها بذلك، لأنها إنما تجب بعد المسيس، ولأن الطلاقَ قطع للنكاح، ولهذا يتنصَّفُ فيه المسمى، ويسقط فيه مهر المثل. حكمة عدة الطلاق فيقال: والله الموفق للصواب - عِدة الطلاق وجبت ليتمكن الزوجُ فيها من الرجعة، ففيها حقٌّ للزوج، وحق الله، وحق للولد، وحق للناكح الثاني. فحق الزوج، لِيَتَمَكَّن من الرجعة في العدة، وحق اللّهِ، لوجوب ملازمتها المنزل، كما نصَّ عليه سبحانه، وهو منصوصُ أحمد، ومذهب أبي حنيفة. وحق الولد، لئلا يَضِيعَ نسبه، ولا يُدرى لأي الواطئين. وحقُّ المرأة، لما لها من النفقة زمن العدة لكونها زوجة تَرِثُ وتُورث، ويدل على أن العدة حق للزوج قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَكَحْتُم المؤمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَشُّوهُنَّ فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ (١) أخرجه أحمد ٢٩/٦، وأبو داود (٥١٤٩) في الأدب: باب فضل من عال يتيماً من حديث عوف بن مالك الأشجعي، وفي سنده النهاس بن فهم وهو ضعيف. ٥٩١ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فقوله: فما لكم عليهن من عدة، دليل على أن العدة للرجل على المرأة، وأيضاً فإنه سبحانه قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨] فجعل الزوج أحقَّ بردِّها في العدة، وهذا حق له. فإذا كانت العِدة ثلاثَةَ قُروء، أو ثلاثة أشهر، طالت مدةُ التربصِ لِيَنْظُرَ في أمره: هل يُمسكها، أو يُسرحها كما جعل سبحانه للمُؤلي تربُّصَ أربعة أشهر لينظر في أمره: هل يُمسك ويَقيء، أو يُطلق، وكان تخييرُ المطلق كتخيير المؤلي، لكن المُؤلي جعل له أربعة أشهر، كما جعل مدة التسيير أربعةً أشهر، لينظروا في أمرهم. معنى بلوغ الأجل في العدة ومما يُبين ذُلِكَ، أنه سبحانه قال: ﴿وإذا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالمعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣١] وبلوغُ الأجل: هو الوصولُ والانتهاء إليه، وبلوغُ الأجل في هذه الآية مجاوزتُه، وفي قوله ﴿فإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، مقاربتُه ومشارفته، ثم فيه قولان، أحدهما: أنه حدٌّ مِن الزمان، وهو الطعنُ في الحيضة الثالثة، أو انقطاع الدم منها، أو من الرابعة، وعلى هذا، فلا يكون مقدوراً لها، وقيل: بل هو فعلُها، وهو الاغتسالُ كما قاله جمهورُ الصحابة، وهذا كما أنه بالاغتسال يَحِلُّ للزوج وطؤها، ويحل لها أن تمكنه من نفسها، فالاغتسالُ عندهم شرط في النكاح الذي هو العقد، وفي النكاح الذي هو الوطء. هل الاغتسال من الحيض ومن تمام العدة شرط في عقد النكاح وفي الوطء وللناس في ذلك أربعةُ أقوال. أحدهما: أنه ليس شرطاً، لا في هذا، ولا في هذا، كما يقولُهُ مَنْ يقولُ مِن أهل الظاهر. والثاني: أنه شرطٌ فيهما، كما قاله أحمد، وجمهورُ الصحابة كما تقدّم حكايته عنهم. والثالث: أنه شرطٌ في نكاح الوطء، لا في نكاح العقد، كما قاله مالك والشافعي. والرابع: أنه شرط فيهما، أو ما يقومُ مقامه، وهو الحكمُ بالطهر بمضي وقتِ صلاة، وانقطاعه لأكثره، كما يقوله أبو حنيفة فإذا ارتجعها قبلَ غسلها، كان غسلُها، لأجل وطئه لها، وإلاَّ كان لأجل حِلها لغيره، وبالاغتسال ٥٩٢ يتحقق كمالُ الحيض وتمامُه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُم اللّهُ﴾. [البقرة: ٢٢٢] والله سبحانه أمرها أن تتربَّص ثلاثَة قُروء، فإذا مضت الثلاثَةُ فقد بلغت أجلها، وهو سبحانه لم يقل: إنها عقيب القرءين تَبِينُ من الزوج، خيَّر الزوجَ عند بلوغ الأجل بين الإِمساك والتسريح، فظاهرُ القرآن كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم، أنه عند انقضاء ترجيح المصنف أنه عند انقضاء القروء الثلاثة يخير الزوج بين الإمساك أو التسريح القروء الثلاثة يُخيّر الزوجُ بين الإِمساك بالمعروف، أو التسريح بالإِحسان، وعلى هذا فيكون بلوغ الأجل في القرآن واحداً لا يكون قسمين، بل يكون باستيفاء المدة واستكمالها، وهذا كقوله تعالى إخباراً عن أهل النار: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فَمَا فَعَلْنَ ٤ أَنْفُسِهِنَّ بِالمعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وإنما حمل من قال: إن بلوغ الأجل هو مقارنته أنها بعد أن تَحِلَّ للخطاب لا يبقى الزوجُ أحقَّ برجعتها، وإنما يكون أحقَّ بها ما لم تحل لغيره، فإذا حَلَّ لِغيره أن يتزوج بها صار هو خاطباً من الخطاب. ومنشأ هذا ظن أنها ببلوغ الأجل تَحِلُّ لِغيره، والقرآن لم يدلَّ على هذا، بل القرآنُ جعل عليها أن تتربص ثلاثَةَ قُروء، وذكر أنها إذا بلغت أجلها، فإما أن تُمسك بمعروف، وإما أن تُسرح بإحسان. وقد ذكر سبحانه هذا الإِمساك أو التسريح عقيبَ الطلاق، فقال: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وهذا هو تزوُّجُها بزوجها الأول المطلق الذي كان أحقَّ بها، فالنهي عن عضلهن مؤكِّدٌ لحق الزوج، وليس في القرآن أنها بعد بلوغ الأجل تَحِلُّ للخُطاب، بل فيه أنه في هذه الحال، إما أن يُمسك بمعروف، أو يُسرح بإحسان، فإن سرح بإحسان، حلت حينئذ للخُطاب، وعلى هذا، فدِلالة القرآن بينة أنها إذا بلغت أجلها وهو انقضاء ثلاثة قروء بانقطاع الدم، فإما أن يُمسكها قبل أن تغتسِل، فتغتسِل عنده، وإما أن يُسرحها فتغتسل وتنكِحَ من شاءت، وبهذا يُعرف قدرُ فهم الصحابة رضي الله عنهم، وأن مَنْ بعدهم إنما يكون ٥٩٣ غايةُ اجتهاده أن يفهم ما فهموه، ويعرف ما قالوه. فإن قيل: فإذا كان له أن يرتجِعَها في جميع هذه المدة ما لم تغتسِلْ، فَلم قَّد التخيير ببلوغ الأجل؟ قيل: ليتبين أنها في مدة العِدة كانت متربصة لأجل حقٍّ الزوج، والتربص: الانتظار، وكانت منتظرة، هل يُمسكها أو يُسرحها؟ وهذا التخييرُ ثابت له مِن أول المدة إلى آخرها، كما خُيِّرِ المُؤلي بينَ الفيئة وعدم الطلاق، وهنا لما خيَّره عند بلوغ الأجل كان تخييرُه قبله أولى وأحرى، لكن التسريح بإحسان إنما يُمكن إذا بلغت الأجل، وقبل ذلك هي في العدة. التسريح هو إرسالها إلى أهلها وقد قيل: إن تسريحَها بإحسان مؤثرٌ فيها حين تنقضي العدة، ولكن ظاهرُ القرآن يدل على خلاف ذلك، فإنه سبحانه جعل التسريحَ بإحسان عند بلوغ الأجل، ومعلومٌ أن هذا التركَ ثابتٌ من أول المدة، فالصوابُ أن التسريحَ إرسالُها إلى أهلها بعد بلوغ الأجل، ورفع يده عنها، فإنه كان يملِكُ حبسها مدةَ العِدة، فإذا بلغت أجلها فحينئذ إن أمسكها كان له حبسُها، وإن لم يُمسكها كان عليه أن يُسرحها بإحسان، ويدل على هذا قولُه تعالى في المطلقة قبل المسيس: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيهنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَذُونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فأمر بالسراح الجميل ولا عدة، فَعُلِمَ أن تخلية سبيلها إرسالُها، كما يقال: سرَّح الماء والناقة: إذا مكنها مِن الذهاب، وبهذا الإِطلاق والسراح يكونُ قد تم تطليقُها وتخليتُها، وقبل ذلك لم يكن الإطلاق تاماً، وقبل ذلك كان له أن يُمسكها وأن يُسرحها، وكان مع كونه مطلقاً، قد جعل أحقَّ بها مِن غيره مدة التربص، وجعل التربص ثلاثة قروء لأجله، ويؤيِّد هذا أشياء. أحدُها: أن الشارع جعل عدة المختلِعة حيضة، كما ثبتت به السنة، وأقرَّ به عثمان بن عفان، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، وحكاه أبو جعفر النحاس في ((ناسخه ومنسوخه)) إجماعَ الصحابة، وهو مذهب إسحاق، وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه دليلاً، كما سيأتي تقريرُ المسألة عن قرب إن شاء الله تعالى. فلما لم يكن على المختلعة رجعة، لم يكن عليها عِدة، بل ٥٩٤ استبراء بحيضة، لأنها لما افتدت منه، وبانت، ملكت نفسَها، فلم يكن أحقَّ بإمساكها، فلا معنى لتطويل العدة عليها، بل المقصودُ العلم ببراءة رحمها، فيكفي مجرد الاستبراء. والثاني: أن المهاجرة مِن دار الحرب قد جاءت السنة بأنها إنما تُستبرأ بحیضة، ثم تزوج كما سيأتي. الثالث: أن الله سبحانه لم يشرغ لها طلاقاً بائناً بعد الدخول إلا الثالثة، وكل طلاق في القرآن سواها فرجعي، وهو سبحانه إنما ذكر القروء الثلاثة في هذا الطلاق الذي شرعه لهذه الحكمة. وأما المفتدية، فليس افتداؤها طلاقاً، بل خُلعاً غير محسوب من الثلاث، والمشروع فيه حيضة. فإن قيل: فهذا ينتقِضُ عليكم بصورتين. إحداهما: بمن استوفت عدد طلاقها، فإنها تعتد ثلاثةَ قروء، ولا يتمكن زوجُها مِن رجعتها. الثانية: بالمخيرة إذا عتقت تحت حر أو عبد، فإن عِدتها ثلاثةُ قروء بالسنة، كما في السنن من حديث عائشة رضي الله عنها: أُمِرَت بريرة أن تعتدَّ عِدة الحرة (١). وفي ((سنن ابن ماجه)): أُمِرَت أن تعتدَّ ثلاث حِيضٍ(٢) ولا رجعة لزوجها عليها . الحكمة من بقاء المبتوتة فالجواب: أن الطلاق المحرِّم للزوجة لا يجبُ فيه التربصُ لأجل رجعةٍ في بيت الزوج في العدة (١) أخرجه أبو داود (٢٢٣٢) في الطلاق: باب المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد، والدارقطني ص ٤١٤، وأحمد ٣٦١/١ من حديث ابن عباس ورجاله ثقات، لكن لم ترد جملة (عدة الحرة)» عند أبي داود. (٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٧٧) في الطلاق: باب خيار الأمة إذا أعتقت، وإسناده صحیح، وصححه البوصيري في ((الزوائد)). ٥٩٥ الزوج، بل جُعِلَ حريماً للنكاح، وعقوبةً للزوج بتطويل مدة تحريمها عليه، فإنه لو سوغ لها أن تتزوج بعد مجرد الاستبراء بحيضة، لأمكن أن يتزوَّجها الثاني ويُطلقها بسرعة، إما على قصد التحليل أو بدونه، فكان تيسير عودها إلى المطلق، والشارع حرمها عليه بعد الثالثة عفوية له، لأن الطلاق الذي أَبغضُ الحلال إلى الله، إنما أباحَ مِنه قدر الحاجة، وهو الثلاثُ، وحرَّم المرأة بعد الثالثة حتى تنكِحَ زوجاً غيره، وكان مِن تمام الحكمة أنها لا تنكِحُ حتى تتربص ثلاثة قروء، ولهذا لا ضررَ عليها به، فإنها في كل مرة من الطلاق لا تنكح حتى تتربَّص ثلاثة قروء، فكان التربصُ هناك نظراً في مصلحته، لما لم يُوقع الثلاث المحرمة، وهنا التربصُ بالثلاث مِن تمام عقوبته، فإنه عُوقِبَ بثلاثة أشياء: أن حرمت عليه حبيبتُه، وجعل تربصها ثلاثةَ قروء، ولم يجز أن تعودَ إليه حتى يحظى بها غيرُه حظوةَ الزوج الراغب بزوجته المرغوب فيها، وفي كلٍ مِن ذلك عقوبة مؤلمة على إيقاع البغيض إلى الله المكروه له، فإذا عُلِمَ أنه بعد الثالثة لا تحل له إلا بعد تربص، وتُزوج بزوج آخر، وأن الأمر بيد ذلك الزوج، ولا بد أن تَذُوقَ عُسيلته، ويذوقَ عُسيلتها، عُلِمَ أن المقصودَ أن ييأسَ منها، فلا تعود إليه إلا باختيارها لا باختياره، ومعلومٌ أن الزوجَ الثاني إذا كان قد نكح نكاح رغبة وهو النكاحُ الذي شرعه الله لعباده، وجعله سبباً لمصالحهم في المعاش والمعاد، وسبباً لحصول الرحمة والوداد، فإنه لا يُطلِّقها لأجل الأول، بل يُمسِكُ امرأته، فلا يصير لأحد من الناس اختيارٌ في عودها إليه، فإذا اتفق فراقُ الثاني لها بموتٍ أو طلاق، كما يفترقُ الزوجان اللذان هما زوجان، أبيح للمطلِّق الأول نكاحُها، كما يُباح للرجل نكاح مطلقة الرجل ابتداءً، وهذا أمر لم يُحرِّمه الله سبحانه في الشريعة الكاملة المهيمِنَةِ على جميع الشرائع، بخلاف الشريعتين قبلنا، فإنه في شريعة التَّوْراة قد قيل: إنها متى تزوَّجت بزوج آخرَ لم تَحِلَّ للأول أبداً. وفي شريعة الإنجيل، قد قيل: إنه ليس له أن يُطلقها ألبتة، فجاءت هذه الشريعةُ الكاملة الفاضلة على أكملٍ الوجوه وأحسنها وأصلحها للخلق، ولهذا لما كان التحليلُ مبايناً للشرائع كُلِّها، ٥٩٦ والعقل والفطرة، ثبت عن النبيِّ بَ لّ: (لَعنُ المُحَلِّلِ والمُحَلَّل لَهُ)) (١). ولعنه ◌ِّ لهما، إما خَبَر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما، أو دُعاء عليهما باللعنة، وهذا يدلُّ على تحريمه، وأنه من الكبائر. والمقصود: أن إيجاب القُروء الثلاث في هذا الطلاق مِن تمام تأكيد تحريمها على الأول، على أنه ليس في المسألة إجماع، فذهب ابنُ اللبان الفَرَضِي (٢) صاحبُ ((الإِيجاز)) وغيره، إلى أن المطلقة ثلاثا ليس مذهب ابن اللبان في عدة عليها غيرُ استبراء بحيضة، ذكره عنه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى، فقال: المبتوتة التي من ذوات الحيض والايسة والصغيرة مسألة: إذا طلق الرجلُ امرأته ثلاثاً بعدَ الدخول، فعِدتها ثلاثةُ أقراء إن كانت من ذوات الأقراء، وقال ابن اللبان: عليها الاستبراء بحيضة، دليلُنا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾، ولم يقف شيخ الإِسلام على هذا القول، وعلق تسويغه على ثبوتِ الحلاف، فقال: إن كان فيه نِزَاع كان القولُ بأنه ليس عليها، ولا على المعتقة المخيَّرة إلا الاستبراء قولاً متوجهاً، ثم قال: ولازمُ هذا القول: أن الآيسة لا تحتاجُ إلى عدة بعد الطلقة الثالثة. قال: وهذا لا نعلم أحداً قاله. وقد ذكر الخلاف أبو الحسين، فقال: مسألة: إذا طلَّق الرجلُ زوجته ثلاثاً، وكانت ممن لا تحيضُ لِصغر أو هرم، فِعِدتها ثلاثةُ أشهر خلافاً لابن اللبان أنه لا عِدة عليها، دليلنا: قولُه تعالى: ﴿وَالَّلاني يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُم إن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهِنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ . قال شيخنا: وإذا مضت السُّنة بأن على هذه ثلاثة أقراء، لم يجز مخالفتُها، ولو لم يجمع عليها، فكيف إذا كانَ مع السنة إجماع؟ قال: وقولُهُ مَّ لِفاطمة بنتِ قيس: ((اعْتَدِّي))، قد فهم منه العلماء أنها تعتد ثلاثة قروء، فإن الاستبراء قد يُسمى (١) صحيح وقد تقدم. (٢) هو محمد بن عبد الله بن الحسن البصري بن اللبان الفرضي الشافعي المتوفى ٤٠٢ هـ. مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) ٦٥٣/١٧، وتاريخ بغداد ٤٧٢/٥، وشذرات الذهب ٣/ ١٦٤، ١٦٥. ٥٩٧ عِدة. قُلت: كما في حديث أبي سعيد في سبايا أوطاس، أنه فسر قولَه تعالى: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ بِالسبايا، ثم قال: أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، فجعل الاستبراء عدة. قال: فأما حديثُ عائشة رضي الله عنها: أُمِرَت بريرةُ أن تعتد ثلاث حِيض، فحديث منكر(١). فإن مذهب عائشة رضي الله عنها أن الأقراء الأطهار. قلتُ: ومن جَعل أن عِدة المختلعة حيضة، فبطريق الأولى تكونُ عِدة الفسوخ كلها عنده حيضة، لأن الخلع الذي هو شقيقُ الطلاق، وأشبهُ به لا يجب فيه الاعتدادُ عنده بثلاثة قروء، فالفسخ أولى، وأحرى من وجوه. عدة الفسخ والخلع أحدها: أن كثيراً مِن الفقهاء يجعل الخلع طلاقاً ينقص به عددُه، بخلاف الفسخ لرضاع ونحوه. الثاني: أن أبا ثور ومن وافقه يقولون: إن الزوج إذا رد العوض، ورضيت المرأةُ برده، وراجعها، فلهما ذلك بخلاف الفسخ. الثالث: أن الخُلع يُمكن فيه رجوعُ المرأة إلى زوجها في عِدتها بعقد جديد، بخلاف الفسخ لِرضاع أو عَدد، أو محرمية حيث لا يُمكن عودُها إليه، فهذه بطريق الأولى يكفيها استبراء بحيضة، ويكون المقصود مجردَ العِلم ببراءة رحمها، كالمسبية والمهاجرة، والمختلعة والزانية على أصحِّ القولين فيهما دليلاً، وهما روایتان عن أحمد. فصل ومما يُبين الفرق بين عدة الرجعية والبائن، أن عِدَّة الرجعية لأجل الزوج وللمرأة فيها النفقة والسكنى باتفاق المسلمين، ولكن سُكناها، هل هي كسكنى الزوجة، فيجوز أن يَنْقُلَها المطلقُ حيث شاء، أم يتعين عليها المنزلُ، فلا تَخْرُجُ ولا تُخْرَجُ؟ فيه قولان. وهذا الثاني، هو المنصوص عن أحمد، وأبي حنيفة، الفرق بين عدة الرجعية والبائن (١) تقدم أنه صحيح الإسناد. ٥٩٨ وعليه يدل القرآن. والأول: قول الشافعي، وهو قولُ بعض أصحاب أحمد. والصواب: ما جاء به القرآن، فإن سُكنى الرجعية مِن جنس سكنى المتوفى عنها، ولو تراضیا بإسقاطها، لم يجز، كما أن العِدة فیھا کذلك بخلاف البائن، فإنها لا سُكنى لها، ولا عليها، فالزوجُ له أن يُخرجها، ولها أن تخرج، كما قال النبي ◌َّ لفاطمة بنت قيس: ((لا نَفَقَةَ لَكِ وَلاَ سُكْنَى)). هل الرجعة حق الزوج؟ وأما الرجعة: فهل هي حق للزوج يملك إسقاطها بأن يطلقها واحدة بائنة، أم هي حقٌّلله فلا يملك إسقاطها؟ ولو قال: أنتِ طالق طلقة بائنة، وقعت رجعية، أم هي حق لهما فإن تراضيا بالخُلع بلا عِوض، وقع طلاقاً بائناً، ولا رجعة فيه؟ فيه ثلاثة أقوال. فالأول: مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايات عن أحمد. والثاني: مذهب الشافعي، والرواية الثانية عن أحمد. والثالث: مذهب مالك، والرواية الثالثة عن أحمد. والصواب: أن الرجعة حق الله تعالى ليس لهما أن يَتَّفِقًا على إسقاطها، وليس له أن يُطلِّقَها طلقة بائنة، ولو رضيت الزوجةُ، كما أنه ليس لهما أن يتراضيا بفسخ النكاح بلا عوض بالاتفاق. فإن قيل: فكيف يجوز الخلعُ بغيرِ عوض في أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وهل هذا إلا اتفاقٌ مِن الزوجين على فسخ النكاح بغير عوض؟ قيل: إنما يُجوِّز أحمد في أحدى الروايتين الخُلع بلا عِوض إذا كان طلاقاً، فأما إذا كان فسخاً، فلا يَجُوزُ بالاتفاق، قاله شيخنا رحمه الله. قال: ولو جاز هذا، لجاز أن يتفقا على أن يَبينها مرة بعد مرة من غير أن يَنْقُصَ عدد الطلاق، ويكون الأمر إليهما إذا أراد أن يجعلا الفرقة بين الثلاث جعلاها، وإن أرادا، لم يجعلاها من الثلاث، ويلزمُ مِن هذا إذا قالت: فادني بلا طلاق، أن يبينها بلا طلاق، ويكون ٥٩٩ مخيراً إذا سألته إن شاء أن يجعله رجعياً، وإن شاء أن يجعله بائناً، وهذا ممتنع، فإن مضمونه أنه يُخير، إن شاء أن يُحرمها بعد المرة الثالثة، وإن شاء لم يُحرمها، ويمتنع أن يخير الرجل بينَ أن يجعل الشيء حلالاً، وأن يجعلَه حراماً، ولكن إنما يُخير بين مباحين له، وله أن يُباشر أسبابَ الحِل وأسباب التحريم، وليس له إنشاءُ نفس التحليل والتحريم، واللّهُ سبحانه إنما شرع له الطلاق واحدة بعد واحدة، ولم يشرع له إيقاعه مرة واحدة، لئلا يندم، وتزولَ نزغةُ الشيطان التي حملته على الطلاق، فتتبع نفسُه المرأة، فلا يجد إليها سبيلاً، فلو ملكه الشارع أن يطلقها طلقة بائنة ابتداء، لكان هذا المحذورُ بعينه موجوداً، والشريعةُ المشتِمِلةُ على مصالح العباد تأبى ذلك، فإنه يبقى الأمرُ بيدها إن شاءت راجعته، وإن شاءت فلا، والله سبحانه جعل الطلاق بيدِ الزوج لا بيد المرأة رحمةً منه وإحساناً، ومراعاةً لمصلحة الزوجين. نعم له أن يُملكها أمرها باختياره، فيخيرها بين القيام معه وفراقها. وأما أن يخرجَ الأمرُ عن يد الزوجَ بالكلية إليها، فهذا لا يمكن فليس له أن يُسقط حقَّه مِن الرجعة، ولا يملك ذلك، فإن الشارع إنما يملك العبد ما ينفعُه ملکه، ولا يتضرر به، ولهذا لم يملكه أكثر من ثلاث، ولا ملكه جمع الثلاث، ولا ملَّكه الطلاق في زمن الحيض والطهر المواقع فيه، ولا ملكه نكاح أكثر من أربع، ولا ملك المرأةَ الطلاق، وقد نهى سبحانه الرجال: أن يُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أمْوالَهُم الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لهم قِيَاماً، فكيف يجعلون أمر الأبضاع إليهن في الطلاق والرجعة، فكما لا يكون الطلاقُ بيدها لا تكون الرجعة بيدها، فإن شاءت راجعته، وإن شاءت فلا، فتبقى الرجعةُ موقوفةً على اختيارها، وإذا كان لا يملك الطلاقَ البائن، فلأن لا يملك الطلاقَ المحرم ابتداءً أولى وأحرى، لأن الندم في الطلاق المحرم أقوى منه في البائن. فمن قال: إنه لا يملِكُ الإِبانة، ولو أتى بها لم تَبِنْ، كما هو قولُ فقهاء الحديث، لزمه أن يقول: إنه لا يملك الثلاث المحرمة ابتداء بطريق الأول والأحرى، وأن له رجعَتها. وإن أوقعها، كان له رجعتُها. وإن قال: أنت طالق ٦٠٠