النص المفهرس

صفحات 541-560

يحتوِشُها الدم، وإلا فالصغيرة والآيسة لا يقال لزمن طهرهما أقراء، ولا هُما مِن
ذوات الأقراء باتفاق أهل اللغة.
الدليل الثاني لمن حمل
القرء على الحيض
الدليل الثاني: أن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض، ولم
يجىء عنه في موضع واحد استعمالُه للطهر، فحملُه في الآيةِ على المعهود
المعروفِ مِن خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإنه ◌َّ قال للمستحاضة ((دَعي
الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَفْرَائِكِ (١)) وهو ◌َّ المعبِّرُ عن الله تعالى، وبلغة قومِه نزل القرآنُ،
فإذا ورد المشتركُ في كلامِهِ على أحد معنييه، وجب حملُه في سائر كلامه عليه إذا
لم تثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه ألبتة، ويصيرُ هو لغةً القرآن التي خوطبنا
بها، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، ويصير هذا المعنى الحقيقة الشرعية في
تخصيص المشترك بأحد معنييه، كما يُخَصُّ المتواطىءُ بأحد أفراده، بل هذا
أولى، لأن أغلَبَ أسباب الاشتراك تسمية أحدِ القبيلتين الشيء باسم، وتسمية
الأخرى بذلك الاسم مسمى آخر، ثم تشيع الاستعمالات، بل قال المبرَّد وغيره:
(١) حديث صحيح أخرجه أبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦)، وابن ماجه (٦٢٥) من
حديث شريك عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده عن النبي الثقة
في المستحاضة ((تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي ... )) وأخرجه الطبراني
في ((الصغير)) من حديث يزيد بن هارون أنبأنا أيوب أبو العلاء، عن عبد الله بن شبرمة
القاضي، عن قمير امرأة مسروق عن عائشة ... وأخرجه الدارقطني في ((سننه))
٢٠٨/١ من حديث معلى بن أسد، ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن سليمان بن يسار أن
فاطمة بنت حبيش استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل رسول الله، فقال: تدع
الصلاة أيام أقرائها ... ، وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مسنده)) حدثنا يزيد بن هارون،
ثنا حجاج، عن نافع، عن سليمان بن يسار أن امرأته أتت أم سلمة تسأل
رسول الله مَّ لها عن المستحاضة، فقال عليه الصلاة والسلام ((تدع الصلاة أيام
أقرائها ... )) وأخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) حدثنا موزَّع بن عبد الله أو ذهل
المصيصي، ثنا الحسن بن عيسى، ثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن
الحكم بن عتيبة، عن أبي جعفر، عن سودة بنت زمعة قالت قال رسول الله مصرية
((المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ... )).
٥٤١

لا يقع الاشتراكُ في اللغة إلا بهذا الوجه خاصة، والواضع لم يضع لفظاً مشتركاً
ألبتة، فإذا ثبت استعمالُ الشارع لفظ القروء في الحيض، علم أن لهذا لغته،
فيتعينُ حملُه على ما في كلامه. ويوضح ذلك ما في سياق الآية مِن قوله ﴿ولاً
يَخْلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذا هو الحيضُ،
والحمل عند عامة المفسرين، والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي،
ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضُهم: الحمل،
وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد قطُّ: إنه الطهر، ولهذا لم ينقله من عُنيَ بجمع
أقوال أهل التفسير، كابن الجوزي وغيره. وأيضاً فقد قال سبحانه: ﴿والَّلائي
يَتَسْنَ مِنَ المحيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، والَّلَائِيْ لَمْ
يَحِضْنَ﴾، [الطلاق: ٤] فجعل كُلَّ شهر بإزاء حيضة، وعلّق الحكم بعدم الحيض
لا بعدم الطهر من الحيض. وأيضاً فحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي مثل:
((طَلاَقُ الأَّمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُها حَيْضَتَانِ))، رواه أبو داود، وابن ماجه،
والترمذي(١) وقال: غريب لا نعرفه إلاّ من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا
يُعرف له في العلم غير هذا الحديث، وفي لفظ للدار قطني فيه: ((طلاقُ العَبْدِ
ثِنْتان)»، وروى ابن ماجه من حديث عَطية العَوْفي، عن ابن عمر رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله ◌َةِ (طَلاَقُ الأَمَةِ اثْنَتَانِ، وعِدَّتُها حَيْضَتَانِ))(٢). وأيضاً: قال
ابن ماجه في «سننه)): حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن
منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرت بريرة
أن تعتدَّ ثلاث حيض(٣).
عدة الأمة حیضتان
(١) أخرجه أبو داود (٢١٨٩) في الطلاق: باب في سنة طلاق العبد، وابن ماجه
(٢٠٨٠) في الطلاق: باب في طلاق الأمة وعدتها، والترمذي (١١٨٢) في الطلاق:
باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقان.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٧٩) وسنده ضعيف، لكن صح من قول ابن عمر أخرجه عنه
مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٥٧٤ .
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٠٧٧) وإسناده صحيح.
٥٤٢

خالية خير
وفي («المسند»: عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي
بريرة، فاختارت نفسها، وأمرها أن تعتد عدة الحرة (١). وقد فسر عدة الحرة
بثلاث حيض في حديث عائشة رضي الله عنها. فإن قيل: فمذهب عائشة
رضي الله عنها، أن الأقراء: الأطهار؟ قيل: ليس هذا بأول حديث خالفه
راويه، فأخذ بروايته دون رأيه، وأيضاً ففي حديث الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّد، أن
النبي ◌ََّ أمر امرأة ثابتِ بنِ قيس بن شمَّاس لما اختلعت من زوجها أن تتربَّص
حيضة واحدة، وتلحق بأهلها، رواه النسائي(٢).
وفي ((سنن أبي داود)) عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن امرأة ثَابِت بن
فَيْس اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا، فأمرها النبيُّ ◌ََّ أن تعتذَّ بِحَيْضَةٍ(٣).
استبراء الأمة حيضة
وفي الترمذي: أن الرُّبَيِّعَ بنت معوذ اختلعَت على عهدٍ رسول الله مَێ ،
فأمرها النبيُّ ◌َّةٍ أو أمِرَتْ أن تَعتَذَّ بحيضة (٤). قال الترمذي: حديث الرُّبَيِّعِ
الصحيحُ أنها أُمِرَتْ أن تعتد بحيضة. وأيضاً، فإن الاستبراء هو عِدَّةُ الأمة،
وقد ثبت عن أبي سعيد: أن النبيَّ ◌َّه قال في سبايا أوطاس: ((لاَ تُوَطأُ حَامِلٌ
حَتَّى تَضَعَ وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحيضَ حَيْضَةً)) رواه أحمد وأبو داود(٥) .
فإن قيل: لا نسلِّم أن استبراء الأمة بالحيضة، وإنما هو بالطهر الذي هو
(١) أخرجه أحمد رقم (٢٥٤٢) و(٣٤٠٥) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه النسائي ١٨٦/٦، في الطلاق: باب عدة المختلعة، وسنده حسن.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٢٢٩) في الطلاق: باب في الخلع، والترمذي (١١٨٥) ورجاله
ثقات.
(٤) أخرجه الترمذي (١١٨٥) في الطلاق: باب ما جاء في الخلع، وإسناده صحيح.
(٥) حديث صحيح أخرجه أحمد ٦٢/٣ و٨٧ وأبو داود (٢١٥٧)، وسنده حسن
وصححه الحاكم ١٩٥/٢، وله شاهد من حديث رويفع بن ثابت عند أحمد
١٠٨/٤، وأبي داود (٢١٥٨) والترمذي (١١٣١) وسنده صحيح، ومن حديث
العرباض بن سارية عند أحمد ١٢٧/٤ والترمذي (١٥٦٤) ومن حديث أبي هريرة
عند الطبراني، ومن حديث ابن عباس عند الدار قطني.
٥٤٣

قبلَ الحيضة، كذلك قال ابنُ عبد البر، وقال: قولهم: إن استبراء الأمة حيضة
بإجماع ليس كما ظنُّوا، بل جائز لها عندنا أن تنكِحَ إذا دخلت في الحيضة،
واستيقنت أن دمَها دمُ حيض، كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم
حين أدخل عليه في مناظرته إياه.
قلنا: هُذا يردُّه قولُهُ وَ: ((لاَ تُوطَأُ الحَامِلُ حَتَى تَضَعَ وَلا حَائِلٌ حَتَى
تُسْتَبْرأ بِحَيْضَةٍ)).
وأيضاً فَالمقصودُ الأصلي مِن العدة إنما هو استبراءُ الرحم، وإن كان
لها فوائد أخر، ولِشرف الحرة المنكوحة وخطرها، جعل العلم الدال على
براءة رحمها ثلاثة أقراء، فلو كان القرء: هو الطهر، لم تحصل بالقرء الأول
دلالة، فإنه لو جامعها في الطهر، ثم طلقها، ثم حاضت كان ذلك قرءاً
محسوباً من الأقراء عند من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلوم: أن هذا لم يدل
على شيء، وإنما الذي يَدُلُّ على البراءة الحيض الحاصل بعد الطلاق، ولو
طلقها في طهر، لم يُصبها فيه، فإنما يعلم هنا براءة الرحم بالحيض الموجود
قبلَ الطلاق، والعِدة لا تكون قبل الطلاق لأنها حُكمه، والحكم لا يسبِقُ
سببه، فإذا كان الطهرُ الموجود بعد الطلاق لا دلالة له على البراءة أصلاً، لم
يجز إدخالُه في العِدد الدالة على براءة الرحم، وكان مثلُه كمثل شاهدٍ غيرِ
مقبول، ولا يجوزُ تعليقُ الحكم بشهادة شاهد لا شهادة له، يُوضحه أن العدة
في المنكوحات، كالاستبراء في المملوكات.
وقد ثبت بصريح السنة أن الاستبراءَ بالحيض لا بالطُّهر، فكذلك العِدَّةُ
إذ لا فرق بينهما إلا بتعدد العِدة، والاكتفاءُ بالاستبراء بقرء واحد، وهذا لا
يُوجب اختلافهما في حقيقة القَرء، وإنما يختلفان في القدر المعتبر منهما،
ولهذا قال الشافعي في أصحِّ القولين عنه: إن استبراء الأمة يكون بالحيض،
وفرق أصحابه بين البابين، بأن العدة وجبت قضاء لحق الزوج، فاختصَّت
بأزمان حقه، وهي أزمان الطهر، وبأنها تتكرر، فتُعلم معها البراءة بتوسط
٥٤٤

الحيض بخلاف الاستبراء، فإنه لا يتكرر، والمقصودُ منه مجرد البراءة،
فاكتفى فيه بحيضة. وقال في القول الآخر: تُستبرأ بطهر طرداً لأصله في
العدد، وعلى هذا، فهل تُحتسب ببعض الطهر؟ على وجهين لأصحابه، فإذا
احتُسِبَتْ به، فلا بُد من ضمِّ حيضة كاملة إليه. فإذا طعنت في الطهر الثاني،
حلَّت، وإن لم تحتسب به، فلا بُدَّ من ضمِّ طهر كامل إليه، ولا تحتسب
ببعض الطهر عنده قرءاً قولاً واحداً.
والمقصود: أن الجمهورَ على أن عدة الاستبراء حيضة لا طُهر، وهذا
الاستبراء في حق الأمة كالعِدة في حق الحرة، قالوا: بل الاعتداد في حق
الحرة بالحيض أولى من الأمة من وجهين.
علة أولوية اعتداء الحرة
على الأمة بالحيض
أحدهما: أن الاحتياط في حقها ثابت بتكرير القرء ثلاث استبراءات،
فهكذا ينبغي أن يكونَ الاعتدادُ في حقها بالحيض الذي هو أحوطُ مِن الطهر،
فإنها لا تُحتسب ببقية الحيضة قرءاً، وتُحتسب ببقية الطهر قرءاً.
الثاني: أن استبراء الأمة فرع على عدة الحُرَّةِ، وهي الثابتة بنص
القرآن، والاستبراء إنما ثبت بالسنة، فإذا كان قد احتاط له الشارعُ بأن جعله
بالحيض، فاستبراء الحرة أولى، فعِدة الحرة استبراء لها، واستبراء الأمة عِدة
لها .
وأيضاً فالأدلة والعلامات والحدود والغايات إنما تحصُّل بالأمور
الظاهرة المتميِّرة عن غيرها، والطهرُ هو الأمر الأصلي، ولهذا متى كان
مستمراً مستصحباً لم يكن له حكم يُفرد به في الشريعة، وإنما الأمر المتميز
هو الحيضُ، فإن المرأة إذا حاضت تغيَّرت أحكامُها مِن بلوغها، وتحريم
العبادات عليها مِن الصلاة والصوم والطواف والُّبث في المسجد وغيرِ ذلك
من الأحكام.
ثم إذا انقطع الدمُ واغتسلت، فلم تتغير أحكامُها بتجدد الطهر، لكن
٥٤٥
زاد المعاد ج ٥-م١٨

لزوال المغير الذي هو الحيض، فإنها تعود بعد الطهر إلى ما كانت عليه قبل
الحيض من غير أن يُجدد لها الطهر حكماً، والقرء أمر يُغير أحكام المرأة،
وهذا التغييرُ إنما يحصل بالحيض دون الطهر. فهذا الوجه دال على فساد قول
من يحتسب بالطهر الذي قبل الحيضة قرءاً فيما إذا طلقت قبل أن تحيض، ثم
حاضت، فإن من اعتد بهذا الطهر قرءاً، جعل شيئاً ليس له حكم في الشريعة
قرءاً من الأقراء، وهذا فاسد.
فصل
قال من جعل الأقراء الأطهار: الكلامُ معكم في مقامين.
حجة من فسر الأقراء
بالأطهار
أحدهما: بيان الدليل على أنها الأطهار.
الثاني: في الجواب عن أدلتكم.
دليلهم على أن الأقراء هي
الأطهار
أما المقام الأول: فقوله تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبيُّ إذا طَلَّقْتم النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ووجه الاستدلال به: أن اللام هي لام الوقت، أي:
فطلقوهن في وقت عدتهن، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ الِقِسْطَ لِيَوْمِ
القِيَامَةِ﴾، [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَةَ لِدُلُوكَ
الشَّمْس﴾، [الإسراء: ٧٨] أي: وقت الدلوك، وتقول العرب: جئتك لثلاث بقين
من الشهر، أي: في ثلاث بقين منه، وقد فسر النبي ◌َّر هذه الآية بهذا التفسير،
ففي ((الصحيحين)): عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه لما طلّق امرأته وهي حائض،
أمره النبيُّ ◌َِّ أن يُراجِعَها، ثم يُطلِّقَها، وهي طاهر، قبل أن يمسّها، ثم قال:
((فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَها النِّسَاءُ))(١) فبيَّن النبي ◌َّ أن العِدة التي أمر
الله أن تُطلق لها النساءُ هي الطهرُ الذي بعد الحيضة، ولو كان القرءُ هو الحيض،
(١) أخرجه البخاري ٨/ ٥٠٠ و٣٠١/٩، ٣٠٦، ومسلم (١٤٧١) وقد تقدم.
٥٤٦

كان قد طلقها قبل العِدة لا في العِدة، وكان ذلك تطويلاً عليها، وهو غيرُ جائز،
كما لو طلقها في الحيض.
قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ نقل كلام الشافعي في ذلك
[البقرة: ٢٢٨]، فالأقراء عندنا - والله أعلم - الأطهار، فإن قال قائل: ما دل
على أنها الأطهار وقد قال غيرُكُم: الحيض؟ قيل: له دلالتان. إحداهما: الكتابُ
الذي دلت عليه السنة، والأخرى: اللسان. فإن قال: وما الكتاب؟ قيل: قال الله
تبارك وتعالى: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ لَعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وأخبرنا
مالك: عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه طلَّق امرأته وهي حائض في عهد
النبيِّ ◌َ﴿، فسأل عمر رسول اللهلَّه عن ذلك، فقال رسول الله وَّةَ: «مُرْهُ
فَلْيُراجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكُها حَتَّى تَطْهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ
وإِنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللّهُ أَنْ تُطلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)) (١).
أخبرنا مسلم، وسعيد بن سالم، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، أنه سمع
ابن عمر يذكر طلاقَ امرأته حائضاً، فقال: قال النبيُّ مَله: ((إِذَا طهَرتْ فَلْيُطَلِّقْ أوْ
يُمْسِكْ))، وتلا النبيُّ ◌َله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ لِقُبُلِ أو في قُبُلٍ
عِدَّتِهِنَّ(٢) [الطلاق: ١] قال الشافعي رحمه الله: أنا شككت، فأخبر
رسول الله وَّ عن الله عز وجَلَّ: أن العِدة الطُهر دون الحيض، وقرأ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ
(١) أخرجه الشافعي في ((الأم)) ٢٠٩/٥ ومالك في ((الموطأ)) ٥٧٦/٢.
(٢) أخرجه الشافعي في ((الأم))، ومسلم في ((صحيحه)) (١٤٧١) (١٤) قال الشيخ أحمد
شاكر رحمه الله في تعليقه على الرسالة ص ٥٦٨: وليست كلمة ((في قبل)) ولا
(لقبل)) من التلاوة، وإنما تلاها النبي لة هكذا بياناً للمعنى على سبيل التفسير كأنه
يريد أن يبين أن معنى قوله تعلى ﴿لعدتهن﴾ هو ((في قبل عدتهن)) أو ((لقبل عدتهن))
بمعنى استقبال العدة. وقال أبو حيان في ((البحر المحيط)) ٢٨١/٨: وما روي عن
جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من أنهم قرؤوا (في قبل عدتهن) (أو
لقبل عدتهن) هو على سبيل التفسير، لا على أنه قران، لخلافه سواد المصحف
الذي أجمع عليه المسلمون شرقاً وغرباً.
٥٤٧

لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾ وهو أن يُطلقها طاهراً، لأنها حينئذ تستقبلُ عِدتها، ولو طُلِّقت
حائضاً، لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض.
فإن قال: فما اللسان؟ قيل: القرء: اسم وُضِعَ لمعنى، فلما كان الحيضُ
دماً يُرخيه الرحم فيخرُج، والطهر دماً يحتبس، فلا يخرج، وكان معروفاً من لسان
العرب، أن القرء: الحبس. تقولُ العرب: هو يقري الماء في حوضه وفي سقائه،
وتقول العرب: هو يقري الطعام في شِدقه، يعني: يحبسه في شدقه. وتقولُ
العرب: إذا حبس الرجل الشيء، قرأه. يعني: خبأه، وقال عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: تُقُرى في صحافها، أي: تُحبس في صحافها.
قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة
رضي الله عنها، أنها انتقلت حفصةُ بنتُ عبد الرحمن حين دخلت في الدَّمِ مِن
الحيضة الثالثة. قال ابنُ شهاب: فَذُكِرَ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت:
صَدَقَ عروةُ. وقد جادلها في ذلك ناس. وقالوا: إن الله تعالى يقول: ﴿ثَلاَثَةً
قُرُوءٍ﴾، فقالت عائشة رضي الله عنها: صدقتُم، وهل تدرونَ ما الأقراء؟ الأقراء:
الأطهار(١). أخبرنا مالك، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن
يقول: ما أدركتُ أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة
رضي الله عنها(٢). قال الشافعي رحمه الله: وأخبرنا سفيان، عن الزهري، عن
عمرة، عن عائشة رضي الله عنها: إذا طعَنتِ المطلقةُ في الدم مِن الحيضة الثالثة،
فقد برئت منه(٣) .
وأخبرنا مالك رحمه الله، عن نافع، وزيد بن أسلم عن سليمان بن يسار،
أن الأحوص - يعني ابنَ حكيم - هلك بالشام حين دخلت امرأتُه في الحيضة
(١) أخرجه الشافعي في ((الأم)) ٢٠٩/٥، وفي ((المسند)) ٤٠٥/٢، وهو في ((الموطأ)»
٥٧٦/٢، ٥٧٧، وإسناده صحيح.
(٢) هو في ((الأم)) ٢٠٩/٥، و((المسند)) ٤٠٥/٢، و((الموطأ)) ٥٧٧/٢، وإسناده صحيح.
(٣) هو في ((الأم)) ٢٠٩/٥، و((المسند)) ٤٠٥/٢، وإسناده صحيح.
٥٤٨
:

الثالثة، وقد كان طلقها، فكتب معاوية إلى زيد بن ثابت يسألُه عن ذلك؟ فكتب
إليه زيد: إنها إذا دخلت في الدَّم مِن الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، وبرىء منها،
ولا ترثه، ولا يَرِثُها (١).
وأخبرنا سفيان، عن الزهري، قال: حدثني سليمان بن يسار، عن زيد بن
ثابت، قال: إذا طعنتِ المرأة في الحيضة الثالثة فقد برئت(٢) .
وفي حديث سعيد بن أبي عروبة، عن رجل، عن سليمان بن يسار، أن
عثمان بن عفان وابن عمر قالا: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها.
وأخبرنا مالك: عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا طلَّق
الرجلُ امرأتَه فدخلت في الدم مِن الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، ولا ترثه، ولا
يرثها .
أخبرنا مالك رحمه الله، أنه بلغه عن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله،
وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وابن شهاب (٣)، أنهم كانوا
يقولون: إذا دخلت المطلقةُ في الدم مِن الحيضة الثالثة، فقد بانت منه، ولا
ميراثَ بينهما. زاد غيرُ الشافعي عن مالك رحمهما الله: ولا رجعة له عليها. قال
مالك: وذلك الأمر الذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنا .
قال الشافعي رحمه الله: ولا بُعد أن تكون الأقراء الأطهار، كما قالت عائشة
رضي الله عنها، والنساءُ بهذا أعلم، لأنه فيهن لا في الرجال، أو الحيض، فإذا
جاءت بثلاثٍ حيض، حلَّت، ولا نجد في كتاب الله للغسل معنى، ولستم تقولون
بواحد من القولين، يعني: أن الذين قالوا: إنها الحيض، قالوا: وهو أحق
برجعتها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، كما قاله علي، وابن مسعود، وأبو
(١) هو في ((الأم)) ٢٠٩/٥، و((المسند)) ٤٠٤/٢، و((الموطأ)) ٥٧٧/٢، وإسناده صحيح.
(٢) هو في ((الأم)) ٢٠٩/٥، والمسند ٤٠٤/٢ وسنده صحيح.
(٣) هو في الأم ٢١٠/٥، والموطأ ٥٧٦/٢ وإسناده صحيح.
٥٤٩

موسى، وهو قول عمر بن الخطاب أيضاً. فقال الشافعي: فقيل لهم يَعني
للعراقيينَ: لم تقولوا بقول من احتججتم بقوله، ورويتُم هذا عنه، ولا بقول أحدٍ
من السلف علمناه؟ فإن قال قائل: أين خالفناهم؟ قلنا. قالوا: حتى تغتسِل وتَحِل
لها الصلاة، وقلتم: إن فرطت في الغسل حتى يذهبَ وقتُ الصلاة حلَّت وهي لم
تغتسل، ولم تحل لها الصلاة. انتهى كلام الشافعي رحمه الله(١) .
قالُوا: ويدل على أنها الأطهار في اللسان قولُ الأعشى:
أفي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لِأُقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكًا
لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِنِسَائِكَ(٢)
مُوَرِّثَّةِ عِزَّا وفي الحَيِّ رِفْعَة
فالقروء في البيت: الأطهار، لأنه ضيع أطهارهن في غزاته، وآثرها عليهن.
قالوا: ولأن الطهر أسبقُ إلى الوجود مِن الحيض، فكان أولى بالاسم،
قالُوا: فهذا أحدُ المقامين.
وأما المقام الآخر، وهو الجواب عن أدلتكم: فنُجيبكم بجوابين، مجملٍ
ومفصل.
رد المفسرين بالأطهار
على أدلة المفسرين
بالحيض
الرد المجمل
أما المجمل: فنقولُ: من أنزل عليه القرآن، فهو أعلمُ بتفسيره، وبمراد
المتكلم به من كل أحد سواه، وقد فسر النبيُّ ◌َّ العدة التي أمر اللّهُ أن تُطلَّق لها
النساءُ بالأطهار، فلا التفاتَ بعد ذلك إلى شيء خالفه، بل كُلُّ تفسير يُخالف هذا
فباطل. قالُوا: وأعلم الأمة بهذه المسألة أزواجُ رسول الله صلّه، وأعلمُهن بها
عائشة رضي الله عنها، لأنها فيهن لا في الرجال، ولأن الله تعالى جعل قولَهن في
«الأم» ٢٠٩/٥ وما بعدها.
(١)
(٢)
البيتان في ديوان الأعشى ص ٩١، والطبري ٤٤٤/٢، ٤٤٥، وهما من قصيدة يمدح
بها هوذة بن علي الحنفي يقول: لك في كل عام غزوة أنت جاشمها تجمع لها
صبرك وجلدك، فتعود منها بالمال والمجد الذي يعوضك عما عانيت من هجر
نسائك في وقت طهرهن.
٥٥٠

ذلك مقبولاً في وجود الحيض والحمل، لأنه لا يُعلم إلا مِن جهتهن، فدلَّ على
أنهنَّ أعلمُ بذلك من الرجال، فإذا قالت أمُّ المؤمنين رضي الله عنها: إن الأقراء
الأطهار.
فَقَدْ قَالَتْ حَذَامٍ فَصَدِّقُوهَا فَإِنَّ القَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ(١)
قالوا: وأما الجوابُ المفصَّلُ، فَنُفْرِدُ كلَّ واحد مِن أدلتكم بجواب خاص،
فهاكم الأجوبة .
الرد المفصل
أما قولكم: إما أن يُراد بالأقراء في الآية الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو
مجموعُهما إلى آخره.
فجوابُه أن نقول: الأطهار فقط، لما ذكرنا من الدلالة. قولُكم النص اقتضى
ثلاثة إلى آخره. قلنا: عنه جوابان.
أحدهما: أن بقية الطهر عندنا قرء كامل، فما اعتدت إلا بثلاث كوامل.
الثاني: أن العرب تُوقِع اسم الجمع على اثنين، وبعضَ الثالث، كقوله
تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فإنها شوال، وذو العقدة،
وعشر من ذي الحجة، أو تسع، أو ثلاثة عشر. ويقولون: لفلان ثلاث عشرة
سنة، إذا دخل في السنة الثالثة عشر. فإذا كان هذا معروفاً في لُغتهم، وقد دل
الدليلُ عليه، وجب المصیرُ إليه.
بقية الطهر قرء كامل
«قد يطلق الجمع على
اثنين وبعض الثالث
(١) البيت للجيم بن صعب، أو ديسم بن طارق، وهو في ((معاني القرآن)) للفراء
٢١٥/١، و((الكامل)) ٤١٤/٢، و(شرح المفصل)) ٦٤/٤، و((الخصائص) ١٧٨/٢،
و((أمالي ابن الشجري)) ١١٥/٢، و((اللسان)): رقش، وحذم و((شواهد المغني))
٣٢٩/٤. وحذام: من أسماء النساء، وأهل الحجاز يبنونه على الكسر في كل حال،
وكذلك كل إسم على فعال بفتح الفاء معدول عن فاعله لا يدخله الألف واللام ولا
یجمع مثل رقاش وقطام وفساق وفجار وغلاب.
٥٥١

وأما قولكم: إن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطهر، فمقابل
بقولِ منازعیکم.
قولكم: إن أهل اللغة يُصدرون كتبهم بأن القرء هو الحيض، فيذكرونه
تفسيراً للفظ، ثم يُردفونه بقولهم: بقيل، أو وقال بعضهم: هو الطهر.
قلنا: أهل اللغة يحكون أن له مسميين في اللغة، ويُصرحون بأنه يُقال على
لهذا، وعلى لهذا، ومنهم من يجعله في الحيض أظهر، ومنهم من يحكي إطلاقه
عليهما من غير ترجيح، فالجوهري: رجَّح الحيض. والشافعي من أئمة اللغة،
وقد رجح أنه الطهر، وقال أبو عبيد: القرء يصلحُ للطهر والحيض، وقال
الزجاج: أخبرني من أثق به، عن يونس، أن القرء عنده يصلحُ للطهر والحيض،
وقال أبو عمرو بن العلاء: القرء الوقت، وهو يصلُح للحيض، ويصلح للطهر،
وإذا كانت لهذه نصوص أهل اللغة، فكيف يحتجون بقولهم: إن الأقراء الحيض؟
قولكم: إن من جعله الطهر، فإنه يُريد أوقاتَ الطهر التي يحتوشُها الدم،
وإلا فالصغيرة والآيسة ليستا مِن ذوات الأقراء، وعنه جوابان.
أحدهما: المنع، بل إذا طلقت الصغيرة التي لم تحض ثم حاضت، فإنها
تعتد بالطُّهر الذي طُلِّقت فيه قرءاً على أصح الوجهين عندنا، لأنه طهر بعده
حیض، و کان قرءاً كما لو كان قبله حيض.
الثاني: إنا وإن سلمنا ذلك، فإن هذا يدل على أن الطهر لا يُسمى قرءاً حتى
يحتوِشَهُ دمانٍ، وكذلك نقولُ: فالدم شرط في تسميته قرءاً، ولهذا لا يدل على أنَّ
مسماه الحيض، ولهذا كالكأس الذي لا يُقال على الإِناء إلى بشرط كون الشراب
فيه، وإلا فهو زجاجة أو قدح، والمائدة التي لا تُقال للخِوان إلا إذا كان عليه
طعام، وإلا فهو خوان، والكوز الذي لا يقال لمسماه: إلا إذا كان ذا عُروة، وإلا
فهو كُوب، والقلم الذي يُشترط في صحة إطلاقه على القصبة كونها مبرية، وبدون
البري، فهو أنبوب أو قصبة، والخاتم شرط إطلاقه أن يكون ذا فصٍّ منه أَوْ مِنْ
ذکر أشياء لا تسمی
بأسماء معينة إلا بشرط
معين
٥٥٢

غيره، وإلا فهو فَتْخَةٌ، والفرو شرطُ إطلاقه على مسماه الصوف، وإلا فهو جلد.
والرِّيطة شرط إطلاقها على مسماها أن تكون قِطعة واحدة، فإن كانت مُلفقة من
قطعتین، فهي ملاءة، والحُلة شرط إطلاقها أن تكون ثوبین، إزارٌ ورداء، وإلا فهو
ثوب، والأريكة لا تقال على السرير إلا إذا كان عليه حَجَلَة، وهي التي تُسمى
بشخانة وخركاه، وإلا فهو سرير، واللَّطيمة لا تُقال للجمال إلا إذا كان فيها
طيب، وإلا فهي عِيْرٌ، والنَّفَق لا يقال إلا لما له منفذ، وإلا فهو سَرَبٌ، والعِهْنُ لا
يقال للصوف إلا إذا كان مصبوغاً، وإلا فهو صوف، والخِدْر لا يقال إلا لما
اشتمل على المرأة، وإلا فهو سِتْر. والمِحْجَنُ لا يقال للعصا إلا إذا كان مَحْنيَّةِ
الرأس، وإلا فهي عصا. والرَّكِيَّةُ لا تقال على البئر إلا بشرط كون الماء فيها، وإلا
فهي بئر. والوَقُود لا يقال للحطب إلا إذا كانت النار فيه، وإلا فهو حطب، ولا
يقال للتراب ثَرَى إلا بشرط نداوته، وإلا فهو تراب. ولا يقال للرسالة: مُغَلْغَلَة،
إلا إذا حُمِلَتْ من بلد إلى بلد، وإلا فهي رِسالة، ولا يقال للأرض قَرَاح إلا إذا
هُيئت للزراعة، ولا يقال لهروب العبد: إباق إلا إذا كان هروبُه مِن غير خوف ولا
جُوع ولا جَهد، وإلا فهو هروب، والريق لا يقال له رُضاب إلا إذا كان في الفم،
فإذا فارقه فهو بُصاق وبُساق والشجاعُ لا يقال له: كَمي إلا إذا كان شاكي السلاح،
وإلا فهو بطل، وفي تسميته بطلاً قولان أحدهما: لأنه تُبْطِلُ شجاعته قرنه وضربه
وطعنه والثاني: لأنه تَبْطُلُ شجاعةُ الشجعان عنده، فعلى الأول، فهو فَعَلَ بمعنى
فاعل، وعلى الثاني، فَعَل بمعنى مفعول، وهو قياسُ اللغة. والبعير لا يقال له:
راوية إلا بشرط حمله للماء، والطبق لا يُسمى مِهْدَى إلا أن يكون عليه هدية،
والمرأة لا تُسمى ظَعينة إلا بشرطِ كونها في الهودج، هذا في الأصل، وإلا فقد
تُسمى المرأة ظعينة، وإن لم تكن في هودج، ومنه في الحديث: «فَمرَّتْ ظُعُنٌ
يَجْرِينَ))(١) والدلو لا يُقال له: سَجْل إلا ما دام فيه ماء، ولا يُقال لها: ذَنوب، إلا
(١) أخرجه مسلم ٨٩١/٢ (١٢١٨) في الحج باب حجة النبي ◌ّصلّ من حديث جابر
الطويل .
٥٥٣

إذا امتلأت به، والسريرُ لا يقال له: نعش، إلا إذا كان عليه ميِّت، والعظمُ لا يقال
له: عَرْق، إلا إذا اشتمل عليه لحم، والخيطُ لا يُسمى سِمطاً إلا إذا كان فيه خَرَز،
ولا يقال للحَبْلِ: قَرَن إلا إذا قُرِنَ فيه اثنان فصاعداً، والقوم لا يسمون رِفقة إلا إذا
انضموا في مجلس واحد، وسير واحد، فإذا تفرقوا زال هذا الاسمُ، ولم يَزُلْ
عنهم اسمُ الرفيق، والحجارة لاَ تسمى رَضْفاً إلا إذا حُمِيَتْ بالشمس أو بالنار،
والشمسُ لا يُقال لها: غزالة إلا عند ارتفاع النهار، والثوبُ لا يُسمى مِطْرَفاً، إلا
إذا كان في طرفيه عَلَمَان، والمجلس لا يُقال له: النادي إلا إذا كان أهلُه فيه،
والمرأة لا يُقال لها: عاتِقٍ إلا إذا كانت في بيت أبويها، ولا يسمى الماء الْمِلحُ
أُجاجاً، إلا إذا كان مع ملوحته مُرَّاً، ولا يُقال للسير: إهطاع إلا إذا كان معه
خوفٌ، ولا يُقال للفرس: مُحَجَّل، إلا إذا كان البياضُ في قوائمها كُلِّها، أو
أكثرِها، وهذا باب طويل لو تقصيناه، فكذلك لا يُقال للطهر: قرء، إلا إذا كان
قبلَه دم، وبَعدَه دم، فأين في هذا ما يُدُلُّ على أنه حيض؟
نفي انحصاره في لسان
الشرع على معنى
الحيض
قالوا: وأما قولُكم: إنه لم يجىء في كلام الشارع إلا للحيض، فنحنُ نمنع
مجيئَه في كلام الشارع للحيض ألبتة، فضلاً عن الحصر. قالوا: إنه قال
للمستحاضة: ((دعي الصلاة أيام أقرائك))، فقد أجاب الشافعي عنه في كتاب
حرملة بما فيه شفاء، وهذا لفظه. قال: وزعم إبراهيم بن إسماعيل بن عُلية، أن
الأقراء: الحيض، واحتج بحديث سفيان، عن أيوب، عن سُليمان بن يسار، عن
أم سلمة رضي الله عنها: أن رسولَ اللّهِ : ﴿ قال في امرأة استُحيضت: ((تدعَ
الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِها)» قال الشافعي رحمه الله: وما حدَّث بهذا سفيان قطُّ، إنما قال
سفيان، عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة رضي الله عنها، أن
رسول الله مَّ قال: ((تَدَعُ الصَّلاَةَ عَدَدَ اللَّيَالِي والأيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ)). أو
قال: ((أَيَّامَ أَقْرَائِهَا))، الشك من أيوب لا يدري. قال: هذا أو هذا، فجعله هو
حديثاً على ناحية ما يريد، فليس لهذا بصدق، وقد أخبرنا مالك، عن نافع، عن
سليمان بن يسار، عن أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي ◌َّ قال: ((لِتَنْظُرْ عَدَدَ
٥٥٤

اللَّيَالِي والأيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَها، ثُمَّ
لِتَدَعِ الصَّلاَةَ، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ وَلَتُصَلِّ) (١). ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب وهو
يقول: بمثل أحدٍ معنيي أيوب اللذين رواهما، انتهى كلامه. قالوا: وأما
الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَزْحَامِهِنَّ﴾
[البقرة: ٢٢٨]. وأنه الحيض، أو الحَبَلُ أو كلاهما، فلا ريبَ أن الحيضَ داخِلٌ
في ذلك، ولكن تحريمُ كتمانه لا يدل على أن القُروء المذكورة في الآية هي
الحيض، فإنها إذا كانت الأطهار، فإنها تنقضي بالطعن في الحيضة الرابعة أو
الثالثة، فإذا أرادت كتمان انقضاء العِدة لأجل النفقة أو غيرها، قالت: لم أحض،
فتنقضي عدتي، وهي كاذبة وقد حاضت وانقضت عِدتها، وحينئذ فتكون دلالة
الآية على أن القروء الأطهار أظهر، ونحن نقنع باتفاق الدلالة بها، وإن أبيتم إلا
الاستدلالَ، فهو من جانبنا أظهر، فإن أكثرَ المفسرين قالوا: الحيض والولادة.
فإذا كانت العِدة تنقضي بظهور الولادة، فهكذا تنقضي بظهور الحيض تسويةً بينهما
في إتيان المرأة على كل واحد منهما.
وأما استدلالُكم بقوله تعالى: ﴿وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ نِسَائِكُم إن
ارْتَبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، [الطلاق: ٤] فجعل كل شهر بإزاء حيضة، فليس
هذا بصريح في أن القروء هي الحيض، بل غاية الآية أنه جعل اليأسَ من الحيض
شرطاً في الاعتداد بالأشهر، فما دامت حائضاً لا تنتقل إلى عدة الآيسات، وذلك
أن الأقراء التي هي الأطهار عندنا لا تُوجد إلا مع الحيض، لا تُكون بدونه، فمن
أين يلزم أن تكون هي الحيض؟
وأما استدلالُكُم بحديثِ عائشة رضي الله عنها: ((طَلَاَقُ الأَمَةِ طَلْقَتَانِ
وقَرْؤُها حَيْضَتَان))، فهو حديث لو استدللنا به عليكم لم تقبلُوا ذلك منا، فإنه
ضعف حديث عدة الأمة
حيضتان
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٦٢/١، وعنه الشافعي ٣٨/١، وأبو داود (٢٧٤)
والنسائي ١٨٢/١، ١٨٣، وابن ماجه (٦٢٣) وإسناده صحيح.
٥٥٥

حديثٌ ضعيف معلول، قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن
أسلم، ومظاهر لا يُعرف له في العلم غير هذا الحديث، انتهى. ومظاهر بن أسلم
لهذا، قال فيه أبو حاتم الرازي: منكر الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس
بشيء، مع أنه لا يعرف، وضعفه أبو عاصم أيضاً. وقال أبو داود: هذا حديث
مجهول، وقال الخطابي: أهلُ الحديث ضعفوا هذا الحديث، وقال البيهقي: لو
كان ثابتاً لقُلنا به إلا أنا لا نُثبت حديثاً يرويه من تُجهل عدالته، وقال الدار قطني:
الصحيح عن القاسم بخلاف هذا، ثم روى عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن
الأمة كم تطلق؟ قال: طلاقها ثنتان، وعِدتها حيضتان. قال: فقيل له: هل بلغك
عن رسولِ اللهِ بَّ في هذا؟ فقال: لا(١). وقال البخاري في ((تاريخه)): مظاهر بن
أسلم، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها يرفعه: («طلاقُ الأمةِ طلقتان،
وعِدتُها حيضتَانِ)). قال أبو عاصم: أخبرنا ابنُ جريج، عن مظاهر، ثم لقيتُ
مظاهراً، فحدثنا به، وكان أبو عاصم يُضَعِّفُ مظاهراً، وقال يحيى بن سليمان:
حدثنا ابنُ وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم، أنه كان جالساً عند أبيه،
فأتاه رسولُ الأمير، فقال: إن الأميرَ يقولُ لك: كم عِدةُ الأمة؟ فقال: عِدة الأمة
حيضتان، وطلاقُ الحر الأمة ثلاث، وطلاقُ العبد الحرة تطليقتان، وعِدة الحرة
ثلاثُ حيض، ثم قال للرسول: أين تذهبُ؟ قال: أمرني أن أسأل القاسم بن
محمد، وسالم بن عبد الله، قال: فَأُقْسِمُ عليك إلا رجعتَ إليَّ فأخبرتني ما
يقولانٍ، فذهب ورجع إلى أبي، فأخبره أنهما قالا كما قال، وقالا له: قل له: إن
هذا ليس في كِتاب الله، ولا سنةِ رسول الله مَّ﴾، ولكن عَمِلَ به المسلمون.
وقال أبو القاسم بن عساكر في ((أطرافه)): فدل ذلك على أن الحديثَ
المرفوعَ غيرُ محفوظ.
وأما استدلالكم بحديث ابن عمر مرفوعاً، ((طَلَاقُ الأَمَةِ ثِنْتَانِ، وعِدَّتُها
(١) أخرجه الدار قطني ص ٤٤٤.
٥٥٦

حَيْضَتَانِ))، فهو من رواية عطية بن سعدِ العَوْفي، وقد ضعفه غيرُ واحد من الأئمة.
قال الدارقطني: والصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه ما رواه سالم، ونافع من
قوله، وروى الدارقطني أيضاً عن سالم ونافع، أن ابن عمر كان يقول: طلاقُ العبد
الحرة تطليقتان، وعِدتها ثلاثة قروء، وطلاقُ الحر الأمة تطليقتان، وعدتها عدة
الأمة حيضتان(١).
قالوا: والثابت بلا شك، عن ابن عمر رضي الله عنه، أن الأقراء: الأطهار.
قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مالك رحمه الله، عن نافع، عن ابن عمر
قال: إذا طلَّق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه،
ولا ترثه ولا يرثها(٢).
قالوا: فهذا الحديثُ مدارُه على ابن عمر، وعائشة، ومذهبهُما بلا شك أن
الأقراء: الأطهار، فكيف يكون عندهما عن النبي ◌َّ خلافُ ذلك، ولا يذهبان
إليه؟ قالوا: ولهذا بعينه هو الجوابُ عن حديث عائشة الآخر: أمرت بريرة أن تعتدَّ
ثلاثَ حيض. قالوا: وقد رُوي لهذا الحديث بثلاثة ألفاظ: أمرت أن تعتد، وأمرت
أن تعتد عدةَ الحرة، وأمرت أن تعتد ثلاثَ حيض، فلعل رواية من روى ((ثلاث
حيض)) محمولة على المعنى، ومن العجب أن يكون عند عائشة رضي الله عنها
هذا وهي تقول: الأقراء: الأطهار، وأعجبُ منه أن يكون هذا الحديثُ بهذا السند
المشهور الذي كُلُّهم أئمة، ولا يخرجه أصحاب الصحيح، ولا المساند، ولا من
اعتنى بأحاديث الأحكام وجمعها، ولا الأئمة الأربعة، وكيف يصبر عن إخراج
لهذا الحديث من هو مضطر إليه، ولا سيما بهذا السندِ المعروف الذي هو كالشمس
شُهرةً، ولا شك أن بريرَة أمرت أن تعتد، وأما أنها أمرت بثلاثِ حيض، فهذا لو
صحَّلم نَعْدُهُ إلی غیره، ولبادرنا إليه.
(١) أخرجه الدار قطني ص ٤٤١ .
(٢) أخرجه الشافعي ٤٠٤/٢، وهو في ((الموطأ)) ٥٧٨/٢، وإسناده صحيح.
٥٥٧

الفرق بين الاستبراء
والعدة
قالوا: وأما استدلالكم بشأن الاستبراء، فلا ريب أن الصحيحَ كونه بحيضة،
وهو ظاهرُ النص الصحيح، فلا وجه للاشتغال بالتعلل بالقول: إنها تُستبرأ
بالطهر، فإنه خلاف ظاهر نصِ الرسول ◌َِّة، وخلاف القول الصحيح من قول
الشافعي، وخلاف قول الجمهور من الأمة، فالوجه العدولُ إلى الفرق بين
البابين، فنقولُ: الفرقُ بينهما ما تقدم أن العِدة وجبت قضاء لحق الزوج،
فاختُصَّت بزمان حقه، وهو الطهرُ بأنها تتكرر، فيُعلم منها البراءة بواسطة الحيض
بخلاف الاستبراء .
قولكم: لو كانت الأقراء الأطهار لم تحصل بالقَرء الأول دلالة، لأنه لو
جامعها ثم طلَّقها فيه حُسِبَتْ بقيته قَرءاً، ومعلوم قطعاً أن هذا الطهر لا يدل على
شيء .
فجوابه أنها إذا طهرت بعد طُهرين كاملين، صحت دلالته بانضمامه إليهما.
قولُكم: إن الحدودَ والعلاماتِ والأدلة إنما تحصل بالأمور الظاهرة إلى
آخره.
جوابه أن الطهر إذا احتوشه دمانٍ، كان كذلك، وإذا لم يكن قبله دم، ولا
بعده دم، فهذا لا يُعتد به ألبتة .
قالوا: ويزيد ما ذهبنا إليه قوة، أن القَرء هو الجمع، وزمان الطهر أولى به،
فإنه حينئذ يجتمع الحيضُ، وإنما يخرج بعد جمعه. قالوا: وإدخال التاء في
(ثلاثة قروء) يدل على أن القَرء مذكر، وهو الطهر، فلو كان الحيض لكان بغير تاء
لأن واحدها حيضة.
فهذا ما احتج به أربابُ هذا القول استدلالاً وجواباً، وهذا موضع لا يُمكن
فيه التوسطُ بينَ الفريقين، إذ لا توسط بين القولين، فلا بد من التحيُّرِ إلى أحد
الفئتين، ونحن متحيِّزون في هذه المسألة إلى أكابر الصحابة وقائلون فيها بقولهم:
٥٥٨

إن القَرء الحيضُ، وقد تقدم الاستدلالُ على صحة هذا القول، فنُجيب عما عارض
به أربابُ القول الآخر، ليتبين ما رجحناه، وبالله التوفيق.
فنقول: أما استدلالُكم بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]،
فهو إلى أن يكونَ حجة عليكم أقربُ منه إلى أن يكون حجة لكم، فإن المرادَ
طلاقها قبل العدة ضرورة، إذ لا يمكن حملُ الآية على الطلاق في العِدة، فإن
لهذا - مع تضمنه لكون اللام للظرفية بمعنى - في - فاسد معنى، إذ لا يُمكن
إيقاعُ الطلاق في العِدة، فإنه سببُها، والسببُ يتقدم الحكم، وإذا تقرر ذلك فمن
قال: الأقراء الحيض، فقد عمل بالآية، وطلَّق قبل العدة.
رد المصنف على
اعتراضات من فسر
الأقراء بالأطهار
الطلاق قبل العدة
فإن قلتم: ومن قال: إنها الأطهار فالعِدة تتعقب الطلاق، فقد طلَّق قبل
العدة، قلنا: فبطل احتجاجُكم حينئذ، وصحَّ أن المراد الطلاقُ قبل العدة لا فيها،
وكلا الأمرين يصح أن يُراد بالآية، لكن إرادةُ الحيض أرجحُ، وبيانُه أن العِدة فعلة
مما تعد يعني معدودة، لأنها تُعد وتُحصى، كقوله: ﴿وَأَحْصُوا العِذَّةَ﴾ [الطلاق:
١]، والطهرُ الذي قبل الحيضة مما يعد ويُحصى، فهو من العِدة، وليس الكلامُ
فيه، وإنما الكلام في أمر آخر، وهو دخولُه في مسمى القروء الثلاثة المذكورة في
الآية أم لا؟ فلو كان النصُ: فطلقوهن لِقروئهن، لكان فيه تعلق، فهنا أمران. قوله
تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَة قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والثاني: قوله:
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ولا ريب أن القائل: افعل كذا لثلاث بَقِينَ
مِن الشهر، إنما يكون المأمور ممتثلاً إذا فعله قبل مجيء الثلاث، وكذلك إذا
قال: فعلته لثلاث مضين من الشهر، إنما يصدق إذا فعله بعد مضي الثلاث، وهو
بخلاف حرف الظرف الذي هو ((في)) فإنه إذا قال: فعلته في ثلاث بقين، كان
الفعل واقعاً في نفس الثلاث، وهاهنا نكتة حسنة، وهي أنهم يقولون: فعلتُه
لثلاث ليال خَلَوْن أو بقين من الشهر، وفعلته في الثاني أو الثالث من الشهر، أو
في ثانيه أو ثالثه، فمتى أرادوا مضي الزمان أو استقباله، أتَوْا باللام، ومتى أرادوا
وقوعَ الفعل فيه، أتوا بفي، وسِرُّ ذلك أنهم إذا أرادوا مضي زمن الفعل أو استقباله
٥٥٩

أتوا بالعلامة الدالة على اختصاص العدد الذي يلفظون به بما مضى، أو بما
يُستقبل، وإذا أرادوا وقوع الفعل في ذلك الزمان أتوا بالأداة المعينة له، وهي أداة
((في))، وهذا خير مِن قول كثير من النحاة: إن اللام تكون بمعنى قبل في قولهم:
كتبته لثلاث بقين، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وبمعنى بعد،
كقولهم: لثلاث خلون. وبمعنى في: كقوله تعالى: ﴿ونضع الموازِينَ القِسْطَ لِيَوْمٍ
القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل
عمران: ٢٥]، والتحقيقُ أن اللام على بابها للاختصاص بالوقت المذكور، كأنهم
جعلوا الفِعل للزمان المذكور اتساعاً لاختصاصه به، فكأنه له، فتأمله.
وفرق آخر: وهو أنك إذا أتيت باللام، لم يكن الزمانُ المذكورُ بعدَه إلا
ماضياً أَو منتظراً، ومتى أتيت بفي لم يكن الزمان المجرور بها إلا مقارناً للفعل،
وإذا تقرَّر هذا مِن قواعد العربية، فقولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:
١]، معناه: لاستقبال عدتهن لا فيها، وإذا كانت العدة التي يُطلق لها النساء
مستقبلةٌ بعد الطلاق، فالمستقبَلُ بعدها إنما هو الحيضُ، فإن الطاهر لا تستَقْبِلُ
الطهر إذ هي فيه، وإنما تستقبِلُ الحيضَ بعد حالها التي هي فيها، هذا المعروفُ
لغةً وعقلاً وعُرفاً، فإنه لا يُقال لمن هو في عافية: هو مستقبل العافية، ولا لمن هو
في أمن: هو مستقبل الأمن، ولا لمن هو في قبض مغله وإحرازه: هو مستقبل
المغل، وإنما المعهودُ لغة وعُرفاً أن يستقبلَ الشيءَ منْ هو على حال ضِده، وهذا
أظهرُ من أن نُكثرَ شواهده.
فإن قيل: فيلزم من هذا أن يكون من طلق في الحيض مطلقاً للعِدة عند مَنْ
يقول: الأقراء الأطهار، لأنها تستقبِلُ طهرها بعد حالها التي هي فيها، قلنا: نعم
يلزمهم ذلك، فإنه لو كان أول العدة التي تُطلق لها المرأة هو الطهر، لكان إذا
طلقها في أثناء الحيض مطلقاً للعدة، لأنها تستقبِلُ الطهرَ بعد ذلك الطلاق.
فإن قيل: ((اللام)) بمعنى ((في))، والمعنى: فطلقوهن في عدتهن، وهذا إنما
٥٦٠