النص المفهرس
صفحات 521-540
منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة، ولعل الواقف عليها لم يكن يخطر له أن هذا القول تنتهي قوتُه إلى هذا الحد، وأنه ليس بأيدي أصحابه قدرةٌ على تقديره وتصحيحه، فاجلس أيها العالمُ المنصف مجلِسَ الحَكَم بين هذين المتنازعين، وافصل بينهما بالحجة والبيان لا بالتقليد، وقال فلان . على حديث سهلة وأولها رده بالنسخ واختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاثة مسالك، رد القائلين بالحولين أحدها: أنه منسوخ، وهذا مسلكُ كثير منهم، ولم يأتوا على النسخ بحجة سوى الدعوى، فإنهم لا يُمكنهم إثباتُ التاريخ المعلوم التأخر بينه وبينَ تلك الأحاديث. ولو قَلبَ أصحابُ هذا القول عليهم الدعوى، وادعوا نسخَ تلك الأحاديث بحديث سهلة، لكانت نظيرَ دعواهم. وأما قولهم: إنها كانت في أوَّلِ الهجرة، وحين نزول قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ﴾، [الأحزاب: ٥]، ورواية ابن عباس رضي الله عنه، وأبي هريرة بعد ذلك، فجوابه من وجوه. أحدها: أنهما لم يصرحا بسماعه مِن النبي ◌َّرَ، بل لم يسمع منه ابنُ عباس إلا دونَ العشرين حديثاً، وسائرها عن الصحابة رضي الله عنهم. الثاني: أن نساء النبيِّ ◌َ ﴾ لم تحتج واحدةٌ منهن، بل ولا غيرُهن على عائشة رضي الله عنها بذلك، بل سلكن في الحديث بتخصيصه بسالم، وعدم إلحاق غيره به . الثالث: أن عائشةَ رضي الله عنها نفسَها روت هذا وهذا، فلو كان حديثُ سهلة منسوخاً، لكانت عائشةُ رضي الله عنها قد أخذت به، وتركتِ الناسخَ، أو خفي عليها تقدُّمه مع كونها هي الراوية له، وكلاهما ممتنع، وفي غاية البعد. الرابع: أن عائشةَ رضي الله عنها ابتُليت بالمسألة، وكانت تعمَلُ بها، وتُناظر عليها، وتدعو إليها صواحباتِها فلها بها مزيدُ اعتناء، فكيف يكون هذا حُكماً منسوخاً قد بطل كونُه من الدين جملة، ويخفى عليها ذلك، ويخفى على ٥٢١ نساءِ النبيِ نَّه فلا تذكُرُه لها واحدةٌ منهن. رد حديث سهلة بالخصوصية بسالم المسلك الثاني: أنه مخصوص بسالم دون من عداه، وهذا مسلك أمِّ سلمة ومَنْ معها من نساء النبي ◌َّهُ ومَنْ تبعهن، وهذا المسلكُ أقوى مما قبله، فإن أصحابه قالوا مما يُبين اختصاصه بسالم أن فيه: أن سهلة سألت رسول الله وَثّل بعد نزول آية الحجاب، وهي تقتضي أنه لا يَحِلُّ للمرأة أن تُبدي زينتها إلا لمن ذكر في الآية وسُمِّيَ فيها، ولا يُخص من عموم من عداهم أحد إلا بدليل. قالُوا: والمرأة إذا أرضعت أجنبياً، فقد أبدت زينتها له، فلا يجوزُ ذلك تمسكاً بعموم الآية، فعلمنا أن إبداء سهلة زينتها لسالم خاصٍّ به. قالوا: وإذا أمر رسولُ الله ◌َّه واحداً مِن الأمة بأمر، أو أباح له شيئاً أو نهاه عن شيء وليس في الشريعة ما يُعارضه ثبت ذلك في حق غيره من الأمة ما لم ينصَّ على تخصيصه، وأما إذا أمر الناس بأمرٍ ، أو نهاهم عن شيء، ثم أمر واحداً من الأمة بخلاف ما أمر به الناس، أو أطلقَ له ما نهاهم عنه، فإن ذلك يكون خاصاً به وحدَه، ولا نقولُ في هذا الموضع: إن أمره للواحد أمرٌ للجميع، وإباحته للواحد إباحةٌ للجميع، لأن ذلك يُؤدي إلى إسقاط الأمر الأول، والنهي الأول، بل نقول: إنه خاص بذلك الواحد لتتفق النصوصُ وتأتلِفَ، ولا يُعارض بعضها بعضاً، فحرم الله في كتابه أن تبديَ المرأةُ زينتها لغير مَحْرَمٍ، وأباح رسولُ اللّهِن ◌َّهُ لسهلة أن تُبدي زينتها لسالم وهو غيرُ مَحْرَمٍ عند إبداء الزينة قطعاً، فيكون ذلك رخصةً خاصة بسالم، مستثناة من عموم التحريم، ولا نقول: إن حكمها عام، فيبطل حكم الآية المحرمة . قالوا: ويتعيَّن هذا المسلك لأنا لو لم نسلكه، لزمنا أحدُ مسلكين، ولا بد منهما إما نسخ هذا الحديث بالأحاديثِ الدالة على اعتبار الصِّغر في التحريم، وإما نسخُها به، ولا سبيلَ إلى واحد من الأمرين لعدم العلم بالتاريخ، ولعدم تحقق المعارضة، ولإِمكان العمل بالأحاديث كُلِّها، فإنا إذا حملنا حديثَ سهلة على الرخصة الخاصة، والأحاديث الأخرَ على عمومها فيما عدا سالماً، لم تتعارض، ولم ينسخ بعضُها بعضاً، وعُمِلَ بجميعها. ٥٢٢ قالوا: وإذا كان النبيُّ نَّه قد بيَّن أن الرضاع إنما يكون في الحولين، وأنه إنما يكون في الثدي، وإنما يكون قبل الفِطام، كان ذلك ما يَدُلُّ على أن حديث سهلة على الخصوص، سواء تقدم أو تأخر، فلا ينحصِرُ بيانُ الخصوص في قوله هذا لك وحدك حتى يتعيَّن طريقاً. قالوا: وأما تفسيرُ حديث ((إنَّما الرَّضَاعَةُ مِنَ المِجَاعَةِ)) بما ذكر تموه، ففي غاية البُعد من اللفظ، ولا تتبادر إليه أفهامُ المخاطبين، بل القولُ في معناه ما قاله أبو عُبيد والناس، قال أبو عبيد: قوله: ((إنما الرَّضاعةُ مِنَ المجاعة)) يقول: إن الذي إذا جاع كان طعامُه الذي يُشبعه اللبن، إنما هو الصبيُّ الرضيعُ. فأما الذي شبعُه من جوعه الطعامُ، فإن رضاعه ليس برضاع، ومعنى الحديث: إنَّما الرضاعُ في الحولين قبل الفطام، هذا تفسير أبي عُبيد والناس، وهو الذي يتبادر فهمُه مِن الحديث إلى الأذهان، حتى لو احتمل الحديثُ التفسيرين على السواء، لكان هذا المعنى أولى به لمساعدة سائر الأحاديثِ لهذا المعنى، وكشفها له، وإيضاحها، ومما يبين أن غيرَ هذا التفسير خطأ، وأنه لا يَصحّ أن يُراد به رضاعة الكبير، أن لفظة ((المجاعة)) إنما تدل على رضاعة الصغير، فهي تُثبتُ رضاعة المجاعة، وتَنفي غيرها، ومعلوم يقيناً أنه إنما أراد مجاعةَ اللبن لا مجاعةً الخبز واللحم، فهذا لا يخطُر ببالِ المتكلم ولا السامع، فلو جعلنا حكم الرضاعة عاماً لم يبق لنا ما ينفي ويُثبت. وسياق قوله: لما رأى الرجل الكبير، فقال: ((إنما الرضاعةُ مِن المجاعة))، يبينُ المراد، وأنه إنما يُحرِّم رضاعة من يجوعُ إلى لبن المرأة، والسياق يُنزِّلُ اللفظ منزلة الصريح، فتغيرُ وجهه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وكراهتُه لذلك الرجل، وقوله: ((انظرن مَنْ إخوانُكن)) إنما هو للتَحفظ في الرضاعة، وأنها لا تُحرِّمُ كلَّ وقت، وإنما تُحَرِّمُ وقتاً دون وقت، ولا يفهم أحدٌ من هذا أنما الرضاعة ما كان عددُها خمساً فيعبر عن هذا المعنى بقوله ((من المجاعة))، وهذا ضدُّ البيان الذي کان علیه ◌ِ﴾. وقولكم: إن الرضاعة تطرُدُ الجوع عن الكبير، كما تطرد الجوعَ عن الصغير ٥٢٣ كلام باطل، فإنه لا يُعهد ذو لحية قط يُشبِعُهُ رضاعُ المرأة ويَطْردُ عنه الجوع، بخلاف الصغير فإنه ليس له ما يقومُ مقامَ اللبن، فهو يَطْرُدُ عنه الجوع، فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلاٍ، والذي يُوضِّحُ هذا أنه ◌َّ لم يُرِدْ حقيقة المجاعة، وإنما أراد مَظِنتها وزمنها، ولا شك أنه الصِّغَرُ، فإن أبيتم إلا الظاهرية، وأنه أراد حقيقتها، لزمكم أن لا يُحرِّمَ رضائُ الكبير إلا إذا ارتضع وهو جائعٌ، فلو ارتضع وهو شبعان لم يؤثر شيئاً. وأما حديث الستر المصون، والحُرمة العظيمة، والحِمى المنيع، فرضيَ الله عن أم المؤمنين، فإنها وإن رأت أن هذا الرضاع يُثبت المحرمية، فسائرُ أزواج النبيِّ ◌ِنَّ يخالفنها في ذلك، ولا يرينَ دخولَ هذا السِّتر المصون، والحِمى الرفيع بهذه الرضاعة، فهي مسألة اجتهاد، وأحدُ الحزبين مأجور أجراً واحداً، والآخر مأجورٌ أجرين، وأسعدُهما بالأجرين من أصاب حكم اللّهِ ورسوله في هذه الواقعة، فكل من المدخل للستر المصونِ بهذهِ الرضاعة، والمانع مِن الدخول فائز بالأجر، مجتهد في مرضاة الله وطاعة رسوله، وتنفيذ حكمه، ولهما أسوة بالنبيين الكريمينِ - داودَ وسُلَيْمانِ اللذين أثنى الله عليهما بالحِكمة والحُكم، وخصَّ بفهم الحُكومة أحدَهما. فصل تقوية حديث أم سلمة وأما ردُّكم لحديث أم سلمة، فتعشُّفٌ بارد، فلا يلزم انقطاعُ الحديثِ مِن أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أمّ سلمة صغيرة، فقد يعقِلُ الصغيرُ جداً أشياء، ويحفظُها، وقد عَقَل محمودُ بنُ الربيع المَجَّةَ وهو ابنُ سَبْعِ سِنين (١)، ويَعْقِلُ أصغر منه. وقد قلتم: إن فاطمة كانت وقتَ وفاة أم سلمة بنت إحدى عشرة سنة، وهذا سِن جيد، لا سيما للمرأة، فإنها تَصلح فيه للزوج، فمن هي في حد الزواج، كيف يقال: إنها لا تعقِلُ ما تسمع، ولا تدرِي ما تُحدِّثُ به؟ هذا هو الباطلُ الذي (١) أخرجه البخاري ١/ ١٥٧ في العلم: باب متى يصح سماع الصغير. ٥٢٤ لا تُرد به السننُ، مع أن أم سلمة كانت مصادقةً لجدتها أسماء، وكانت دارهما واحدة، فنشأت فاطمة هذه في حَجر جدتها أسماء مع خالة أبيها عائشة رضي الله عنها وأم سلمة، وماتت عائشةُ رضي الله عنها سنة سبع وخمسين. وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقد يُمكن سماحُ فاطمة منها، وأما جدتها أسماء، فماتت سنة ثلاث وسبعين، وفاطمة إذ ذاك بنت خمس وعشرين سنة، فلذلك كثر سماعُها منها، وقد أفتت أُ سلمة بمثل الحديث الذي روته أسماء. فقال أبو عُبید: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أم سلمة، أنها سُئلت ما يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ في الثَّدْي قَبْلَ الفِطَامِ (١). فروت الحديث، وأفتت بموجبه. وأفتى به عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه، كما رواهُ الدارقطني من حديث سفيان عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت عمرَ يقول: ((لا رضاع إلا في الحَوْلَيْنِ في الصِّغَرِ))(٢). وأفتى به ابنُه عبد اللّهِ رضي الله عنه، فقال مالك رحمه الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يقول: لا رَضَاعَة إلا لمن أَرْضَعَ في الصِّغَرِ ، ولا رَضَاعَةً لِكَبِيرٍ (٣). وأفتى به ابن عباس رضي الله عنهما، فقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَام(٤). (١) إسناده قوي. (٢) أخرجه الدار قطني ١٧٢/٤ ورجاله ثقات. (٣) أخرجه مالك ٦٠٣/٢، وإسناده صحيح. (٤) إسناده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٣٩٠٣) ثنا معمر، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقول: لا رضاع إلا ما كان في الحولین وإسناده صحيح. ٥٢٥ رجوع أبي موسى الأشعري إلى عدم التحريم إلا برضاع الصغير وتناظر في هذه المسألة عبدُ الله بن مسعود، وأبو موسى، فأفتى ابنُ مسعود بأنه لا يُحَرِّمُ إلا في الصغر، فرجع إليه أبو موسى، فذكر الدارقطني، أن ابن مسعود قال لأبي موسى: أنت تُفتي بكذا وكذا، وقد قال رسولُ اللهِ وَ ان: ((لا رضاع إلا ما شَدَّ العَظْمَ وأنبتَ اللَّحْمَ))(١). وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا وکیع، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللّهِ بَله: (لاَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلَّ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وأَنْشَزَ العَظْم))(٢). ثم أفتى بذلك كما ذكره عبد الرزاق عن الثوري، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حُصين، عن أبي عطية الوادعي، قال: جاء رَجُلٌ إلى أبي موسى، فقال: إن امرأتي وَرِمَ ثديُها فَمَصِصْتُهُ، فدخل حلقي شيء سبقني، فشدَّد عليه أبو موسى، فأتى عبدَ الله بن مسعود، فقال: سألتَ أحداً غيري؟ قال: نعم أبا موسى، فشدَّدَ علي، فأتى أبا موسى، فقال: أرضيعٌ هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دامَ هذا الحبرُ بينَ أظهركم (٣). فهذه روايتُه وفتواه. وأما علي بن أبي طالب، فذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن جُويبر، عن الضحاك، عن النَّزال بن سبرة، عن علي: لا رَضاعِ بَعْدَ الفِصَال (٤). ولهذا خلاف رواية عبد الكريم، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه عنه. لکن جُویبر لا يُحتج بحدیثه، وعبد الکریم أقوى منه. (١) أخرجه الدار قطني ١٧٣/٤ . (٢) أخرجه أحمد (٤١١٤) وأبو داود (٢٠٦٠) وقد تقدم. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٩٥) والبيهقي ٤٦١/٧ ورجاله ثقات، وأخرجه مالك في ((الموطأ)) ٦٠٧/٢، وفي سنده انقطاع. (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٩٨) وجُويبر ضعيف جداً. ٥٢٦ فصل المسلك الثالث: أن حديثَ سهلة ليس بمنسوخ، ولا مخصوصٍ، ولا عامٍ في حقِّكُلِّ أحد، وإنما هو رخصةٌ للحاجة لمن لا يَستغني عن دخوله على المرأة، ويَشْقُّ احتجابُها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حُذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجَةِ أثَّر رضاعُه، وأما مَنْ عداه، فلا يُؤْثِّر إلا رضاحُ الصغير، وهذا مسلكُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والأحاديثُ النافية للرضاع في الكبير إما مطلقة، فتقيّد بحديث سهلة، أو عامة في الأحوال فتخصيصُ هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديثِ من الجانبين، وقواعدُ الشرع تشهد لهُ، والله الموفق. رد حديث سهلة بأنه رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة ذكر حكمه # في العدد لهذا البابُ قد تولى اللّهُ - سبحانه - بيانَه في كتابه أتمَّ بيانٍ، وأوضحَه، وأُجمَعه بحيث لا تَشِذُّ عنه معتدة، فذكر أربعةَ أنواعٍ من العِدَدِ، وهي جملة أنواعها . النوع الأول: عِدَّهُ الحامل بوضع الحمل مطلقاً بائنةً كانت أو رجعيةً، مفارقة في الحياة، أو متوفَّى عنها، فقال: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمالِ أجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وهذا فيهِ عمومٌ مِن ثلاث جهات. عدة الحامل أحدُها: عمومُ المخبَرِ عنه، وهو أولاتُ الأحمال، فإنه يتناولُ جميعَهُن. الثاني: عمومُ الأجَلِ، فإنه أضافه إليهن، وإضافةُ اسمِ الجمع إلى المعرفة يَعُمُّ، فجعل وضعَ الحمل جميعَ أجلهن، فلو كان لِبعضهن أجل غيره لم يكن جمیعَ أجلهن. الثالث: أن المبتدأ والخبر معرفتان، أما المبتدأ: فظاهر، وأما الخبر - وهو قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ففي تأويل مصدر مضاف، ٥٢٧ أي أجلهن وضع حملهن، والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، اقتضى ذلك حصرَ الثاني في الأول، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، وبهذا احتج جمهورُ الصحابة على أن الحامِلَ المتوفى عنها زوجُها عِدتُها وضعُ حملها، ولو وضعته والزوجُ على المغتسل كما أفتى به النبيُّ نَّهُ لِسُبَيْعَةَ الأسلمية(١)، وكان هذا الحكمُ والفتوى منه مشتقاً من كتاب الله، مطابقاً له. فصل عدة المطلقة التي تحيض النوع الثاني: عدة المطلقة التي تحيضُ، وهي ثلاثةُ قُرُوء، كما قال الله تعالى: ﴿والمطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾. [البقرة: ٢٢٨]. عدة التي لا حيض لها النوع الثالث: عدة التي لا حيضَ لها، وهي نوعانِ: صغيرة لا تحيض، وكَبِيرة قد يئست من الحيض. فبيَّن اللّهُ سبحانَه ◌ِدَّة النوعين بقوله: ﴿والَّلاِي يَكِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهرِ وَاللَّتِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أي: فعدتهن كذلك. عدة المتوفى عنها زوجها النوع الرابع: المتوفّى عنها زوجها فبين عدتها - سبحانه - بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فهذا يتناول المدخولَ بها وغيرها، والصغيرةَ والكبيرة، ولا تدخل فيه الحامل، لأنها خرجت بقوله: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فجعل وضع حملهن جميع أجلهن، وحصره فيه، بخلاف قوله في المتوفى عنهن: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، فإنَّهُ فِعْلٌ مطلقٌ لا عمومَ له، وأيضاً فإن قوله: (١) أخرج مالك ٢/ ٥٩٠ في الطلاق: باب عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً، والبخاري ٤١٧/٩ في الطلاق: باب (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) من حديث عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة أنه أخبره «أن سبيعة الأسلمية نُفِسَتْ بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي ◌َّه، فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت)) ولفظ «الموطأ)): ((قد حللت فانكحي من شئتِ)). ٥٢٨ ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] متأخر في النزول عن قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، وأيضاً فإن قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] في غير الحامل بالاتفاق، فإنها لو تمادى حملها فوق ذلك تربصته، فعمومُها مخصوص اتفاقاً، وقوله: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] غيرُ مخصوص بالاتفاق، هذا لو لم تأت السنةُ الصحيحةُ بذلك، ووقعت الحوالةٌ على القرآن، فكيف والسنة الصحيحة موافقة لذلك، مقررة له. فهذه أصول العدد في كتاب الله مفصَّلَةً مبينة، ولكن اختلف في فهم المراد من القرآن ودلالته في مواضع مِن ذلك، وقد دلَّت السنةُ بحمد الله على مرادِ الله منها، ونحن نذكرها ونذكر أَوْلَى المعاني وأشبهها بها، ودلالة السنة عليها. فمن ذلك اختلافُ السلف في المتوفَّى عنها إذا كانت حاملاً، فقال علي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة: أبعدُ الأجلين من وضع الحمل، أو أربعة أشهر وعشراً، وهذا أحد القولين في مذهب مالك رحمه الله اختاره سحنُون. قال الإِمام أحمد في رواية أبي طالب عنه: علي بن أبي طالب وابن عباس يقولان في المعتدة الحامل: أبعد الأجلين(١)، وكان ابن مسعود يقول: من شاء باهَلْتُهُ، إنَّ سورة النساء القُصرى نزلت بعدُ(٢)، وحديث سبيعة يقضي بينهم ((إذا وَضَعَتْ، الاختلاف في المتوفى عنها إذا كانت حاملا (١) قول علي أخرجه ابن أبي حاتم، وقول ابن عباس أخرجه البخاري ٨/ ٥٠، ومسلم (١٤٨٥). (٢) أخرجه أبو داود (٢٣٠٧) في الطلاق: باب في عدة الحامل، والنسائي ١٩٧/٦ في الطلاق: باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وابن ماجه (٢٠٣٠) في الطلاق: باب الحامل المتوفى عنها زوجها، وابن جرير ١٤٣/٢٨ عن عبد الله بن مسعود قال: ((من شاء لاعنته لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة الأشهر وعشراً) وإسناده صحيح، وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٣٥/٦ وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وأخرجه البخاري ٥٠٢/٨ بلفظ («أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة، لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ﴿وأولات الأحمال أجهلن= ٥٢٩ فَقَدْ حَلَّتْ)). وابنُ مسعود يتأول القرآن: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] هي في المتوفَّى عنها، والمطلقة مثلها إذا وضعت، فقد حلَّت، وانقضت عِدتها، ولا تنقضي عدة الحامِلِ إذا أسقطت حتى يتبين خلقُه، فإذا بان له يد أو رجل، عتقت به الأمة، وتنقضي به العدة، وإذا ولدت ولداً وفي بطنها آخر، لم تنقضِ العدةُ حتى تَلِدَ الآخر، ولا تغيبُ عن منزلها الذي أُصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشراً إذا لم تكن حاملاً، والعِدة مِن يومٍ يموت أو يطلق، هذا كلام أحمد. وقد تناظر في هذه المسألة: ابنُ عباس، وأبو هريرة رضي الله عنهما، فقال أبو هريرة: عِدتُها وضع الحمل، وقال ابنُ عباس: تعتدُّ أقصى الأجلين، فحكَّما أمّ سلمة رضي الله عنها، فحكمت لأبي هريرة، واحتجت بحديث سُبَيْعَةٍ(١). وقد قيل : إن ابن عباس رجع. وقال جمهورُ الصحابة ومَن بعدهم، والأئمةُ الأربعة: إن عدتها وضعُ الحمل، ولو كان الزوجُ على مغتسَلِه فوضعت، حلَّت. قال أصحاب الأجلين: لهذه قد تناولها عمومان، وقد أمكن دخولُها في كليهما، فلا تخرجُ مِن عدتها بيقين حتى تأتي بأقصى الأجلين، قالوا: ولا يُمكِنُ تخصيصُ عموم إحداهما بخصوص الأخرى، لأن كلَّ آية عامةٌ من وجه، خاصةٌ من وجه، قالوا: فإذا أمكن دخولُ بعض الصور في عموم الآيتين، يعني إعمالاً للعموم في مقتضاه. فإذا اعتدت أقصى الأجلين دخل أدناهما في أقصاهما. أن يضعن حملهن﴾ وأراد بالقصرى سورة الطلاق، وبالطولى سورة البقرة يعني أن = عموم آية البقرة ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ مخصوص بقوله تعالى في سورة الطلاق ﴿وأولات الأحمال أَجلُهن أن يضعن حملهن﴾ . (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٥٨٩/٢، والنسائي ١٩١/٦، ١٩٢، وإسناده صحيح. ٥٣٠ والجمهورُ أجابوا عن هذا بثلاثة أجوبة . أحدها: أن صريحَ السنة يدل على اعتبار الحمل فقط، كما في ((الصحيحين)): أن سُبيعة الأسلميةَ توفِّي عنها زوجُها وهي حبلى، فوضعت، فأرادت أن تنكِحَ، فقال لها أبو السنابل: ما أنتِ بناكحة حتى تعتدي آخرَ الأجلين، فسألَتِ النبيَّ بَِّ، فقال: ((كَذَبَ أَبو السَّنابِلِ، قَد حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ))(١). الثاني أن قوله: ﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نزلت بعدَ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَدْرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ، بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] وهذا جواب عبد الله بن مسعود، كما في ((صحيح البخاري)) عنه: أتجعلُون عليها التغليظَ، ولا تجعلون لها الرخصة، أشهد لنزلت سورةُ النساء القُصرى بعد الطولى: ﴿وَأولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(٢) [الطلاق: ٤]. وهذا الجواب يحتاج إلى تقرير، فإن ظاهِرَه أن آيةَ الطلاق مقدّمة على آية مفهوم النسخ عند السلف البقرة لتأخرِها عنها، فكانت ناسخةً لها، ولكن النسخ عند الصحابة والسلف أعُم مِنه عند المتأخرین، فإنھم یُریدون به ثلاثة معان . أحدُها: رفعُ الحكم الثابت بخطاب. الثاني: رفعُ دلالة الظاهر إما بتخصيص، وإما بتقييد، وهو أعمُّ مما قبله. الثالث: بيانُ المراد باللفظ الذي بيانه مِن خارج، وهذا أعمُّ مِن المعنيين (١) أخرجه الشافعي ٤٠٢/٢ والبخاري ٤١٤/٩ في الطلاق: باب (واللائي يئسن من المحيض) ومسلم (١٤٨٤) في الطلاق: باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل. (٢) أخرجه البخاري ١٤٥/٨ في تفسير سورة البقرة، و٥٠٢ في تفسير سورة الطلاق. ٥٣١ الأولين، فابن مسعود رضي الله عنه أشار بتأخر نزولِ سورة الطلاق، إلى أن آية الاعتداد بوضع الحملِ ناسخة لآية البقرة إن كان عمومُها مراداً، أو مخصَّصة لها إن لم يكن عمومُها مراداً، أو مبيّنة للمراد منها، أو مقيِّدة لإِطلاقها، وهذا مِن كمال فقهه رضي الله عنه، ورسوخِه في العلم، ومما يُبين أن أصول الفقه سجيةٌ للقوم، وطبيعةٌ لا يتكلفونها، كما أن العربيةَ والمعاني والبيان وتوابعَها لهم كذلك، فَمَنْ بعدهم فإنما يُجهد نفسه ليتعلق بغُبارهم وأنى له؟! الثالث: أنه لو لم تأت السنةُ الصريحةُ باعتبار الحمل، ولم تكن آيةُ الطلاق متأخرة، لكان تقديمُها هو الواجب لما قررناه أولاً من جهات العموم الثلاثة فيها، وإطلاق قوله ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، وقد كانت الحوالةُ على هذا الفهم ممكنة، ولكن لِغموضه ودِقته على كثيرٍ من الناس، أُحيل في ذلك الحكم على بيان السنة، وبالله التوفيق. فصل لا تنقضي العدة حتى تضع جميع الحمل ودل قولُه سبحانه: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] على أنها إذا كانت حاملاً بتوأمين لم تنقضِ العِدةُ حتى تضعهما جميعاً، ودلَّت على أن من عليها الاستبراء، فعِدتها وضعُ الحمل أيضاً، ودلت على أن العِدة تنقضي بوضعه على أيِّ صفة كان حياً أو ميتاً، تامّ الخِلقة أو ناقِصَها، نُفِخَ فيه الروحُ أو لم يُنفخ. يكتفى في عدة المتوفى ودل قوله: ﴿يَتْرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] على الاكتفاء عنها زوجها بالتربص أربعة أشهر وعشراً بذلك وإن لم تَحضْ وهذا قول الجمهور، وقال مالك: إذا كان عادتُها أن تحيض في كل سنة مرة، فتوفي عنها زوجُها، لم تنقض عدتها حتى تحيضَ حيضتها، فتبرأ مِن عِدتها. فإن لم تَحِض، انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم وفاته، وعنه رواية ثانية: كقول الجمهور، أنه تعتدُّ أربعة أشهر وعشراً، ولا تنتظِرُ حيضها. فصل ومن ذلك اختلافُهم في الأقراء، هل هي الحيض أو الأطهار؟ فقال أكابر من قال: إن الأقراء هي الحيض ٥٣٢ الصحابة: إنها الحيض، هذا قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعُبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم، وهو قولُ أصحاب عبد الله بن مسعود، كلهم كعلقمة، والأسود، وإبراهيم، وشُريح، وقول الشعبي، والحسن، وقتادة، وقولُ أصحاب ابن عباس، سعيد بن جبير، وطاووس، وهو قولُ سعيد بن المسيِّب، وهو قولُ أئمة الحديث: كإسحاق بن إبراهيم، وأبي عُبيد القاسم، والإِمام أحمد رحمه الله، فإنه رجع إلى القول به، واستقرَّ مذهبُه عليه، فليس له مذهب سواه، وكان يقول: إنها الأطهار، فقال في رواية الأثرم: رأيتُ الأحاديث عمن قال: القروء الحيض، تختلِفُ. والأحاديث عمن قال: إنه أحقُّ بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة أحاديثُ صحاح قوية، وهذا النصُّ وحدَه هو الذي ظفر به أبو عمر بن عبد البر، فقال: رجع أحمد إلى أنَّ الأقراء: الأطهار، وليس كما قال: بل كان يقولُ هذا أولاً، ثم توقَّف فيه، فقال في رواية الأثرم أيضاً: قد كنتُ أقول الأطهار، ثم وقفت كقولِ الأكابر، ثم جزم أنها الحيضُ، وصرح بالرجوع عن الأطهار، فقال في رواية ابن هانىء. كنت أقول: إنها الأطهارُ، وأنا اليوم أذهبُ إلى أن الأقراء الحيض، قال القاضي أبو يعلى: وهذا هو الصحيح عن أحمد رحمه الله، وإليه ذهب أصحابنا، ورجع عن قوله بالأطهار، ثم ذكر نصَّ رجوعه مِن رواية ابن هانىء كما تقدم، وهو قولُ أئمة أهل الرأي؛ كأبي حنيفة وأصحابه. وقالت طائفة: الأقراء: الأطهار، وهذا قولُ عائشة أم المؤمنين، وزيد بن من قال بأن الأقراء هي ثابت، وعبد الله بن عمر . الأطهار ويُروى عن الفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان والزهري، وعامة فقهاء المدينة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وعلى هذا القول، فمتى طلقها في أثناءِ طهر، فهل تحتسب ببقيته قرءاً؟ على ثلاثة أقوال. ٥٣٣ أحدها: تحتسب به، وهو المشهورُ. والثاني: لا تحتسِبُ به، وهو قولُ الزهري. كما لا تحتسِبُ ببقية الحيضة عند مَنْ يقول: القرء: الحيض اتفاقاً. والثالث: إن كان قد جامعها في ذلك الطهر، لم تحتسِب ببقيته، وإلا احتسبت، وهذا قولُ أبي عبيد. فإذا طعنت في الحيضة الثالثة أو الرابعة على قول الزهري، انقضت عدتها. وعلى قول الأول، لا تنقضي العدة حتى تنقضي الحيضةٌ الثالثة . هل يقف انقضاء العدة على اغتسال المعتدة من حيضتها الثالثة وهَلْ يقِفُ انقضاء عدتها على اغتسالها منها؟ على ثلاثة أقوال. أحدها: لا تنقضي عدتها حتى تغتسل، وهذا هو المشهُورُ عن أكابرِ الصحابة، قال الإِمام أحمد: وعمر، وعلي، وابن مسعود يقولون: له رجعتُها قبل أن تغتسِلَ مِن الحيضة الثالثة، انتهى. ورُوي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبي موسى، وعبادة، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم، كما في مصنف وكيع، عن عيسى الخياط، عن الشعبي، عن ثلاثة عشر من أصحاب النبي ◌َّ الخيَّر فالخيّر، منهم: أبو بكر، وعمر، وابن عباس: أنه أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ مِن الحيضة الثالثة . وفي ((مصنفه)) أيضاً، عن محمد بن راشد، عن مكحول، عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء مثلُه. وفي ((مصنف عبد الرزاق)): عن معمر، عن زيد بن رفيع، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: أرسل عثمان إلى أبيٍّ بن كعب في ذلك، فقال أبي بن كعب: أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من حَيضتها الثالثة، وتحل لها الصلاةُ، قال: فما أعلم عثمان إلا أخذ بذلك(١). (١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٨٧) وزيد بن رفيع ضعفه الدار قطني، وقال النسائي: ليس بالقوي . ٥٣٤ وفي ((مصنفه)) أيضاً: عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، أن عُبادة بن الصامت قال: لا تبينُ حتى تغتسِلَ من الحَيْضَة الثالثة، وتَحِلُّ لها الصلاة(١) . فهؤلاء بضعة عشر من الصحابة، وهو قولُ سعيد بن المسيب، وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه. قال شريك: له الرجعة وإن فرَّطت في الغسل عشرينَ سنة، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله . والثاني: أنها تنقضي بمجرد طهرها من الحيضة الثالثة، ولا تَقِفُ على الغسل، وهذا قولُ سعيد بن جبير والأوزاعي، والشافعي في قوله القديم حيث كان يقول: الأقراء: الحيض، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب. والثالث: أنها في عدتها بعد انقطاع الدم، ولِزوجها رجعتها حتى يمضي عليها وقتُ الصلاة التي ظهرت في وقتها، وهذا قولُ الثوري، والرواية الثالثة عن أحمد: حكاها أبو بكر عنه، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله، لكن إذا انقطع الدم لأقلِّ الحيض، وإن انقطع الدم لأكثره، انقضتِ العدة عنها بمجرد انقطاعه. وأما من قال: إنها الأطهار، اختلفوا فى موضعين، أحدهما: هل يشترط كون الطهر مسبوقاً بدم قبله، أو لا يُشترط ذلك؟ على قولين لهم، وهما وجهان في مذهب الشافعي وأحمد. أحدهما: يُحتسب، لأنه طهر بعده حيض، فكان قرءاً، كما لو كان قبله حيض. والثاني: لا يُحتسب، وهو ظاهر نص الشافعي في الجديد، لأنها لا تُسمى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدم. هل يشترط كون الطهر مسبوقاً بدم قبله على من قال بالأطهار هل تنقضي العدة بالطعن في الحيضة الثالثة على من قال بالأطهار الموضع الثاني: هل تنقضي العدة بالطعن في الحيضة الثالثة أو لا تنقضي (١) أخرجه عبد الرزاق (١١٠٠٠) وعمر بن راشد بن شجرة ضعيف. ٥٣٥ حتى تحيضَ يوماً وليلةً؟ على وجهين لأصحاب أحمد، وهما قولان منصوصان للشافعي، ولأصحابه وجه ثالث: إن حاضت للعادة، انقضت العِدةُ بالطعن في الحيضة. وإن حاضت لِغير العادة، بأن كانت عادتها ترى الدم في عاشر الشهر، فرأته في أوله، لم تنقضٍ حتى يمضيَ عليها يوم وليلة. ثم اختلفوا: هل يكون هذا الدم محسوباً من العدة؟ على وجهين، تظهرُ فائدتهما في رجعتها في وقته، فهذا تقرير مذاهب الناس في الأقراء. قال من نص: إنها الحيض: الدليل عليه وجوه. حجة من فسر الأقراء بالحيض الدليل الأول لمن حمل القرء على الحيض أحدها: أن قولَه تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إما أن يراد به الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعُهما. والثالث: محال إجماعاً، حتى عند من يَحمِلُ اللفظ المشترك على معنييه. وإذا تعيَّن حمله على أحدهما، فالحیض أولى به لوجوه. أحدها: أنها لو كانت الأطهار فالمعتدة بها يكفيها قَرآنٍ، ولحظةٌ من الثالث، وإطلاق الثلاثة على هذا مجاز بعيد لنصية الثلاثة في العدد المخصوص. الوجه الأول الدال على أولوية حمل القرء في الآية على الحيض فإن قلتم: بعض الطهر المطلق فيه عندنا قرء كامل، قيل: جوابه مِن ثلاثة أوجه. أحدها: أن هذا مختلف فيه كما تقدم، فلم تُجمع الأمة على أن بعض القَرء قرء قطُّ، فدعوی هذا یفتقِرُ إلی دلیل. الثاني: أن هذا دعوى مذهبية، أوجب حملَ الآية عليها إلزامُ كون الأقراء الأطهار، والدعاوي المذهبية لا يُفسَّرُ بها القرآن، وتُحمل عليها اللغة، ولا يُعقل في اللغة قطُّ أن اللحظة من الطُّهر تُسمى قرءاً كاملاً، ولا اجتمعت الأمة على ذلك، فدعواه لا تثبت نقلاً ولا إجماعاً، وإنما هو مجرد الحمل، ولا ريب أن الحمل شيء، والوضع شيء آخر، وإنما يُفيد ثبوتُ الوضع لغة أو شرعاً أو عرفاً. ٥٣٦ الثالث: أن القرء إما أن يكون اسماً لمجموع الطهر، كما يكون اسماً لمجموع الحيضة أو لبعضه، أو مشتركاً بين الأمرين اشتراكاً لفظيّاً، أو اشتراكاً معنويّاً، والأقسام الثلاثة باطلةٌ فتعيَّن الأول، أما بطلانُ وضعه لبعض الطهر، فلأنه يلزمُ أن يكون الطهرُ الواحِدُ عدَّةَ أقراء، ويكون استعمالُ لفظ ((القرء)» فيه مجازاً. وأما بطلانُ الاشتراك المعنوي، فمن وجهين، أحدهما: أنه يلزم أن يصْدُق على الطهر الواحد أنه عِدة أقراء حقيقة. والثاني: أن نظيرَهَ ــ وهو الحيض - لا يُسمى جزؤه قرءاً اتفاقاً، ووضع القرء لهما لغة لا يختلفُ، وهذا لاخفاء به . فإن قيل: نختار من هذه الأقسام أن يكون مشتركاً بين كُلِّه وجُزئه اشتراكاً لفظيّاً، ويُحمل المشترك على معنييه، فإنه أحفظُ، وبه تحصل البراءة بيقين. قيل: الجوابُ من وجهين. أحدهما: أنه لا يَصِحُ اشتراكه كما تقدم. الثاني: أنه لو صح اشتراكه، لم يجز حملُه على مجموع معنييه. أما على قول من لا يُجوِّزُ حمل المشترك على معنییه، فظاهر، وأما من يُجوِّز حمله عليهما، فإنما يُجوزونه إذا دل الدليل على إرادتهما معاً. فإذا لم يدل الدليل وقفوه حتى يقوم الدليل على إرادة أحدهما، أو إرادتهما، وحكى المتأخرون عن الشافعي، والقاضي أبي بكر، أنه إذا تجرَّد عن القرائن، وجب حمله على معنييه، كالاسم العام لأنه أحوط، إذ ليس أحدهما أولى به من الآخر، ولا سبيل إلى معنى ثالث، وتعطيلُهُ غير ممكن، ويمتنعُ تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة. فإذا جاء وقتُ العمل، ولم يتبيَّنْ أن أحدَهما هو المقصود بعينه، عُلِمَ أن الحقيقة غيرُ مرادة، إذ لو أريدت لبيّنت، فتعيَّن المجازُ، وهو مجموع المعنيين، ومن يقول: إن الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لما لم يتبين أن المرادَ أحدهما علم أنه أراد كليهما. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: في هذه الحكاية عن الشافعي والقاضي نظر، أما القاضي، فمن أصله الوقف في صيغ العموم، وأنه لا يجوز حملُها على الاستغراق إلا بدليل، فمن يَقِفُ في ألفاظ العموم كيف يَجْزِمُ في الألفاظ المشتركة بالاستغراقِ من غير دليل؟ وإنما الذي ذكره في كتبه إحالة ٥٣٧ : حمل المشترك على معنييه والتشكيك في نسبته للشافعي والباقلاني الاشتراك رأساً، وما يُدعى فيه الاشتراك، فهو عنده من قبيل المتواطىء، وأما الشافعي، فمنصبُه في العلم أجلُّ من أن يقول مثل هذا، وإنما استنبط هذا من قوله: إِذا أوصى لمواليه تناول المولى مِن فوق ومِنْ أسفل، وهذا قد يكونُ قاله لاعتقاده أن المولى من الأسماء المتواطِئة، وأن موضعه القدر المشترك بينهما، فإنه من الأسماء المتضايفة، كقوله ((منْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِي مَوْلاَهُ)) (١) ولا يلزمُ مِن هذا أن يُحكى عنه قاعدة عامة في الأسماء التي ليس من معانيها قدرٌ مشترك أن فساد حمل المشترك على تُحمَلَ عند الإطلاق على جميع معانيها، ثم الذي يَدلُّ على فساد هذا القول معنييه وجوه . أحدها: أن استعمال اللفظ في معنييه إنما هو مجاز، إذ وَضْعهُ لِكل واحد منهما على سبيل الانفراد هو الحقيقة، واللفظُ المطلق لا يجوزُ حمله على المجاز، بل يجب حمله على حقيقته. الثاني: أنه لو قُدِّرَ أنه موضوع لهما منفردين، ولكل واحد منهما مجتمعين، فإنه يكون له حينئذ ثلاثةُ مفاهيم، فالحمل على أحد مفاهيمه دونَ غيره بغير موجب ممتنع. الثالث: أنه حينئذ يستحيلُ حملُه على جميع معانيه، إذ حملُه على هذا وحدَه، وعليهما معاً مستلزم للجمع بين النقيضين، فيستحيلُ حملُه على جميع معانيه، وحملُه عليهما معاً حملٌ له على بعض مفهوماته، فحملُه على جميعها يُبطِلُ حمله على جميعها. (١) حديث صحيح أخرجه أحمد ٨٤/١ و١١٨ و١١٩ و١٥٢ من مسند علي، وأخرجه أيضاً ٣٣١/١ من حديث ابن عباس، وأخرجه ابن ماجه (١١٦) وأحمد ٢٨١/٤ من حديث البراء، وأخرجه ابن ماجه (١٢١) من حديث سعد بن أبي وقاص، وأخرجه الترمذي (٣٧١٤) وأحمد ٣٦٨/٤ و٣٧٢ من حديث زيد بن أرقم، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٤٧ من حديث بريدة، وأخرجه أيضاً ٤١٩/٤ من حديث أبي أيوب الأنصاري. ٥٣٨ الرابع: أن هاهنا أموراً. أحدها: هذه الحقيقة وحدها، والثاني: الحقيقة الأخرى وحدها، والثالث: مجموعهما، والرابع: مجاز لهذه وحدها، والخامس: مجاز الأخرى وحدها، والسادس: مجازهما معاً، والسابع: الحقيقة وحدَها مع مجازِها، والثامن: الحقيقة مع مجاز الأخرى. والتاسع: الحقيقةُ الواحدة مع مجازهما، والعاشر: الحقيقة الأخرى مع مجازها، والحادي عشر: مع مجاز الأخرى، والثاني عشر: مع مجازهما، فهذه اثنا عشر محملاً بعضها على سبيل الحقيقة، وبعضها على سبيل المجاز، فتعيين معنى واحدٍ مجازي دونَ سائر المجازات، والحقائق ترجيحٌ مِن غير مرجح، وهو ممتنع. الخامس: أنه لو وجب حملُه على المعنيين جميعاً لصار من صيغ العموم، لأن حكم الاسم العام وجوبُ حمله على جميع مفرداته عند التجرد من التخصيص، ولو كان كذلك، لجاز استثناء أحدِ المعنيين منه، ولسبق إلى الذهن منه عند الإِطلاق العموم، وكان المستعمِلُ له في أحد معنييه بمنزلة المستعملِ للاسم العام في بعض معانيه، فيكون متجوزاً في خطابه غير متكلم بالحقيقة، وأن يكون من استعمله في معنييه غيرَ محتاج إلى دليل، وإنما يحتاج إليه من نفى المعنى الآخر، ولوجب أن يفهم منه الشمول قبل البحث عن التخصيص عند من يقول بذلك في صيغ العموم، ولا ينفي الإِجمال عنه، إذ يصيرُ بمنزلة سائر الألفاظ العامة، وهذا باطل قطعاً، وأحكام الأسماء المشتركة لا تُفارق أحكام الأسماء العامة، وهذا مما يعلم بالاضطرارِ من اللغة، ولكانت الأمة قد أجمعت في هذه الآية على حملها على خلاف ظاهرها ومطلقها إذ لم يصر أحدٌ منهم إلى حمل ((القرء)» على الطهر والحيض معاً، وبهذا يتبين بطلان قولهم: حمله عليهما أحوطُ، فإنه لو قُدِّرَ حملُ الآية على ثلاثةِ من الحيض والأطهار، لكان فيه خروجٌ عن الاحتياط . وإن قيل: نحمله على ثلاثة من كل منهما، فهو خلاف نص القرآن إذ تصير الأقراء ستة . ٥٣٩ قولهم: إما أن يُحمل على أحدهما بعينه، أو عليهما إلى آخره قلنا: مثلُ هذا لا يجوز أن يَعرى عن دلالة تُبين المراد منه كما في الأسماء المجملة، وإن خفيت الدلالة على بعض المجتهدين، فلا يلزمُ أن تكون خفية عن مجموع الأمة، وهذا هو الجواب عن الوجه الثالث، فالكلام، إذا لم يكن مطلقُه يدل على المعنى المراد، فلا بد من بيان المراد. وإذا تعين أن المراد بالقرء في الآية أحدُهما لا كلاهما، فإرادة الحيض أولى لوجوه. منها: ما تقدم. الثاني: أن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطهر، فإنهم يذكرونه تفسيراً للفظه، ثم يُردفونه بقولهم: وقيل، أو قال فلان، أو يقال: على الطهر، أو وهو أيضاً الطهر، فيجعلون تفسيره بالحيض كالمستقر المعلوم المستفيض، وتفسيره بالطهرِ قول قيل. وهاك حكايةُ ألفاظهم. الوجه الثاني الدال على أولوية حمل القرء في الآية على الحيض قال الجوهري: القَرء بالفتح: الحيض، والجمع أقراء وقُروء. وفي الحديث: ((لاَ صَلاَةَ أَيَّامَ أفْرِائِك)). والقَرء أيضاً: الطهر، وهو من الأضداد. وقال أبو عُبيد: الأقراء: الحيض، ثم قال: الأقراء الأطهار، وقال الكسائي والفَراء: أقرأتِ المرأة: إذا حاضت. وقال ابن فارس: القُروء: أوقات، يكون للطهر مرة، وللحيض مرة، والواحد قَرء ويقال: القرء: وهو الطهر، ثم قال: وقوم يذهبون إلى أن القرء الحيض، فحكى قولَ مَنْ جعله مشتركاً بين أوقات الطهر والحيض، وقولَ من جعله لأوقات الطهر، وقولَ من جعله لأوقات الحيض، وكأنه لم يختر واحداً منهما، بل جعله لأوقاتهما. قال: وأقرأت المرأة إذا خرجت من حيض إلى طهر، ومن طهر إلى حيض، وهذا يدل على أنه لا بُدَّ من مسمى الحيض في حقيقته يُوضحه أن من قال: أوقاتُ الطهر تُسمى قروءاً، فإنما يريد أوقات الطهر التي ٥٤٠