النص المفهرس

صفحات 461-480

والثالثة: ذكر ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن، أن
رجلاً شكى إلى عمر بن عبد العزيز بأنه أنكح ابنته رجلاً لا يُنفق عليها، فأرسل إلى
الزوج، فأتى، فقال: أنكحني وهو يَعْلَمُ أنه ليس لي شيء، فقال عمر: أنكحته
وأنت تَعرِفُه؟ قال: نعم. قال: فما الذي أصنع؟ اذهب بأهلك.
والقول بعدم التفريق مذهبُ أهل الظاهر كُلِّهم، وقد تناظر فيها مالك
وغيرُهُ، فقال مالك: أدركتُ الناسَ يقولون: إذا لم يُنفق الرجل على امرأته فُرِّقَ
بينهما. فقيل له: قد كانت الصحابة رضي الله عنهم يُعسِرُون ويحتاجون، فقال
مالك: لیس الناسُ اليوم كذلك، إنما تزوجته رجاءً.
مذهب من لم ير الفسخ
بالإعسار
ومعنى كلامه: أن نساء الصحابة رضي الله عنهم كُنَّ يُرِدْنَ الدارَ الآخرة، وما
عند الله، ولم يكن مرادُهُنَّ الدنيا، فلم يكنَّ يُبالين بعُسر أزواجهن، لأن أزواجهن
كانوا كذلك. وأما النساء اليوم، فإنما يتزوجن رجاء دنيا الأزواج ونفقتهم
وكسوتهم، فالمرأة إنما تدخل اليوم على رجاء الدنيا، فصار هذا المعروفُ
كالمشروط في العقد، وكان عرفُ الصحابة ونسائهم كالمشروط في العقد،
والشرط العرفيّ في أصل مذهبه، كاللفظي، وإنما أنكر على مالك كلامَه هذا من
لم يفهمه ويفهم غورَه.
وفي المسألة مذهب آخر، وهو أن الزوج إذا أعسر بالنفقة، حُبسَ حتى يجدَ مذهب من قال بالحبس
ما يُنفقه، وهذا مذهب حكاه الناس عن ابن حزم، وصاحب ((المغني)) وغيرهما
في الإعسار
عن عُبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة. ويالله العجب! لأي شيء يُسجن
ويُجمع عليه بين عذاب السجن وعذاب الفقر، وعذاب البعد عن أهلِه؟ سبحانك
هذا بهتان عظيم، وما أظن من شمَّ رائحة العلم يقول هذا.
وفي المسألة مذهب آخر، وهو أن المرأةَ تُكَلَّفُ الإِنفاق عليه إذا كان عاجزاً
عن نفقة نفسه، وهذا مذهبُ أبي محمد ابن حزم، وهو خيرٌ بلا شك من مذهب
العنبري. قال في ((المحلى)): فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه، وامرأتُه غنيةٌ،
مذهب ابن حزم من تكليف
المرأة الإنفاق على الزوج
إذ كان عاجزاً عن نفقة
نفسه
٤٦١

كُلِّفت النفقة عليه، ولا ترجع بشيء من ذلك، إن أيسر، برهانُ ذلك قولُ اللّه
عز وجل: ﴿وَعَلَى المُؤْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمعْرُوف لا تُكلَّفُ نَفْسٌ إلاَّ
وُسْعَها لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بولَدهَا ولاَ مَولُودٌ لَهُ بِوَلِدِهِ وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذُلِكَ﴾ [البقرة:
٢٣٣] فالزوجةُ وارثة، فعليها النفقةُ بنص القرآن.
ويا عجباً لأبي محمد! لو تأمل سياقَ الآية، لتبين له منها خلافُ ما فهمه،
فإن الله سبحانه قال: ﴿وَعَلَى المَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ وهذا
ضميرُ الزوجات بلا شك، ثم قال: ﴿وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذُلِكَ﴾ ، فجعل سبحانه
على وارث المولود له، أو وارث الولد من رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف
مثل ما على الموروث، فأين في الآية نفقة على غير الزوجات؟ حتى يحمل
عمومها علی ما ذهب إليه.
حجج من لم ير الفسخ
بالإعسار
واحتج من لَم ير الفسخ بالإِعِسار بقوله تعالى: ﴿لِيُتْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:
٧] قالوا: وإذا لم يُكلفه الله النفقة في هذه الحال، فقد ترك ما لا يجب عليه، ولم
یآثم بتركه، فلا يكون سبباً للتفريق بينه وبين حبِّه وسكنه وتعذيبه بذلك. قالوا:
وقد روى مسلم في ((صحيحه)): من حديث أبي الزبير، عن جابر، دخل أبو بكر
وعمر رضي الله عنهما على رسول الله ◌َّ﴾، فوجداه جالساً حوله نساؤه واجماً
ساكتاً، فقالَ أبو بكر: يا رسول الله! لو رأيتَ بنت خارجة سألتني النفقة فقمتُ
إليها، فوجأتُ عنقها، فضَحِكَ رسولُ اللّهِ وَّه وقال: هُنَّ حَوْلِي كما ترى يسألنني
النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأُ عُنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها،
كلاهما يقولُ: تسألنَ رسولَ اللهِ نَّ﴿ ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأَلُ رسول
اللهِوَ﴾ شيئاً أبداً ما ليس عنده، ثم اعتزلُهُنّ رسولُ الله ◌َّه شهراً وذكر الحديث(١).
(١) أخرجه مسلم (١٤٧٨) في الطلاق: باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقاً إلا
بالنية .
٤٩٢

قالوا: فهذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يضربان ابنتيهما بحضرة
رسولِ اللهِ وَّ إذا سألاه نفقةً لا يجِدُها. ومن المحال أن يضرِبا طالبتين للحق،
ويُقرَّهما رسولُ الله ◌ََّ على ذلك، فدلَّ على أنه لا حقَّ لهما فيما طلبتاه من النفقة
في حال الإِعِسار، وإذا كان طلبُهما لها باطلاً، فكيف تمكنُ المرأةُ من فسخ
النكاح بعدم ما ليس لها طلبُه، ولا يحلُّ لها، وقد أمر الله سبحانه صاحب الدَّين أن
يُنْظِرَ المُعْسِرَ إلى الميسرة، وغايةُ النفقة أن تكون ديناً، والمرأةُ مأمورة بإنظار
الزوج إلى الميْسَرَةِ بنص القرآن هذا إن قيل: تثبت في ذمة الزوج، وإن قيل:
تسقط بمضي الزمان، فالفسخ أبعد وأبعد.
قالوا: فالله تعالى أوجب على صاحب الحقِّ الصبرُ على المعسر، وندبه إلى
الصَّدَقَةِ بترك حقه، وما عدا هذين الأمرين، فجورٌ لم يُبحه له، ونحن نقولُ لهُذِهِ
المرأة كما قال الله تعالى لها سواءً بسواءٍ؛ إما أن تُنظريه إلى الميسرة، وإما أن
تَصَدَّقي، ولا حقَّلَكِ فيما عدا هذين الأمرين.
قالوا ولم يزل في الصحابة المُعْسِرُ والموسِرُ، وكان مُعسِرُوهم أضعافَ
أضعافٍ موسريهم، فما مكَّن النبيُّ ◌َّه قطُّ امرأةً واحدة من الفسخ بإعسار زوجها،
ولا أعلمها أن الفسخَ حق لها فإن شاءت، صبرت، وإن شاءت، فَسَخَتْ، وهو
يشرعُ الأحكام عن الله تعالى بأمره، فهبْ أن الأزواج تركن حقهن، أفما كان فيهن
امرأةٌ واحدةٌ تُطالِبُ بحقها، وهؤلاء نساؤه ◌ََّ خيرُ نساء العالمين يُطالبنه بالنفقة
حتى أغضبنه، وحلفَ ألا يدخُلَ عليهن شهراً مِن شدة مَوْجِدَتِهِ عليهن، فلو كان
مِن المستقر في شرْعِهِ أن المرأة تملِكُ الفسخَ بإعسار زوجها لرفع إليه ذلك، ولو
مِن امرأة واحدة، وقد رُفع إليه ما ضرورتُه دون ضرورة فقد النفقة من فقد النكاح،
وقالت له امرأة رِفاعة: إني نكحتُ بعد رِفاعة عبد الرحمن بن الزبير، وان ما معه
مِثْلُ هُذْبَةِ الثوب. تُريد أن يُفَرّقَ بينه وبينها. ومن المعلوم أن هذا كان فيهم في
٤٦٣

غاية النُّدرة بالنسبة إلى الإعسار، فما طلبت منه امرأة واحدة أن يفرِّقَ بينه وبينها
بالإعسار.
قالوا: وقد جعل الله الفقر والغنى مطيّتينٍ للعباد، فيفتقِرُ الرجل الوقت
ويستغني الوقتَ، فلو كان كُلُّ من افتقر، فسخت عليه امرأته، لعم البلاءُ، وتفاقم
الشرُّ، وفسخت أنكحة أكثرِ العالم، وكان الفراق بيدٍ أكثر النساء، فمن الذي لم
تُصِبْهُ عُسْرةٌ، ويعوز النفقة أحياناً .
قالوا: ولو تعذّر من المرأةِ الاستمتاع بمرض متطاول، وأعسرت بالجماع،
لم يمكن الزوجُ مِن فسخ النكاح، بل يُوجبون عليه النفقة كاملة مع إعسار زوجته
بالوطء، فكيف يُمكنونها مِن الفسح بإعساره عن النفقة التي غايتُها أن تكون عوضاً
عن الاستمتاع؟
قالوا: وأما حديثُ أبي هريرة، فقد صرَّحَ فيه بأن قوله: امرأتك تقول: أنفق
عليَّ وإلا طلقني، من كِيسه، لا مِن كلام النبي ◌َّ، وهذا في ((الصحيح)) عنه.
ورواه عنه سعيد بن أبي سعيد، وقال: ثم يقول أبو هريرة. إذا حدث بهذا
الحديث: امرأتُك تقول، فذكر الزيادة.
وأما حديثُ حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة، عن النبي ◌َّل بمثله، فأشار إلى حديث يحيى بن سعيد عن سعيد بن
المسيب في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته. قال: يُفرق بينهما، فحديثٌ منكر
لا يحتمِلُ أن يكونَ عن النبي ◌ِّ أصلاً، وأحسنُ أحواله أن يكون عن أبي هريرة
رضي الله عنه موقوفاً، والظاهر: أنه رُوي بالمعنى، وأراد قول أبي هريرة رضي الله
عنه: امرأتك تقول: أطعمني أو طلقني، وأما أن يكونَ عند أبي هريرة عن
النبي ◌َّ، أنه سئل عن الرجل لا يجد ما يُنفِقُ على امرأتِه، فقال: يُفرق بينهما،
فواللهِ ما قال هذا رسولُ الله ◌ِلَةِ، ولا سمعه أبو هريرة، ولا حدَّث به، كيف وأبو
هريرة لا يستجيزُ أن يَروي عن النبيِّ ◌َ: ((امرأتُك تقول: أطعمني وإلا طلقني))،
٤٦٤

ويقول: هذا من كيس أبي هريرة لئلا يتوهم نسبته إلى النبيِّ الَّ . .
والذي تقتضيه أصولُ الشريعة وقواعدها في هذه المسألة أن الرجل إذا غرَّ
المرأة بأنه ذو مال، فتزوجته على ذلك، فظهر مُعْدِماً لا شيء له، أو كان ذا مالٍ،
وترك الإنفاق على امرأته، ولم تَقْدِرْ على أخذ كفايتها من ماله بنفسها، ولا
بالحاكم أن لها الفَسخ، وإن تزوجته عالمةً بعُسرته، أو كان موسِراً، ثم أصابته
جائحةٌ اجتاحت مالَه، فلا فسخَ لها في ذلك، ولم تزل الناس تصيبهم الفاقة بعد
اليسار، ولم ترفعهم أزواجُهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم وبينهن، وبالله التوفيق.
وقد قال جمهور الفقهاء: لا يثبت لها الفسخُ بالإِعسار بالصداق، وهذا قولُ هل يثبت الغسخ بالإعسار
أبي حنيفة وأصحابه، وهو الصحيحُ من مذهب أحمد رحمه الله، اختاره عامة
بالصداق
أصحابه، وهو قولُ كثير من أصحاب الشافعي. وفصَّل الشيخ أبو إسحاق وأبو
علي بن أبي هريرة، فقالا: إن كان قبلَ الدخول، ثبت به الفسخُ، وبعده لا يثبُت،
وهو أحدُ الوجوه من مذهب أحمد هذا مع أنه عِوض محضٌ، وهو أحقّ أن يوفى
من ثمن المبيع، كما دل عليه النص، كلُّ ما تقرر في عدم الفسخ به، فمثله في
النفقة وأولى.
فإن قيل: في الإِعِسار بالنفقةِ مِن الضرر اللاحق بالزوجة ما ليس في
الإعسار بالصَّداق، فإن البِنية تقوم بدونه بخلاف النفقة. قيل: والبنية قد تقوم
بدون نفقته بأن تُنفِقَ من مالها، أو يُنفِق عليها ذو قرابتها، أو تأكل من غزلها،
وبالجملة، فتعيشُ بما تعيشُ به زمن العدة، وتُقُدر زمن عُسرة الزوج كله عدَّة.
ثم الذين يُجوزون لها الفسخ يقولُون: لها أن تفسخ ولو كان معها القناطيرُ
المقنطرة مِن الذهب والفضة إذا عجز الزوجُ عن نفقتها، وبإزاء هذا القول قولُ
مِنجنيق الغرب أبي محمد ابن حزم: إنه يجب عليها أن تُنفِقَ عليه في هذه الحال،
فتُعطيه مالها، وتُمكِّنُه من نفسها، ومن العجب قولُ العنبري بأنه يُحبس.
وإذا تأملت أصولَ الشريعة وقواعدَها، وما اشتملت عليه من المصالح ودرء
٤٦٥

المفاسد، ودفع أعلى المفسدتين باحتمالِ أدناهما، وتفويتِ أدنى المصلحتين
لتحصيل أعلاهما، تبيَّن لكَ القولُ الراجحُ مِن هذه الأقوال، وبالله التوفيق.
فصل
في حكم رسول الله ﴿ الموافق لكتابٍ
الله أنه لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى
روى مسلم في ((صحيحه))، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص
طلَّقها ألبتةَ وهو غائب، فأرسل إليها وكيلُهُ بشعير، فسخِطَتْهُ فقال: واللّهِ مالَكِ
علينا مِن شيء، فجاءت رسولَ الله وَّةِ، فذكرت ذلك له وما قَالَ، فقال: ((لَيْسَ
لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، فأمرها أن تعتد في بيت أمِّ شريك، ثم قال: ((تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا
أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابنِ أُمِّ مَكْتُوم، فإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذا حَلَلْتِ
فَآَذِنِيني)). قالت: فلما حللتُ، ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم
خطباني، فقال رسول الله بٍِّ: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عاِقِهِ، وأمَّا
مُعاويةُ فصُعْلُوٌ لا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بَنَ زَيْدٍ)) فكرهته، ثم قال: ((انْكِحي
أسامة بنَ زَيْدٍ)) فنكحته، فجعلَ اللّهُ فيه خيراً واغتبطتُ(١).
وفي («صحيحه)) أيضاً: عنها أنها طَلقها زوجها في عهدٍ رسول الله
وكان أنفقَ عليها نفقةً دوناً فلما رأت ذلك، قالت: والله لأُعْلِمَنَّ رَسُولَ الله.
وستـ
فإن كانت لي نفقةٌ أخذتُ الذي يُصلِحُني، وإن لم تكُن لي نفقةٌ، لم آخذْ منه شيئاً،
قالت: فذكرتُ ذلك لرسول الله ◌َّةِ، فقالَ: ((لاَ نَفَقَةَ لكِ وَلاَ سُكْنى (٢)).
وفي ((صحيحه)) أيضاً عنها، أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلَّقها
ثلاثاً، ثم انطلق إلى اليمن، فقال لها أهلُه: ليس لَكِ عَلَيْنَا نفقة، فانطلق خالدُ بن
الوليد في نفرٍ، فأتوا رسولَ الله ◌ِّ في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حَفْصٍ طلّق
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) في الطلاق: باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٣٧).
٤٦٦

امرأته ثلاثاً، فهل لها مِن نفقة؟ فقال رسولُ الله ◌َّهُ: ((لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وعَلَيْهَا
العِدَّةُ)، وأرسل إليها: ((أَنْ لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ))، وأمرها أن تنتقِلَ إلى أُمَّ شريك،
ثم أرسل إليها: ((أَنَّ أُمَّ شرِيكٍ يأتيها المهاجِرُونَ الأَوَّلونَ، فَانْطِلقي إلى ابْنِ أُمِّ
مَكْتُومِ الأَعْمَى فَإِنَّكِ إِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكِ لَمْ يَرَكِ))، فانطلَقَتْ إليه، فلما انقضتـ
عدَّتُها أنكحَهَا رسولُ اللهِ وَّل أسامة بن زيد بن حارثة(١).
وفي ((صحيحه)) أيضاً، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن أبا عمرو بن
حفص بن المُغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته
فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام،
وعياشُ بن أبي ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله ما لَكِ نفقةٌ إلا أنها تكوني حاملاً،
فأتت النبيَّ ◌ََّ، فذكرت له قولهما، فقال: ((لا نَفَقَةَ لَكِ))، فاستأذنته في الانتقال،
فأذنَ لها، فقالت: أين يا رسولَ اللّهِ؟ قال: ((إلى ابنِ أمِّ مَكتُومٍ))، وكان أعمى
تَضَعُ ثيابَها عندهُ ولا يَراهَا، فلما مضت عِدَّتُها، أنكحها النبيُّ ◌َّ أسامة بن زيد،
ےے
فأرسلَ إليهَا مروانُ قَبِيصَةَ بنَ ذُؤيب يسألُهَا عن الحديث، فحدثته به، فقال مروان
لم نسمع هذا الحديثَ إلا مِن امرأة، سنأخُذ بالعِصمة التي وجدنا النَاسَ عليها،
فقالت فاطمة حين بلغها قولُ مروان: بيني وبينكم القرآنُ، قال الله عز وجلَّ: ﴿لا
تُخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَلاَ يَخْرُجْنَ إلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿لا
تَدْرِي لَعَلَّ اللّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذُلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١]، قالت: هذا لمن كان له
مراجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟! فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن
حاملاً، فعلام تحبسونها؟!(٢).
وروى أبو داود في هذا الحديث بإسناد مسلم عقيب قولِ عياش بن أبي
ربيعة والحارث بن هشام: لا نفقة لك إلا أن تكوني حَاملاً، فاتتِ النبيَّ ◌َيّ ،
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٣٨).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤١).
٤٦٧

فقال: ((لا نَفَقَةَ لَكِ إلاَّ أَنْ تَكُونِي حَاملاً))(١).
وفي ((صحيحه)) أيضاً(٢) عن الشعبي قال: دخلتُ على فاطمة بنتِ قيس،
فسألتُها عن قضاء رسول الله تيّ عليها، فقالت: طلَّقها زوجُها ألبتة، فخاصمته
إلى رسول الله بَّة في السُّكنى والنفقة، قالت: فلم يجعل لي سُكنى ولا نفقة،
وأمرني أن أعتدَّ في بيت ابن أم مكتوم(٣).
وفي ((صحيحه)) عن أبي بكر بن أبي الجهم العدوي، قال: سمعتُ فاطمة
بنت قيس تقولُ: طلقها زوجُها ثلاثاً، فلم يجعل لها رسولُ الله ◌َّ سُكنَى ولا
نفقة، قالت: قال لي رسولُ الله ◌ََّ: ((إِذَا حَلَلْتِ فَاذِنيني))، فآذنته، فخطبها
معاويةُ، وأَبُو جهم، وأسامةُ بن زيد، فقال رسول الله مَّ: ((أمَّا معاويةُ فرجُلٌ
ترِبٌّ لا مال لهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضرّابٌ لِلنَّساءِ، ولكِنْ أُسامةُ بنُ زيْد))،
فقالت بيدها هكذا: أسامة! أسامة! فقال لها رسولُ الله ◌َّ: ((طَاعَةُ اللّهِ وَطَاعَةُ
رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ))، فتزوجتُه، فاغتبطتُ(٤).
وفي ((صحيحه)) أيضاً عنها قالت: أرسل إلي زوجي أبو عمرو بن حفص بن
المغيرة عياشَ بن أبي ربيعة بطلاقي، فأرسل معه بخمسة آصُع تمرٍ، وخمسة آصع
شعير، فقلتُ: أما لي نفقة إلا هذا؟ ولا أعتَدُّ في منزلكم؟ قال: لا، فشددتُ عليّ
ثيابي، وأتيتُ رسول الله ◌َّةَ، فقال: ((كَمْ طَلَّقَكِ؟)) قلتُ: ثلاثاً. قال: ((صَدَقَ،
لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ، اعْتدِّي في بَيْتِ ابن عَمِّكِ ابنِ أُمِّ مَكْتُوم، فإنه ضَريرُ البَصَرِ تَضَعِينَ
تَوْبَكِ عِنْدَهُ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَاذِنِينِ)) (٥).
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٩٠) في الطلاق: باب في نفقة المبتوتة.
(٢) أي: ((صحيح مسلم)).
أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤٢).
(٣)
(٤) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤٧).
(٥) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤٨).
٤٦٨

وروى النسائي في ((سننه)) هذَا الحَديثَ بطرقه وألفاظه، وفي بعضِها بإسناد
صحيح لا مطعن فيه، فقال لها النبيُّ بَه: ((إنَّمَا النَّفَقَةُ والسُّكْنى لِلْمِرْأةِ إذا كان
لِزوجِها عَليْها الرّجْعَةُ))(١)، ورواه الدار قطني وقال: فأتت رسول الله وَّهَ، فذكَرَتْ
ذلك له، قالت: فلم يَجْعَلْ لي سكنى ولا نفقة، وقال: ((إِنَّمَا الشُّكنى والنَّفَقَةُ لِمَنْ
يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ)). وروى النسائي أيضاً هذا اللفظ، وإسنادهما صحيح (٢).
ذكر موافقة هذا الحكم لكتاب الله عزَّ وجل
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا
العِدَةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُم لا تُخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
مُبَيَِّةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظلم نفْسَهُ لا تذْرِي لعلَّ الله يُحْدِثُ
بَعْد ذلِكَ أَمْراً، فَإِذْا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بمعروفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
وأَشْهِدوا ذوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمُ وَأَقِيمُوا الشّهَادَةَ للّهِ﴾، إلى قوله: ﴿قَدْ جعل اللّهُ لِكُلّ
شيءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق: ١ - ٣]، فأمر الله سبحانه الأزواج الذين لهم عند بلوغ
الأجلِ الإِمِساكُ والتسريحُ بأن لا يُخرجوا أزواجهم مِن بيوتهم، وأمر أزواجَهن أن
لا يَخْرُجْنَ، فدلَّ على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكُها بعدَ الطلاق، فإنه
سبحانه ذكر لهؤلاء المطلقات أحكاماً متلازمة لا ينفكُ بعضُها عن بعض .
أحدها: أن الأزواج لا يُخرجوهن مِن بيوتهن.
والثاني: أنهن لا يَخْرُجْنَ مِن بيوت أزواجهن.
والثالث: أن لأزواجهن إمساكَهن بالمعروف قبلَ انقضاء الأجل، وترك
الامساك، فيُسرِّحوهن بإحسان.
(١) أخرجه النسائي ١٤٤/٦ في الطلاق: باب الرخصة في ذلك، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه الدار قطني ص ٤٣٤، والنسائي ١٤٤/٦، وإسناده صحيح كما قال المؤلف
رحمه الله .
٤٦٩

والرابع: إشهاد ذَويْ عدل، وهو إشهادٌ على الرجعة إما وجوباً، وإما
استحباباً، وأشار سُبحانه إلى حكمة ذلك، وأنه في الرجعيات خاصة بقوله: ﴿لا
تَدْرِي لَعَلَّ اللّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذُلِكَ أَمْراً﴾ والأمر الذي يُرجَى إحداثُه هاهنا: هو
المراجعة. هكذا قال السلف ومن بعدهم. قال ابنُ أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية،
عن داود الأودي، عن الشعبي: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذُلِكَ أَمْراً﴾، قال:
لعلك تَنْدَمُ، فيكون لك سبيلٌ إلى الرجعة، وقال الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ
ذُلِكَ أَمْراً﴾ قال: لعله أن يُراجِعَها في العِدَّةِ، وقاله عطاء، وقتادة، والحسن، وقد
تقدَّم قولُ فاطمة بنت قيس: أي أمر يحدُثُ بعد الثلاث؟ فهذا يدل على أن الطلاقَ
المذكور: هو الرجعيُّ الذي ثبتت فيه هذه الأحكامُ، وأن حِكمة أحكم الحاكمين
وأرحم الراحمين، اقتضته لعل الزوج أن يَنْدَمَ، ويزولَ الشَّرُّ الذي نَزَغَهُ الشيطانُ
بينهما، فتتبعها نفسه، فيُراجِعَها، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لو أنَّ
الناسَ أخذوا بأمر الله في الطَّلاقِ، ما تتبع رجل نفسه امرأة يُطلِّقها أبداً.
ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقاتِ، فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ
حَيْثُ سَكَنَهُمْ منْ وُجْدِكُم﴾ [الطلاق: ٦]، فالضمائرُ كلُّهَا يَتَّحِدُ مفسرها،
وأحكامُها كلها متلازمة، وكان قولُ النبيِّ ◌َّه: ((إنَّمَا النَّفَقَةُ والسُّكْنَى لِلْمَرأَةِ إِذَا
كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ))، مشتقاً من كتابِ اللّهِ عز وجل، ومفسِّراً له، وبياناً
المراد المتكلِّم به منه، فقد تبين اتحادُ قضاءٍ رسول اللّهِمَّةَ، وكتابِ الله عز وجل،
والميزانُ العادلُ معهما أيضاً لا يُخَالفهما، فإن النفَقَةَ إنما تكونُ للزوجة، فإذا
بانت منه، صارت أجنبيةً حكمُها حكمُ سائر الأجنبيات، ولم يبق إلا مجردُ
اعتدادها منه، وذلك لا يُوجِبُ لها نفقة، كالموطوءة بشُبهة أو زنى، ولأن النفقة
إنما تجب في مقابلة التمكنِ من الاستمتاع، وهذا لا يُمكِنُ استمتاعُه بها بعد
بينونتها، ولأن النفقة لو وجبت لها عليه لأجلِ عدتها، لوجبت للمتوفَّى عنها من
ماله، ولا فَرْقَ بينهما ألبتة، فإن كُلَّ واحد منهما قد بانت عنه، وهي معتدة منه، قد
تعذَّر منهما الاستمتاعُ، ولأنها لو وجبت لها السكنى، لوجبت لها النفقةُ، كما
٤٧٠

يقوله من يوجبها. فأما أن تجب لها السكنى دون النفقة، فالنصُّ والقياسُ يدفعه،
وهذا قولُ عبد الله بن عباس وأصحابه، وجابر بن عبد الله، وفاطمة بنت قيس
إحدى فقهاء نساء الصحابة وكانت فاطمةُ تُناظر عليه، وبه يقول أحمدُ بن حنبل
وأصحابه، وإسحاق بن راهويه وأصحابه، وداود بن علي وأصحابُه، وسائر أهل
الحديث. وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي ثلاث روايات عن أحمد :
أحدها: هذا. والثاني: أن لها النفقةَ والسكنى، وهو قولُ عمر بن الخطاب، وابن
مسعود، وفقهاء الكوفة. والثالث: أن لها السكنى دون النفقة، وهذا مذهب أهل
المدينة، وبه يقول مالك والشافعي.
ذكر المطاعن التي طعن بها على حديث
فاطمة بنت قيس قديماً وحديثاً
فأولها طعنُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فروى مسلم في
((صحيحه): عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالساً في المسجد
الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدَّث الشعبيُّ بحديث فاطمة بنت قيس، أن
رسولَ اللّهِ ◌َيه لم يجعل لها سُكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفاً مِن حصى،
فحصبه به، فقال: وَيْلَكَ تُحدِّثُ بمثل هذا؟ قال عمر: لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللّهِ وَسُنَّةَ
نبيِّنا ◌ِّ لِقول امرأة لا نَذْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ؟ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ)) قال الله
عز وجل: ﴿لا تُخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيَِّةٍ﴾(١)
قالوا: فهذا عمرُ يخبر أن سنةَ رسول اللهِ وَ لِ أن لها النفقةَ والسكنى، ولا ريبَ أن
هذا مرفوعٌ، فإن الصحابيَّ إذا قال: من السنة كذا، كان مرفوعاً، فكيف إذا قال:
مِن سنة رسول الله ◌َه؟ فكيف إذا كان القائلُ عمر بن الخطاب؟ وإذا تعارضت
روايةُ عمر رضي الله عنه، وروايةُ فاطمة، فرواية عمر رضي الله عنه أولى لا سيما
ومعها ظاهرُ القرآن، كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية،
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤٦) في الطلاق: باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها.
٤٧١

حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عُمر بن الخطاب إذا ذُكِرَ عنده حديثُ
فاطمة بنتِ قيس قال: ما كنا نغير في ديننا بِشَهادَةِ امرأة .
ذكر طعن عائشة رضي الله عنها في خبر فاطمة بنت قيس
في ((الصحيحين)): من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، قال: تزوَّجَ
يحيى بنُ سعيد بن العاص بنتَ عبد الرحمن بن الحكم فطلقها، فأخرجها مِن
عنده، فعابَ ذُلك عليهم عروةُ، فقالوا: إن فاطمةَ قد خرجت، قال عروةُ: فأتيتُ
عائشة رضي الله عنها، فأخبرتها بذلك، فقالت: ما لِفاطمة بنتِ قيس خيْرٌ أن تذكرَ
هذَا الحديثَ. وقال البخاري: فانتقلها عبدُ الرحمن، فأرسلت عائشةُ إلى مروان
وهو أميرُ المدينة، اتّقِ اللّهَ واردُذها إلى بيتها. قال مروان: إن عبد الرحمن بن
الحكم غلبني، وقال القاسم بن محمد: أو ما بلغك شأنُ فاطمة بنت قيس؟
قالت: لا يضرك ألا تذكر حديثَ فاطمة، فقال مروان: إن كان بِك شرٌّ، فحسبُك
ما بينَ هُذينٍ من الشر(١).
ومعنى كلامه: إن كان خروجُ فاطمة لما يُقال من شر كان في لسانها،
فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص وبين امرأتِهِ مِن الشر.
وفي ((الصحيحين)): عن عروة، أنه قال لعائشة رضي الله عنها: أَلَمْ تَرَيْ إلى
فُلانَة بنتِ الحكم طلَّقها زوجُها ألبتة فخرجت، فقالت: بِثْسَ مَا صَنَعَتْ، فقلتُ:
أَلَمْ تسمعي إلى قولِ فاطمة، فقالت: أما إنَّه لا خَيْرَ لها في ذكر ذلك (٢).
وفي حديث القاسم، عن عائشة رضي الله عنها يعني: في قولها: لا سكنى
لها ولا نفقة. وفي ((صحيح البخاري)): عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت
(١) أخرجه البخاري ٤٢١/٩، ٤٢٢ في الطلاق: باب قصة فاطمة بنت قيس، ومسلم
(١٤٨١) (٥٢).
(٢) أخرجه البخاري ٩/ ٤٢٢، ومسلم (١٤٨١) (٥٤).
٤٧٢

لفاطمة: ألا نتقي الله، تعني في قولها لا سكنى لها ولا نفقة(١) وفي ((صحيحه))
أيضاً: عنها قالت: إن فاطمةَ كانَتْ في مكانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ على ناحِيتها، فلِذلكَ
أرخصَ النبيُّ ◌ََّ لها (٢).
وقال عبد الرزاق: عن ابن جريج، أخبرني ابنُ شهاب، عن عُروة، أن
عائشةَ رضي الله عنها أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، تعني: ((انتقالَ المطلقة
ثلاثاً))(٣).
وذكر القاضي إسماعيل حدثنا نصر بن علي، حدثني أبي، عن هارون عن
محمد بن إسحاق، قال: أحسِبُه عن محمد بن إبراهيم، أن عائشة رضي الله عنها
قالت لفاطمة بنت قيس: إنما أخرجَكِ هذا اللسانُ.
ذكر طعن أسامة بن زيدٍ حبِّ رسول الله ◌ِلال
وابنٍ حبه على حديث فاطمة
روى عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليثُ بن سعد، حدثني
جعفر، عن ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان محمدُ بنُ
أسامة بن زيد يقول: كان أسامةُ إذا ذكرت فاطمة شيئاً مِن ذلك يعنى انتقالها في
عدتها رماها بما في يده (٤).
ذكرُ طعن مروان على حديث فاطمة
روى مسلم في ((صحيحه)): من حديث الزهري، عن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة حديثَ فاطمة هذا: أنه حدَّث به مروان، فقال مروان، لم نسمع
هذا إلا من امرأة سنأخذ بالعِصمة التي وجدنا الناس عليها (٥) .
(١) أخرجه البخاري ٩/ ٤٢٢.
أخرجه البخاري ٩/ ٤٢٢.
(٢)
أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٢٣)، وأخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤٠).
(٣)
(٤)
عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعيف.
(٥) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤١).
٤٧٣

ذكرُ طعنٍ سعيد بن المسيِّب
روى أبو داود في ((سننه)): من حديث ميمون بن مهران، قال: قدمتُ
المدينةَ، فَدُفِعْتُ إلى سعيد بن المسيبِ، فقلتُ: فاطمة بنت قيس طُلِّقَتْ،
فَخَرجَتْ مِن بيتها، فقال سعيد: تلك امرأة فَتَنَتِ الناسَ إنها كانت امرأةً لَسِنَةً،
فَوُضِعَتْ عَلَى يدي ابنِ أمِّ مكتوم الأعمى(١) .
ذكر طعن سليمان بن سيار
روى أبو داود في «سننه» أيضاً، قال في خروج فاطمة: إنما كان مِنْ سُوءٍ
الخُلُقِ(٢) .
ذکر طعن الأسود بن يزيد
تقدَّمَ حديثُ مسلم: أن الشعبي حدَّث بحديث فاطمة، فأخذ الأسودُ كفاً مِن
حصباء فحصبه به، وقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟! وقال النسائي: ويلك لِمَ
تُفتي بمثل هذا؟ قال عمر لها: إن جئتِ بشاهدين يشهدانِ أنهما سمعاه من
رسولِ اللّهِ وَّه، وإلا لم نترُكْ كِتَابَ رَبَّنَا لِقَوْلِ امرأةً(٣).
ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن
قال الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن
عبد الرحمن، فذكر حديثَ فاطمة ثم قال: فأنكر الناسُ عليها ما كانت تُحدِّثُ من
خروجها قبل أن تَحِلَّ، قالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريحُ رواية عُمر في
إيجاب النفقة والسكنى، فروى حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، أنه
أخبر إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيمُ: إن
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٩٦) في الطلاق: باب من أنكر النفقة على فاطمة، ورجاله
ثقات .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٩٤) ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه النسائي ٢٠٩/٦.
٤٧٤

عمر أُخْبِرَ بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول النبيّ ◌َ﴾ لقول امرأة
لعلَّها أوهمت، سمعتُ النبيَّ ◌َّ يقول: ((لَهَا السُّكْنَى والنَّفَقَةُ)) ذكره أبو محمد في
((المحلى))(١)، فهذا نص صريح يجب تقديمُه على حديث فاطمة لِجلالة رواته،
وتركِ إنكار الصحابة علیه وموافقته لكتاب الله .
ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن وبيان بطلانها
وحاصلها أربعة .
أحدُها: أن راويتها امرأة لم تأتِ بشاهدينٍ يُتابعانها على حديثها .
الثاني: أن روايتها تضمَّنت مخالفةَ القرآن.
الثالث: أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حقَّ لها في السكنى، بلا
لأذاها أهلَ زوجها بلسانها .
الرابع: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
ونحن نبين ما في كل واحد من هذه الأمور الأربعة بحول الله وقوته، هذا مع
أن في بعضها مِن الانقطاع، وفي بعضها مِن الضعف، وفي بعضها من البُطلان ما
سَنُنَبِّهُ علیه، وبعضُها صحیح عمن نسب إليه بلا شك.
فأما المطعنُ الأول: وهو كونُ الراوي امرأة، فمطعن باطلٌ بلا شك، رد المطعن الأول وهو
والعلماء قاطبة على خلافة، والمحتُّ بهذا من أتباع الأئمة أوَّلُ مبطل له ومخالف
کون الراوي امرأة
له، فإنهم لا يختلفون في أن السننَ تُؤخذ عن المرأة كما تُؤخذ عن الرجل، هذا
وكم مِن سنة تلقاها الأئمة بالقبولِ عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيدُ
نساءِ الصحابة بأيدي الناس لا تشاءُ أن ترى فيها سنةً تفرَّدت بها امرأةٌ منهن إلا
رأيتَها، فما ذنبُ فاطمةَ بنتِ قيس دون نساء العالمين، وقد أخذ الناسُ بحديثٍ
فُريعة بنت مالك بن سنان أختِ أبي سعيد في اعتدادِ المتوفَّى عنها في بيت
(١) ((المحلى)) ٢٩٧/١٠، ٢٩٨ ورجاله ثقات إلا أنه منقطع.
٤٧٥

زوجها(١) وليست فاطمةُ بدونها علماً وجلالةً وثقةً وأمانةً، بل هي أفقهُ منها بلا
شك، فإن فُريعة لا تُعرف إلا في هذا الخبر وأما شهرةُ فاطمة، ودعاؤها من نازعها
مِن الصحابة إلى كتاب الله، ومناظرتها على ذلك، فأمر مشهور، وكانت أسعدَ
بهذه المناظرة ممن خالفها كما مضى تقريرُه، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم
يختلفونَ في الشيء، فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبيِّ يَّ شيئاً،
فيأخذون به، ويرجعون إليه، ويتركون ما عندهم له، وإنما فُضِّلْنَ على فاطمة بنت
قيس بكونهن أزواجَ رسولِ الله ◌َّة، وإلا فهي مِن المهاجرات الأول، وقد رضيها
رسولُ الله ◌ِِّ لِحِبِّه وابنٍ حِبِّه أسامة بن زيد، وكان الذي خطبها له. وإذا شئتَ أن
تعرف مقدارَ حفظها وعلمها، فاعرفه مِن حديث الدَّجَّالِ الطويلِ الذي حدث به
رسول الله ◌َّ على المنبر، فوعته فاطمةُ وحفظته، وأدته كما سمعته(٢)، ولم
ينكره عليها أحد مع طوله وغرابته، فكيف بقصة جرت لها وهي سببُها،
وخاصمت فيها، وحكم فيها بكلمتين: وهي لا نفقة ولا سكنى، والعادةُ تُوجبُ
حفظ مثل هذا وذكره، واحتمال النسيان فيه أمر مشترك بينها وبين من أنكر عليها،
فهذا عمرُ قد نسي تيمُّمَ الجنب، وذكرهُ عمار بن ياسر أمر رسول الله حثّ لهما
بالتيمم من الجنابة(٣)، فلم يذكره عمر رضي الله عنه، وأقام على أن الجنب لا
يصلي حتى يجد الماء.
ونسي قولَه تعالى: ﴿وإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ
(١) أخرجه بطوله مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٥٩١، وأبو داود (٢٣٠٠) والترمذي (١٢٠٤)
وابن ماجه (٢٠٣١) والدارمي ١٦٨/٢، وأحمد ٣٧٠/٦، و٤٢٠، والنسائي
١٩٩/٦ والشافعي في ((الرسالة)) (١٢١٤) والطيالسي (١٦٦٤) وسنده قوي،
وصححه ابن حبان (١٣٣٢) والحاكم ٢٠٨/٢، وأقره الذهبي.
(٢) أخرجه بطوله مسلم في ((صحيحه)) (٢٩٤٢) في الفتن وأشراط الساعة: باب قصة
الجساسة .
(٣) أخرجه البخاري ٣٧٥/١، ٣٧٦ في التيمم: باب المتيمم هل ينفخ فيهما، وباب
التيمم الوجه والكفين، ومسلم (٣٦٨) في الحيض: باب التيمم.
٤٧٦

قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً﴾ [النساء: ٢٠]، حتى ذكَّرته به امرأةٌ، فرجعَ إلى
قولها(١) .
ونسي قوله: ﴿إِنَّكَ مِيِّتْ وَإِنَّهُمْ مَيِّنُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، حتى ذُكِّرَ بِهِ، فإن
كان جوازُ النسيان على الراوي يُوجب سقوطَ روايته، سقطت روايةُ عمر التي
عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يُوجب سقوطَ روايته، بطلت المعارضةُ
بذلك، فهي باطلة على التقديرين، ولو رُدَّتِ السُّننُ بمثل هذا، لم يبق بأيدي الأمة
منها إلا اليسير، ثم كيف يُعارِضُ خَبر فاطمة، ويَطْعَنُ فيهِ بمثل هذا مَنْ يرى قبولَ
خبرِ الواحد العدل، ولا يشترطُ للرواية نصاباً، وعمر رضي الله عنه أصابه في مثل
هذا ما أصابه في رد خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد(٢)، وردّ
خبرَ المغيرة بنِ شُعبة في إملاصِ المرأةِ حتى شَهِدَ له مُحمَّدُ بن مسلمة(٣)، وهذا
كان تثبيتاً منه رضي الله عنه حتى لا يركب الناسُ الصَّعبَ والذَّلُولَ في الرواية عن
رسول الله ◌َّةٍ، وإلا فقد قَبِلَ خبرَ الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابي،
وقبل لعائشة رضي الله عنها عدةً أخبار تفرَّدت بها، وبالجملة، فلا يقول أحد: إنه
لا يُقبل قولُ الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان لا سيما إن كان من
الصحابة .
فصل
وأما المطعن الثاني: وهو أن روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين:
مجملٍ، ومفصلٍ، أما المُجمل: فنقولُ: لو كانت مخالفة كما ذكرتم، لكانت
رد القول بأن رواية
فاطمة مخالفة للقرآن
(١) انظر ((تفسير ابن كثير)) ٤٦٧/١، فقد قال عن الحديث: إسناده جيد قوي مع أن في
سنده مجالد بن سعيد وليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره.
(٢) أخرجه البخاري ٢٢/١١، ٢٣، في الاستئذان: باب التسليم والاستئذان ثلاثاً،
ومسلم (٢١٥٣) في الآداب: باب الاستئذان.
(٣) أخرجه البخاري ٢٥٣/١٣ في الاعتصام: باب ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله
تعالى.
٤٧٧

مخالفةً لعمومه، فتكون تخصيصاً للعام، فحكمُها حكمُ تخصيص قوله:
﴿يُوصِيكُم اللَّهُ في أَوْلاَدِكُم﴾ [النساء: ١١]، بالكافر، والرقيق، والقاتل،
وتخصيصٍ قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذُلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، بتحريم الجمعِ بينَ
المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها ونظائره، فإن القرآنَ لم يخُصَّ البائن بأنها لا
تَخْرُجُ ولا تُخْرَجُ، وبأنها تسكن من حيث يسكنُ زوجها، بل إما أن يَعُمَّها ويَعُمَّ
الرجعية، وإما أن يخُصَّ الرجعيةَ .
فإن عمَّ النوعينِ، فالحديثُ مخصِّصٌ لعمومه، وإن خص الرجعيات وهو
الصواب للسياق الذي مَنْ تدبَّره وتأمله قطع بأنه في الرجعيات من عدة أوجه قد
أشرنا إليها، فالحديث ليس مخالفاً لكتاب الله، بل موافق له، ولو ذُكِّرَ أميرُ
المؤمنين رضي الله عنه بذلك، لكان أوَّل راجع إليه، فإن الرجل كما يذهَلُ عن
النص يذهَلُ عن دِلالته وسياقه، وما يقترن به مما يتبين المراد منه، وكثيراً مَا يَذْهَلُ
عن دخول الواقعة المعينة تحتَ النصِّ العام واندراجِه تحتها، فهذا كثيرٌ جداً،
والتفطُّنُ له من الفهم الذي يُؤْتيه الله مَنْ يشاء من عباده، ولقد كان أميرُ المؤمنين
عمر رضي الله عنه مِن ذلك بالمنزلة التي لا تُجهل، ولا تستغرقها عبارةٌ، غيرَ أن
النسيان والدُّهولَ عُرضةٌ للإِنسان، وإنما الفاضلُ العالمُ من إذا ذُكِّرَ ذَكَرَ وَرَجَعَ.
فحديثُ فاطمة رضي الله عنها مع كتاب الله على ثلاثة أطباق لا يخرُج عن
واحد منها، إما أن يكون تخصيصاً لعامه. الثاني: أن يكون بياناً لما لم يتناوله، بل
سكت عنه. الثالث: أن يكون بياناً لما أريد به وموافِقاً لما أرشد إليه سياقه وتعليله
وتنبيهه، وهذا هو الصوابُ، فهو إذن موافق له لا مخالف، وهكذا ينبغي قطعاً،
ومعاذَ اللّهِ أن يحكم رسولُ الله ◌ِيٍ بما يُخالف كتاب الله تعالى أو يعارضه، وقد
أنكر الإمام أحمد رحمه الله هذا مِن قول عمر رضي الله عنه، وجعل يتبسَّمُ
ويقول: أين في كتاب الله إيجاب السكنى والنفقة للمطلقة ثلاثاً، وأنكرته قبله
الفقيهةُ الفاضلة فاطمة، وقالت: بيني وبينكم كتابُ الله، قال الله تعالى: ﴿لا
تَدْرِي لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذُلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١]، وأي أمر يحدث بعد
٤٧٨

الثلاث، وقد تقدم أن قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]،
يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيات.
فصل
وأما المطعن الثالث: وهو أن خروجها لم يكن إلا لِفحش من لسانها، فما رد مطعن أن خروجها كان
لفحش لسانها
أبردَه من تأويل وأسمجَه، فإن المرأة مِن خيار الصحابةِ رضي الله عنهم
وفُضلائهم، ومِن المهاجرات الأول، وممن لا يحملها رِقّةُ الدين وقلة التقوى
على فُحش يُوجب إخراجَها من دارها، وأن يمنع حقها الذي جعله الله لها، ونهى
عن إضاعته، فيا عجباً! كيف لم يُنْكِرْ عليها النبيُّ نََّ هذا الفُحْشَ؟ ويقول لها:
اتقي الله، وكُفِّي لسانَك عن أذى أهل زوجك، واستقري في مسكنكِ؟ وكَيْفَ
يَعْدِلُ عن هذا إلى قوله: ((لا نفقة لك ولا سكنى))، إلى قوله: ((إنَّمَا السُّكْنَى
والنَّفَقَةُ لِلمَرْأَةِ إذا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ؟!)) فيا عجباً! كيف يُترك هذا المانع
الصريح الذي خرج من بين شفتي النبي ◌َّةَ، ويُعلَّل بأمرٍ موهوم لم يعلل به
رسول الله ◌َيَّة ألبتة، ولا أشار إليه، ولا نبه عليه؟ هذا من المحال البيِّن. ثم لو
كانت فاحشة اللسان وقد أعاذها اللّهُ من ذلك، لقال لها النبيُّ ◌ََّ، وسمعتْ
وأطاعتْ: كفي لِسانَك حتى تنقضيَ عِدَّتُكِ، وكان من دونها يسمع ويطيع لئلا
تخرج من سکنه.
فصل
وأما المطعنُ الرابع: وهو معارضةُ روايتِها برواية عمر رضي الله عنه، فهذه
المعارضةُ تُورد مِن وجهين. أحدهما: قوله: لا نَدَُ كتابَ ربنا وسنةَ نبينا، وأن
هذا مِن حكم المرفوع. الثاني: قوله: سمعتُ رسولَ اللّهِ وَل يقول: ((لَهَا السُّكْنَى
والنَّفَقَةُ».
رد مطعن معارضة
روايتها برواية عمر
ونحن نقول: قد أعاذ الله أميرَ المؤمنين مِن هذا الكلام الباطل الذي لا يَصِحُّ
عنه أبداً. قال الإِمام أحمد: لا يَصِحُّ ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدار قطني:
٤٧٩

بل السنةُ بيد فاطمة بنت قيس قطعاً، ومن له إلمام بسنة رسولِ الله يَّل يشهدُ شهادة
الله أنه لم يكن عند عمر رضي الله عنه سنة عن رسول الله وٌَّ أن للمطلقةِ ثلاثاً،
السكنى والنفقة، وعمر كان أتقى لله، وأحرصَ على تبليغ سُننِ رسولِ اللهِ وَ﴾ أن
تكونَ هُذِهِ السنةُ عنده، ثم لا يرويها أصلاً، ولا يُبينها ولا يُبلغها عن
رسول الله{
وأما حديثُ حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن
عمر رضي الله عنه، سمعتُ رسولَ الله ◌ََّ يقول: ((لَهَا السُّكْنَى والنَّفَقَةُ»، فنحن
نشهَدُ باللّهِ شهادةً نُسألُ عنها إذا لقيناه، أن هذا كذبٌ على عُمَرَ رضي الله عنه،
وكذب على رسولِ اللّهِ وََّ، وينبغي أن لا يَحمِلَ الإِنسانَ فرطُ الانتصارِ للمذاهب
والتعصب لها على معارضةِ سننِ رسول اللّه ◌َّر الصحيحةِ الصريحةِ بالكذبِ
البحث، فلو يكونُ هذا عند عمر رضي الله عنه عن النبي ◌َّةَ، لَخَرِسَت فاطمة
وذووها، ولم يَنْبِسوا بكلمة، ولا دَعَتْ فاطمةُ إلى المناظرة، ولا احتِيجَ إلى ذكر
إخراجها لبذاء لسانها، ولما فات هذا الحديثُ أئمةَ الحديثِ والمصنفين في السنن
والأحكام المنتصرين للسنن فقط لا لِمذهب، ولا لرجل، هذا قبل أن نَصِلَ به إلى
إبراهيم، ولو قدر وصولُنا بالحديث إلى إبراهيم لا نقطع نُخَاعُهُ، فإن إبراهيم لم
يُولد إلا بعد موت عمر رضي الله عنه بسنين، فإن كان مخبرٌ أخبر به إبراهيم عن
عمر رضي الله عنه، وحسنًا به الظن، كان قد روى له قول عمر رضي الله عنه
بالمعنى، وظنَّ أن رسولَ الله ◌َّه هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلقة،
حتى قال عمر رضي الله عنه: لا ندع كتابَ ربنا لِقول امرأة، فقد يكون الرجل
صالحاً ويكون مغفَّلاً، ليس تَحمُّلُ الحديثِ وحفظُه وروايتُه مِن شأنِهِ، وباللّهِ
التوفيق .
وقد تناظر في هذه المسألة ميمونُ بن مهران، وسعيد بن المسيِّب، فذكر له
ميمون خبر فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنتِ الناسَ، فقال له ميمون: لئن
كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسولُ الله ◌ََّ ما فَتَنَتِ الناسَ، وإن لنا في
مناظرة ميمون لابن
المسيب في حديث فاطمة
٤٨٠