النص المفهرس
صفحات 341-360
قال صاحب ((الإِفصاح)) وهو يَحْيَى بن محمد بن هبيرة في ((إفصاحه)): مِن الفقهاء من اشترط أن يزاد بعد قوله من الصادقين: فيما رميتها به من الزنى، واشترط في نفيها عن نفسها أن تقول: فيما رماني به من الزنى. قال: ولا أراه يحتاج إليه، لأن الله تعالى أنزل ذلك وبينه، ولم يذكر هذا الاشتراط. وظاهر كلام أحمد، أنه لا يشترط ذكر الزنى في اللعان، فإن إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد: كيف يُلاعِنُ؟ قال: على ما في كتاب الله يقول أربعَ مراتٍ: أشهد بالله إني فيما رميتُها به لمن الصادقين، ثم يقف عند الخامسة فيقول: لعنةُ اللَّهِ عليه إن كان من الكاذبين، والمرأة مثلُ ذلك. ففي هذا النص أنه لا يُشترط أن يقول: من الزنى، ولا تقولُه هي، ولا يُشترط أن يقولَ عند الخامسة: فيما رميتُها به، وتقول هي: فيما رماني به، والذين اشترطوا ذلك حجتهم أن قالوا: ربما نوى: إني لمن الصادقين في شهادة التوحيد أو غيره مِن الخبر الصادق، ونوت: إنه لمن الكاذبين في شأن آخر، فإذا ذكرا ما رُميت به من الزنى، انتفى هذا التأويل. قال الآخرون: هب أنهما نويا ذلك، فإنهما لا ينتفعان بنيتهما، فإن الظالم لا ينفعُه تأويلهُ، ويمينه على نية خصمه، ويمينُه بما أمر الله به إذا كان مجاهراً فيها بالباطل، والكذب موجبه عليه اللعنة أو الغضب، نوى ما ذكرتم، أو لم ينوه، فإنه لا يموّه على من يعلم السر وأخفى بمثل هذا. فصل ومنها: أن الحمل ينتفي بلعانه، ولا يحتاجُ أن يقول: وما هذا الحملُ مني، ولا يحتاج أن يقول: وقد استبرأتُها، هذا قول أبي بكر عبد العزيز من أصحاب أحمد، وقولُ بعضٍ أصحاب مالك، وأهل الظاهر، وقال الشافعيُّ: يحتاجُ الرجل إلى ذِكر الولد، ولا تحتاجُ المرأة إلى ذِكره، وقال الخِرقي وغيرُه: يحتاجان إلى ذِكره، وقال القاضي: يشترط أن يقول: هذا الولد من زنى وليس هوَ مِنَّي. وهو ٣٤١ هل ينتفي الحمل باللعان؟ قولُ الشافعي، وقول أبي بكر أصح الأقوال، وعليه تدل السنة الثابتة . فإن قيل: فقد روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي ◌َ ◌ّ* لا عن بَيْنَ رجل وامرأته، وانتفى من ولدها، ففرَّق بينهما، وألحقَ الولدَ بالمرأة(١). وفي حديث سهلٍ بن سعد: وكانت حاملاً فأنكر حملَها(٢). وقد حكم ◌َّ ((بأن الولد للفراش))(٣) وهذه كانت فِراشاً له حال كونها حاملاً، فالولدُ له، فلا ينتفي عنه إلا بنفيه. قيل: هذا موضعُ تفصيل لا بُدَّ منه، وهو أن الحملَ إن كان سابقاً على ما رماها به، وعلم أنها زنت وهي حامل منه، فالولد له قطعاً، ولا ينتفي عنه بلعانه، ولا يَحِلُّ له أن ينفيَه عنه في اللعان، فإنها لما علقت به، كانت فراشاً له، وكان الحملُ لاحقاً به، فزناها لا يُزيل حكم لحوقه به، وإن لم يعلم حملَها حالَ زناها الذي قد قذفها به، فهذا ينظر فيه، فإن جاءت به لأقلَّ مِن ستة أشهر من الزنى الذي رماها به، فالولدُ له، ولا ينتفي عنه بلعانه وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر من الزنى الذي رماها به، نظر، فإما أن يكون استبرأها قبل زناها، أو لم يستبرئها، فإن كان استبرأها، انتفى الولد عنه بمجرد اللعان، سواء نفاه، أو لم ينفه، ولا بُدَّ من ذِكره عند من يشترط ذِكره، وإن لم يستبرئها، فها هنا أمكن أن يكون الولدُ منه، وأن يكون من الزاني، فإن نفاه في اللعان، انتفى، وإلا لحق به، لأنه أمكن كونُه منه ولم ينفه . (١) أخرجه مالك ٢/ ٥٦٧ في الطلاق: باب ما جاء في اللعان، والبخاري ٩/ ٤٠٤ في الطلاق: باب يلحق الولد بالملاعنة، ومسلم (١٤٩٤) في اللعان. (٢) أخرجه البخاري ٣٤٠/٨ في تفسير سورة النور، وتمامه: وكان ابنها يدعى إليها، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها . (٣) متفق عليه من حديث عائشة. ٣٤٢ فإن قيل: فالنبيُّ ◌َّه قد حكم بعدَ اللعان، ونفى الولد بأنه إن جاء يُشْبِهُ الزوجَ صاحبَ الفراش فهو له، وإن جاء يُشبه الذي رميت به، فهو له، فما قولُكم في مثل هذه الواقعة إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها، ثم جاء الولدُ يُشبهه، هل تُلحِقُونه به بالشبه عملاً بالقافة، أو تحكمون بانقطاع نسبه منه عملاً بموجب لعانه؟ قيل: هذا مجال ضَنْكٌ، وموضع ضيِّقٌ تجاذب أعِنَّتَه اللعانُ المقتضي الانقطاع النسب، وانتفاء الولد، وأنه يُدعى لأمه ولا يدعى لأب، والشبه الدال على ثبوت نسبه من الزوج، وأنه ابنُه، مع شهادة النبيِّ ◌َّ بأنها إن جاءت به على شبهه، فالولدُ له، وأنه كذب عليها، فهذا مضيق لا يتخَلَّصُ منه إلا المستبصرُ البصير بأدلة الشرع وأسراره، والخبيرُ بجمعه وفرقه الذي سافرت به هِمَّتُه إلى مطلع الأحكام، والمشكاة التي منها ظهر الحلال والحرامُ، والذي يظهر في هذا، والله المستعان وعليه التكلان، أن حكم اللعان قطع حكم الشبه، وصار معه بمنزلة أقوى الدليلين مع أضعفِهما، فلا عبرة للشبه بعد مضي حكم اللعان في تغييرِ أحكامه، والنبيُّ بَّه لم يُخبِرْ عن شأن الولد وشبهه ليغير بذلك حكم اللعان، وإنما أخبر عنه، ليتبين الصادقُ منهما من الكاذب الذي قد استوجَب اللعنة والغضب، فهو إخبار عن أمر قدري كون يتبين به الصادقُ مِن الكاذب بعد تقرر الحكم الديني، وأن الله سبحانه سيجعل في الولد دليلاً على ذلك ، ويدل عليه أنه ◌َلّ: قال ذلك بعد انتفائه من الولد، وقال: ((إن جاءت به كذا وكذا، فلا أراه إلا صدق عليها، وإن جاءت به كذا وكذا، فلا أراه إلا كذب عليها))، فجاءت به على النعتِ المكروه، فعلم أنه صَدَقَ عليها، ولم يَعْرِضْ لها، ولم يفسخ حكم اللعان، فيحكم عليها بحكم الزانية مع العلم بأنه صدق عليها، فكذلك لو جاءت به على شبه الزوج يعلم أنه كَذَبَ عليها، ولا يُغير ذلك حكم اللعان، فيحد الزوج ويلحق به الولد، فليس قوله: إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية إلحاقاً له به في الحكم، كيف وقد نفاه باللعان، وانقطع نسبهُ به، كما أن قوله: وإن جاءت به كذا وكذا، فهو للذي رميت به. ليس إلحاقاً به، وجعله ابنه، وإنما هو إخبارٌ عن ٣٤٣ الواقع، وهذا كما لو حكم بأيمان القَسَامَةِ ثمَ أظهر الله سبحانه آیةً تدل على كذب الحالفين، لم ينتقض حُكْمُها بذلك، وكذا لو حكم بالبراءة مِن الدعوى بيمين، ثم أظهر الله سبحانه آية تدل على أنها يمينٌ فاجرة، لم يبطل الحكم بذلك. فصل هل يحد إذا قذف امرأته بالزنى برجل بعينه؟ ومنها: أن الرجلَ إذا قذف امرأته بالزنى برجل بعينه، ثم لاعنها، سقطَ الحدُّ عنه لهما، ولا يحتاجُ إلى ذِكر الرجل في لعانه، وإن لم يُلاعن، فعليه لكل واحد منهما حَدُّه، وهذا موضعٌ اختُلِفَ فيه، فقال أبو حنيفة ومالك: يُلاعن للزوجة، ويحد للأجنبي، وقال الشافعي في أحد قوليه: يجب عليه حدٌّ واحد، ويسقط عن الحَدُّ لهما بلعانه، وهو قولُ أحمد، والقول الثاني للشافعي: أنه يحد لِكل واحد حداً، فإن ذكر المقذوفَ في لِعانه، سقط الحدُّ، وإن لم يذكره فعلى قولين، أحدهما: يستأنِفُ اللعان، ويذكره فيه، فإن لم يذكره، حُدَّ له. والثاني: أنه يسقط حدُّه بلعانه، كما يسقط حدُّ الزوجة. وقال بعضُ أصحاب أحمد: القذفُ للزوجة وحدها، ولا يتعلَّق بغيرها حق المطالبة ولا الحد. وقال بعضُ أصحاب الشافعي: يجبُ الحدُّ لهما، وهل يجب حدٍّ واحد، أو حدَّانِ؟ على وجهينٍ، وقال بعض أصحابه: لا يجب إلا حدٌّ واحد قولاً واحداً، ولا خلاف بين أصحابه أنه إذا لاعن وذكر الأجنبي في لعانه: أنه يسقط عنه حُكمُه، وإن لم يذكره فعلى قولين: الصحيح عندهم: أنه لا يسقط. والذين أسقطوا حكم قذفِ الأجنبي باللعان، حجتُّهم ظاهرة وقوية جداً، فإنه محر لم يحد الزوج بشريك بن سحماء، وقد سماه صريحاً، وأجاب الآخرون عن هذا بجوابين: أحدهما: أن المقذوف كان يهودياً، ولا يجب الحدُّ بقذف الكافر. والثاني: أنه لم يُطالب به، وحدُّ القذف إنما يُقام بعد المطالبة . وأجاب الآخرون عن هذين الجوابين، وقالوا: قولُ من قال: إنه يهودي باطل، فإنه شريك بن عبدة وأمه سحماء، وهو حليفُ الأنصار، وهو أخو ٣٤٤ البراء بن مالك لأمه. قال عبد العزيز بن بزيزة(١) في شرحه لأحكام عبد الحق: قد اختلفَ أهلُ العلم في شريك بن سحماء المقذوف، فقيل: إنه كان يهودياً وهو باطل، والصحيح: أنه شريك بن عبدة حليف الأنصار، وهو أخو البراء بن مالك لأمه. وأما الجواب الثاني، فهو ينقلب حُجَّةً عليكم، لأنه لما استقرَّ عنده أنه لا حق له في هذا القذف، لم يطالِب به، ولم يتعرَّض له، وإلا كيف يسكت عن براءة عرضه، وله طريق إلى إظهارها بحدِّ قاذفه، والقوم كانُوا أشدَّ حميَّةً وأنَفَةً مِن ذلك؟ وقد تقدَّم أن اللعان أقيمَ مقام البينة للحاجة، وجعل بدلاً مِن الشهود الأربعة، ولهذا كان الصحيح أنه يُوجِبُ الحدَّ عليها إذا نكلت، فإذا كان بمنزلة الشهادة في أحد الطرفين كان بمنزلتها في الطرف الآخر، ومِن المحال أن تحدَّ المرأة باللعان إذا نَكَلَت، ثم يحد القاذف حدَّ القذف وقد أقام البينة على صدق قوله، وكذلك إن جعلناه يميناً فإنها كما درأت عنه الحدَّ مِن طرف الزوجة، درأت عنه مِن طرف المقذوف، ولا فرق، لأنه به حاجة إلى قذف الزاني لما أفسد عليه مِن فراشه، وربما یحتاج إلی ذکره ليستدل بشبه الولد له على صدق قاذفه، كما استدل النبيُّ ◌َّ على صِدق هلال بشبه الولد بشريك بن سحماء، فوجب أن يسقط حكم قذفه ما أسقط حكم قذفها، وقد قال النبي سيئة للزوج: ((البينة وإلا حدّ في ظهرك))، ولم يقل: وإلا حَدَّانِ، هذا والمرأة لم تُطالِبْ بحدِّ القذف، فإن المطالبة شرطٌ في إقامة الحدِّ، لا في وجوبه، وهذا جواب آخر عن قولهم: إن شريكاً لم يُطالب بالحدِّ، فإن المرأةَ أيضاً لم تُطالب به، وقد قال له النبيُّ لَّ ((البينةُ وإلا حَدٌّ في ظهرك)). (١) هو عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد القرشي التميمي التونسي المعروف بابن بزيزة المتوفى سنة ٦٦٢ هـ مترجم في ((نيل الابتهاج)) ١٧٨ للتنبكتي، وعبد الحق هو ابن عبد الرحمن الإِشبيلي الحافظ العلامة الحجة صاحب المؤلفات النافعة في الحديث واللغة، الرقائق، له في الأحكام نسختان كبرى وصغرى، وابن بزيزة إنما شرح الصغرى توفي سنة (٥٨٢) هـ مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ص ١٣٥٠، ١٣٥٢. ٣٤٥ فإن قيل: فما تقولون: لو قذف أجنبية بالزنى برجل سماه؟ فقال: زنى بكِ فلان، أو زنيتِ به؟ قيل: ها هنا يجب عليه حدانٍ، لأنه قاذف لكل واحد منهما، ولم يأتِ بما يُسقط موجبَ قذفه، فوجب عليه حكمه، إذ ليس هنا بينة بالنسبة إلى أحدهما، ولا ما يقومُ مقامَها . إذا لا عنها وهي حامل وانتفى من حملها انتفى عنه ولم يحتج إلى أن يلاعن بعد وضعه فصل ومنها: أنه إذا لاعنها وهي حامل، وانتفى مِن حملها، انتفى عنه، ولم يَحْتَجْ إلى أن يلاعن بعد وضعه كما دلت عليه السنةُ الصحيحةُ الصريحةُ، وهذا موضع اختلف فيه. فقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يُلاعن لِنفيه حتى تَضَعَ لاحتمال أن يكون رِيحاً فَتَنْفَشَّ، ولا يكون للعان حينئذ معنى، وهذا هو الذي ذكره الخرقي في (مختصره))، فقال: وإن نفى الحمل في التعانه لم يَنْتَفِ عنه حتى ينِفِيَه عند وضعها له ويُلاعن، وتبعه الأصحابُ على ذلك، وخالفهم أبو محمد المقدسي كما يأتي كلامُه. وقال جمهورُ أهل العلم: له أن يُلاعِنَ في حال الحمل اعتماداً على قصة هلال بن أمية، فإنها صريحةٌ صحيحةٌ في اللعان حال الحمل، ونفي الولدِ في تلك الحال، وقد قال النبي ◌ّ: ((إن جاءت به على صِفَةِ كذا وكذا، فلا أراه إلا قد صدق عليها ... )) الحديثَ. قال الشيخ في ((المغني)): وقال مالك، والشافعي، وجماعة من أهل الحجاز: يَصِحُّ نفي الحمل، وينتفي عنه، محتجين بحديثٍ هلال، وأنه نفى حملها، فنفاه عنه النبيُّ ◌َّ، وألحقه بالأمِّ، ولا خَفَاءَ أنه كان حملاً، ولهذا قال النبيُّ وَّه: ((انظروها، فإن جَاءَتْ به كذا وكذا))، قال: ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولهذا تثبت للحامل أحكامٌ تُخالف فيها الحائلَ من النفقة والفِطر في الصيام، وتركِ إقامة الحدِّ عليها، وتأخيرِ القِصاص عنها، وغيرِ ذلك مما يطولُ ذِكرُه، ويَصِحُ استلحاقُ الحمل، فكان كالولد بعد وضعه. قال: وهذا القولُ هو الصحيح، لموافقته ظواهر الأحاديث، وما خالف الحديثَ لا يُعبأ به كائناً ما كان وقال أبو بكر: ينتفي الولد بزوالِ الفراش، ولا يحتاجُ إلى ٣٤٦ ذكره في اللعان احتجاجاً بظاهر الأحاديث، حيث لم ينقل نفيُّ الحمل، ولا تعرض لنفیه . وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله، فإنه لا يَصِحُّ نفيُ الحمل واللعان عليه، فإن لاعنها حاملاً، ثم أتت بالولد، لزمه عنده، ولم يتمكن من نفيه أصلاً، لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين، وهذه قد بانت بلعانها في حال حملها . قال المنازعون له: هذا فيه إلزامُه ولداً ليس منه، وسدُّ باب الانتفاء مِن أولاد الزنى، واللَّهُ سبحانه قد جعل له إلى ذلك طريقاً، فلا يجوز سَدُّها، قالوا: وإنما تعتبر الزوجية في الحال التي أضاف الزنى إليها فيها، لأن الولد الذي تأتي به يلحقُه، إذا لم ينفه، فيحتاج إلى نفيه، وهذِهِ كانت زوجته في تلك الحال، فملك نفيَ ولدها. وقال أبو يوسف. ومحمد: له أن ينفيَ الحمل ما بين الولادة إلى تمامٍ أربعينَ ليلة منها. وقال عبد الملك بن الماجِشُون: لا يُلاعن لنفي الحمل إلا أن ينفيَهُ ثانية بعد الولادة. وقال الشافعيُّ: إذا عَلِمَ بالحمل فأمكنه الحاكم مِن اللعان، فلم يلاعن، لم يكن له أن ينفيَهُ بعدُ. فإن قيل: فما تقولون: لو استلحق الحملَ، وقذفها بالزنى، فقال: هذا مسالة فيما لو استلحق الحمل وقذفها بالزنى الولدُ مني وقد زنت، ما حُكمُ هذه المسألة؟ قيل: قد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال. أحدها: أنه يُحَدُّ ويُلحق به الولدُ، ولا يُمكَّن من اللعان. والثاني: أنه يُلاعن، وينتفي الولد. والثالث: أنه يُلاعن للقذف، ويلحقه الولدُ، والثلاثة روايات عن مالِك، والمنصوص عن أحمد: أنه لا يَصِحُ استلحاقُ الولد كما لا يصح نفيه . قال أبو محمد: وإن استلحق الحمل، فمن قال: لا يَصِحُّ نفيه، قال: لا يصح استلحاقُه، وهو المنصوصُ عن أحمد. ومن أجاز نفيه، قال: يَصِحُ ٣٤٧ استلحاقُه، وهو مذهب الشافعي، لأنه محكومٌ بوجوده بدليل وجوب النفقة ووقف الميراث، فصح الإقرار به كالمولود، وإذا استلحقه، لم يملك نفيه بعد ذلك، كما لو استلحقه بعد الوضع. ومن قال: لا يَصِحُّ استلحاقُه، قال: لو صح استلحاقُه، للزمه بترك نفيه كالمولود، ولا يلزمُه ذلك بالإِجماع، وليس لِلشَّبَه أثرٌ في الإِلحاق، بدليل حديثِ المُلاعنة، وذلك مختص بما بعد الوضع، فاختص صحة الإلحاق به، فعلى هذا لو استلحقه، ثم نفاه بعد وضعه كان له ذلك، فأما إن سكت عنه، فلم ينفه، ولم يستلحقه، لم يلزمه عند أحد علمنا قولَه، لأنه تركه محتمل، لأنه لا يتحقَّقُ وجودُه إلا أن يُلاعنها، فإن أبا حنيفة ألزمه الولدَ على ما أسلفناه. فصل وقولُ ابن عباس: ففرَّق رسولُ الله ◌َّ بينهما، وقضى ألاَّ يُدعى ولدها لأب، ولا تُرمى، ومن رماها، أو رمى ولدها، فعليه الحدُّ، وقضى أن لا بيتَ لها عليه، ولا قوت، من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها. وقولُ سهلٍ: فكان ابنُها يُدعى إلى أمه، ثم جرت السنةُ أنه يرثها وترِث منه ما فرض الله لها . وقوله: مضت السنة في المتلاعنين أن يُفرَّقَ بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً. وقال الزهري، عن سهل بن سعد: فرَّق رسولُ الله مَلِ بينهما، وقال: لا يجتمعان أبداً. وقول الزوج: يا رسولَ الله! مالي؟ قال: ((لا مال لك، إن كُنْتَ صَدَقْتَ عليها، فهو بما استحللتَ مِن فرجها، وإن كنتَ كذبتَ عليها، فهو أبعدُ لك منها)). فتضمنت هذه الجملةُ عشرةَ أحكام . ٣٤٨ الحكم الأول: التفريقُ بين المتلاعنين، وفي ذلك خمسة مذاهب. التفريق بين المتلاعنين أحدها: أن الفرقةَ تحصلُ بمجرد القذفِ، هذا قولُ أبي عبيد، والجمهورُ من يفرق بمجرد القذف خالفوه في ذلك، ثم اختلفوا، فقال جابر بن زيد، وعثمان البَتِّي، ومحمد بن أبي صُفرة، وطائفة من فُقهاء البصرة: لايقع باللعانِ فرقةٌ ألبتة، وقال ابن أبي صفرة: من قال: لا يقع باللعان اللعانُ لا يَقْطَعُ العِصمة، واحتجوا بأن النبيَّ ◌َِّ لم يُنكِرْ عليه الطلاقَ بعد اللعان، فرقة بل هو أنشأ طلاقَها، ونزَّه نفسه أن يُمْسِكَ من قد اعترف بأنها زنت، أو أن يقومَ عليه دليل كذب بإمساكها، فجعل النبيُّ بَلٍ فِعلَه سنة، ونازع هؤلاء جمهور العلماء، وقالوا: اللعانُ يُوجِبُ الفرقة، ثم اختلفوا على ثلاثة مذاهب. أحدها: أنها تقع بمجرد لِعان الزوج وحدَه، وإن لم تلتعِن المرأة، وهذا قول من قال: تحصل القولُ مما تفرَّد به الشافعي، واحتج له بأنها فُرقة حاصلة بالقول، فحصلت بقول الزوج وحده كالطلاق . الفرقة بمجرد لعان الزوج وحده المذهب الثاني: أنها لا تحصُل إلا بلعانهما جميعاً، فإذا تَمَّ لِعانهما، وقعت الفرقةُ، ولا يُعتبر تفريقُ الحاكم، وهذا مذهبُ أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أبو بكر، وقولُ مالك وأهلِ الظاهر، واحتج لهذا القول بأن الشرعَ إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعانِ الزوج وحده، وإنما فرَّق النبيُّ صَلّ بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقولُ بوقوع الفرقةِ قبلَه مخالفٌ لمدلولِ السنة وفعلِ النبي ◌َّةٍ، واحتجُّوا بأن لفظ اللعان لا يقتضي فُرقة، فإنه إما أيمان على زناها، وإما شهادة به، وكلاهما لا يقتضي فُرقة، وإنما ورد الشرع بالتفريق بينهما بعد تمامٍ لعانهما لمصلحة ظاهرة، وهي أن اللَّه سبحانه جعل بين الزوجين مودة ورحمة، وجعل كلاً منهما سكناً للآخر، وقد زال هذا بالقذف، وأقامها مقام الخزي والعار والفضيحة، فإنه إن كان كاذباً فقد فضحها وبهتها، ورماها بالداء العُضال، ونكَّسَ رأسها ورؤوس قومها، وهتكها على رؤوس الأشهاد. وإن كانت كاذبة، فقد أفسدت فراشه، وعرَّضته للفضيحة والخزي والعار بكونه زوجَ بغي، قول من قال: إن الفرقة تحصل بعد اللغان ٣٤٩ وتعليق ولد غيره عليه، فلا يحصُل بعد هذا بينهما مِن المودة والرحمة والسكن ما هو مطلوبٌ بالنكاح، فكان مِن محاسن شريعة الإِسلام التفريقُ بينهما، والتحريمُ المؤبد على ما سنذكره، ولا يترتب هذا على بعض اللعان كما لا يترتَّبُ على بعض لعان الزوج قالوا: ولأنه فسخ ثبت بأيمان متحالفين، فلم يثبت بأيمان أحدهما، كالفسخ لتخالف المتبايعين عند الاختلاف. قول من قال: إن الفرقة لا تحصل إلا بتمام المذهب الثالث: أن الفرقةَ لا تحصُل إلا بتمام لعانهما، وتفريق الحاكم، لمعانهما وتفريق الحاكم وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي ظاهر كلام الخِرقي، فإنه قال: ومتى تلاعنا، وفرق الحاكمُ بينهما، لم يجتمعا أبداً. واحتج أصحابُ هذا القولِ بقول ابن عباس في حديثه: ففرَّق رسول الله مَ لّ بينهما. وهذا يقتضي أن الفُرقة لم تَحصُلْ قبله، واحتجوا بأن عويمراً قال: كذبتُ عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمُرَهُ رسول الله ◌ِّهِ، وهذا حجةٌ مِن وجهين، أحدهما: أنه يقتضي إمكان إمساكها. والثاني: وقوع الطلاق، ولو حصلت الفرقةُ باللعان وحده، لما ثبت واحدٌ مِن الأمرين، وفي حديث سهل بن سعد: أنه طلقها ثلاثاً، فأنفذه رسولُ اللهِ مَّ. رواه أبو داود(١). قال الموقعون للفرقة بتمام اللعان بدون تفريق الحاكم: اللعان معنىً يقتضي التحريمَ المؤبَّد، كما سنذكره، فلم يقف على تفريق الحاكم كالرضاع، قالوا: ولأن الفُرقة لو وقعت على تفريقِ الحاكم، لساغ تركُ التفريق إذا كرهه الزوجان، كالتفريق بالعيب والإِعسار، قالوا: وقولُه: فرَّق النبي ◌َّه، يحتمل أموراً ثلاثة. أحدها: إنشاء الفرقة. والثاني: الإِعلامُ بها. والثالث: إلزامُه بموجبها من الفرقة الحسية . وأما قوله: كذبت عليها إن أمسكتها، فهذا لا يدل على أن إمساكها بعد (١) أخرجه أبو داود (٢٢٥٠) في الطلاق: باب في اللعان، والبيهقي ٤١٠/٧، وإسناده حسن . ٣٥٠ اللعان مأذون فيه شرعاً، بل هو بادر إلى فراقها، وإن كان الأمر صائراً إلى ما بادر إليه، وأما طلاقُه ثلاثةً، فما زاد الفُرقة الواقعة إلا تأكيداً، فإنها حرمت عليه تحريماً مؤبَّداً، فالطلاقُ تأكيد لهذا التحريم، وكأنه قال: لا تَحِلُّ لي بعد هذا. وأما إنفاذُ الطلاقِ عليه، فتقريرٌ لموجبه من التحريم، فإنها إذا لم تَحِل له باللعان أبداً، كان الطلاقُ الثلاث تأكيداً للتحريم الواقع باللعان، فهذا معنى إنفاذه، فلما لم ينكره عليه، وأَقَّره على التكلم به وعلى موجبه، جعل هذا إنفاذاً من النبيِّ ◌َ وسهل لم يحكِ لفظَ النبيِّ ◌َّه أنه قال: وقع طلاقُك، وإنما شاهد القِصَّة، وعدمَ إنكار النبي ◌َّ للطلاق، فظن ذلك تنفيذاً، وهو صحيح بما ذكرنا من الاعتبار، والله أعلم. فصل الحكم الثاني: أن فرقة اللعان فسخ، وليست بطلاقٍ، وإلى هذا ذهب الشافعيُّ وأحمد، ومن قال بقولهما، واحتجوا بأنها فرقةٌ تُوجب تحريماً مؤبَّداً، فكانت فسخاً كفُرقة الرضاع، واحتجوا بأن اللعان ليس صريحاً في الطلاق، ولا نوى الزوجُ به الطلاق، فلا يقع به الطلاقُ، قالوا: ولو كان اللعان صريحاً في الطلاق، أو كناية فيه، لوقع بمجرد لعان الزوج، ولم يتوقف على لِعان المرأة، قالوا: ولأنه لو كان طلاقاً، فهو طلاق من مدخول بها بغير عوض لم ينو به الثلاث، فكان يكون رجعياً. قالوا: ولأنَّ الطلاقَ بيد الزوج، إن شاء طلقَ، وإن شاء أمسكَ، وهذا الفسخُ حاصِل بالشرع وبغير اختياره، قالوا: وإذا ثبت بالسنة وأقوالِ الصحابة، ودلالةِ القرآن، أن فرقة الخُلع ليست بطلاقٍ، بل هي فسخ مع كونها بتراضيهما، فكيف تكونُ فرقةُ اللعانِ طلاقاً؟ . فرقة اللعان فسخ فصل الحكم الثالث: أن هذه الفُرقة توجب تحريماً مؤيداً لا يجتمعان بعدها أبداً. قال الأوزاعي: حدثنا الزبيدي، حدثنا الزهري، عن سهل بن سعد، فذكر قصة المتلاعنين، وقال: ففرق رسول الله وَ ثله بينهما وقال: لا يجتمعان توجب هذه الفرقة تحريماً مؤبداً والحكمة من ذلك ٣٥١ (١) أبداً قليلة قال : وذكر البيهقي من حديث سعد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً (٢). قال: وروينا عن علي، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، قالا: مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبداً . قال: وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً (*) وإلى هذا ذهب أحمد، والشافعي، ومالك، والثوريُّ، وأبو عُبيد، وأبو يوسف. وعن أحمد رواية أخرى: أنه إن أكذب نفسه، حلَّت له، وعاد فِراشه بحاله، وهي رواية شاذة شدَّ بها حنبل عنه. قال أبو بكر: لا نعلَمُ أحداً رواها غيره، وقال صاحب ((المغني)): وينبغي أن تُحمل هذه الرواية على ما إذا لم يُفرّق بينهما. فأما مع تفريقِ الحاكم بينهما، فلا وجهَ لبقاء النكاح بحاله. قلت: الروايةُ مطلقة، ولا أثر لتفريقِ الحاكم في دوام التحريم، فإن الفُرقة الواقعة بنفس اللعان أقوى من الفُرقة الحاصلة بتفريق الحاكم، فإذا كان إكذابُ نفسه مؤثراً في تلك الفُرقة القوية، رافعاً للتحريم الناشىء منها، فلأن يُؤْثِّرَ في الفُرقة التي هي دونها، ويرفعَ تحریهما أولى. وإنما قُلنا: إن الفرقة بنفس اللعان أقوى مِن الفرقةِ بتفريق الحاكم، لأن فُرقة اللعان تستنِدُ إلى حكم الله ورسوله، سواءٌ رضي الحاكمُ والمتلاعِنانِ التفريقَ (١) أخرجه البيهقي ٧/ ٤١٠، ورجاله ثقات. (٢) وأخرجه الدار قطني ٤٠٦/٢، وسنده جيد كما قال صاحب ((التنقيح)). (٣) أخرجه عن حديث علي رضي الله عنه عبد الرزاق (١٢٤٣٦) والبيهقي ٤١٠/٧، وفي الباب عن ابن مسعود عند عبد الرزاق (١٢٤٣٤). (٤) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٢٤٣٣) والبيهقي ٧/ ٤١٠، ورجاله ثقات. ٣٥٢ أو أَبَوْهُ، فهي فُرقة من الشارع بغير رِضى أحدٍ منهم ولا اختياره، بخلافٍ فُرقة الحاكم، فإنه إنما يفرق باختياره. وأيضاً فإن اللعان يكون قد اقتضى بنفسه التفريق لقوته وسلطانه عليه، بخلاف ما إذا توقَّف على تفريق الحاكم، فإنه لم يقو بنفسه على اقتضاء الفرقة، ولا كان له سلطانٌ عليها، وهذا الروايةُ هي مذهبُ سعيد بن المسيب، قال: فإن أكذب نفسَه، فهو خاطبٌ من الخُطَّاب، ومذهب أبي حنيفة ومحمد، وهذا على أصله اطرد، لأن فُرقة اللعان عنده طلاق. وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه، رُدَّت إليه ما دامت في العدة. والصحيح: القولُ الأوَّلُ الذي دلت عليه السنةُ الصحيحةُ الصريحةُ، وأقوالُ الصحابة رضي الله عنهم، وهو الذي تقتضيه حِكمةُ اللعان، ولا تقتضي سواه، فإن لعنة الله تعالى وغضبَه قد حَلَّ بأحدهما لا محالة، ولهذا قال النبي ◌َّ عند الخامسة: ((إنها المُوجِبَةُ))، أي الموجبة لهذا الوعيد، ونحن لا نعلم عينَ مَنْ حلَّت به يقيناً، ففرق بينهما خشيةَ أن يكونَ هو الملعونَ الذي قد وجبت عليه لعنةُ الله وباءَ بها، فيعلُو امرأةً غيرَ ملعونة، وحِكمة الشرع تأبى هذا، كما أبت أن يَعْلُوَ الكافِرُ مسلمة والزاني عفيفةً. فإن قيل: فهذا يوجب ألا يتزوج غيرَها لما ذكرتم بعينه؟ . قيل: لا يُوجب ذلك، لأنا لم نتحقق أنه هو الملعون، وإنما تحققنا أن أحدهما كذلك، وشككنا في عينه، فإذا اجتمعا، لزمه أحدُ الأمرين ولا بد، إما هذا وإما إمساكُه ملعونةً مغضوباً عليها قد وجب عليها غضبُ الله، وباءت به، فأما إذا تزوَّجت بغيره، أو تزوَّج بغيرها، لم تتحقق هذه المفسدة فيهما. وإيضاً فإن النفرة الحاصلة من إساءة كُلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبه لا تزولُ أبداً، فإن الرجل إن كان صادقاً عليها، فقد أشاعَ فاحِشتها، وفضحَها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي، وحقق عليها الخزي والغضب، وقطع نسب ٣٥٣ زاد المعاد ج ٥-م١٢ ولدها، وإن كان كاذباً، فقد أضافَ إلى ذلك بهتَها بهذه الفرية العظيمة، وإحراق قلبها بها، والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاء، وأوجبت عليه لعنة الله. وإن كانت كاذبة، فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها، وألزمته العارَ والفضيحة، وأحوجتهُ إلى هذا المقام المُخزي، فحصل لِكُلِّ واحدٍ منهما من صاحبه من النُّفرة والوحشة، وسوء الظن ما لا يكاد يلتئم معه شملُهما أبداً، فاقتضت حِكمة مَنْ شَرْعُهُ كُلُّه حِكْمَةٌ ومصلحةٌ وعَدْلٌ ورحمةٌ تحثُم الفرقة بينهما، وقطع الصحبة المتمخِّضةِ مفسدة. وأيضاً فإنه إذا كان كاذباً عليها، فلا ينبغي أن يُسلَّطَ على إمساكها مع ما صَنَعَ مِن القبيح إليها، وإن كان صادقاً فلا ينبغي أن يُمسِكَهَا مع علمه بحالها، ويرضى لنفسه أن یکون زوجَ بغي . فإن قيل: فما تقولون: لو كانت أمة ثم اشتراها، هل يَحِلُّ له وطؤها بملك اليمين؟ قلنا: لا تَحِلُّ له لأنه تحريم مؤبَّد، فحرمت على مشتريها كالرضاع، ولأن المطلِّق ثلاثاً إذا اشترى مطلقته لم تَحِلَّ له قبل زوج وإصابة، فهاهنا أولى، لأن هذا التحريمَ مؤبد، وتحريم الطلاق غير مؤبد. فصل الحكم الرابع: أنها لا يَسْقُطُ صداقُها بعد الدخول، فلا يَرجعُ به عليها، فإنه إن كان صادقاً، فقد استحلَّ من فرجها عوضَ الصداق، وإن كان كاذباً فأولى وأحرى. لا يسقط صداق الملاعنة بعد الدخول فإن قيل: فما تقولون: لو وقع اللعانُ قبلَ الدخول، هل تحكمون عليه بنصف المهر، أو تقولون: يسقط جملة؟. هل يحكم للملاعنة بنصف المهر إذا وقع اللعان قبل الدخول قيل: في ذلك قولانٍ للعلماء، وهما روايتان عن أحمد مأخذهما: أن الفُرقة إذا كانت بسبب من الزوجين كلعانهما أو منهما ومن أجنبي، كشرائها لزوجها قبل الدخول، فهل يسقط الصداقُ تغليباً لجانبها كما لو كانت مستقِلَّة بسبب الفُرقة، أو ٣٥٤ نصفُه تغليباً لجانبه، وأنه هو المشاركُ في سبب الإسقاط، والسيد الذي باعه متسبب إلى إسقاطه ببيعه إياها؟ فهذا الأصل فيه قولان. وكُلُّ فُرقة جاءت مِن قبل الزوجِ نصَّفَتِ الصداق كطلاقه، إلا فسخه لِعيبها، أو فواتِ شرط شَرَطَه، فإنه يسقطُ كُلُّه، وإن كان هو الذي فسخ، لأن سبب الفسخ منها وهي الحاملة له عليه. ولو كانت الفرقةُ بإسلامه، فهل يسقط عنه، أو تُنصفه؟ على روايتين. فوجهُ إسقاطه، أنه فعل الواجب عليه، وهي الممتنعة من فعل ما يجبُ عليها، فهي المتسببة إلى إسقاط صداقها بامتناعها من الإِسلام، ووجهُ التنصيفِ أن سبب الفسخ من جهته . فإن قيل: فما تقولون في الخلع: هل يُنصفه أو يُسقطه؟ . قيل: إن قلنا: هو طلاق نَصَّفه، وإن قلنا: هو فسخ، فقال أصحابنا: فيه وجهان. أحدهما: كذلك تغليباً لجانبه. والثاني: يسقطه لأنه لم يستقل بسبب الفسخ، وعندي أنه إن كان مع أجنبي نصفه وجهاً واحداً، وإن كان معها، ففيه وجهان . هل ينصف الخلع المهر أو يسقطه إذا وقع قبل الدخول؟ فإن قيل: فما تقولون: لو كانت الفُرقة بشرائه لِزوجته من سيدها: هل يُسقطه أو يُنصفه؟ . قيل: فيه وجهان: أحدهما: يسقطه، لأن مستحق مهرها تسبَّب إلى إسقاطه ببيعها، والثاني: ينصِّفه لأن الزوج تسبب إليه بالشراء، وكُلُّ فرقة جاءت من قبلها كردتها، وإرضاعها من يفسَخُ إرضاعُه نِكَاحَها، وفسخها لإِعِسارِه أو عیبه، فإن يسقط مهرُها. فإن قيل: فقد قلتم: إن المرأة إذا فسخت لعيب في الزوج سقط مهرها، إذ الفُرقة من جهتها، وقلتم: إن الزوجَ إذا فسخ لِعيب في المرأة سقط أيضاً، ولم تجعلوا الفسخَ من جهته فتنصفوه، كما جعلتموه لِفسخها لعيبه من جهتها، فأسقطتموه، فما الفرق؟ قيل: الفرقُ بينهما أنه إنما بذل المهر في مقابلة بُضع ٣٥٥ سليم من العيوب، فإذا لم يتبين كذلك، وفسخ، عاد إليها كما خرج منها، ولم يستوفه، ولا شيئاً منه، فلا يلزمه شيء من الصداق، كما أنها إذا فسخت لِعیبه لم تُسلم إليه المعقود عليه، ولا شيئاً منه، فلا تستحِقُّ عليه شيئاً من الصداق. فصل لا نفقة للملاعنة على الملاعن ولا سكنى الحكم الخامس: أنها لا نفقةَ لها عليه ولا سكنى، كما قضى به رسولُ الله ◌ِصَ لّ، وهذا موافق لحكمه في المبتوتة التي لا رجعةً لزوجها عليها، كما سيأتي بيانُ حكمهُ في ذلك، وأنه موافقٌ لكتاب الله، لا مخالف له، بل سقوطُ النفقة والسكنى للملاعنة أولى مِن سقوطها للمبتوتة، لأن المبتوتَة له سبيلٌ إلى أن ينكِحها في عِدتها، وهذه لا سبيل له إلى نكاحها لا في العدة ولا بعدَها، فلا وجه أصلاً لوجوب نفقتها وسُكناها، وقد انقطت العصمةُ انقطاعاً كلياً. فأقضيتُه ◌ِلِّ يُوافِقُ بعضُها بعضاً، وكلها تُوافق كتابَ الله والميزانَ الذي أنزله ليقومَ الناسُ بالقسط، وهو القياسُ الصحيحُ، كما ستقر عينُك إن شاء الله تعالى بالوقوف علیه عن قريب. وقال مالك، والشافعي: لها السكنى. وأنكر القاضي إسماعيل بن إسحاق هذا القول إنكاراً شديداً. وقوله: ((من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها)) لا يدل مفهومه على أن كل مطلقة، ومتوفى عنها لها النفقةُ والسكنى، وإنما يدل على أن هاتين الفُرقتين قد يجبُ معهما نفقة وسكنى، وذلك إذا كانت المرأة حاملاً، فلها ذلك في فرقة الطلاق اتفاقاً، وفي فرقة الموت ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا نفقة لها ولا سكنى، كما لو كانت حائلاً، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه، لزوال سبب النفقة بالموت على وجه لا يُرجى عودهُ، فلم يبق إلا نفقةُ قريب، فهي في مال الطفل إن كان له مال، وإلا فعلى من تلزمه نفقته من أقاربه . ٣٥٦ والثاني: أن لها النفقة والسكنى في تركته تُقدم بها على الميراث، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، لأن انقطاع العصمة بالموت لا يزيد على انقطاعها بالطلاق البائن، بل انقطاعها بالطلاق أشد، ولهذا تغسلُ المرأةُ زوجَها بعد موته عند جمهور العلماء حتى المطلقة الرجعية عند أحمد ومالك في إحدى الروايتين عنه، فإذا وجبت النفقةُ والسُّكنى للبائن الحامل، فوجوبُها للمتوفى عنها زوجها أولى وأحری. والثالث: أن لها السكنى دون النفقة حاملاً كانت أو حائلاً، وهذا قولُ مالك وأحدُ قولي الشافعي إجراء لها مجرى المبتوتة في الصحة، وليس هذا موضعَ بسطٍ هذه المسائل وذكر أدلتها، والتمييز بين راجحها ومرجوحها، إذ المقصود أن قوله: ((من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها زوجها)) إنما يدل على أن المطلقة والمتوفى عنها قد يجب لهما القوتُ والبيتُ في الجملة، فهذا إن كان هذا الكلام مِن كلام الصحابي، والظاهر - والله أعلم - أنهُ مُدْرَجٌ مِن قول الزهري . فصل الحكم السادس: انقطاعُ نسب الولد من جهة الأب، لأن رسولَ الله آلات قضى ألا يدعى ولدُها لأب، وهذا هو الحقُّ، وهو قولُ الجمهور، وهو أجلُّ فوائد اللعان، وشذ بعضُ أهل العلم، وقال: المولود للفراش لا ينفيه اللعانُ البتة، لأن النبيَّ بََّ قضى أن الولد للفراش، وإنما ينفي اللعانُ الحمل، فإن لم يُلاعنها حتى ولدت، لاعن لإِسقاط الحد فقط، ولا ينتفي ولدُها منه، وهذا مذهبُ أبي محمد بن حزم، واحتج عليه بأن رسولَ اللَّهِ ◌َيّ قضى أن الولد لصاحب الفراش، قال: فصح أن كل مَنْ وُلِدَ على فراشه ولد، فهو ولدُه إلا حيثُ نفاه الله على لسان رسوله مَّ، أو حيث يوقن بلا شك أنه ليسَ ولده، ولم ينفه ◌َّ إلا وهي حامل باللعان فقط، فبقي ما عدا ذلك على لحاق النسب، قال: ولذلك قلنا: إن صدقته انقطاع نسب ولد اللعان من جهة الأب ٣٥٧ في أن الحمل ليس منه، فإن تصديقها له لا يُلتفت إليه لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فوجب أن إقرار الأبوين يصدُق على نفي الولد، فيكون كسباً على غيرهما، وإنما نفى اللَّهُ سبحانَه الولدَ إذا أكذبته الأمّ، والتعنت هي والزوج فقط، فلا ينتفي في غير هذا الموضع، انتهى كلامه(١) . وهذا ضد مذهبٍ من يقول: إنه لا يصح اللعان على الحمل حتى تضع، كما يقول أحمد وأبو حنيفة، والصحيح: صحتُه على الحمل، وعلى الولد بعد وضعه، كما قاله مالك والشافعي، فالأقوال ثلاثة . ولا تنافي بين هذا الحكم وبين الحكم يكون الولد للفراش بوجه ما، فإن الفراش قد زال باللعان، وإنما حكم رسولُ الله ◌َّ بأن الولد للفراش عند تعارض الفراش، ودعوى الزاني، فأبطل دعوى الزاني للولد، وحكم به لصاحب الفراش، وها هنا صاحبُ الفراش قد نفى الولَد عنه . فإن قيل: فما تقولون: لو لاعن لمجرد نفي الولد مع قيام الفراش، فقال: لم تزن، ولكن ليس هذا الولدُ ولدي؟ . قيل: في ذلك قولانَ للشافعي، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد. إحداهما: أنه لا لِعان بينهما، ويلزمه الولدُ، وهي اختيار الخرقي. والثانية: أن له أن يُلاعِنَ لنفي الولد، فينتفي عنه بلعانه وحده، وهي اختيارُ أبي البركات بن تيمية، وهي الصحيحة. فإن قيل: فخالفتم حكمَ رسول الله مَ﴾ ((أن الولد للفراش)) قلنا: معاذ الله، بل وافقنا أحكامَه حيث وقع غيرُنا في خلاف بعضها تأويلاً، فإنه إنما حكم بالولد للفراش حیث ادعاه صاحبُ الفراش، فرجح دعواه بالفراش، وجعله له، وحكم بنفيه عن صاحب الفراش حيث نفاه عن نفسه، وقطع نسبه منه، وقضى ألاً يُدعى (١) ((المحلى)) ١٤٧/١٠. ٣٥٨ لأب، فوافقنا الحكمين، وقلنا بالأمرين، ولم نفرق تفريقاً بارداً جداً سمجاً لا أثر لَهُ في نفي الولد حملاً ونفيه مولوداً، فإن الشريعة لا تأتي على هذا الفرقِ الصُوري الذي لا معنى تحته البتة، وإنما يرتضي هذا مَنْ قَلَّ نصيبه مِن ذوق الفقه وأسرارِ الشريعةِ، وحِكمِهَا ومعانيها، والله المستعان، وبه التوفيق. فصل الحكم السابع: إلحاقُ الولد بأمِّه عند انقطاع نسبه مِن جهة أبيه، وهذا إلحاق ولد اللعان بأمه الإلحاق يُفيد حكماً زائداً على إلحاقه بها مع ثبوت نسبه من الأب، وإلا كان عدیم الفائدة، فإن خروجَ الولدِ منها أمر محقق، فلا بد في الإلحاق من أمر زائد عليه، وعلى ما كان حاصلاً مع ثبوتِ النسب من الأب، وقد اختُلفَ في ذلك. فقالت طائفة: أفادَ هذا الإِلحاق قطعَ توهمِ انقطاع نسبِ الولد من الأم، كما انقطعَ مِن الأب، وأنه لا يُنسب إِلى أمِّ، ولا إلى أبٍ، فقطع النبيُّ ◌َ لّ هذا الوَهم، وألحق الولدَ بالأم، وأكَّدَ هذا بإِيجابه الحدَّ على من قذفه أو قذفَ أمه، وهذا قول الشافعي ومالك، وأبي حنيفة، وكُل من لا يرى أن أمه وعصباتها له . وقالت طائفة ثانية: بل أفادنا هذا الإلحاق فائدةً زائدة، وهي تحويلُ النسب الذي كان إلى أبيه إلى أمه، وجعل أمَّه قائمةً مقام أبيه في ذلك، فهي عصبتُه وعصباتُها أيضاً عصبته، فإذا مات، حازَت ميراثَهُ، وهذا قولُ ابن مسعود، ويُروى عن علي، وهذا القولُ هو الصواب، لما روى أهل السنن الأربعة، من حديث واثلة بن الأسقع، عن النبيِّ ◌َّ أنه قال: ((تَجُوزُ المَرْأَةُ ثَلاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقها، ولَقِيطَها، وَوَلَدَهَا الَّذِي لاَعَنَتْ عَلَيْهِ)) (١)، ورواه الإمام أحمد وذهب إليه. وروى أبو داود في ((سننه)): من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن (١) أخرجه أبو داود (٢٩٠٦) في الفرائض: باب ميراث الملاعنة، والترمذي (٢١١٦) في الفرائض، وابن ماجه (٢٧٤٢) في الفرائض: باب تحوز المرأة ثلاثة مواريث، وأحمد ٤٩٠/٣، و١٠٧/٤، وإسناده جید. ٣٥٩ جده، عن النبيِّ وَّة، أنه جعل مِيرَاثَ ابن المُلاَعَنَةِ لأمِّه ولِورثتِهَا مِنْ بَعْدِهَا(١). وفي ((السنن)) أيضاً مرسلاً: من حديث مكحول، قال: جعلَ رسولُ الله ◌َُّ ميراثَ ابنِ المُلاَعَنَةِ لُأُمِّه ولِورثِها مِنْ بَعْدِهَا(٢) . وهذه الآثارُ موافقة لمحضٍ القياس، فإن النسَب في الأصل للأب، فإذا انقطع مِن جهته صار للأم، كما أن الولاء في الأصل لمعتق الأب، فإذا كان الأب رقيقاً، كان لمعتق الأم. فلو أعتق الأبُ بعد هذا، انجر الولاءُ مِن موالي الأم إِليه، ورجع إلى أصله، وهو نظيرُ ما إذا كذب الملاعن نفسه، واستلحق الولد، رجع النسبُ والتعصيب من الأم وعصبتها إليه. فهذا محضُ القياس، وموجبُ الأحاديث والآثار، وهو مذهبُ حَبْرِ الأمة وعالِمها عبدِ الله بن مسعود، ومذهبُ إمامي أهل الأرض في زمانهما، أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعليه يَدُلُّ القرآن بألطف إِيماء وأحسنه، فإن الله سبحانه جعل عيسى مِن ذرية إبراهيم بواسطة مريم أمِّه، وهيَّ مِن صَميم ذرية إبراهيم، وسيأتي مزيدُ تقرير لهذا عند ذكر أقضيةٍ النبيِّ ◌َّة وأحكامه في الفرائض إن شاء الله تعالى. فإن قيل: فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذي رواه مسلم في ((صحيحه)) في قصة اللعان: وفي آخره: ثم جرت السنةُ أن يَرِثَ مِنْهَا وَتَرِثَ منه ما فرضَ الله لها؟ قيل: نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه، وإن أمكن أن يكون مدرجاً من كلام ابن شهاب(٣) وهو الظاهِرُ، فإن تعصيبَ الأم لا يُسقط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه، وغايتُها أن تكونَ كالأب حيث يجتمع له الفرض والتعصيب، فهي تأخذ فرضها ولا بُدَّ فإن فضل شيءٌ أخذته (١) أخرجه أبو داود (٢٩٠٨) وسنده حسن. (٢) أخرجه أبو داود (٢٩٠٧) ورجاله ثقات. (٣) أو من قول سهل، وقال الشافعي: إن نسبته إلى ابن شهاب الزهري لا تمنع نسبته إلى سهل، وانظر بسط ذلك في ((الفتح)) ٣٩٨/٩. ٣٦٠