النص المفهرس
صفحات 241-260
وكيفما كان، فهو ضعيف(١)، ولو صحَّ، لم يكن فيه حجة، لأن قوله: لو طلقتها ثلاثاً بمنزلة قوله: لو سلمت ثلاثاً، أو أقررت ثلاثاً، أو نحوه مما لا يُعقل جمعُه. وأما حديثُ نافع بنِ عجير الذي رواه أبو داود، أن ركانة طلق امرأته البتة، فأحلفه رسولُ الله ◌َّهِ ما أرادَ إلا واحدة، فمن العجب تقديمُ نافع بن عجير المجهول الذي لا يُعرف حاله البتة، ولا يُدرى من هو، ولا ما هو على ابن جريج، ومعمر، وعبد الله بن طاووس في قصة أبي الصهباء، وقد شهد إمامُ أهل الحديث محمدُ بن إسماعيل البخاري بأن فيه اضطراباً، هكذا قال الترمذي في ((الجامع))، وذكر عنه في موضع آخر: أنه مضطرب. فتارةً يقول: طلقها ثلاثاً، وتارةً يقول: واحدةً، وتارة يقول: البتة. وقال الإِمام أحمد: وطرقه كُلُّها ضعيفة، وضعفه أيضاً البخاري، حكاه المنذري عنه. ثم كيف يُقدَّم هذا الحديثُ المضطربُ المجهولُ رواية على حديث عبد الرزاق عن ابن جريج لِجهالة بعضٍ بني أبي رافع، هذا وأولادُه تابعيون، وإن كان عبيد الله أشهرَهم وليس فيهم متهم بالكذب، وقد روى عنه ابنُ جُريج، ومَنْ يقبلُ رواية المجهول، أو يقولُ: روايةُ العدل عنه تعديلٌ له، فهذا حجةٌ عنده، فأمَّا أن يُضعِّفَه ويُقَدِّمَ عليه روايةَ من هو مثلُه في الجهالة، أو أشدُّ، فكلاً، فغايةُ الأمر أن تتساقط روايتا هذين المجهولين، ويُعْدَل إلى غيرهما، وإذا فعلنا ذلك، نظرنا في حديث سعد بن إبراهيم، فوجدناه صحيح الإسناد، وقد زالت علةُ تدليس محمد بن إسحاق بقوله: حدثني داود بن الحصین(٢)، وقد احتج أحمد بإسناده في مواضع، وقد صحح هو وغيرُه بهذا -- (١) في ((التقريب)) صدوق يخطىء، ومثله يعد حسن الحديث، لكن ذكر في ((التهذيب)) أن حديثه يعتبر من غير روايته عن عطاء الخراساني، وهذا الحديث رواه عن عطاء، فهو ضعيف كما قال المصنف رحمه الله. (٢) التصريح بالتحديث في رواية أحمد ٢٦٥/١. ٢٤١ الإِسناد بعينه، أن رسول الله بَل ◌َ ردَّ زينبَ على زوجِها أبي العاص بن الربيع بالنِّكاحِ الأوَّلِ، ولم يُحدث شيئاً(١). وأما داودُ بن الحُصين، عن عكرمة، فلم تزل الأئمة تحتجُّ به(٢)، وقد احتجُّوا به في حديث العَرَايا فيما شُكَّ فيه، ولم يُجْزَمْ به مِن تقديرها بخمسة أوسُق أو دونَها مع كونِها على خلاف الأحاديث التي نهى فيها عن بيع الرُّطَبِ بالتمرِ، فما ذنبُه في هذا الحديث سوى رواية ما لا يقولون به، وإن قدحتُم في عكرمة - ولعلكم فاعِلون - جاءكم ما لا قِبَلَ لكُم به من التناقض فيما احتججتُم به أنتُم وأئمةُ الحديث مِن روايته، وارتضاءِ البخاري لادخال حديثه في «صحيحه)) . فصل وأما تلك المسالك الوَعْرَةُ التي سلكتموها في حديثٍ أبي الصهباء، فلا يَصِحُ شيء منها. أما المسلكُ الأول، وهو انفرادُ مسلم بروايته، وإعراضُ البخاري عنه، فَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْك عَارُهَا، وما ضرَّ ذلك الحديث انفرادُ مسلم به شيئاً، ثم هل تقبلون أنتم، أو أحدٌ مثل هذا في كُلِّ حديثَ يَنْفَرِدُ به مسلم عن البخاري، وهل قال البخاريُّ قطُّ: إن كُلَّ حديثٍ لم أُدْخِلْه في كتابي، فهو باطل، أو ليس بحجة، أو ضعيف، وكم قد احتج البخاريُّ بأحاديث خارجَ الصحيح ليس لها ذكر في ((صحيحه))، وكم صحَّح مِن حديث خارجٍ عن صحيحه فأما مخالفةُ سائرٍ الروايات له عن ابن عباس، فلا ريبَ أن عن ابن عباس روايتين صحيحتين بلا شك. إحداهما: تُوافق هذا الحديثَ، والأُخرى: تُخالفه، فإن أسقطنا رواية (١) تقدم تخريج هذا الحديث. - (٢) لكن قال علي بن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر، وقال أبو داود: أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير، وفي ((التقريب)): ثقة إلا في عكرمة. ٢٤٢ برواية، سَلِمَ الحديثُ على أنه بحمد الله سالم. ولو اتفقتِ الرواياتُ عنه على مخالفته، فله أسوةُ أمثاله، وليس بأوَّلِ حديث خالفه راويه، فنسألكم: هل الأخذُ بما رواه الصحابي عندكم، أو بما رآه؟ فإن قلتم: الأخذُ بروايته، وهو قولُ جمهوركم بل جمهورُ الأمة على هذا، كفيتُمونا مؤونة الجوابِ. وإن قلتُم: الأخذ برایه، أَریناكُم مِن تناقضکم ما لا حيلة لكم في دفعه، ولا سيما عن ابن عباس نفسِه، فإنه روى حديث بَريرة وتخييرها، ولم يكن بيعُها طلاقاً، ورأى خلافَه، وأن بيعَ الأمة طلاقُها، فأخذتُم ــ وأصبتُم ـ- بِروايته، وتركتم رأيه، فهلا فعلتُم ذلك فيما نحن فيه، وقلتم: الرواية معصومة، وقولُ الصحابي غيرُ معصوم، ومخالفته لما رواه يحتمِلُ احتمالاتٍ عديدة من نسيان أو تأويل، أو اعتقاد مُعارِض راجح في ظنه، أو اعتقادِ أنه منسوخ أو مخصوص، أو غير ذلك من الاحتمالات، فكيف يسوغُ ترك روايته مع قيام هذه الاحتمالات؟ وهل هذا إلا تركُ معلومٍ لِمظنون، بل مجهول؟ قالوا: وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه حديثَ التسبيعِ من ولُوغ الكلب(١)، وأفتى بخلافه، فأخذتُم بروايته، وتركتُم فتواه. ولو تتبعنا ما أخذتُم فيه بروايةِ الصحابي دونَ فتواه، لطال. قالُوا: وأما دعواكم نسخ الحديث، فموقوفة على ثبوت معارض مُقاوم متراخ، فأين هذا؟ ! . وأما حديثُ عكرمة، عن ابن عباس في نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث، فلو صحَّ، لم يكن فيه حجة، فإنه إنما فيه أن الرَّجل كان يُطَلِّقُ امرأته ويُراجعها بغير عدد، فنُسِخَ ذلك، وقُصِرَ على ثلاث، فيها تنقطع الرجعة، فأين في ذلك الإلزام بالثلاث بفم واحد، ثم كيف يستمِرُّ المنسوخ (١) أخرجه مالك في ((الموطأ) ٣٤/١، والبخاري ٢٣٩/١، ومسلم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة أن رسول الله به* قال: ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات)» وفي رواية لمسلم ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)) وأما فتواه بالثلاث، فأخرجه الدار قطني ٦٦/١ وسنده صحيح. ٢٤٣ على عهد رسول الله رَّة وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، لا تعلم به الأمة، وهو من أهم الأمور المتعلقة بحل الفروج، ثم كيف يقول عمر: إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، وهل للأمة أناة في المنسوخ بوجه ما؟! ثم كيف يُعارض الحديثُ الصحيحُ بهذا الذي فيه علي بن الحسين بن واقد، وضعفُه معلوم؟(١). وأما حملُكم الحديثَ على قول المطلِّق: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، ومقصودُه التأكيد بما بعد الأول، فسياقُ الحديث مِن أوله إلى آخره يردُّه، فإنَّ هذا الذي أوَّلتم الحديثَ عليه لا يتغيرُ بوفاةِ رسولِ الله ◌ِصَّةَ، ولا يختلِفُ على عهده وعهدِ خُلفائه، وهَلُمَّ جراً إلى آخر الدهر، ومن ينويه في قصد التأكيد لا يُفَرِّقُ بین بَرِّ وفاجر، وصادق وكاذب، بل یردُّه إلى نيته، وكذلك مَن لا يقبله في الحكم لا يقبلُه مطلقاً براً كان أو فاجراً. وأيضاً فإن قوله: إن الناس قد استعجلوا وتتايعوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أمضيناه عليهم. إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما جعلهم الله في فُسحة منه، وشَرَعَهُ متراخياً بعضه عن بعض رحمةً بهم، ورفقاً وأناة لهم، لئلا يندم مطلِّق، فيذهب حبيبُه مِن يديه مِن أول وهلة، فَيَعِزُّ عليه تداركُه، فجعل له أناةً ومُهلةً يستعِتبُه فيها، ويرضيه ويَزولُ ما أحدثه العتبُ الداعي إلى الفراق، ويُراجع كُلٌّ منهما الذي عليه بالمعروف، فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناة ومُهلة، وأوقعوه بفم واحد، فرأى عمر رضي الله عنه أنه يلزمُهم ما التزموه عقوبةً لهم، فإذا عَلِمَ المطلِّق أن زوجته وسكنه تحرُم عليه من أول مرة بجمعه الثلاثَ، كفَّ عنها، ورجع إلى الطلاق المشروع المأذون فيه، وكان هذا مِن تأديب عمر لرعيته لما أكثرُوا مِن الطلاق الثلاث، كما سيأتي مزيدُ تقريره عند الاعتذار عن عمر رضي الله عنه في إلزامه بالثلاث، (١) بل هو حسن الحديث كما يعلم من كتب الرجال. ٢٤٤ هذا وجهُ الحديث الذي لا وجه له غيرُه، فأين هذا من تأويلكم المستگرهِ المستبعَدِ الذي لا تُوافقه ألفاظُ الحديث، بل تنبُو عنه، وتُنافره. وأما قولُ مَنْ قال: إن معناه كان وقوعَ الطلاق الثلاث الآن على عهد رسول الله ◌َّ واحدةً، فإن حقيقة هذا التأويل: كان الناس على عهد رسول الله بٌَّ يُطَلِّقُونَ واحدة، وعلى عهد عمر صاروا يطلِّقون ثلاثاً، والتأويلُ إذا وصل إلى هذا الحد، كان مِن باب الإلغاز والتحريف، لا من باب بيان المراد، ولا يَصِحُّ ذلك بوجه ما، فإن الناسَ ما زالوا يُطلِّقون واحدة وثلاثاً، وقد طلَّق رجالٌ نساءهم على عهد رسولِ اللهِ يَّةٍ ثلاثاً، فمنهم من ردَّها إلى واحدة، كما في حديث عكرمة عن ابن عباس، ومنهم من أنكر عليه، وغَضِبَ، وجعله متلاعباً بكتاب الله، ولم يُعْرَفْ ما حكم به عليهم، وفيهم من أقرَّه لتأكيد التحريم الذي أوجبه اللعان، ومنهم من ألزمه بالثلاث، لكون ما أتى به من الطلاق آخر الثلاث، فلا يَصِحُّ أن يقال: إن الناس ما زالوا يطلقون واحدة إلى أثناء خلافة عمر، فطلقوا ثلاثاً، ولا يَصِحُّ أن يقال: إنهم قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فنمضيه عليهم، ولا يُلائم هذا الكلام الفرق بين عهد رسول الله وَّة، وبين عهده بوجه ما، فإنه ماضٍ منكم على عهده وبعدَ عهده. ثم إن في بعض ألفاظ الحديث الصحيحة: ألم تعلم أنه من طلَّق ثلاثاً جُعِلَتْ وَاحِدة على عهد رسولِ الله ◌ِ﴾(١). وفي لفظ: أما عَلِمْتَ أن الرجل كان إذ طلَّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ◌َل﴾، وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، فقال ابن عباس: بلى كان الرجلُ إذا طلَّق امرأتَه ثلاثاً قبل أن يدخُلَ بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله بص ﴿﴿، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر، (١) أخرجه مسلم (١٤٧٢) (١٦) وأبو داود (٢٢٠٠). ٢٤٥ فلما رأى الناس - يعني عمر - قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم(١)، هذا لفظُ الحديث، وهو بأصح إسناد، وهو لا يحتمِلُ ما ذكرتُم من التأويل بوجه ما، ولكن هذا كله عَمَلُ من جعل الأدلة تبعاً للمذهب، فاعتقد، ثم استدل. وأما من جعل المذهب تبعاً للدليل، واستدل، ثم اعتقد، لم يمكنه هذا العمل. وأما قول من قال: ليس في الحديث بيانُ أن رسولَ الله ◌ِّ كان هُوَ الذي يجعلُ ذلك، ولا أنه علم به، وأقرَّه عليه، فجوابه أن يقال: سُبْحَانَك هذا بهتان عظيم أن يستمِرَّ هذا الجعلُ الحرام المتضمِّن لتغيير شرع الله وَدِينه، وإباحة الفَرْجِ لمن هو عليه حرامٌ، وتحريمُه على من هو عليه حلالٌ، على عهدِ رسول الله ◌َّه وأصحابه خيرِ الخلق، وهم يفعلونه، ولا يعلمونه، ولا يعلمه هو، والوحي يَنْزِلُ عليه، وهو يُقِرُّهم عليه، فَهَبْ أن رسولَ الله وَّه لم يكن يعلمه، وكان الصحابةُ يعلمونه، ويُبدِّلون دينَه وشرعَه، واللّهُ يعلمُ ذلك، ولا يُوحيه إلى رسوله، ولا يُعلمه به، ثم يتوفَّى اللّهُ رسولَه ◌َِّل، والأمرُ على ذلك، فيستمِزُّ هذا الضلال العظيم، والخطأُ المبين عندكم مدة خلافةِ الصديق كُلِّها، يُعْمَلُ به ولا يُغَيَّر إلى أن فارق الصديقُ الدنيا، واستمر الخطأ والضلالُ المركَّب صدراً مِن خلافة عمر، حتى رأى بعد ذلك برأيه أن يُلزِمَ الناسَ بالصَّواب، فهل في الجهل بالصحابة، وما كانُوا عليه في عهد نبيهم وخلفائه أقبحُ من هذا، وتَاللّهِ لو كان جعلُ الثَلاث واحدةً خطأً محضاً، لكان أسهلَ من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه، والتأويلِ الذي تأولتموه، ولو تركتم المسألة بهيأتها، لكان أقوى لِشأنها من هذه الأدلة والأجوبة. قالُوا: وليس التحاكُم في هذه المسألة إلى مقلِّد متعصِّبٍ، ولا هيَّابٍ للجمهور، ولا مستوحِش مِن التفرُّد إذا كان الصوابُ في جانبه، وإنما (١) أخرجه أبو داود (٢١٩٩) وسنده صحيح وقد تقدم. ٢٤٦ التحاكُم فيها إلى راسخٍ في العلم قد طال منه باعُه، ورحُبَ بنيله ذِرَاعُه، وفرَّق بين الشبهة والدليل، وتلقَّى الأحكامَ مِن نفس مِشكاة الرسول، وعرفَ المراتبَ، وقام فيها بالواجبِ، وباشر قلبُه أسرارَ الشريعة وحِكَمَها الباهِرَة، وما تضمّنته مِن المصالح الباطنة والظاهرة، وخاض في مثل هذه المضايق لُججها، واستوفى مِن الجانبين حُجَجَها، والله المستعانُ، وعليه التكلان. قالوا: وأما قولُكم: إذا اختلفت علينا الأحادِيثُ، نظرنا فيما عليه الصحابةُ رضي الله عنهم، فنعم واللّهِ وحيَّهلا بِيَرَكِ(١) الإِسلام، وعِصابة الإيمان. فَلاَتَطَلَّبْ لِيَ الأَعْوَاضَ بَعْدَهُمُ فَإِنَّ قَلْبِيَّ لاَيَرْضَى بِغَيْرِهِم ولكن لا يليق بكم أن تدعونا إلى شيء، وتكونُوا أول نافرٍ عنه، ومخالفٍ له، فقد تُوفي النبيُّ ◌َ﴿ عن أكثرَ مِن مائة ألف عَيْنٍ كُلُّهم قد رآه وسَمِعَ منه، فهل صَحَّ لكُم عن هؤلاء كُلِّهم، أو عُشْرِهم، أو عُشْرِ عشرهم، أو عُشرِ عُشْرِ عُشْرِهِمٍ القولُ بلزوم الثلاثِ بفمٍ واحد؟ هذا ولو جَهِدْتُم كُلَّ الجهد لم تُطيقوا نقلَه عن عشرين نفساً منهم أبداً مع اختلافٍ عنهم في ذلك، فقد صحَّ عن ابن عباس القولانِ، وصحَّ عن ابن مسعود القولُ باللزوم، وصحَّ عنه التوقف، ولو كاثرنَاكُم بالصحابة الذين كان الثلاثُ على عهدهم واحدةً، لكانوا أضعافَ من نُقِلَ عنه خلافُ ذلك، ونحن نُكائِرُكم بكُلِّ صحابي مات إلى صدرٍ مِن خلافة عمر، ويكفينا مقدَّمُهم، وخيرُهم وأفضلُهم، ومن كان معه من الصحابة على عهده، بل لو شئنا لقلنا، ولصدقنا: إن هذا كان إجماعاً قديماً لم يَخْتَلِفْ فيه على عهد الصديق اثنانِ، ولكن لا ينقرِضْ عصرُ المجمعين حتى حدث الاختلافُ، فلم يستقرَّ الإِجماعُ الأول حتى صار الصحابةُ على قولين، واستمرَّ الخلافُ بين الأمة في ذلك إلى اليوم، ثم نقول: لم يُخالف عمر إجماعَ من تقدَّمه، بل رأى إلزامَهم (١) أي طلائع الإِسلام، والكلمة فارسية. ٢٤٧ بالثلاثِ عقوبةً لهم لما عَلِمُوا أنه حرام، وتتايعُوا فيه، ولا ريبَ أن هذا سائغ للأئمة أن يُلزموا الناسَ بما ضيَّقوا به على أنفسهم، ولم يقبلوا فيه رخصةَ الله عز وجل وتسهيلَه، بل اختاروا الشدة والعُسر، فكيف بأمير المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه، وكمال نظره للأمة، وتأديبه لهم، ولكن العقوبة تختلِفُ باختلافِ الأزمنة والأشخاص، والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه، وأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لم يَقُلْ لهم: إن هذا عن رسولِ اللهِ بَّة، وإنما هو رأي رآه مصلحةً للأمة يكفُّهم بها عن التسارع إلى إيقاع الثلاث، ولهذا قال: فلو أنا أمضيناهُ عليهم، وفي لفظ آخر: «فأجيزوهن عليهم)» أفلا يُرى أن هذا رأي منه رآه للمصلحة لا إخبارٌ عن رسول اللهِ وَّة، ولما علم رضي الله عنه أن تلك الأناة والرخصة نعمة من الله على المطلِّق، ورحمةٌ به، وإحسانٌ إليه، وأنه قابلها بضدِها، ولم يقبل رخصةَ الله، وما جعله له من الأناة عاقبه بأن حال بينه وبينها، وألزمه ما ألزمه مِن الشدة والاستعجال، وهذا موافقٌ لقواعد الشريعة، بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدراً وشرعاً، فإن الناس إذا تعدَّوا حدودَه، ولم يَقِفُوا عندها، ضيَّق عليهم ما جعله لمن اتقاه من المخرج، وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه مَنْ قال مِن الصحابة للمطلِّق ثلاثاً: إنك لو اتقيتَ الله، لجعل لك مخرجاً، كما قاله ابن مسعود، وابنُ عباس. فهذا نظر أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة، لا أنه رضي الله غيَّرَ أحكام الله، وجعل حلالها حراماً، فهذا غايةُ التوفيق بين النصوص، وفعل أمير المؤمنين ومن معه، وأنتم لم يُمكنكم ذلك إلا بإلغاء أحد الجانبين، فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذا المقام الضَّنْكِ، والمعترَكِ الصَّعبِ، وبالله التوفيق(١). (١) وانظر أيضاً ما كتبه المؤلف عن هذه المسألة في ((إعلام الموقعين) ٣٠/٣، ٤٠، و((إغاثة اللهفان)) ص ١٥٣، ١٨٣، ولشيخ الإسلام ابن تيمية شيخ المؤلف رحمه الله في ((الفتاوى)) ١٣/٣، ٢٥ بحوث إضافية في نصرة القول بوقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة، وتقويته، والإفتاء به، فراجعه. ٢٤٨ حُكم رسول الله ◌ِّلَ في العبد يُطلَّقُ زوجتَه تطليقتين، ثم يُعتَقُ بعد ذلك هل تَحِلُّ له بدون زوج وإصابة؟ روى أهلُ السنن: مِن حديث أبي الحسن مولى بني نوفل، أنه استفتى ابنَ عباس في مملوكٍ كانت تحته مملوكة، فطلقها تطليقتينٍ، ثم عُتِقا بعد ذلك، هل يصلُح له أن يخطُبها؟ قال: نعم قضى بذلك رسولُ الله ◌َلِ﴾(١). وفي لفظ: قال ابنُ عباس: بَقِيَتْ لك واحدةٌ، قضى به رسولُ الله. قال الإِمام أحمد: عن عبد الرزاق، أن ابنَ المبارك قال لمعمر: من أبو حسن هذا؟ لقد تحمّل صخرةً عظيمة انتهى. قال المنذري: وأبو حسن هذا قد ذُكِرَ بخير وصلاح، وقد وثّقه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، غير أن الراوي عنه عُمَرُ بنُ معتِّب، وقد قال علي بن المديني: هو منكرُ الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي. وإذا عُِقَ العبدُ والزوجة في حِباله، مالك تمامَ الثلاث، وإن عُتِقَ وقد طلَّقها اثنتين، ففيها أربعةُ أقوال للفقهاء. أحدها: أنها لا تحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجاً غيره حرةً كانت أَوَ أَمة، وهذا قولُ الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين بناء على أن الطلاقَ بالرجال، وأن العبدَ إنما يملِكُ طلقتين ولو كانت زوجتُه حرة. والثاني: أن له أن يعقِدَ عليها عقداً مستأنفاً مِن غير اشتراط زوج وإصابة، كما دلَّ عليه حديثُ عُمر بن معتِّب هذا، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهو (١) أخرجه أبو داود (٢١٨٧) في الطلاق: باب في سنة الطلاق، والنسائي ١٥٥/٦ في الطلاق: باب طلاق العبد، وابن ماجه (٢٠٨٢) في الطلاق: باب من طَلَّق أمة تطليقتين، ثم اشتراها، والحاكم ٢٠٥/٢ وفي سنده عمر بن معتِّب راويه عن أبي الحسن مولى بني نوفل وهو ضعيف. ٢٤٩ قولُ ابنِ عباس، وأحدُ الوجهين للشافعية، ولهذا القول فقه دقيق، فإنها إنما حرمتها عليه التطليقتانِ لنقصه بالرق، فإذا عُتِقَ وهي في العدة، زال النقصُ، ووُجِدَ سببُ ملك الثلاث، وآثارُ النكاح باقية، فملك عليها تمامَ الثلاث، وله رجعتُها، وإن ◌ُتِقَ بعد انقضاءِ عدتها، بانت منه، وحلّت له بدون زوجٍ وإصابة، فليس هذا القولُ ببعيد في القياس. والثالث: أن له أن يَرتَجعَها في عِدتها، وأن ينكحها بعدها بدون زوج وإصابة، ولو لم يعتق، وهذا مذهبُ أهل الظاهر جميعِهم،، فإن عندهم أن العبد والحرَّ في الطلاق سواء. وذكر سُفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد مولی ابن عباس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن عبداً له طلَّق امرأته تطليقتين، فأمره ابنُ عباس أن يُراجِعَها، فأبى، فقال ابنُ عباس: هي لك فاستحِلَّها بملك اليمين. والقول الرابع: أن زوجته إن كانت حرةً، ملك عليها تمامَ الثلاث، وإن كانت أمةً، حرمت عليه حتى تنكِحَ زوجاً غيره، وهذا قولُ أبي حنيفة . وهذا موضع اختلف فيه السلفُ والخلف على أربعة أقوال. أحدها: أن طلاقَ العبد والحر سواء، وهذا مذهبُ أهل الظاهر جميعهم، حكاه عنهم أبو محمد ابن حزم، واحتجُوا بعُموم النصوص الواردة في الطلاق، وإطلاقها، وعدمٍ تفريقها بين حر وعبد، ولم تُجمعِ الأمةُ على التفريق، فقد صحَّ عن ابن عباس أنه أفتى غلاماً له برجعة زوجته بعد طلقتين، وكانت أمة. وفي هذا النقلِ عن ابن عباس نظر، فإن عبد الرزاق روى عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن أبا معبد أخبره، أن عبداً كان لابن عباس، وكانت له امرأة جارية لابن عباس، فطلقها فبتَّها، فقال له ابنُ عباس: لا طلاق لك فارجعها(١). (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٦٢). ٢٥٠ قال عبدُ الرزاق: حدثنا معمر، عن سماك بن الفضل، أن العبد سأل ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: لا ترجع إليها وإن ضُرِب رَأْسُكَ(١). فمأخذ هذه الفتوى، أن طلاق العبد بید سیده، كما أن نكاحَه بيده، كما روى عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ليس طلاق العبد ولا فرقته بشيء. وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في الأمة والعبد: سيِّدُهما يجمعُ بينهما، ويفرق(٢)، وهذا قول أبي الشعثاء، وقال الشعبي: أهلُ المدينة لا يرون للعبد طلاقاً إلا بإذن سيده، فهذا مأخذُ ابن عباس، لا أنه يرى طلاق العبد ثلاثاً إذا كانت تَحته أمة، وما علمنا أحداً من الصحابة قال بذلك. والقول الثاني: أن أَيَّ الزوجين رُق كان الطلاقُ بسبب رقه اثنتين، كما روى حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: الحرُّ يُطلق الأمة تطليقتين، وتعتدُّ بحيضتين، والعبدُ يطلِّق الحرة تطلیقتین، وتعتد ثلاث حیض، وإلى هذا ذهب عثمان البِّ. والقولُ الثالث: أن الطلاق بالرجال، فيمِلكُ الحرّ ثلاثاً. وإن كانت زوجته أمة، والعبد ثنتين وإن كانت زوجته حرة، وهذا قولُ الشافعي ومالك وأحمد في ظاهر كلامه، هذا قولُ زيد بن ثابت، وعائشة، وأمّ سلمة أمَّ المؤمنين، وعثمانَ بن عفان، وعبدِ الله بن عباس، وهذا مذهب القاسم، وسالم، وأبي سلمة، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي الزناد، وسليمان بن يسار، وعمرو بن شعيب، وابنِ المسيّب، وعطاء. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٦٣). (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٦٤). ٢٥١ والقول الرابع: أن الطلاقَ بالنساء كالعِدة، كما روى شعبة عن أشعث بن سوَّار، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود. السنة: الطلاقُ والعِدةٌ بالنساء. وروى عبد الرزاق: عن محمد بن يحيى وغيرٍ واحد، عن عيسى عن الشعبي عن اثني عشر من صحابة النبي ◌َّة، قالوا: الطلاق والعِدة بالمرأة (١)، هذا لفظُه، وهذا قولُ الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وإبراهيم، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، والثوري، والحسن بن حي، وأبي حنيفة وأصحابه. فإن قيل: فما حُكْم رسول الله مي# في هذه المسألة؟ قيل: قد قال أبو داود: حدثنا محمد بن مسعود حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن مظاهر بن أسلم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ وَّ قال: ((طَلاَقُ الأَمَّةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَقُرْؤُها حَيْضَتَانِ))(٢). وروى زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدثنا عُمَرُ بن شبيب المُسْلي، حدثنا عبد الله بن عيسى، عن عطيّة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله اَلَهُ: ((طَلاَقُ الأَمَةِ ثِنْتَانِ، وعِدَّتُها حَيْضَتَانِ)»(٣). (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٥٦). (٢) أخرجه أبو داود (٢١٨٩) في الطلاق: باب في سنة طلاق العبد، والترمذي (١١٨٢) في الطلاق: باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان، وابن ماجه (٢٠٨٠) والحاكم ٢٠٥/٢، والبيهقي ٣٧٠/٧ في الطلاق: باب طلاق الأمة وعدتها، ومظاهر بن أسلم ضعيف . (٣) وأخرجه ابن ماجه (٢٠٧٩)، وعطية هو العوفي متفق على تضعيفه، وكذا عمر بن شبيب، وقال الدارقطني بعد ما أخرجه في ((سننه)) ص ٤٤١: تفرد به عمر بن شبيب المسلي وهو ضعيف لا يحتج بروايته، والصحيح ما رواه نافع وسالم عن ابن عمر من قوله كما في ((الموطأ)) ٥٧٤/٢ كان يقول: إذا طلق العبد امرأته تطليقتين، فقد = ٢٥٢ وقال عبدُ الرزاق: حدثنا ابن جريج، قال: كتب إليَّ عبدُ الله بن زياد بن سمعان، أن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، أخبره عن نافع، عن أمِّ سلمة أم المؤمنين، أن غلاماً لها طلَّق امرأةً له حرةً تطليقتين، فاستفتت أم سلمة النبي ◌َّ، فقال: ((حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غيرَه))(١) وقد تقدم حديثُ عمر بن معتِّب، عن أبي حسن، عن ابن عباس رضي الله عنه، ولا يُعرف عن النبيِّ ◌َ غيرُ هذه الآثار الأربعة على عُجَرِهَا وبُجَرِهَا . أما الأولُ: فقال أبو داود: هو حديث مجهول، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرِفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يُعرف له في العلم غيرُ هذا الحديث انتهى. وقال أبو القاسم ابن عساكر في ((أطرافه)) بعد ذكر هذا الحديث: روى أسامةُ بن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنه كان جالساً عند أبيه، فأتاه رسولُ الأمير، فأخبره أنه سأل القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله عن ذلك، فقالا هذا، وقالا له: إن هذا ليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله مح لا، ولكن عَمِل به المسلمون. قال الحافظ: فدلّ على أن الحديث المرفوعَ غيرُ محفوظ. وقال أبو عاصم النبيل: مظاهر بن أسلم ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، مع أنه لا يُعرف، وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث. وقال البيهقي: لو كان ثابتاً لقُلنا به إلا أنَا لا نُثِتُ حديثاً يرويه من نجهل عدالته. وأما الأثر الثاني: ففيه عمر بن شبيب المُسْلي ضعيف، وفيه عطية وهو ضعيف أيضاً. وأما الأثر الثالث: ففيه ابن سمعان الكذاب، وعبد الله بن عبد الرحمن مجهول. حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره حرة كانت أو أمة، وعدة الحرة ثلاث حيض، = وعدة الأمة حيضتان. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٥٢) وعبد الله بن زياد بن سمعان متروك. ٢٥٣ 4 وأما الأثر الرابع: ففيه عمر بن معتِّب، وقد تقدم الكلامُ فيه . والذي سلم في المسألة الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم والقياس . أما الآثار، فهي متعارضة كما تقدم، فليس بعضُها أولى من بعض، بقي القياسُ، وتجاذَبه طرفانٍ: طرف المطلِّق، وطرف المطلّقة. فمن راعى طرف المطَلِّق، قال: هو الذي يمِلكُ الطلاق، وهو بيده، فيتنصَّفُ برقه كما يتنصَّف نصابُ المنكوحات برقه، ومن راعى طرف المطلّقة، قال: الطلاقُ يقع عليها، وتلزمُها العدة والتحريم وتوابعُها، فتَنصَّف برقها كالعدة، ومن نصَّف برقها كالعدة، ومن نصف برق أيِّ الزوجين كان راعى الأمرين، وأعملَ الشبهين، ومن كملهُ وجعله ثلاثاً رأى أن الآثار لم تثبت، والمنقولُ عن الصحابة، متعارِض، والقياسُ كذلك، فلم يتعلَّق بشيء من ذلك، وتمسّك بإطلاق النصوص الدالة على أن الطلاق الرجعي طلقتان، ولم يُفرِّقِ اللّهُ بين حر وعبد، ولا بينَ حرة وأمة، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾. قالوا: والحكمة التي لأجلها جعل الطلاق الرجعي اثنتين في الحر والعبد سواءٌ، قالوا: وقد قال مالك: إن له أن ينكِحَ أربعاً كالحُرِّ، لأن حاجته إلى ذلك كحاجة الحر، وقال الشافعيُّ وأحمد: أجله في الإبلاء كأجلٍ الحر، لأن ضرر الزوجة في الصورتين سواء. وقال أبو حنيفة: إن طلاقَه وطلاقَ الحر سواء إذا كانت امرأتاهما حرتينٍ إعمالاً لإِطلاق نصوص الطلاق، وعمومها للحر والعبد. وقال أحمد بن حنبل والناسُ معه: صيامُه في الكفارات كلِّها، وصيامُ الحر سواء، وحدُّه في السرقة والشراب، وحدُّ الحر سواء. قالوا: ولو كانت هذه الآثارُ أو بعضُها ثابتاً، لما سبقتُمونا إليه، ولا غلبتُمونا عليه، ولو اتفقت آثارُ الصحابة لم نَعْدُهَا إلى غيرها، فإن الحقَّ لا يعدُوهم، وبالله التوفيق. حُكم رسولِ الله ﴾ بأن الطلاق بیدِ الزوج لا بيدِ غيره قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ٢٥٤ [الأحزاب: ٤٩]، وقال: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهِنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ سَرِّحوهُنّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] نجعل الطلاقَ لمن نكح، لأن له الإمساكَ، وهو الرجعة، وروى ابن ماجه في ((سننه)): من حديث ابن عباس، قال: أتى النبيَّبَّه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله! سيِّدي زوَّجني أمتَه، وهو يُريد أن يفرِّق بيني وبينَها. قال: فَصَعِدَ رسولُ الله ◌َِّ المنبرَ، فقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إنَّما الطَّلاَقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ)(١) . وقد روى عبدُ الرزاق، عن ابنِ جُريج، عن عطاء، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، كان يقول: طلاقُ العبدِ بيدِ سيِّده، إن طلَّق، جاز، وإن فرق، فهي واحدة إذا كانا له جميعاً، فإن كان العبدُ له، والأمةُ لغيره، طلَّق السيدُ أيضاً إن شاء(٢) . وروى الثوريُّ عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عنه: ليس طلاقُ العبد ولا فرقتُه بشيء. وذكر عبدُ الرزاق، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير سمع جابراً يقول في الأمة والعبد: سيدُهما يجمعُ بينهما ويُفرِّق(٣). وقضاءُ رسول الله بِّهِ أحقُّ أن يُتبع: وحديثُ ابن عباس رضي الله عنهما المتقدِّم، وإن كان في إسناده ما فيه، فالقرآنُ يَعْضُدُه، وعليه عملُ الناس. حُکم رسولِ الله ێ﴾ فیمن طلَّق دونَ الثلاث، ثم راجعها بعدَ زوج أنها على بقية الطلاقِ ذكر ابنُ المبارك، عن عثمانَ بنِ مِقْسَمٍ، أنه أخبره، أنه سمع نُبُيْهَ بنَ وهب، (١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٨١) في الطلاق: باب طلاق العبد، وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، وقد قواه المؤلف باعتضاده بالقران، وبعمل الناس. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٦٠). (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٦٤). ٢٥٥ يُحدِّث عن رجل من قومه، عن رجل من أصحاب رسول الله وَ له: أن رسولَ الله ◌ٌَّ قضى في المرأة يُطلِّقُها زوجُها دونَ الثلاث، ثم يرتجِعُها بعد زوج أنها على ما بقي من الطلاق(١). وهذا الأثر وإن كان فيه ضعيف ومجهول، فعليه أكابر الصحابة، كما ذكر عبد الرزاق في ((مصنفه))، عن مالك، وابن عيينة، عن الزُّهري، عن ابن المسيِّب، وحُميد بن عبد الرحمن، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسُليمان بن يسار، كلهم يقول: سمعتُ أبا هريرة يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: أيُّما امرأةٍ طلَّقها زوجُها تطليقةً أو تطليقتين، ثم تركها حتَّى تَنْكِحَ زوجاً غيره، فيموتَ عنها، أو يُطَلقَها ثم ينكحها زوجُها الأول، فإنها عنده على ما بقي مِن طلاقها(٢). وعن علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين رضي الله عنهم مثله(٣) . قال الإِمام أحمد: هذا قولُ الأكابر مِن أصحاب النبيِّ ◌َِّر. وقال ابنُ مسعود، وابنُ عمر، وابنُ عباس، رضي الله عنهم: تعودُ على الثلاث (٤) ، قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: نِكاح جديدٌ، وطلاقٌ جدید. وذهب إلى القولِ الأَوَّلِ أهلُ الحديث، فيهم أحمدُ، والشافعيُّ، ومالكُ، وذهب إلى الثاني أبو حنيفة، هذا إذا أصابها الثاني، فإن لم يُصبها فهي على ما بقي من طلاقها عند الجميع، وقال النخعي: لم أسمع فيها اختلافاً، ولو ثبت الحديثُ (١) أخرجه عبد الرزاق (١١١٥٩) وعثمان بن مِقْسَم البُري تركه يحيى القطان وابن المبارك، وقال أحمد: حديثه منكر، وقال النسائي والدارقطني: متروك. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١١١٥٠) وإسناده صحيح. أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١١١٥٤) و(١١١٥٥) و(١١١٥٦) و(١١١٥٧) (٣) و(١١١٥٨). (٤) أخرجه عبد الرزاق (١١١٦٣) و(١١١٦٤) و(١١١٦٥) و(١١١٦٦). ٢٥٦ لكان فصلَ النزاع في المسألة، ولو اتفقت آثارُ الصحابة، لكانت فصلاً أيضاً. وأما فقه المسألة فمتجاذب، فإن الزَّوج الثاني إذا هَدَمَتْ إصابتُه الثلاثَ، وأعادتها إلى الأول بطلاقٍ جديدٍ، فما دُونها أولى، وأصحابُ القول الأول يقولون: لما كانت إصابة الثاني شرطاً في حِلِّ المطلقة ثلاثاً للأول لم يكن بُدٌّ مِن هدمها وإعادتها على طلاق جديدٍ، وأما مَنْ طُلِّقَت دونَ الثلاث، فلم تُصادِف إصابة الثاني فيها تحريماً يُزيلُه، ولا هي شرطٌ في الحِلِّ للأول، فلم تَهْدِمْ شيئاً، فوجودُها كعدمها بالنسبة إلى الأول، وإحلالها له، فعادت على ما بقي كما لو لم يُصبها، فإن إصابتَه لا أثر لها البتة، ولا نكاحه، وطلاقُه معلّق بها بوجه ما، ولا تأثيرَ لها فیه. حُكم رسولِ الله ◌ُِّ في المطلقة ثلاثاً لا تَحِلُّ للأول حتى يطأها الزوجُ الثاني ثبت في «الصحيحين)): عن عائشة رضيَ اللّهُ عنها، أن امرأةَ رفاعة القُرِيّ جاءت إلى رسولِ الله ◌َِّ، فقالت: يا رسولَ الله! إن رِفاعة طلَّقني، فَبَتَّ طلاقي، وإني نكحتُ بعدَه عبد الرحمن بنَ الزُّبير القُرظي، وإنَّ ما معه مثلُ الهُذْبَةِ، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلى رِفَاعَةَ. لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَك))(١) . وفي ((سنن النسائي)): عن عائشةَ رضيَ الله عنها، قالت: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((العُسَيْلَةُ: الجِماعُ وَلَوْ لَمْ يُنْزِل)»(٢). (١) أخرجه البخاري ٤٠٨/٩، ٤١١ في الطلاق: باب إذا طلقها ثلاثاً، ثم تزوجت بعد العدة زوجاً غيره فلم يمسها، ومسلم (١٤٣٣) في النكاح: باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره ويطأها، والهدية، بضم الهاء: طرف الثوب الذي لم ينسج مأخوذ من هدب العين، وهو شعر الجفن، وأرادت أن ذكره يشبه الهدية في الاسترخاء وعدم الانتشار. (٢) لم نجده في المطبوع من النسائي، ولعله في الكبرى، وأخرجه أحمد في ((المسند) . زاد المعاد ج ٥-م٩ ٢٥٧ وفيها عن ابن عمر، قال: سُئِلَ رسولُ اللّهِ وَ﴿ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امرأَتَه ثلاثاً، فيتزوَّجُها الرجُل، فَيُغْلِقُ البابَ، ويُرخي السِّتر، ثم يُطلِّقها قبل أن يدخُلَ بها؟ قال: (لاَ تَحِلُّ لِلأَوَّلِ حَتَّى يُجَامِعَها الآخَرُ))(١). فتضمن هذا الحكم أموراً. أحدها: أنه لا يُقبل قولُ المرأة على الرجل أنه لا يقدِرُ على جماعها. الثاني: أن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، خلافاً لمن اكتفى بمجرد العقد، فإن قوله مردود بالسنة التي لا مرد لها. الثالث: أنه لا يُشترط الإِزال، بل يكفي مجردُ الجماع الذي هو ذوقُ العسيلة . الرابع: أنه ◌َ﴾ لم يجعلْ مجردَ العقد المقصود الذي هو نكاح رغبة كافياً، ولا اتصال الخلوة به، وإغلاق الأبواب، وإرخاء الستور حتى يتّصل به الوطءُ، وهذا يدل على أنه لا يكفي مجرد عقد التحليل الذي لا غرضَ للزوج والزوجة فيه سوى صورةٍ العقد، وإحلالها للأول بطريق الأولى، فإنه إذا كان عقد الرغبة المقصود للدوام غيرَ كافٍ حتى يوجد فيه الوطء، فكيف يكفي عقدُ تيسٍ مستعار لِيحلَّها لا رغبة له في إمساكها، وإنما هو عارِيَّة كحمار العشريين المستعار للضِّراب؟. ٦٢/٦، وفي سنده مجهول، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣٤١/٤، ونسبه إلى أبي = يعلى، وقال: وفيه أبو عبد الملك المكي لم أعرفه بغير هذا الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح. (١) أخرجه النسائي ١٤٩/٦ في الطلاق: باب إحلال المطلقة ثلاثاً ... ، وأحمد (٤٧٧٦) و(٤٧٧٧)، وفي سنده رزين بن سليمان الأحمري ويقال : سليمان بن رزين، وسالم بن رزين وهو مجهول، وباقي رجاله ثقات، والطبري ٢/ ٤٧٧ و٤٧٨ . ٢٥٨ حُكمُ رسول الله مَّ في المرأة تُقيم شاهداً واحداً على طلاقِ زوجها والزَّوجُ منکر ذكر ابنُ وضَّاح عن ابن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن ابن جُريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ ◌َّ، قال: ((إِذَا ادَّعَتِ المَرْأَةُ طَلاَقَ زَوْجِهَا، فَجَاءَتْ عَلَى ذلِكَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَدْلٍ، استُحْلِفَ زَوْجُهَا، فإِنْ حَلَفَ بَطَلَتْ عَنْهُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ، وإنْ نَكَلَ فَتُكُولُه بِمَنْزِلَةٍ شَاهِدٍ آخَرَ، وَجَازَ طَلَاقُه))(١)، فتضمَّن هذا الحكمُ أربعةَ أمور. أحدُها: أنه لا يُكتفى بشهادة الشاهد الواحِد في الطلاق، ولا مَع يمين المرأة، قال الإِمام أحمد: الشاهدُ واليمين إنما يكون في الأموال خاصة لا يقعُ في حدٍّ، ولا نِكاح، ولا طلاق، ولا إعتاق، ولا سرقة، ولا قتل. وقد نصَّ في رواية أخرى عنه على أن العبدَ إذا ادَّعى أن سيدَه أعتقه، وأتى بشاهد، حلف مع شاهده، وصار حراً، واختاره الخِرقي، ونص أحمد في شريكين في عبد ادَّعى كُلُّ واحد منهما أن شريكَه أعتق حقَّه منه، وكانا مُعِسرَيْنِ عدلين، فللعبد أن يحلِفَ مع كُلِّ واحد منهما، ويصيرَ حراً، ويحلِفَ مع أحدهما، ويصيرَ نصفُه حراً، ولكن لا یعرف عنه أن الطلاق یثبتُ بشاهِدٍ ویمین. وقد دلَّ حديثُ عمرو بن شعيب هذا على أنه یثبُت بشاهِدٍ ونکولِ الزوج، وهو الصوابُ إن شاء الله تعالى، فإن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، لا يُعرف من أئمة الإسلام إلا من احتج به، وبنى عليه وإن خالفه في بعضٍ المواضع، وزهيرُ بن محمد، الراوي عن ابن جريج، ثقة محتج به في ((الصحيحين))، وعمرو بن أبي سلمة، هو أبو حفص التنيسي ، محتج به في ((الصحيحين)) أيضاً، فمن احتجَّ بحديث عمرو بن شعيب. فهذا من أصح حديثه. (١) وأخرجه ابن ماجه (٢٠٣٨) في الطلاق: باب الرجل يجحد الطلاق، ورجاله ثقات وصححه البوصيري في ((الزوائد)). ٢٥٩ الثاني: أن الزوجَ يُستحلف في دعوى الطلاق إذا لم تَقُمْ المرأة به بينة، لكن إنما استحلفه مع قوة جانب الدعوى بالشاهد. الثالث: أنه يحكم في الطلاق بشاهدٍ، ونكول المذَّعى عليه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه يحكُّم بوقوعه بمجرَّد النكول من غير شاهد، فإذا اذَّعت المرأة على زوجها الطلاقَ، وأحلفناه لها في إحدى الروايتين، فَنَكَّلَ، قضي عليه، فإذا أقامت شاهداً واحداً ولم يَحلفِ الزوج على عدم دعواها، فالقضاء بالنكول عليه في هذه الصورة أقوى. وظاهر الحديث: أنه لا يُحكم على الزوج بالنكول إلا إذا أقامت المرأةُ شاهداً واحداً، كما هو إحدى الروايتين عن مالك، وأنه لا يُحكم عليه بمجرد دعواها مع نكوله، لكن من يقضي عليه به يقول: النكولُ إما إقرارٌ، وإما بينة، وكلاهما يُحكم به، ولكن ينتقِضُ هذا عليه بالنكولِ في دعوى القصاص، ويُجاب بأن النكولَ بدل استغني به فيما يُباح بالبدل، وهو الأموالُ وحقوقها دون النكاح وتوابعه . الرابع: أن النكولَ بمنزلة البينة، فلما أقامت شاهداً واحداً وهو شطرُ البينة كان النكولُ قائماً، مقام تمامها. ونحن نذكرُ مذاهبَ الناس في هذه المسألة، فقال أبو القاسم بن الجلاب في ((تفريعه)): وإذا ادعت المرأةُ الطلاقَ على زوجها لم يُحَلَّف بدعواها، فإن أقامت على ذلك شاهداً واحداً، لم تُحلف مع شاهدها، ولم يثبتِ الطلاقُ على زوجها، وهذا الذي قاله لا يُعلم فيه نزاع بين الأئمة الأربعة. قال: ولكن يحلف لها زوجها، فإن حلف، بریءَ من دعواها. قلتُ: هذا فيه قولان للفقهاء، وهما روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: أنه يحلفُ لدعواها، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأبي ٢٦٠