النص المفهرس

صفحات 221-240

مخرمة بن بكير بن الأشج، عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد فذكره،
ومخرمة ثقة بلا شك، وقد احتج مسلم في «صحيحه)) بحديثه عن أبيه .
والذين أعلوه قالوا: لم يسمع منه، وإنما هو كتابٌ .. قال أَبُو طالب:
سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير؟ فقال: هو ثقة، ولم يسمع من أبيه،
إنما هو كتابُ مخرمة، فنظر فيه، كُلُّ شيء يقول: بلغني عن سُليمان بن يسار،
فهو مِن كتاب مخرمة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعتُ يحيى بنَ معين
يقول: مخرمةُ بن بکیر وقع إلیه کتابُ أبيه، ولم يسمعه. وقال في رواية عباس
الدُّوري: هو ضعيفٌ، وحديثُه عن أبيه كتاب، ولم يسمعه منه، وقال أبو داود:
لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحداً، حديثَ الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم عن
خاله موسى بن سلمة: أتيتُ مخرمة فقلت: حدثك أبُوك؟ قال: لم أُدْرِكْ أبي،
ولكن هذه کتبه.
والجوابُ عن هذا من وجهين.
أحدهما: أن كِتابَ أبيه كان عنده محفوظاً مضبوطاً، فلا فرقَ في قيامِ
الحجة بالحديثِ بينَ ما حدَّثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذُ عن النسخة أحوطُ إذا
تيقّن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقةُ الصحابة والسلف، وقد كان
رسولُ الله ◌ِِّ يبعثُ كتبه إلى الملوك، وتقوم عليهم بها الحجة، وكتب كتبه إلى
عُماله في بلاد الإسلام، فعملوا بها، واحتجوا بها، ودفع الصديق كتابَ
رسول الله ◌َّ في الزكاة إلى أنس بن مالك، فحمله، وعَمِلَتْ به الأمةُ، وكذلك
كتابُه إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان عند آل عمرو، ولم يزل السلفُ
والخلفُ يحتجُّون بكتابٍ بعضهم إلى بعض، ويقول المكتوبُ إليه: كتب إلي
فلان أن فلاناً أخبره، ولو بطل الاحتجاجُ بالكُتُب، لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسرُ
اليسير، فإن الاعتماد إنما هو على النَّسْخِ لا على الحفظ، والحفظ خَوَّان،
والنسخة لا تخون، ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدِّمة أن أحداً مِن أهل
العِلْمِ رَدَّ الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يُشافهني به الكاتبُ، فلا أقبلُه، بل كُلُهم
٢٢١

مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه کتابُه .
الجواب الثاني: أن قول من قال: لم يسمع من أبيه، مُعارَض بقول من
قال: سمع منه، ومعه زيادةُ علم وإثبات، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل
أبي عن مخرمة بن بكير؟ فقال: صالحُ الحديث. قال: وقال ابنُ أبي أويس:
وجدت في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة عما يُحدِّث به عن أبيه، سمعها مِن
أبيه؟ فحلف لي: وَرَبِّ هذه الَِّيَّةِ - يعني المسجدَ - سمعتُ من أبي. وقال
عليُّ بنُ المديني: سمعتُ معن بن عيسى يقول: مخرمةٌ سمع من أبيه، وعرض
عليه ربيعة أشياء مِن رأي سليمان بن يسار، وقال علي: ولا أظن مخرمَة سمع مِن
أبيه كتابَ سليمان، لعلَّه سمع منه الشيءَ اليسير، ولم أجد أحداً بالمدينة يخبرني
عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي، ومخرمة ثقة.
انتهى. ويكفي أن مالكاً أخذ كِتابه، فنظر فيه، واحتجَّ به، في ((موطئه))، وكان
يقول: حدثني مخرمة، وكان رجلاً صالحاً. وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن
أبي أويس، قلت: هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة، من هو؟ قال:
مخرمة بن بكير. وقيل لأحمد بن صالح المصري: كان مخرمة من ثقات الرجال؟
قال: نعم، وقال ابنُ عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة: أحاديثُ
حِسانٌ مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به .
وفي (صحيح مسلم)) قولُ ابنِ عمر للمطلِّق ثلاثاً: ((حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ
زَوْجاً غَيْرَكَ، وعَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ)) (١)، وهذا تفسيرٌ منه
للطلاق المأمور به، وتفسيرُ الصحابي حُجَّةٌ، وقال الحاكم: هو عندنا مرفوع(٢).
(١) أخرجه مسلم (١٤٧١) (١٣) في الطلاق: باب تحريم طلاق الحائض.
(٢) لقد أوضح المؤلف رحمه الله في ((إعلام الموقعين)) ١٥٣/٤ قول الحاكم هذا، فقال:
مراده أنه في حكم المرفوع في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي
في الآية قولاً، فلنا أن نقول: هذا القول قول رسول الله وص له، أو قال رسول الله صلَله
وله وجه آخر وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله مثل بين لهم =
٢٢٢

ومن تأمّل القرآن حقَّ التأمل، تبيَّن له ذلك، وعرف أن الطلاقَ
المشروعَ بعدَ الدخول هو الطلاقُ الذي يَمِلكُ به الرجعة، ولم يشرعِ اللّهُ
سبحانه إيقاعَ الثلاث جملةً واحدة البتة، قال تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ ،
ولا تعقِلُ العرب في لغتها وقوعَ المرتين إلا متعاقبتين، كما قال النبيُّ ◌َّ: ((مَنْ
سَبَّحَ اللّهَ دُبَرَ كُلِّ صَلاَةٍ ثلاثاً وَثَلاَئِينَ، وحمِده ثلاثاً وثلاثين، وكَبَّرَهُ أَرْبَعاً
وثَلاثِينَ)(١)، ونظائره فإنه لا يُعقل مِن ذلك إلا تسبيح وتكبيرٌ وتحميدٌ متوالٍ يتلو
بعضُه بعضاً، فلو قال: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله
أكبر أربعاً وثلاثين بهذا اللفظ، لكان ثلاثَ مرات فقط. وأصرحُ من هذا قوله
سبحانه: ﴿وَالَّذِينْ يَزْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّ أَنْفُسُهُمْ، فَشَهَادَةُ
أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ باللّهِ﴾ [النور: ٦] فلو قال: أشهدُ باللهِ أربع شهادات إني
لمن الصادقين، كانت مرَّة، وكذلك قولُه: ﴿وَيَدْرَؤْ عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ
شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] فلو قالت: أشهدُ باللّه أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ
إنه لمن الكاذبين، كانت واحدة، وأصرحُ مِن ذلك قولُه تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُم
مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] فهذا مرة بعد مرة، ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿نُؤْتِها
معاني القرآن، وفسره لهم كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فبين
=
لهم القرآن بياناً شافياً كافياً، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه،
فأوضحه له، كما سأله الصديق عن قوله تعالى: ﴿من يعمل سوءاً يُجز به﴾ فبين له
المراد، وكما سأله الصحابي عن قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾
فبين لهم معناها، وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى: ﴿فسوف يحاسب حساباً
يسيراً﴾ فبين لها أنه العرض، وكما سأله عمر عن الكلالة، فأحاله على آية الصيف
التي في آخر سورة النساء، وهذا كثير جداً، فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن، فتارة
ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية
بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها، وتارة بمعناها، وهذا أحسن الوجهين،
وقد قيد رحمه الله الأخذ بتفسير الصحابي إذا لم يخالفه أحد من الصحابة.
(١) تقدم تخريجه وهو صحيح.
٢٢٣

أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، وقوله ◌َّةَ: ((ثَلاثَةٌ يُؤْتَونَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ))(١)،
فإن المرتين هنا هما الضِّعفان، وهما المِثلان، وهما مِثلان في القدر، كقوله
تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وقوله: ﴿فَتَتْ أُكُلَهَا
ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي: ضعفي ما يُعذّب به غيرها، وضعفي ما كانت
تُؤتي، ومن هذا قولُ أنس: انشق القمرُ على عهد رسول الله ◌َّه مرتين، أي:
شقتين وفرقتين، كما قال في اللفظ الآخر: انشق القمرُ فِلْقَتَيْنِ(٢). وهذا أمر
معلوم قطعاً أنه إنما انشق القمرُ مرة واحدة، والفرقُ معلوم بينَ ما يكون مرَّتين في
الزمان، وبين ما يكونُ مِثْلَيْنِ وجزأين ومرتين في المضاعفة. فالثاني: يتصور فيه
اجتماعُ المرتين في آن واحد، والأول لا يتصورُ فيه ذلك.
ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاثَ جملة: أنه قال تعالى: ﴿والمُطَلَّقَاتُ
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذلِكَ إنْ
أَرَادُوا إصْلَاحاً﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فهذا يَدُلُّ على أن كُلَّ طلاق بعد الدخول،
فالمطلِّق أحقُّ فيه بالرجعة سوى الثالثةِ المذكورة بعد هذا، وكذلك قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، فهذا هو الطلاقُ المشروعُ، وقد ذكر
الله سبحانه وتعالى أقسامَ الطَّلاقِ كُلَّها في القرآن، وذكر أحكامَها، فذكر
(١) أخرجه البخاري ١٧١/١، ١٧٢ في العلم: باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه،
ومسلم (١٥٤) في الإيمان: باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ◌ّ من حديث
أبي موسى الأشعري أن رسول الله رؤية قال: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من
أهل الكتاب آمن بنبيه، وأدرك النبي ﴿﴿، فآمن به، واتبعه وصدقه، فله أجران،
وعبد مملوك أدى حقَّ الله تعالى، وحق سيده، فله أجران، ورجل كانت له أمة،
فغذاها، فأحسن غذاءها، ثم أدَّبها، فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله
أجران».
(٢) أخرجه البخاري ٦/ ٤٦٤ في الأنبياء: باب سؤال المشركين أن يريهم النبي محلّ آية،
فأراهم انشقاق القمر، ومسلم (٢٨٠٢) في صفات المنافقين: باب انشقاق القمر.
٢٢٤

الطلاقَ قبلَ الدخول، وأنه لا عِدَّة فيه، وذكر الطلقة الثالثة، وأنها تُحَرِّمُ الزوجة
على المطلِّق حتى تنكح زوجاً غيره، وذكر طلاقَ الفداء الذي هو الخُلْعُ، وسماه
فِدية، ولم يحسبْه مِن الثلاث كما تقدم، وذكر الطلاقَ الرجعيَّ الذي المُطَلِّقُ أحقُّ
فيه بالرجعة، وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة.
وبهذا احتج أحمدُ والشافعيُّ وغَيْرُهُما على أنه ليس في الشرع طلقةٌ واحدة
بعد الدخول بغيرِ عوض بائنة، وأنه إذا قال لها: أنتِ طالق طلقة بائنة كانت
رجعية، ويلغو وصفُها بالبينونة، وأنه لا يملك إبانَتها إلا بعوض. وأما أبو حنيفة،
فقال: تبينُ بذلك، لأن الرجعة حق له، وقد أسقطها، والجمهور يقولون: وإن
كانت الرجعة حقاً له لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه، فلا يملك إسقاطَه إلا
باختيارها، وبذلِها العوضَ، أو سؤالها أن تفتديَ نفسَها منه بغير عوض في أحد
القولين، وهو جوازُ الخلع بغير عوض.
وأما إسقاطُ حقها مِن الكِسوة والنفقةِ بغير سؤالها ولا بذلِها العوضَ،
فخلافُ النص والقیاس .
قالوا: وأيضاً فالله سبحانه شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعِها للرجل
المرأة، فإنهم كانوا يُطَلِّقُون في الجاهلية بغير عددٍ، فيطلِّق أحدُهم المرأة كلما
شاء، ويُراجِعُها، وهذا وإن كان فيه رفق بالرجل، ففيه إضرار بالمرأة، فنسخ
سبحانه ذلك بثلاث، وقصر الزوجَ عليها، وجعله أحقَّ بالرجعة ما لم تنقضٍ
عدتها، فإذا استوفى العدد الذي مُلِّگه، حرمت عليه، فكان في هذا رِفق بالرجل إذ
لم تحرم عليه بأولٍ طلقة، وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثرَ من ثلاث، فهذا شرعُه
وحِكمتُه، وحدودُه التي حدَّها لعباده، فلو حَرُمَتْ عليه بأوَّل طلقة يطلِّقها كان
خلافَ شرعه وحكمته، وهو لم يملك إيقاعَ الثلاث جملة، بل إنما ملك واحدةً،
فالزائدُ عليها غیرُ مأذون له فيه .
قالوا: وهذا كما أنه لم يملك إبانَتَها بطلقةٍ واحدة، إذ هو خلاف ما شرعه،
٢٢٥
زاد المعاد ج ٥-م٨

لم يملك إبانتها بثلاثٍ مجموعة، إذ هو خلافُ شرعه.
ونُكتة المسألة أن الله لم يجعل للأمة طلاقاً بائناً قطُّ إلا في موضعين.
أحدهما: طلاقُ غيرِ المدخول بها. والثاني: الطلقة الثالثة، وما عداه من الطلاق،
فقد جعل للزوج فيه الرجعة، هذا مقتضى الكتاب كما تقدَّم تقريرُه، وهذا قولُ
الجمهور، منهم: الإِمامُ أحمد، والشافعيّ، وأهل الظاهر، قالُوا: لا يملك إبانتها
بدونِ الثلاث إلا في الخلع .
ولأصحاب مالك ثلاثةُ أقوال فيما إذا قال: أنتِ طالق طلقة لا رجعة فيها.
أحدها: أنها ثلاث، قاله ابن المَاحِشون لأنه قطع حقه من الرجعةِ، وهي لا تنقطع
إلا بثلاث، فجاءت الثلاث ضرورة. الثاني: أنها واحدة بائنة، كما قال، هذا قولُ
ابنِ القاسم، لأنه يملك إبانتها بطلقة بعوض، فملكها بدونه، والخلعُ عنده طلاق.
الثالث: أنها واحدة رجعية، وهذا قولُ ابنٍ وهب، وهو الذي يقتضيه الكتابُ
والسنة والقياس، وعليه الأكثرون.
فصل
هل يقع الطلاق ثلاثاً فيمن
قاله بكلمة واحدة
وأما المسألة الثانية، وهي وقوعُ الثلاث بكلمة واحدة، فاختلف الناسُ فيها
على أربعةِ مذاهب.
أحدُها: أنها تقع، وهذا قولُ الأئمة الأربعة، وجمهور التابعين، وكثير من
الصحابة رضي الله عنهم.
الثاني: أنها لا تقع بل تُرَدُّ لأنها بدعة محرمة، والبدعةُ مردودة، لقولِهِ إِلّ :
((مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدِّ) (١) وهذا المذهبُ حكاه أبو محمد ابنُ
حزم، وحُكي للإِمام أحمد فأنكره، وقال: هو قولُ الرافضة.
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (١٧١٨) (١٨)، واتفقا على إخراجه بلفظ ((من أحدث في
أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)».
٢٢٦

الثالث: أنه يقعُ به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس، ذكره أبو داود
عنه. قال الإِمام أحمد: وهذا مذهبُ ابن إسحاق، يقول: خالف السنة فيرد إلى
السنة، انتهى، وهو قول طاووس، وعِكرمة، وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية .
الرابع: أنه يُفَرَّقُ بينَ المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث بالمدخول بها،
ويقع بغيرها واحدة، وهذا قولُ جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهبُ
إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب ((اختلاف
العلماء)» .
فأما من لم يُوقعها جملة، فاحتجُوا بأنه طلاقُ بدعة محرم، والبدعةُ حجج من لم يعتدها شيئاً
مردودة، وقد اعترف أبو محمد ابنُ حزم بأنها لو كانت بدعة محرمة، لوجب أن
تُردَّ وتَبطل، ولكنه اختار مذهبَ الشافعي أنَّ جمعَ الثلاثِ جائز غيرُ محرم،
وستأتي حجةُ هذا القول.
وأما مَنْ جعلها واحدة، فاحتج بالنصِّ والقياس، فأما النص، فما رواه حجج من جعلها واحدة
معمر، وابن جريج عن ابن طاووس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس:
ألم تعلمْ أنَّ الثلاث كانت تُجعلُ واحدةً على عهد رسول الله ◌ََّ، وأبي بكرٍ،
وصدراً مِن إمارة عمر؟ قال نعم. رواه مسلم في ((صحيحه).
وفي لفظ: ألم تعلم أن الثلاثَ كانت على عهد رسول الله بَّهَ، وأبي بكرٍ،
وصدراً من خلافة عمر تُرَدُّ إلى واحدة؟ قال: نعم(١).
(١) أخرجه مسلم (١٤٧٢) في الطلاق: باب طلاق الثلاث، وأحمد ٣١٤/١، وأبو داود
(٢١٩٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار) ٣٢/٢، والحاكم ١٩٦/٢، وقال
الحافظ ابن رجب الحنبلي، ولأئمة الإسلام في هذا الحديث طريقان، أحدهما:
مسلك الإِمام ومن وافقه، وهو يرجع إلى الكلام في إسناد الحديث بشذوذه، وانفراد
طاووس به، وأنه لم يتابع عليه، وانفراد الراوي بالحديث، وإن كان ثقة، هو علة
في الحديث يوجب التوقف فيه، وأن يكون شاذاً ومنكراً إذا لم يرو معناه من وجه
يصح، وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين كالإمام أحمد ويحيى بن معين ويحيى بن=
٢٢٧

وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أن ابن جريج
قال: أخبرني بعضُ بني أبي رافع مولى رسولِ الله ◌ِّ، عن عِكرمة، عن ابن
عباس، قال: طلَّقَ عبدُ يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، ونكح امرأةً مِن
مُزينة، فجاءت النبيَّ نَّه فقالت: ما يُغني عنِّي إلا كما تغني هذه الشعرةُ، لِشعرة
أخذتها مِن رأسها، ففرق بيني وبينه، فأخذت النبيَّ څ حميّةٌ فدعا بُرکانة وإخوته، ثم
قال لجلسائه: ((أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ فُلاناً يُشْبِهُ مِنْهُ كَذا وكَذَا مِنْ عَبْدِ يَزِيد، وفُلاناً مِنْهُ كَذَا
وكَذَا))؟ قالوا: نعم، قال النبيُّ وَّرَ لعبد يزيد: ((طَلِّقْها))، ففعل ثم قال: ((رَاجِعِ
امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكَانَة وإخوته))، فقال: إنى طلقتُها ثلاثاً يا رسولَ الله، قال: ((قَدْ عَلِمْتُ
سعيد القطان، وعلي بن المديني، وهذا الحديث ما يرويه عن ابن عباس غير
=
طاووس. قال الإمام أحمد في رواية منصور: كل أصحاب ابن عباس روى عنه
خلاف ما روى طاووس، وقال الجوزجاني: هو حديث شاذ، وقد عُنيت بهذا
الحديث في قديم الدهر، فلم أجد له أصلاً ... ثم قال ابن رجب: وقد صح عن
ابن عباس وهو راوي الحديث أنه أفتى بخلاف هذا الحديث، ولزوم الثلاثة
المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعي كما ذكره في ((المغني))، وهذه أيضاً علة
في الحديث بانفرادها، فكيف وقد انضم إليها الشذوذ والإنكار، وإجماع الأمة على
خلافه، وقال إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)): طاووس مع فضله وصلاحه
يروي أشياء منكرة، منها هذا الحديث، قال ابن رجب: وكان علماء مكة ينكرون
على طاووس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل.
الطريق الثاني مسلك ابن راهويه، ومن تابعه: وهو الكلام في معنى الحديث
وهو أن يحمل على غير المدخول بها، نقله ابن منصور عن إسحاق بن راهويه،
وأشار إليه الحوفي في ((الجامع)) وبوب عليه أبو بكر بن الأثرم في ((سننه)) وأبو بكر
الخلال، يدل عليه ما في ((سنن أبي داود)) (٢١٩٩) من رواية حماد بن زيد، عن
أيوب، عن غير واحد، عن طاووس، عن ابن عباس: كان الرجل إذا طلق امرأته
ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوه واحدة على عهد رسول الله يمهليؤثر وأبي بكر وصدر من
إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم، وأيوب إمام
كبير، فإن قيل: تلك الرواية مطلقة، قلنا: نجمع بين الدليلين، ونقول هذا قبل
الدخول.
٢٢٨

رَاجِعْهَا)) وتَلاَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾(١).
وقال الإِمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، عن
محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولی ابن عباس،
عن عبد الله بن عباس، قال: طلَّق رُكانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثاً
في مجلس وحد، فَحَزِنَ عليها حُزناً شديداً، قال: فسأله رسولُ اللهِصلّ: ((كَيْفَ
طَلَّقْتَها)»: فقال: طلقتُها ثلاثاً، فقال: ((في مَجْلِسٍ وَاحدٍ؟)) قال: نعم، قال:
((فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَارْجِعْها إِنْ شِئْتَ)؟ قال: فَرَاجَعَهَا. فكان ابنُ عباس يرى أنما
الطلاقُ عند كل طهر (٢).
قالوا: وأما القياسُ، فقد تقدَّم أن جمعَ الثلاثِ محرَّم وبِدعة، والبدعةُ
مردودة، لأنها ليست على أمر رسولِ الله ◌َّةٍ، قالوا: وسائرُ ما تقدم في بيان
التحريم يدلُّ على عدم وقوعها جملة. قالوا: ولو لم يكن معنا إلا قولُه تعالى:
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ﴾ [النور: ٦]، وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُ عَنْهَا العَذَابَ
أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ باللّهِ﴾ [النور: ٨]، قالوا: وكذلك كُلُّ ما يُعتبر له التكرار
من حلف أو إقرار أَو شهادة، وقد قال النبيُّ ◌َ﴿: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً،
وتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُم))(٣).
فلو قالوا: نحلِفُ باللّهِ خمسينَ يميناً: إن فلاناً قتله، كانت يميناً
واحدة. قالوا: وكذلك الإِقرار بالزنى، كما في الحديث: أن بعض الصحابة
قال لِماعز: إن أقررت أربعاً، رجمك رسولُ الله ◌ٍَّ، فهذا لا يُعقل أن تكون
الأربع فيه مجموعةً بفم واحد.
حجج من فرق بين
المدخول بها وغيرها
وأما الذين فرَّقوا بين المدخول بها وغيرِها، فلهم حجتان.
(١) أخرجه أبو داود (٢١٩٦) وقد تقدم.
(٢) أخرجه أحمد رقم (٢٣٨٧) ٢٦٥/١ وداود بن الحصين ثقة إلا في روايته عن
عكرمة.
(٣) صحيح وقد تقدم ص١٠ .
٢٢٩

إحداهما: ما رواه أبو داود بإسناد صحيح، عن طاووس، أن رجلاً
يُقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال له: أما علمت أن
الرَّجُل كَان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد
رسول الله وَ ل وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر؟ فلما رأى عمرُ الناسَ قد
تَتَايَعُوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم(١).
الحجة الثانية: أنها تبينُ بقوله: أنت طالق، فيُصادِفُها ذكرُ الثلاث وهي
بائن، فتلغو، ورأى هؤلاء أن إلزام عمر بالثلاث هو في حقِّ المدخول بها،
وحديثُ أبي الصهباء في غيرِ المدخول بها. قالوا: ففي هذا التفريقِ موافقةُ
المنقول من الجانبين، وموافقةُ القياس، وقال بكل قول مِن هذه الأقوال
جماعةٌ من أهل الفتوى، كما حكاه أبو محمد ابنُ حزم وغيرُه، ولكن عدم
الوقوع جملة هو مذهبُ الإِمامية، وحكَوْهُ عن جماعة من أهل البيت.
قال الموقعون للثلاث: الكلامُ معكم في مقامين.
حجج من أوقعها ثلاثاً
أحدهما: تحريم جمع الثلاث. والثاني: وقوعها جملة ولو كان
محرمةً، ونحن نتكلَّمُ معكم في المقامين. فأما الأول:
فقد قال الشافعي، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات
عنه، وجماعةٌ من أهل الظاهر: إن جمع الثلاث سنة، واحتجوا عليه بقوله
تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة:
٢٣٦]، ولم يفرِّق بين أن تكون الثلاثُ مجموعةً، أو مفرَّقة، ولا يجوز أن
نفرِّق بينَ ما جمع الله بينه، كما لا نجمع بين ما فرَّق الله بينه. وقال تعالى:
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَشُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، ولم يفرِّق وقال:
﴿لَاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُم النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَشُّوهُنَّ﴾ الآية، ولم يفرّق وقال:
(١) أخرجه أبو داود (٢١٩٩) في الطلاق: باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث.
٢٣٠

﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَشُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم
يفرِّق. قالوا: وفي ((الصحيحين))، أن عُويمراً العجلانيَّ طلق امرأتَه ثلاثاً
بحضرة رسول الله * قبل أن يأمُرَه بطلاقها (١). قالوا: فلو كان جمعُ الثلاث
معصيةً لما أقرَّ عليه رسولُ الله ◌َِّ، ولا يخلُو طلاقُها أن يكونَ قد وقع وهي
امرأته، أو حِينَ حرمت عليه باللعان. فإن كان الأول، فالحجة منه ظاهرة،
وإن كان الثاني، فلا شَكَّ أنه طلقها، وهو يظنُّها امرأته، فلو كان حراماً،
◌َبَيَّنَها له رسولُ الله ◌ََّ، وإن كانت قد حرمت عليه. قالوا: وفي ((صحيح
البخاري))، من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة أمّ المؤمنين، أن رجلاً
طلق امرأته ثلاثاً، فتزوَّجت، فطلقت، فسئل رسول اللهبحل﴾، أتحل للأول؟
قال: ((لاَ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها كَمَا ذَاقَ الأَوَّلُ))(٢)، فلم يُنْكِرْنَّ ذلك، وهذا
يَدُلُّ على إباحة جمع الثلاث، وعلى وقوعها، إذ لو لم تقع، لم يوقف
رجوعها إلى الأول على ذوق الثاني عسيلتها.
قالوا: وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن
فاطمة بنت قيس أخبرته أنَّ زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلَّقها
ثلاثاً، ثم انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر، فأتوا
رسولَ الله ◌ِ ◌َّ في بيتِ ميمونَة أمِّ المؤمنين، فقالُوا: إن أبا حفص طلَّق امرأتَه
ثلاثاً، فهل لها من نفقة؟ فقال رسولُ الله ◌َّةٍ: ((لَيْسِ لَهَا نَفَقَةٌ وَعَلَيْهَا
العِدَّة))(٣).
(١) أخرجه البخاري ٣٢١/٩ في الطلاق: باب من جوز الطلاق الثلاث، ومسلم
(١٤٩٢) في اللعان من حديث سهل بن سعد.
(٢) أخرجه البخاري ٣٢١/٩، والنسائي ١٤٨/٦، وأبو داود (٢٣٠٩) من حديث الأسود
عن عائشة.
(٣) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٣٨) و(٤٨) في الطلاق: باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها.
٢٣١

وفي ((صحيح مسلم)) في هذه القصة: قالت فاطمةُ، فأتيتُ
رسولَ الله ◌َّه، فقال: ((كَمْ طَلَّقَكِ))؟ قلت: ثلاثاً، فقال: ((صَدَقَ لَيْسَ لَكِ
نَفَقَة» .
وفي لفظ له: قالت: يا رسولَ الله! إن زوجي طلقني ثلاثاً، وإني أخافُ
أن يُقْتَحَمَ عَلَيَّ(١).
وفي لفظ له: عنها، أن النبيَّ ◌َّ قال في المطلقة ثلاثاً: ((لَيْسَ لَهَا
سُكْنى ولاَ نَفَقَةٌ(٢) .
قالوا: وقد روى عبدُ الرزاق في ((مصنفه)) عن يحيى بن العلاء، عن
عُبيد الله بن الوليد الوصَّافي، عن إبراهيم بن عُبيد الله بن عُبادة بن الصامت،
عن داود بن عبادة بن الصامت(٣)، قال: طلَّق جدِّي امرأةً لهُ ألفَ تطليقة،
فانطلق أبي إلى رسولِ الله ◌َ ◌َّ، فذكر له ذلك، فقال النبيُّ ◌َ له: ((مَا اتَّقَى اللّهَ
جَدُّك، أَمَّا ثَلاَثٌ فَلَهُ، وأَمَّا تِسْعُمِائَةً وَسَبْعَةٌ وتِسْعُونَ فَعُدْوَانٌ وَظُلْمٌّ، إِنْ شَاءَ
اللّهُ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (٤).
ورواه بعضُهم عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عُبيد الله بن
عبادة بن الصامت، عن أبيهِ، عن جده، قال: طلَّق بعضُ آبائي امرأته، فانطلق
بنوه إلى رسولِ اللهِوَ﴾، فقالوا: يا رسولَ الله! إن أبانا طلَّق أُمَّنا ألفاً، فهل له
مِن مخرج؟ فقال: إنَّ أَبَاكُمْ لَمْ يَتَّقِ اللهِ، فَيَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجاً، بَانَتْ مِنْهُ بِثَلاَتٍ
أخرجه مسلم (١٤٨٢).
(١)
(٢)
أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤٤).
كذا في الأصل وفي ((المصنف)) ورواه الدارقطني عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن
(٣)
الصامت، عن أبيه، عن جده.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٣٩) والدار قطني ص ٤٣٣، وهو حديث ضعيف جداً، بل
باطل وسيبين المصنف ذلك قريباً.
٢٣٢

عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، وتِسْعُمائَةٍ وسَبْعَةٌ وتِسْعُونَ إِثْمٌّ في عُنُقِهِ)).
قالوا: وروى محمد بن شاذان، عن معلَّى بنِ منصور، عن شُعيب بن
زُريق، أن عطاء الخراساني حدَّثهم عن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن عمر
رضي الله عنهما، أنه طلَّق امرأته وهي حائض، ثم أراد أن يُتبعها بطلقتين
أخريين عند القَرءين الباقيين، فبلغ ذلك رسولَ الله لَّه، فقال: ((يا ابْنَ عُمَرَ!
ما هكذا أَمَرَكَ اللّهُ، أَخْطَأْتَ السّنَّةَ» ... وذكر الحديث وفيه، فقلت: يا
رسول الله! لو كنت طلقتُها ثلاثاً، أكان لي أن أجمعها، قال: ((لَ، كَانَتْ تَبِينُ
وتَكُونُ مَعْصِيَةً))(١).
قالوا: وقد روى أبو داود في ((سننه)): عن نافع بن عُجير بن
عبد يزيد بن ركانة، أن رُكانة بن عبد يزيد طلَّق امرأته سُهيمة البتة، فأُخْبِرَ
النبيُّ ◌ََّ بذلك، فقال رسولُ اللّهِ بِه: واللّهِ مَا أَرَدْتَ إلاَّ وَاحِدَةً))؟ فقال
رُكانة: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردَّها إليه رسولُ اللّهِ بِّهِ، فطلَّقَها الثانيةَ في
زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان(٢).
وفي ((جامع الترمذي)): عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن
أبيه، عن جده، أنه طلَّق امرأته البتة، فأتى رسولَ الله ◌ِلَه فقال: ((مَا أَرَدْتَ
بها)»؟ قال: واحدة، قال: ((الله))، قال: آللّهِ، قال: ((هُو عَلى مَا أَرَدْتَ))(٣).
قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألتُ محمداً - يعني البخاري -
عن هذا الحديث؟ فقال: فيه اضطراب.
ووجهُ الاستدلالِ بالحديث، أنه ◌َّ أحلفه أنه أرادَ بالبثَّةِ واحدةً، فدل
على أنه لو أراد بها أكثَر، لوقع ما أراده، ولو لم يفترق الحال لم يُحلِّفه.
(١) ذكره في ((المحلى)) ١٦٩/١٠.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٠٦) في الطلاق: باب في البتة.
(٣) أخرجه الترمذي (١١٧٧) في الطلاق: باب في الرجل يطلق امرته ألبتة.
٢٣٣

قالوا: وهذا أصحُّ مِن حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع عن عِكرمة،
عن ابن عباس أنه طلقها ثلاثاً. قال أبو داود: لأنهم ولد الرجل، وأهلُه أعلمُ
به أن ركانة إنما طلقها البتة .
قالوا: وابنُ جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع. فإن كان عُبيد الله
فهو ثقة معروف، وإن كان غيرَه من إخوته، فمجهولُ العدالة لا تقومُ به
حُجة.
قالوا: وأَمَّا طريقُ الإِمام أحمد، ففيها ابن إسحاق، والكلامُ فيه
معروف، وقد حكى الخطابيُّ، أن الإِمام أحمد كان يُضَعِّفُ طرقَ هذا الحديث
كلّها .
قالوا: وأصحُّ ما معكم حديثُ أبي الصهباء عن ابن عباس، وقد قال
البيهقي: هذا الحديثُ أحدُ ما اختلف فيه البخاريُّ ومسلم، فأخرجه مسلم
وتركه البخاري، وأظنه تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس، ثم ساق
الروايات عنه بوقوع الثلاث، ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير، وعطاء بن
أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث،
ومحمد بن إياس بن البكير، قال: ورويناه عن معاوية بن أبي عياش
الأنصاري، كُلُّهم عن ابن عباس، أنه أجاز الثلاث وأمضاهن.
وقال ابن المنذر: فغير جائز أن يُظنَّ بابنِ عباس أنه يحفظُ عن النبي
شيئاً ثم يُقتي بخلافه.
وقال الشافعي: فإن كان معنى قولِ ابنِ عباس: إن الثلاث كانت تُحسب
على عهد رسول الله وَ﴾ واحدة، يعني أنه بأمر النبي ◌َّه فالذي يُشبه
- والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد علم أنه كان شيئاً فنسخ. قال البيهقي:
ورواية عكرمة عن ابن عباس فيها تأكيدٌ لصحة هذا التأويل - يريد البيهقي -
ما رواه أبو داود والنسائي، من حديث عكرمة في قوله تعالى: ﴿والمُطَلَّقَاتُ
٢٣٤

يَتَرَّبِصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية ... وذلك أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته
فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاَقُ
مَرَّتَانٍ﴾(١).
قالوا: فيحتمِلُ أن الثلاثَ كانت تُجعل واحدة من هذا الوقت، بمعنى
أن الزوج كان يتمكن من المراجعة بعدها، كما يتمكَّن من المراجعة بعد
الواحدة، ثم نسخ ذلك.
وقال ابنُ سريج(٢): يُمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من
الطلاق الثلاث، وهو أن يفرِّق بين الألفاظ، كأن يقول: أنت طالق، أنت
طالق، أنت طالق، وكان في عهد رسول الله وَّر، وعهد أبي بكر رضي الله عنه
الناسُ على صدقهم وسلامتهم لم يكن فيهم الخِب والخِداع، فكانوا يُصدَّقون
أنهم أرادوا به التأكيد، ولا يُريدون به الثلاثَ، فلما رأى عمر رضي الله عنه
في زمانه أموراً ظهرت، وأحوالاً تغيّرت، منع من حمل اللفظ على التكرار،
وألزمهم الثلاث.
وقالت طائفة: معنى الحديث أنَّ الناس كانت عادتُهم على عهدٍ
رسولِ الله ◌َّ﴾ إيقاعَ الواحدة، ثم يدعها حتى تنقضيَ عدتُها، ثم اعتادوا
الطلاقَ الثلاث جملة، وتتايَعُوا فيه، ومعنى الحديث على هذا: كان الطلاقُ
الذي يُوقعه المطلق الآن ثلاثاً يُوقِعُهُ على عهد رسول الله ◌ِ ◌ّ﴾، وأبي بكر
واحدة، فهو إخبارٌ عن الواقع، لا عن المشروع.
(١) أخرجه أبو داود (٢١٩٥) في الطلاق: باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث،
والنسائي ٢١٢/٦ وسنده حسن.
(٢) في الأصل ((ابن جريج)) وهو تحريف، وابن سريج هو الإمام العلامة شيخ الإِسلام
القاضي أبوالعباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي إمام الشافعية، وقدوتهم في
عصره، ولي القضاء بشيراز، وتوفي ببغداد سنة ٣٦٠ هـ، وتصانيفه بلغت أربعمائة
مصنف. مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ص ٨١١.
٢٣٥

وقالت طائفة: ليس في الحديث بيانُ أن رسولَ اللهِ مِ﴿ هو الذي كان
يجعل الثلاثَ واحدة، ولا أنه أُعلم بذلك فأقرَّ عليه، ولا حُجة إلا فيما قاله
أو فعله، أو علم به فأقرَّ عليه، ولا يُعلم صحةٌ واحدةٍ من هذه الأمور في
حديث أبي الصهباء.
قالُوا: وإذا اختلفت علينا الأحاديثُ، نظرنا إلى ما عليه أصحابُ
رسولِ اللهِ وََّ، فإنَّهم أعلمُ بسنته، فنظرنا فإذا الثابتُ عن عمر بن الخطاب
الذي لا يَثْبُتُ عنه غيره ما رواه عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن
كُهيل، حدثنا زيدُ بن وهب، أنه رُفِعَ إلى عمر بن الخطاب رجل طلق امرأته
ألفاً، فقال له عمر: أطلقتَ امرأتَك؟ فقال: إنما كنتُ ألعب، فعلاه عُمَرُ
بالدِّرَّةِ، وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث(١).
وروی وکیع، عن الأعمش، عن حبيب بنِ أبي ثابت، قال: جاء رجل
إلى علي بن أبي طالب، فقال: إني طلقتُ امرأتي ألفاً، فقال له عليٍّ: بانت
منك بثلاث، واقسِمْ سَائِرَهن بينَ نسائك(٢) .
وروى وكيع أيضاً، عن جعفر بن بُرقان، عن معاوية بن أبي يحيى،
قال: جاء رجلٌ إلى عثمان بن عفان، فقال: طلقتُ امرأتي ألفاً، فقال: بانَتْ
منك بثلاث(٣).
وروى عبدُ الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن
سعيد بنِ جبير، قال: قال رجلٌ لابنِ عباس: طلقتُ امرأتي ألفاً، فقال له ابنُ
عباس: ثلاثٌ تُحرِّمُها عليك، وبقيتُها عليك وِزْر، اتخذت آيات الله هزواً(٤).
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٤٠) والبيهقي ٣٣٤/٧.
(٢) ذكره في ((المحلى)) ١٠/ ١٧٢، وفيه انقطاع.
(٣)
((المحلى)) ١٠/ ١٧٢.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٥٣) وإسناده صحيح.
٢٣٦

وروى عبدُ الرزاق أيضاً، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن
علقمة، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إني طلقتُ امرأتي تسعاً
وتسعين، فقال له ابنُ مسعود: ثلاث تُبينها منك، وساتُرهن عُدوان(١).
وذكر أبو داود في ((سنته))، عن محمد بن إياس، أن ابن عباس، وأبا
هريرة، وعبدَ الله بن عمرو بن العاص، سُئِلُوا عن البِكر يُطلِّقُها زوجُها ثلاثاً،
فَكُلُهم قال: لا تَحِلُّ له حتى تَنكِحَ زوجاً غيرَه(٢) .
قالوا: فهؤلاء أصحابُ رسول الله وَّل كما تسمعون قد أوقعوا الثلاثَ
جملةً، ولو لم يكن فيهم إلا عمر المحدَّث المُلْهَمُ وحدَه،، لكفى، فإنه لا
يُظن به تغييرُ ما شرعه النبي ◌َّهُ مِن الطلاق الرجعي، فيجعله محرَّماً، وذلك
يتضمَّن تحريمَ فرج المرأة على من لم تَحْرُمْ عليه، وإباحته لمن لا تَحِلُّ له،
ولو فعل ذلك عمر، لما أقرَّه عليه الصحابةُ، فضلاً عن أن يُوافقوه، ولو كان
عندَ ابنِ عباس حجة عن رسول الله وََّ أن الثلاثَ واحدة لم يُخَالِفْها. ويُفتي
بغيرها موافقةً لعمر، وقد علم مخالفته له في العَوْل، وحجب الأم بالاثنين
من الإخوة والأخوات، وغير ذلك.
قالوا: ونحنُ في هذه المسألة تبع لأصحاب رسول الله بَّةَ، فَهُمْ أعلمُ
بسنته وشرعه، ولو كان مستقراً مِن شريعته أن الثلاثَ واحدة وتُوفِّي والأمر
على ذلك لم يَخْفَ عليهم، ويعلمه مَنْ بعدهم، ولم يُحْرَمُوا الصَّواب فيه،
ويُوفَّق له مَنْ بعدهم، ويروي حبرُ الأمة وفقيهُها خبرَ كونِ الثلاث واحدة
ويُخالفه.
قال المانعون من وقوع الثلاث: التحاكُم في هذه المسألة وغيرها إلى حجج المانعين من وقوع
من أقسم اللّهُ سبحانه وتعالى أصدقَ قَسَمٍ، وأبره، أنا لا نُؤْمِنُ حتى نُحَكِّمَه
الثلاث
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٤٣) ورجاله ثقات، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٩٨) وإسناده صحيح.
٢٣٧
٠

فيما شَجَرَ بيننا، ثم نَرضى بحُكمِه، ولا يلحقُنا فيه حرجٌ، ونسلِّم له تسليماً لا
إلى غيره كائناً مَنْ كان، اللهم إلا أن تُجمعَ أمته إجماعاً متيقناً لا نشكُ فيه
على حُكم، فهو الحقُّ الذي لا يجوز خلافُه،، ويأبى الله أن تجتمع الأمة على
خلاف سنة ثابتة عنه أبداً، ونحن قد أوجدناكُم من الأدلة ما تثبتُ المسألة به،
بل وبدُونه، ونحن نُناظركم فيما طعنتم به في تلك الأدلة، وفيما عارضتمونا
به على أنا لا نحكِّم على أنفسنا إلا نصَّاً عن الله، أو نصاً ثابتاً عن
رسول الله ◌َّ﴾، أو إجماعاً متيقَّناً لا شكَّ فيه، وما عدا هذا فعُرضة للنزاع،
وغايتُه أن يكون سائغَ الاتِّباع لا لازمَه، فلتكن هذه المقدمة سلفاً لنا عندكم،
وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازِعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[النساء: ٥٩]، فقد تنازعنا نحن وأنتم في هذه المسألة، فلا سبيل إلى ردِّها
الى غير الله ورسوله البتة، وسيأتي أننا أحقُّ بالصحابة، وأسعدُ بهم فيها،
فنقول :
أمَّا منعُكم لتحريم جمع الثلاث، فلا ريبَ أنها مسألة نزاع، ولكن
الأدلة الدالة على التحريم حجةٌ عليكم.
أما قولكم: إن القرآن دل على جواز الجمع، فدعوى غيرُ مقبولة، بل
باطلة، وغايةُ ما تمسكتم به إطلاقُ القرآن للفظ الطلاق، وذلك لا يعمُّ جائزه
ومحرَّمه، كما لا يدخل تحتَه طلاقُ الحائض، وطلاقُ الموطوءة في طهرها،
وما مَثَلُكُم في ذلك إلا كَمَثَلٍ مَنْ عارض السنة الصحيحة في تحريم الطلاق
المحرم بهذه الإِطلاقات سواء، ومعلوم أن القرآن لم يدلّ على جواز كل
طلاق حتى تُحمِّلوه ما لا يُطيقه، وإنما دلَّ على أحكام الطلاق، والمُبيِّنُ عن
اللّهِ عز وجلَّ بَيَّنَ حَلَالَه وحَرَامِه، ولا ريب أنا أسعدُ بظاهر القرآن كما بينا في
صدر الاستدلال، وأنه سبحانه لم يشرع قط طلاقاً بائناً بغيرِ عوض لمدخول
بها، إلا أن يكونَ آخرَ العدد، وهذا كتابُ الله بيننا وبينكم، وغايةُ ما تمسكتم
به ألفاظ مطلقة قيَّدتْها السنة، وبينت شروطها وأحكامها.
٢٣٨

وأما استدلالُكم بأن الملاعِنَ طلَّق امرأته ثلاثاً بحضرة رسولِ الله ◌ِّهه
فما أصحَّه مِن حديث، وما أبعدَهُ مِن استدلالكم على جواز الطلاق الثلاث
بكلمة واحدة في نكاح يقصد بقاؤه ودوامه، ثم المستدل بهذا إن كان ممن
يقول: إن الفرقة وقعت عقيبَ لِعان الزوج وحده، كما يقولُه الشافعي، أو
عَقيبَ لعانهما وإن لم يفرِّق الحاكم، كما يقوله أحمد في إحدى الروايات
عنه، فالاستدلالُ به باطل، لأن الطلاق الثلاث حينئذ لغو لم يفد شيئاً، وإن
كان ممن يُوقف الفرقة على تفريق الحاكم، لم يصح الاستدلال به أيضاً لأن
هذا النكاح لم يبق سبيلٌ إلى بقائه ودوامه، بل هو واجبُ الإِزالة، ومؤبَّدُ
التحريم، فالطلاقُ الثلاث مؤكِّد لمقصود اللعان، ومقرِّر له، فإن غايتَه أن
يُحرِّمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره، وفرقة اللعان تحرِّمها عليه على الأبد،
ولا يلزم من نفوذ الطلاق في نكاح قد صار مستحقَّ التحريم على التأبيد نفوذُه
في نكاح قائم مطلوبٍ البقاء والدوام، ولهذا لو طلقها في هذا الحال وهي
حائض، أو نفساء أو في طُهر جامعها فيه، لم يكن عاصياً، لأن هذا النكاح
مطلوب الإزالة مؤبد التحريم، ومن العجب أنكم متمسِّكون بتقريرٍ
رسول الله وَّة على هذا الطلاق المذكور، ولا تتمسكون بإنكاره وغضبه
للطلاق الثلاثِ مِن غير الملاعن، وتسميته لعباً بكتاب الله كما تقدم، فكم بينَ
هذا الإقرار وهذا الإنكار؟ ونحن بحمد الله قائلون بالأمرين، مُقِرُّون لما أقره
رسول الله المصلحة، منكرون لما أنكره.
وأما استدلالُكم بحديث عائشة رضي الله عنها، أن رجلاً طلّق امرأته
ثلاثاً فتزوَّجت، فَسُئِلَ رسولُ اللهِوَّهَ، هل تحل للأول؟ قال: ((لا، حَتَّى تَذُوقَ
العُسَيْلة))، فهذا لا نُنازِعُكم فيه، نعم هو حجةٌ على من اكتفى بمجرد عقد
الثاني، ولكن أينَ في الحديث أنه طلَّق الثلاثَ بغم واحد، بل الحديثُ حجة
لنا، فإنَّه لا يُقال: فعلَ ذلك ثلاثاً، وقال ثلاثاً إلا من فعل، وقال: مرةً بعد
٢٣٩

مرةٍ، هذا هو المعقولُ في لغات الأمم عربِهم وعجمِهم، كما يقال: قذفه
ثلاثاً، وشتمه ثلاثاً، وسلَّم عليه ثلاثاً.
قالوا: وأما استدلالُكم بحديثِ فاطمة بنت قيس، فَمِنَ العجب
العُجاب، فإنكم خالفتُموه فيما هو صريحٌ فيه لا يقبلُ تأويلاً صحيحاً، وهو
سقوطُ النفقة والكسوة للبائن مع صحته وصراحته، وعدم ما يُعارِضُه مقاوماً
له، وتمسكتُم به فيما هو مجمل، بل بيانُه في نفس الحديث مما يُبطِلُ تعلُّقكم
به، فإن قوله: طلَّقها ثلاثاً ليس بصريح في جمعها، بل كما تقدم، كيف وفي
((الصحيح)) في خبرها نفسِه مِن رواية الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن
عُتبة، أن زوجها أرسل إليها بتطليقةٍ كانت بقيت لها مِن طلاقِها(١).
وفي لفظ في ((الصحيح)): أنه طلقها آَخِرَ ثلاث تطليقاتٍ(٢)، وهو سند
صحيح متصل مثلُ الشمس، فكيف ساغ لكم تركُه إلى التمسك بلفظ مجملٍ،
وهو أيضاً حجةٌ عليكم كما تقدم؟.
قالوا: وأما استدلالُكم بحديثٍ عُبادة بنِ الصامت الذي رواه
عبد الرزاق، فخبر في غاية السقوط، لأن في طريقه يحيى بن العلاء، عن
عُبيد الله بن الوليد الوصَّافي، عن إبراهيم بن عبيد الله - ضعيف، عن هالك،
عن مجهول، ثم الذي يدلُّ على كذبه وبُطلانه، أنه لم يعرف في شيء من
الآثار صحيحها ولا سقيمها، ولا متصلها ولا منقطعها، أن والد عبادة بن
الصامت أدرك الإسلام، فكيف بجده، فهذا محال بلا شك، وأما حديث
عبد الله بن عمر، فأصلُه صحيحٌ بلا شك، لكن هذه الزيادة والوصلة التي فيه:
فقلتُ: يا رسولَ الله: لو طلقتُها ثلاثاً أكانت تَحِلُّ لي؟ إنما جاءت من رواية
شعيب بن زُريق، وهو الشامي، وبعضهم يقلبه فيقولُ: زُريق بن شعيب،
سـ
-
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤١).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤٠).
٢٤٠