النص المفهرس
صفحات 141-160
النبيَّ لَّهَ أتى بامرأةٍ مُجِحِّ(١) على بَابِ فُسْطَاطِ، فقال: ((لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بها))(٢).
فقالوا: نَعَمْ، فقالَ رسولُ الله ◌ِّرَ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْناً يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ،
كَيْفَ يُوَرَّتُه، وهُوَ لا يَحِلُّ لهُ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُه وهُوَ لاَ يَحِلُّ لهُ))(٣).
قال أبو محمد ابن حزم: لا يَصِحُّ في تحريم وطِ الحامِلِ خبرٌ غيرُ هذا.
انتهى، وقد روى أهل ((السنن)) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي ◌َّة
قال في سبايا أوطاس: ((لا تُوَطأْ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، ولا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحيضَ
حَيْضَةٌ)) (٤).
الاختلاف في نكاح
الحامل من رنى
وفي الترمذي وغيرِه: من حديث رُويفع بن ثابت رضي الله عنه، عن
النبي ◌َّ أنه قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَسْقِ مَاءَه وَلَدَ غَيْرِهِ» (٥).
قال الترمذي: حديث حسن ...
وفيه عن العِرباضٍ بن سَاريَةَ رضي الله عنه، أن النبيَّ ◌َّ حرَّم وطءَ السبايا
حتى يَضَعْنَ ما في بُطونهن (٦).
وقوله بَّهُ: ((كيف يُورِّثه وهو لا يحلُّ له، کیف یستخدِمُه وهو لا يَحِلُّ له))،
كان شيخُنا يقولُ في معناه: كيف يجعلُه عبداً مَوروثاً عنه، ويستخدِمُه استخدامَ
العبيد وهو ولدُه، لأن وطأه زاد في خَلْقِه؟ قال الإِمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه
وبصره. قال فيمن اشترى جاريةً حاملاً من غيره، فوطئها قبل وضعها، فإن الولد
لا يلحَقُ بالمشتري، ولا يتبعُه، لكن يعتِقُه لأنه قد شرك فيه، لأن الماءَ يزيدُ في
(١) المجح: هي الحامل التي قربت ولادتها.
(٢) يلم بها: يطؤها، وكانت حاملاً مسبية.
(٣) أخرجه مسلم (١٤٤١) في النكاح: باب تحريم وطء الحامل المسبية.
(٤) أخرجه أبو داود (٢١٥٧) والحاكم ١٩٥/٢، من حديث أبي سعيد الخدري وهو
صحيح لغيره وقد تقدم.
(٥) أخرجه أحمد ١٠٨/٤ وأبو داود (٢١٥٨) والترمذي (١١٣١) وسنده صحيح.
(٦) أخرجه أحمد ١٢٧/٤، والترمذي (١٥٦٤) وسنده حسن في الشواهد.
١٤١
الولد، وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبيِّ وَّة، مرَّ بامرأة مُجِحِّ
على باب فسطاط، فقال: ((لعله يُريد أن يُلِمَّ بها)) وذكر الحديثَ. يعني: أنه إن
استلحقه وشركه في ميراثه، لم يحل له، لأنه ليس بولده، وإن أخذه مملوكاً
يستخدِمُه لم يَحَلَّ له لأنه قد شرك فيه لكون الماء يزيدُ في الولد.
وفي هذا دلالة ظاهرةٌ على تحريم نكاح الحامِل، سواء كان حملُها مِن زوج
أو سيِّدٍ أو شُبهة أو زنى، وهذا لا خلاف فيه إلا فيما إذا كان الحملُ مِن زنى، ففي
صحة العقد قولان، أحدهما: بطلانُه وهو مذهبُ أحمد ومالك، والثاني: صحتُه
وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ثم اختلفا، فمنع أبو حنيفة مِن الوطء حتى
تنقضيَ العِدَّةُ، وكرهه الشافعي، وقال أصحابُه: لا يحرم.
فصل
في حكمه ◌َّ في الرجل يعتِقُ أمتَه ويجعل عِتقها صداقَها
ثبت عنه في ((الصحيح)): أنه أعتق صفيَّةً وجعل عِثْقَها صَدَاقَها. قيل لأنس:
ما أَصْدَقَها؟ قال: أَصْدَقَها نَفْسَها(١) وذهبَ إلى جواز ذلك عليٍّ بن أبي طالب،
وفعله أنس بن مالك، وهو مذهبُ أعلم التابعين، وسيِّدهم سعيدِ بن المسِیب،
وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والحسنِ البَصري، والزهري، وأحمد، وإسحاق.
وعن أحمد رواية أخرى، أنه لا يَصِحُّ حتى يستأنِفَ نكاحها بإذنها فإن أبت
ذلك، فعليها قيمتُها .
وعنه رواية ثالثة: أنه يُوَكِّلُ رجلاً يزوِّجه إياها.
والصحيح: هو القول الأول الموافق للسنة، وأقوالِ الصحابة والقياس،
فإنه كان يملكُ رقبتها، فأزال ملكه عن رقبتها، وأبقى ملكَ المنفعة بعقد النكاح،
(١) أخرجه البخاري ١١١/٩ في النكاح: باب من جعل عتق الأمة صداقها، ومسلم
(١٣٦٥) ١٠٤٣/٢ في النكاح: باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها.
١٤٢
فهو أولى بالجواز مما لو أعتقها، واستثنى خِدمتها، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك في غزاة
خيبر .
فصل
في قضائه مَّ في صحة النكاح الموقوفِ على الإِجازة
تخيير الكارهة
في ((السنن)): عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن جاريةً بكراً أتت
النبيَّ ◌َّز، فذكرت أنَّ أباها زوَّجَها وهي كَارِهَة، فخيَّرها النبيُّ ◌َالَّ(١).
تخيير الصغير
وقد نصَّ الإِمام أحمد على القول بمقتضى هذا، فقال في رواية صالح في
صغير زوَّجه عمه، قال: إن رضي به في وقت من الأوقات، جاز، وإن لم يرض
فسخ، ونقل عنه ابنه عبد الله، إذا زوجتِ اليتيمةُ، فإذا بلغت، فلها الخيارُ،
وكذلك نقل ابنُ منصور عنه حُكي له قولُ سفيانَ في يتيمة زُوِّجَت ودَخَلَ بها
الزوجُ، ثم حاضت عند الزوج بعدُ، قال: تُخيّرُ، فإن اختارت نفسَها لم يقع
التزويجُ، وهي أحقُّ بنفسها، وإن قالت: اخترتُ زوجي؟ فليشهدوا على
نكاحهما. قال أحمد : جید.
تخيير اليتيمة عند
البلوغ
وقال في رواية حنبل في العبد إذا تزوَّج بغير إذن سيده، ثم علم السيدُ
بذلك: فإن شاء يُطلِّق عليه، فالطلاقُ بيد السيد، وإذا أذن له في التزويج،
فالطلاقُ بيد العبد، ومعنى قوله: يطلق، أي: يُبْطِلُ العقد، ويمنع تنفيذه
وإجازته، هكذا أوَّله القاضي، وهو خلاف ظاهر النص، وهذا مذهبُ أبي حنيفة
ومالك على تفصيل في مذهبه، والقياسُ يقتضي صحةَ هذا القول، فإن الإذن إذا
جاز أن يتقدَّم القبولَ والإِيجابَ جاز أن يتراخی عنه.
تخيير السيد بزواج عبده
وأيضاً فإنه كما يجوز وقفُه على الفسخ يجوزُ وقفُه على الإِجازة كالوصية،
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٩٦) في النكاح: باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها،
وابن ماجه (١٨٧٥) في النكاح: باب من زوج ابنته وهي كارهة، وأحمد (٢٤٦٩)
وإسناده صحيح.
١٤٣
ولأن المعتبرَ هو التراضي، وحصولُه في ثاني الحال كحصولِه في الأول، ولأن
إثباتَ الخيار في عقد البيع هو وقفٌ للعقد في الحقيقة على إجازة من له الخيار
وردّه، وبالله التوفيق.
فصل
في حكمه قدّ في الكفاءة في النكاح
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً
وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال تعالى:
﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ١١]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّي لا
أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقال ◌َّهِ: ((لا فَضْلَ لِعَرَبِيِّ عَلى عَجَمِي، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبي، ولا
لِأَبْيَضَ عَلى أَسْوَدَ. ولاَ لأسْوَدَ عَلى أَبْيَضَ، إِلاَّ بِالتَّقْوَى، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وآدَمُ مِنْ
تُرابٍ))(١).
وقال ◌َّه: ((إِنَّ آَلَ بِنِي فُلاَنٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّ أَوْلِيَائِيَ المَتَّقُونَ حَيْثُ
كَانُوا وأَيْنَ كَانُوا (٢)».
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٤١١/٥ عن رجل من أصحاب النبي محد ◌ّة، وإسناده
صحیح.
(٢) أخرجه البخاري ٣٥١/١٠، ٣٥٢ في الأدب: باب تبل الرحم بيلاها، ومسلم
(٢١٥) في الإيمان: باب موالاة المؤمنين، وأحمد ٢٠٣/٤ من حديث عمرو بن
العاص قال: سمعت رسول الله ◌َّ جهاراً غير سر يقول: ((إن آل أبي فلان ليسوا لي
بأولياء، إنما ولي الله وصالحو المؤمنين)) وأخرج البخاري في «الأدب المفرد»
(٨٩٧) من حديث أبي هريرة مرفوعاً ((إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان
نسب أقرب من نسب، فلا يأتيني الناسُ بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على
رقابكم، فتقولون: يا محمد، فأقول هكذا وهكذا: لا)) وأعرض في كلا عطفيه،
و سنده حسن.
١٤٤
وفي الترمذي: عنه بِّه: ((إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إلاَّ
تَفْعَلُوه، تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ)». قالوا: يا رسولَ الله! وإن كان فيه؟
فقال: ((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوه)»، ثلاث مرات(١).
وقال النبيُّ نَّه لبني بَيَاضَة: (أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وأَنْكِحُوا إِلَيْهِ))(٢) وكان
حجَّاماً.
وزوَّج النبيُّ ◌َّه زينبَ بنتَ جَحْشِ القُرشية مِن زيد بن حارثة مولاه، وزوَّج
فاطمة بنت قيس الفِهرية القرشية من أسامة ابنه(٣)، وتزوَّج بلال بن رباح بأختِ
عبد الرحمن بن عوف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ، والطَّيِّبُون
لِلطََِّّاتِ﴾ [النور: ٢٦]. وقد قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
[النساء: ٣].
لم يعتبر القرآن والسنة
في الكفاءة إلا الدين
فالذي يقتضيه حُكُمُه ◌ِّ اعتبارُ الدِّين في الكفاءة أصلاً وكمالاً، فلا تُزوَّجُ
مسلمةٌ بكافر، ولا عفيفةٌ بفاجر، ولم يعتبرِ القرآنُ والسنةُ في الكفاءة أمراً وراءَ
ذلك، فإنه حرَّم على المسلمة نكاحَ الزاني الخبيثِ، ولم يعتبر نسباً ولا صِناعة،
ولا غِنىّ ولا حريَّةً، فجوَّز للعبد القِنِّ نكاحَ الحرَّةِ النسيبة الغنيةِ إذا كان عفيفاً
مسلماً، وجوز لغير القرشيين نكاحَ القرشيات، ولغير الهاشميين نكاحَ
الهاشميات، وللفقراءِ نكاحَ الموسرات.
وقد تنازع الفقهاءُ في أوصاف الكفاءة، فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنها
مذهب مالك
(١) أخرجه الترمذي (١٠٨٥) في النكاح: باب ما جاء فيمن ترضون دينه من حديث أبي
حاتم المزني، وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو كما قال لشواهده، منها ما
أخرجه الترمذي (١٠٨٤) وابن ماجه (١٩٦٧)، والحاكم ١٦٤/٢، ١٦٥ من حديث
أبي هريرة مرفوعاً ((إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه إلا تفعلوا تكن
فتنة في الأرض، وفساد عريض)) وأخرجه ابن عدي من حديث ابن عمر.
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٠٢) وسنده جيد، وصححه الحاكم ١٦٤/٢، ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه مسلم في (صحيحه)) (١٤٨٠).
١٤٥
الدِّينُ، وفي رواية عنه: إنها ثلاثة: الدِّين، والحريّة، والسلامةُ من العيوب.
مذهب أبي حنيفة
مذهب أحمد
وقال أبو حنيفة: هي النسبُ والدین.
وقال أحمد في رواية عنه: هي الدِّين والنسب خاصة. وفي رواية أخرى:
هي خمسة: الدِّين، والنسب، والحرية، والصناعة، والمال. وإذا اعتبر فيها
النسب، فعنه فيه روايتان. إحداهما: أن العرب بعضُهم لبعض أكفاء. الثانية: أن
قريشاً لا يكافئهم إلا قرشي، وبنو هاشم لا يُكافئهم إلا هاشمي.
مذهب أصحاب الشافعي
وقال أصحابُ الشافعي: يُعتبر فيها الدِّينُ، والنسبُ، والحُرية، والصِّناعة،
والسلامةُ من العيوب المُنَفِّرَةِ.
ولهم في اليسار ثلاثة أوجه: اعتبارُه فيها، وإلغاؤُه، واعتبارُه في أهل المدن
دون أهل البوادي، فالعجميُّ ليس عندهم كُفْتَاَ للعربي، ولا غيرُ القرشي للقرشية،
ولا غيرُ الهاشمي للهاشمية، ولا غيرُ المنتسبة إلى العلماء والصلحاء المشهورين
كفئاً لمن ليس منتسباً إليهما، ولا العبدُ كُفْثَاً للحرة، ولا العتيق كفئاً لحرة الأصل،
ولا من مَسَّ الرِّقُّ أحدَ آبائه كفئاً لمن لم يمسَّها رِق، ولا أحداً من آبائها، وفي تأثير
رِق الأمهات وجهان، ولا مَن به عيب مثبت للفسخ كُفْئَاً للسليمة منه، فإن لم
يثبت الفسخ وكان منقِّراً كالعمى والقطع، وتشويهِ الخِلقة، فوجهان. واختار
الرُّوياني، أن صاحبه ليس بكفءٍ، ولا الحجام والحائك والحارس كُفْثَاً لبنت
التاجر والخياط ونحوهما، ولا المحترف لبنت العالم، ولا الفاسق كفئاً للعفيفة،
ولا المبتدعُ للسنية، ولكن الكفاءة عند الجمهور هي حق للمرأة والأولياء.
لمن حق الكفاءة؟
ثم اختلفوا، فقال أصحاب الشافعي: هي لمن له ولاية في الحال.
وقال أحمد في رواية: حق لجميع الأولياء، قريبهم وبعيدِهم، فمن لم يرض
منهم، فله الفسخ. وقال أحمد في رواية ثالثة: إنها حقُّ اللّهِ، فلا يَصِحُ
رضاهم بإسقاطه، ولكن على هذه الرواية لا تُعتبر الحريةُ ولا اليسار، ولا
الصناعة ولا النسبُ، إنما يُعتبر الدِّينُ فقط، فإنه لم يقل أحمد، ولا أحدٌ من
١٤٦
العلماء: إن نكاح الفقير للموسرة باطل وإن رضيت، ولا يقولُ هو ولا أحدٌ:
إن نكاح الهاشمية لغير الهاشمي، والقرشية لغير القرشي باطل، وإنما نبهنا
على هذا لأن كثيراً من أصحابنا يحكُون الخلاف في الكفاءة، هل هي حق الله
أو للآدمي؟ ويطلقون مع قولهم: إن الكفاءة هي الخصالُ المذكورة، وفي هذا
من التساهلِ وعدمِ التحقيق ما فيه.
فصل
في حُكمه ◌ََّ في ثُبُوتِ الخيارِ للمعتَقة تحتَ العبدِ
ثبت في ((الصحيحين))، و((السنن)): أن بَرِيرَةَ كاتبت أهلَها، وجاءت تسألُ
النبيَّ رَّةِ في كِتابتها، فقالت عائشةُ رضي الله عنها: إن أحَبَّ أهلُك أن أعُدَّها
لهم، ويكونُ ولاؤك لي فعلتُ، فذكرت ذلك لأهلها، فأبَوْا إلا أن يكونَ الولاءَ
لهم، فقال النبيُّ ◌َّ لعائشة رضي الله عنها: ((اشْتَرِيها واشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ، فإِنَّما
الوَلاَءُ لِمِنْ أَعْتَقَ)، ثم خطبَ الناسَ فقال: ((مَا بَالُ أقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ
فِي كِتَابِ اللّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌّ، وإِنْ كَانَ مِائَةَ
شَرْطٍ، قَضَاءُ الله أحَقُّ، وشَرْطُ اللّهِ أوْثَقُ، وإِنَّمَا الولاء لِمَنْ أَعْتَقَ)، ثم خيَّرها
رسولُ اللهِ وَّ بين أن تَبْقَى على نكاح زوجها، وبين أن تَفْسَخَهُ، فاختارت نفسَها،
فقا لها: ((إنَّهُ زَوْجُكِ وأبُو وَلَدِكِ))، فقالت: يا رسولَ الله! تأمُرُني بذلك؟ قال:
(لاَ، إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ))، قالت: فلا حاجةَ لي فيه، وقال لها إِذْ خيَّرها: ((إن قَرُبَكِ،
فلا خِيارَ لك)»، وأمرها أن تعتد، وتُصُدِّقَ عليها بلحم، فأكل منه النبيُّ ◌ِلَّه وقال:
((هُوَ عَلَيْها صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ))(١).
(١) أخرجه البخاري ١٢١/٥ و١٣٥ و١٣٧ و١٤٣ و١٤٤ في العتق، و٢٣٨/٥ في
الشروط: باب ما يجوز من شروط المكاتب إذا رضي بالبيع على أن يعتق، وباب
الشروط في الولاء، و٣٥٦/٩، ٣٥٧ في النكاح: باب لا يكون بيع الأمة طلاقا،
وباب خيار الأمة تحت العبد، وباب شفاعة النبي مح 18 في زوج بريرة، وأخرجه مسلم
(١٥٠٤) (٦) و(٧) و(٨) و(٩) و(١٠) و(١١) و(١٢) و(١٤) في العتق: باب إنما =
١٤٧
جواز مكاتبة المرأة وبيع
المكاتب وإن لم يعجزه
سيده
وكان في قِصةِ بريرة من الفقه جوازُ مكاتبة المرأة، وجوازُ بيع المكاتبِ وإن
لم يُعجِّزْه سيِّدُه، وهذا مذهبُ أحمد المشهورُ عنه، وعليه أكثرُ نصوصه. وقال في
رواية أبي طالب: لا يطأ مكاتبته، ألا ترى أنه لا يقدر أن يبيعَها. وبهذا قال أبو
حنيفة، ومالكٌ، والشافعي. والنبيُّ تَّةُ أقرَّ عائشة رضي الله عنها على شرائها،
وأهلَها على بيعها، ولم يسأل: أعجزت أم لا، ومجيئُها تستعينُ في كتابتها لا
يستلزِمُ عجزَها، وليس في بيع المكاتب محذور، فإن بيعه لا يُطل كِتابته، فإنه
يبقى عند المشتري كما كان عند البائع، إن أدى إليه، عَتَقَ، وإن عجز عن الأداء،
فله أن يُعِيدَه إلى الرِّق كما كان عند بائعه، فلو لم تأت السنةُ بجواز بيعه، لكان
القیاسُ يقتضيه.
وقد ادعى غيرُ واحد الإِجماعَ القديمَ على جواز بيع المكاتَب. قالوا: لأن
قصة بريرة وردت بنقل الكافَّة، ولم يبق بالمدينة مَنْ لم يَغْرِفْ ذلك، لأنها صفقةٌ
جرت بين أمِّ المؤمنين، وبينَ بعضِ الصحابة رضي الله عنهم، وهم موالي بريرة،
ثم خطبَ رسولُ الله ◌َّهَ الناسَ في أمر بيعها خُطبةً في غير وقت الخطبة، ولا يكون
شيء أشهر مِن هذا، ثم كان مِن مشي زوجِها خلفَها باكياً في أزِقَّة المدينةِ ما زاد
الأمرَ شهرةً عند النساء والصبيان، قالوا: فظهر يقيناً أنه إجماعٌ من الصحابة، إذ لا
يُظن بصاحبٍ أنه يُخالف مِن سنة رسول الله ◌ََّ مثلَ هذا الأمر الظاهر المستفيضِ.
قالوا: ولا يُمكن أن تُوجِدُونا عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم المنعَ من بيع
المکاتب إلا روایةً شاذة عن ابن عباس لا يُعرف لها إسناد.
مستمسك من منع بيع
المكاتب
واعتذر مَنْ منع بيعَه بعُذرين. أحدهما: أن بريرَةَ كانت قد عجزَت، وهذا
الولاء لمن أعتق، وأخرجه الترمذي (٢١٢٥) و(٢١٢٦)، وأبو داود (٢٢٣١)
و(٢٢٣٢) و(٢٢٣٣) و(٢٢٣٤) و(٢٢٣٥) في الطلاق: باب في المملوكة تعتق،
وهي تحت حر أو عبد، و(٣٩٢٩) في العتق: باب في بيع المكاتب إذا فسخت
الكتابة .
١٤٨
عذرُ أصحاب الشافعي. والثاني: أن البيعَ ورد على مال الكِتابة لا على رقبتها،
وهذا عذرُ أصحاب مالك.
وهذان العُذران أحوجُ إلى أن يُعتذر عنهما مِن الحديث، ولا يَصِحُّ واحد
منهما، أما الأول: فلا ريب أن هذه القصة كانت بالمدينة، وقد شهدها العباسُ
وابنه عبد الله، وكانت الكِتابة تسع سنين في كل سنة أوقية، ولم تكن بعدُ أدَّت
شيئاً، ولا خلاف أن العباسَ وابنَه إنما سكنا المدينةَ بعد فتح مكة، ولم يعشِ
النبيُّ ◌َّ بعد ذلك إلا عامينٍ، وبعضَ الثالث، فأين العجزُ وحلولُ النجوم؟ !.
وأيضاً، فإن بريرة لم تَقُلْ: عجزتُ، ولا قالت لها عائشةُ: أعجزتِ؟ ولا
اعترف أهلُها بعجزها، ولا حكم رسولُ اللهِ وََّ بعجزها، ولا وَصَفَها به، ولا أخْبَرَ
عنها البتة، فمن أين لكم هذا العجزُ الذي تعجِزُونَ عن إثباته؟ ! .
وأيضاً، فإنها إنما قالت لعائشة: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل سنة
أوقية، وإني أُحِبُّ أن تُعينيني، ولم تقل: لم أؤدِّ لهم شيئاً، ولا مضت عليَّ نجوم
عِدَّةٌ عجزت عن الأداء فيها، ولا قالت: عجَّزني أهلي.
وأيضاً فإنهم لو عجَّزوها، لعادت في الرِّق، ولم تكن حينئذ لَتسعى في
كتابتها، وتستعِينَ بعائشة على أمر قد بَطَلَ .
فإن قيل: الذي يدل على عَجْزِهَا قولُ عائشة: إن أحب أهلك أن اشتريَك
وأعتِقَك، ويكون ولاؤُكِ لي فعلتُ. وقول النبي ◌َّ لعائشة رضي الله عنها:
((اشْتَرِبِهَا فَأَعْتِقِيها))، وهذا يدلُّ على إنشاء عتق من عائشة رضي الله عنها، وعتقُ
المكاتب بالأداء لا بإنشاء مِن السيد. قيل: هذا هو الذي أوجبَ لهم القولَ ببطلانِ
الكِتابة. قالوا: ومِنَ المعلوم أنها لا تبطُل إلا بعجز المكاتب أو تعجيزِه نفسه،
وحينئذ فيعود في الرِّق، فإنما ورد البيعُ على رقيق، لا على مكاتب.
وجوابُ هذا: أن ترتيب العِتق على الشراء لا يدُلُّ على إنشائه، فإنه ترتیبٌ
للمسبب على سببه، ولا سيما فإن عائشة لما أرادت أن تُعجِّل كتابتها جملة
١٤٩
الرد على من ادعى عجز
بريرة عن تأدية المكاتب
علیه
واحدة، كان هذا سبباً في إعتاقها، وقد قلتُم أنتم: إن قولَ النبي ◌ِّ: ((لاَ يَجْزي
وَلَدٌ وَالِدَهُ إلاَّ أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكاً فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ))(١).
الرد على من قال إن البيع
ورد على مال الكتابة
لا على رقبتها
إن هذا من ترتيب المسبب على سببه، وأنه بنفس الشراء يُعتق عليه لا يحتاج
إلى إنشاء عتق .
وأما العذرُ الثاني: فأمرُه أظهرُ، وسياقُ القصة يُبطِلُه، فإن أمَّ المؤمنين
اشترتْها، فأعتقتها، وكان ولاؤُها لها، وهذا مما لا ريبَ فيه، ولم تشترِ المالَ،
والمال كان تسعَ أواق منجَّمة، فعدَّتها لهم جملةً واحدة، ولم تتعرَّض للمال الذي
في ذمتها، ولا كان غرضها بوجهٍ ما، ولا كان لعائشة غرض في شراء الدراهم
المؤجَّلة بعددها حالَّة .
لا يجوز اشتراط ما
يخالف حكم الله
وفي القصة جوازُ المعاملة بالنقود عدداً إذا لم يختلِفْ مقدارها، وفيها أنه لا
يجوزُ لأحدٍ من المتعاقدَين أن يشترِطَ على الآخر شرطاً يُخالف حكم
الله ورسوله، وهذا معنى قوله: ((ليس في كتاب الله))، أي: ليس في حكم الله
جوازُه، وليس المرادُ أنه ليس في القرآن ذِكرُه وإباحته، ويدل عليه قوله: ((كتابُ
الله أحق، وشرطُ الله أوثق)).
هل يصح العقد الذي فيه
شرط فاسد؟
وقد استدل به من صحح العقد الذي شرط فيه شرط فاسد، ولم يبطل العقدُ
به، وهذا فيه نزاع وتفصيلٌ يظهر الصواب منه في تبيين معنى الحديث، فإنه قد
أشكل على الناس قوله: ((اشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق))، فأذن لها في .
هذا الاشتراط، وأخبر أنه لا يفيد. والشافعي طعن في هذه اللفظة وقال: إن
هشام بن عروة انفردَ بها، وخالفه غيرُه، فردها الشافعي، ولم يثبتْها، ولكن
أصحاب ((الصحيحين)) وغيرهم أخرجوها، ولم يطعنوا فيها، ولم يُعللها أحد
سوى الشافعي فيما نعلم.
(١) أخرجه مسلم (١٥١٠) في العتق: باب فضل عتق الوالد.
١٥٠
ثم اختلفوا في معناها، فقالت طائفة: اللام ليست على بابها، بل هي بمعنى معنى اللام في (اشترطي
لهم»
((على)). كقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]
أي: فعليها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ ومَنْ أَسَاءً فَعَلَيْهَا ﴾
[فصلت: ٤٦].
ورَدَّتْ طائفة هذا الاعتذار بخلافه لسياق القصة، ولموضوع الحرف،
وليس نظير الآية، فإنها قد فرَّقت بين ما للنفس وبين ما عليها، بخلاف قوله:
((اشترطي لهم)).
وقالت طائفة: بل اللام على بابها، ولكن في الكلام محذوف تقديره:
اشترطي لهم، أو لا تشترطي، فإن الاشتراط لا يُفيد شيئاً لمخالفته لكتاب الله.
وردَّ غيرُهم هذا الاعتذارَ لاستلزامه إضمارَ ما لا دليل عليه، والعلمُ به مِن
نوع علم الغيب.
وقالت طائفة أخرى: بل هذا أمرُ تهديد لا إباحة، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا ما من قال بأن الأمر أمر
شِئْتُم﴾ [فصلت: ٤٠]. وهذا في البطلان من جنس ما قبله وأظهرُ فساداً، فما
تهدید
لعائشة، وما للتهديد هنا؟، وأين في السياق ما يقتضي التهديد لها؟ نعم هُمْ أحقُّ
بالتهديد، لا أمُّ المؤمنين.
من قال بأن الأمر أمر
إباحة
وقالت طائفة: بل هو أمر إباحة وإذن، وأنه يجوزُ اشتراطِ مثلِ هذا، ويكونُ
ولاءُ المكاتب للبائع، قاله بعضُ الشافعية، وهذا أفسدُ مِن جميع ما تقدم،
وصريحُ الحديث يقتضي بطلانَه وردَّه.
من قال هو وسيلة لاظهار
بطلان هذا الشرط
وقالت طائفة: إنما أذِنَ لها في الاشتراط، ليكون وسيلة إلى ظهور بطلانِ
هذا الشرط، وعلم الخاص والعام به، وتقرَّر حكمه ◌َّه، وكان القومُ قد عِلِمُوا
حُكمِه ◌َِّ في ذلك، فلم يقنعوا دون أن يكون الولاءُ لهم، فعاقبهم بأن أذِنَ لعائشة
في الاشتراط، ثم خطبَ الناس فأذَّن فيهم ببطلان هذا الشرط، وتضمَّن حكماً من
١٥١
أحكام الشريعة، وهو أن الشرطَ الباطل إذا شُرِطَ في العقد، لم يجز الوفاء به،
ولولا الإِذن في الاشتراط لما عُلِمَ ذلك، فإن الحديثَ تضمَّن فسادَ هذا الحكم،
وهو كَونُ الولاءِ لغير المعتقِ .
وأما بطلانُه إذا شرط، فإنما استُفِيدَ مِن تصريح النبيَِّ
ببطلانه بعد
عَحاله
اشتراطه، ولعلَّ القومَ اعتقدوا أن اشتراطه يُفيد الوفاءَ به، وإن كان خلافَ مقتضى
العقد المطلق، فأبطله النبيُّ نَّة، وإن شرط كما أبطله بدون الشرط.
فإن قيل: فإذا فات مقصودُ المشترط ببطلان الشرط، فإنه إما أن يُسلَّط على
الفسخ، أو يُعطى من الأرش بقدر ما فات من غرضه، والنبيُّ لَّه لم يَقْضِ بواحدٍ
من الأمرين.
قيل: هذا إنما يثبت إذا كان المشترط جاهلاً بفساد الشرط. فأما إذا علم
بطلانه ومخالفته لحكم الله، کان عاصیاً آئماً بإقدامه على اشتراطه، فلا فسخ له
ولا أرش، وهذا أظهرُ الأمرين في موالي بريرة، والله أعلم.
ما في ((إنما الولاء لمن
أعتق)» من العموم
فصل
وفي قوله مَّه: ((إنما الولاء لمن أعتق)) مِن العموم ما يقتضي ثبوتَه لمن
أعتق سائبةً، أو في زكاة، أو كفارة، أو عتقٍ واجب، وهذا قولُ الشافعي وأبي
حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات، وقال في الرواية الأخرى: لا ولاء عليه،
وقال في الثالثة: يُرد ولاؤه في عتق مثله، ويحتجُّ بعمومه أحمد ومن وافقه في أن
المسلم إذا أعتق عبداً ذمِّياً، ثم مات العتيق، ورثه بالولاء، وهذا العمومُ أخصُّ من
قوله: ((لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ)) (١) فيخصصه أو يقيده، وقال الشافعي ومالك وأبو
حنيفة: لا يَرِثُه بالولاء إلا أن يموتَ العبدُ مسلماً، ولهم أن يقولوا: إن عموم
قوله: ((الولاء لمن أعتق))، مخصوص بقوله: ((لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ)).
(١) أخرجه البخاري ٤٣/١٢ في الفرائض: باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر
المسلم، ومسلم (١٦١٤) في الفرائض من حديث أسامة بن زيد.
١٥٢
فصل
وفي القِصةِ مِن الفقه تخييرُ الأمة المزوَّجة إذا أُعتقت وزوجُها عبدٌ، وقد تخيير الأمة المزوجة إذا
اختلفت الروايةُ في زوج بَريرة، هل كان عبداً أو حراً؟ فقال القاسم، عن عائشة
أعتقت وزوجها عبد
رضي الله عنها: كان عبداً ولو كان حراً لم يُخيِّرها. وقال عروة عنها: كان حراً.
وقال ابنُ عباس: كان عبداً أسودَ يقال له: مغيث، عبداً لبني فلان، كأني أنظر إليه
يطوف وراءها في سكك المدينة، وكل هذا في الصحيح. وفي ((سنن أبي داود))
عن عروة عن عائشة: كان عبداً لآل أبي أحمد،، فخيَّرها رسولُ الله ◌َّه وقال لها:
((إِنْ قَرُبَكِ، فَلاَ خيارَ لَكِ))(١).
وفي ((مسند أحمد))، عن عائشة رضي الله عنها: أن بَريرة كانت تحتَ عبد،
فلما أعتقتها، قال لها رسولُ الله ◌َّهِ: ((اختارِي فَإِنْ شِئْتِ أَنْ تَمْكُفِي تَحْتَ هذا
العَبْدِ، وإِنْ شِئْتِ أنْ تُفَارِقِیهِ))(٢) .
وقد روى في ((الصحيح)): أنه كان حراً.
وأصحُّ الروايات، وأكثرُها: أنه كانَ عبداً، وهذا الخبرُ رواه عن عائشة
رضي الله عنها ثلاثة: الأسود، وعروةُ، والقاسمُ، أما الأسود، فلم يختلفْ عنه
عن عائشة أنه كان حراً، وأما عروة، فعنه روايتان صحیحتان متعارضتان،
إحداهما: أنه كان حراً، والثانية: أنه كان عبداً، وأما عبد الرحمن بن القاسم،
فعنه روايتان صحيحتان، إحداهما: أنه كان حراً، والثانية: الشك. قال داود بن
مقاتل: ولم تختلفِ الروايةُ عن ابن عباس أنه كان عبداً.
واتفق الفقهاءُ على تخيير الأمةِ إذا أُعْتِقَت وزوجُها عبد، واختلفوا إذا كان
حراً، فقال الشافعيُّ ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه: لا تخييرَ، وقال أبو
اختلاف العلماء في
تخيير الأمة إذا أعتقت
وزوجها حر
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٣٦).
(٢) أخرجه أحمد ١٨٠/٦ وسنده حسن.
١٥٣
مآخذ تحقيق المناط في
إثبات الخيار للمعتقة
حنيفة وأحمد في الرواية الثانية: تُخيّر. وليست الروايتان مبنيتين على كونِ زوجها
عبداً أو حراً، بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها، وفيه ثلاثةُ مآخذ
للفقهاء، أحدها: زوالُ الكفاءة، وهو المعبَّرُ عنه بقولهم: كملت تحتَ ناقص،
الثاني: أن عتقها أوجبَ للزوج ملكَ طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له بالعقد،
وهذا مأخذُ أصحابٍ أبي حنيفة، وبنوا على أصلهم أن الطلاقَ معتبرٌ بالنساء لا
بالرجال، الثالث: ملكُها نفسها، ونحن نبين ما في هذه.
الرد على المأخذ الأول
وهو كمالها تحت ناقص
المأخذ الأول: وهو كمالُها تحت ناقص، فهذا يرجع إلى أن الكفاءة معتبرةٌ
في الدوام، كما هي معتبرة في الابتداء، فإذا زالت، خُيِّرتِ المرأةُ، كما تخيَّر إذا
بان الزوجُ غيرَ كفءٍ لها، وهذا ضعيف من وجھین .
أحدهما: أن شروطَ النكاح لا يُعتبر دوامُها واستمرارها، وكذلك توابعُه
المقارِنَةُ لعقده لا يُشترط أن تكون توابعَ في الدوام، فإن رضى الزوجة غير المجبَرة
شرط في الابتداء دونَ الدوامِ، وكذلك الوليُّ والشاهدانِ، وكذلك مانعُ الإِحرام
والعدة والزنى عند من يمنع نكاحَ الزانية، إنما يمنع ابتداء العقد دون استدامته،
فلا يلزم مِن اشتراط الكفاءة ابتداءً اشتراط استمرارها ودوامها ..
الثاني: أنه لو زالت الكفاءة في أثناء النكاح بفسقِ الزوج، أو حدوثِ عيب
موجبٍ للفسخ، لم يَثْبُتِ الخيارُ على ظاهر المذهب، وهو اختيارُ قدماء
الأصحاب، ومذهب مالك. وأثبت القاضي الخيارَ بالعيب الحادِثِ، ويلزمه إثباتُه
بحدوث فسق الزوج، وقال الشافعي: إن حدث بالزوج، ثبت الخيار، وإن حدث
بالزوجة، فعلى قولين.
وأما المأخذُ الثاني وهو أن عتقها أوجب للزوج عليها مِلكَ طلقة ثالثة،
- فمأخذٌ ضعيف جداً، فأيُّ مناسبة بين ثبوت طلقة ثالثة، وبينَ ثبوت الخيارِ لها؟
وهل نصبَ الشارعُ مِلك الطلقة الثالثة سبباً لملك الفسخ، وما يُتوهم - من أنها
كانت تَبِينُ منه باثنتين فصارت لا تَبِينُ إلا بثلاث، وهو زيادةُ إمساك وحبس لم
الرد على المأخذ الثاني
وهو أن عتقها أوجب
للزوج عليها ملك طلقة
ثالثة
١٥٤
يقتضِهِ العقدُ - فَاسِدٌ، فإنه يَمْلِكُ ألاَّ يُفارِقَها البتة، ويُمسكها حتى يُفرِّق الموتُ
بينهما، والنكاحُ عقد على مدة العمر، فهو يَمْلِكُ استدامة إمساكِها، وعتقها لا
يسلُبُه هذ الملك، فكيف يسلبه إياه ملكه عليها طلقةً ثالثة، وهذا لو كان الطلاق
معتبراً بالنساء، فكيف والصحيحُ أنه معتبر بمن هو بيده وإليه، ومشروع في
جانبه .
ترجيح المصنف للمأخذ
الثالث وهو ملكها نفسها
وأما المأخذُ الثالث: وهو ملكُها نفسَها، فهو أرجح المآخذِ وأقربُها إلى
أصول الشرع، وأبعدُها من التناقض، وسر هذا المأخذ أن السيد عقدَ عليها بحكم
الملك حيث كان مالكاً لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضي تمليكَ الرقبة والمنافع
للمعتق، وهذا مقصود العتق وحكمته، فإذا ملكت رقبتها، ملكت بُضعها
ومنافعها، ومن جملتها منافع البُضع، فلا يملك عليها إلا باختيارها، فخيَّرها
الشارعُ بين أن تُقيم مع زوجها، وبين أن تفسخَ نكاحه، إذ قد ملكت منافع
بُضعها، وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة، أنه بَّ قال لها: ((مَلَكْتِ نَفْسَكِ
فَاخْتاري».
فإن قيل: هذا ينتقِضُ بما لو زوَّجها ثم باعها، فإن المشتري قد ملك رقبتها
وبُضعها ومنافِعَه، ولا تسلّطُونه على فسخ النكاح. قلنا: لا يَرِدُ هذا نقضاً، فإن
البائع نقل إلى المشتري ما كان مملوكاً له، فصار المشتري خليفته، وهو لما
زوَّجها، أخرج منفعة البُضع عن ملكه إلى الزوج، ثم نقلها إلى المشتري مسلوبةً
منفعة البُضع، فصار كما لو آجر عبده مدة، ثم باعه. فإن قيل: فهب أن هذا
يستقيم لكم فيما إذا باعها، فهلا قلتم ذلك إذا أعتقها، وأنها ملكت نفسَها مسلوبة
منفعة البُضع، كما لو آجرها، ثم أعتقها، ولهذا ينتقِضُ عليكم هذا المأخذ؟.
قيل: الفرقُ بينهما: أن العتق في تمليك العتيق رقبتَه ومنافعه أقوى من
البيع، ولهذا ينفذ فيما لم يعتقه ويسري في حصة الشريك، بخلاف البيع، فالعتق
إسقاطُ ما كان السيد يملِكُه من عتيقه، وجعله له محرراً، وذلك يقتضي إسقاطَ
مُلكِ نفسه ومنافِعها كُلِّها. وإذا كان العتق يسري في ملك الغير المحض الذي لا
١٥٥
حقّ له فيه البتة، فكيف لا يسري إلى ملكه الذي تعلَّق به حقُّ الزوج، فإذا سرى
إلى نصيب الشريكِ الذي حقَّ للمعتق فيه، فسريانُه إلى مُلك الذي يتعلق به حقُّ
الزوج أولى وأحرى، فهذا محضُ العدل والقياس الصحيح.
فإن قيل: فهذا فيه إبطال حقِّ الزوج من هذه المنفعة، بخلاف الشريك، فإنه
یرجِعُ إلى القيمة.
قيل: الزوج قد استوفى المنفعة بالوطء، فطريانُ ما يُزيل دوامَها لا يُسقط له
حقاً، كما لو طرأ ما يُفسِدُه أو يفسخُه برضاع أو حدوث عيب، أو زوالِ كفاءة عند
من یفسُ به.
إشكالان على تخيير
المعتقة إذا كانت متزوجة
يحرّ
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه النسائي، من حديث ابن مَوْهَب، عن
القاسم بن محمد، قال: كان لعائشة رضي الله عنها غلام وجارية، قالت: فأردت
أن أعتِقَهما، فذكرتُ ذلك لرسول الله مََّ، فقال: ((ابدَئي بالغُلاَم قَبْلَ
الجَارِيَةِ))(١). ولولا أن التخيير يمنع إذا كان الزوج حراً لم يكن للبداءة بعتق الغلام
فائدة، فإذا بدأت به، عتقت تحت حر، فلا یکون لها اختیار.
وفي ((سنن النسائي) أيضاً: أن رسول الله ◌َّ﴾ قال: ((أيُّمَا أَمَةٍ كَانَتْ تَحْتَ
عَبْدٍ فَعُتِقَتْ، فَهِيَ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا زَوْجُها))(٢).
قيل: أما الحديث الأول: فقال أبو جعفر العقيلي وقد رواه: هذا خبرٌ لا
يعرف إلا بعبيد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهَب وهو ضعيف. وقال ابن حزم: هو
(١) أخرجه النسائي ١٦١/٦ في الطلاق: باب خيار المملوكين يعتقان، وفي سنده
عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب، وليس بالقوي، وسيضعفه المصنف.
(٢) أخرجه أحمد ٦٦/٤ و٣٧٨/٥ من حديث ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر،
عن الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري، عن رجال من الصحابة، وابن لهيعة
ضعيف، والفضل بن حسن مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، ولم نجد الحديث عند
النسائي، فلعله في الکبری.
١٥٦
خبر لا يصح. ثم لم صحَّ لم يكن فيه حجة، لأنه ليس فيه أنهما كانا زوجين، بل
قال: كان لها عبدٌ وجارية. ثم لو كانا زوجين لم يكن في أمره لها بعتقَ العبد أولاً
ما يُسقط خيارَ المعتقة تحتَ الحر، وليس في الخبر أنه أمرها بالابتداء بالزوج لهذا
المعنى، بل الظاهر أنه أمرها بأن تبتدىء بالذَّكَرِ لفضل عتقه على الأنثى، وأن عتق
أنثيين يقومُ مقامَ عتق ذَكَرٍ، كما في الحديث الصحيح مبيناً.
وأما الحديث الثاني: فضُعِّف، لأنه من رواية الفضل(١) بن حسن بن
عمرو بن أمية الضمري وهو مجهول. فإذا تقرر هذا، وظهر حكمُ الشرع في إثبات
الخيار لها، فقد روى الإِمام أحمد بإسناده، عن النبي ◌ََّ: ((إِذَا أُعْتِقَتِ الأَمَّةُ،
فهي بِالخِيارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا، إن شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وإِنْ وَطِئَها فَلاَ خِيَارَ لَها وَلاَ تَسْتَطِيعُ
فِرَاقَهُ)»(٢) ويُستفاد من هذا قضيتان.
إحداهما: أن خيارَها على التراخي ما لم تُمَكِّنْهُ مِن وَطئها، وهذا مذهب
مالك، وأبي حنيفة، وأحمد. والشافعي ثلاثةُ أقوال. هذا أحدُها. والثاني: أنه
على الفور، والثالث: أنه إلى ثلاثة أيام.
خيار المعتقة على
التراخي
الثانية: أنها إذا مكَّنته من نفسها، فوطئها، سقط خيارُها، وهذا إذا علمت التمكين من الوطء يسقط
بالعتق وثبوتِ الخيار به، فلو جهلتهما، لم يسقط خيارُها بالتمكين من الوطء.
وعن أحمد رواية ثانية: أنها لا تعذر بجهلها بملك الفسخ، بل إذا علمت بالعتق،
ومكَّنته مِن وطئها، سقط خيارها ولو لم تعلم أن لها الفسخ، والرواية الأولى
أصح، فإن عتق الزوج قبل أن تختار - وقلنا: إنه لا خيار للمعتقة تحت حر -
بطلَ خيارُها لمساواة الزوج لها، وحصول الكفاءة قبل الفسخ. قال الشافعي في
أحد قوليه ـــ وليس هو المنصور عند أصحابه: لها الفسخ لتقدُّم ملك الخيار على
العتق، فلا يبطله، والأوّل أقيسُ لزوال سبب الفسخ بالعتق، وكما لو زال العيبُ
(١) في الأصل: حسن بدل الفضل، وهو تحريف.
(٢) إسناده ضعيف كما تقدم لجهالة الفضل وضعف ابن لهيعة.
١٥٧
في البيع والنكاح قبل الفسخ به، وكما لو زال الإِعسار في زمن ملك الزوجة
الفسخَ به. وإذا قلنا: العلة ملكها نفسها، فلا أثر لذلك، فإن طلقها طلاقاً رجعياً،
فعتقت في عدتها، فاختارت الفسخَ، بطلت الرجعةُ، وإن اختارت المقام معه،
صح، وسقط اختيارُها للفسخ، لأن الرجعية كالزوجة.
وقال الشافعي وبعضُ أصحاب أحمد: لا يسقُط خيارُها إذا رضيت بالمقام
دون الرجعة، ولها أن تختار نفسها بعد الارتجاع، ولا يَصِحُّ اختيارُها في زمن
الطلاق، فإن الاختيارَ في زمن هي فيه صائرة إلى بينونة، ممتنع. فإذا راجعها،
صحَّ حينئذ أن تختارَه وتُقيم معه، لأنها صارت زوجة، وعمل الاختيار عمله،
وترتَّبَ أثرُه عليه. ونظيرُ هذا إذا ارتدَّ زوجُ الأمة بعد الدخول، ثم عتقت في زمن
الرَِّّة، فعلى القول الأول لها الخيار قبل إسلامه، فإن اختارته، ثم أسلم، سقط
ملكُها للفسخ، وعلى قول الشافعي: لا يَصِحُّ لها خيار قبل إسلامه، لأن العقد
صائر إلى البطلان. فإذا أسلم، صحَّ خِيارُها.
فإن قيل: فما تقولون إذا طلقها قبل أن تفسخ، هل يقع الطلاق أم لا؟ .
قيل: نعم يقع، لأنها زوجة، وقال بعضُ أصحاب أحمد وغيرُهم: يُوقف
الطلاق، فإن فسخت، تبينًا أنه لم يقع، وإن اختارت زوجها تبينًا وقوعه. فإن
قيل: فما حكم المهر إذا اختارت الفسخ؟ .
قيل: إما أن تفسخ قبل الدخول أو بعده. فإن فسخت بعدَه، لم يسقط
المهر، وهو لِسيدها سواء فسخت أو أقامت، وإن فسخت قبله ففيه قولان، هما
روايتان عن أحمد. إحداهما: لا مهر، لأن الفرقة من جهتها، والثانية، يجب
نصفُه، ویکون لسیدها لا لها.
فإن قيل: فما تقولون في المعتَق نصفُها، هل لها خيار؟ قيل: فيها قولان،
وهما روايتان عن أحمد، فإن قلنا: لا خيارَ لها كزوج مدبَّرة له لا يملك غيرها
وقيمتُها مائة، فعقد على مائتين مهراً، ثم مات، عتقت، وَلم تملك الفسخَ قبل
١٥٨
الدخول، لأنها لو ملكت، سقطَ المهرُ، أو انتصف، فلم تخرُجْ مِن الثلث، فيرق
بعضُها، فيمتنعُ الفسخُ قبل الدخول، بخلاف ما إذا لم تملكه، فإنها تخرُج من
الثلث، فيعتق جميعُها .
فصل
في قوله {مَّ: ((لو راجَعْتِهِ)) فقالت: أتأمُرني؟ فقال: ((لا، إنَّما أَنَا شافع))،
فقالت: لا حاجة لي فيه، فیه ثلاث قضايا .
إحداها: أن أمره على الوجوب، ولهذا فرَّق بين أمره وشفاعته، ولا ريبَ
أن امتثال شفاعته من أعظم المستحبات.
الأمر يقتضي الوجوب
الثانية: أنه ◌ٍَّ لم يَغْضَبْ على بريرة، ولم يُنكر عليها إذ لم تقبل شفاعته،
لأن الشفاعة في إسقاط المشفوع عنده حقه، وذلك إليه، إن شاء أسقطه، وإن شاء
أبقاه، فلذلك لا يحرُم عصيانُ شفاعته ◌َِّ، ويحرم عصيانُ أمره.
لا يحرم عصيان
شفاعته 0#
الثالثة: أن اسم المراجعة في لسان الشارع قد يكونُ مع زوال عقد النكاح معنى المراجعة في لسان
الشارع
بالكلية، فيكون ابتداءَ عقد، وقد يكون مع تشعثه، فيكون إمساكاً، وقد سمَّى
سبحانه ابتداء النكاح للمطلق ثلاثاً بعد الزوج الثاني مُراجعةً، فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا
فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣] أي: إن طلقها الثاني، فلا جناح
عليها، وعلى الأول أن يتراجعا نكاحاً مستأنفاً.
فصل
وفي أكله ◌ٍَّ مِن اللحم الذي تُصدِّقَ به على بَريرة، وقال: ((هُوَ عَلَيْهَا
صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ))، دليلٌ على جواز أكل الغني، وبني هاشم، وكل من تحرم عليه
الصدقة مما يُهديه إليه الفقير من الصدقة لاختلاف جهة المأكول، ولأنه قد بلغ
محلَّه، وكذلك يجوزُ له أن يشتريَه منه بماله. هذا إذا لم تكن صدقَة نفسه، فإن
كانت صدقَته، لم يجز له أن يشتريَهَا، ولا يَهبَها، ولا يقبلها هديةً. كما نهى
ما يستنبط من أكله (﴾
من اللحم الذي تصدق به
على بريرة
١٥٩
رسول الله ◌َّ عمر رضي الله عنه عن شِراء صدقته وقال: ((لا تَشْتَرِهِ وإِنْ أَعْطَاكَهُ
بِدِرْهَم)»(١) .
فصل
في قضائه 10 في الصداق بما قلَّ وكَثُرَ، وقضائه بصحة النكاح
على ما مع الزوج مِن القُرآن
ثبت في ((صحيح مسلم)): عن عائشة رضي الله عنها: كانَ صَدَاقُ النبيِّ ◌َ
لأَزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًّاً، فذلك خمسمائة(٢).
وقال عُمَرُ رضي الله عنه: ما عَلِمْتُ رسولَ الله پ نَگَحَ شيئاً مِن نسائه، ولا
أَنْكَحَ شيئاً مِن بناتِه على أكثرَ مِن ثنتي عشرةَ أُوقية (٣). قال الترمذي: حديث حسن
صحیح. انتھی.
والأوقية: أربعون درهماً.
وفي ((صحيح البخاري): من حديث سهل بن سعد، أن النبيَّ ◌َّ قال
لرجل: ((تَزَوَّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ))(٤).
وفي ((سنن أبي داود)): مِن حديث جابر، أن النبيَّ ◌ٍَّ قال: ((مَنْ أعْطَى في
صَداقٍ مِل ءَ كفيه سَويقاً أوْ تَمراً، فَقَدِ اسْتَحَلَّ»(٥).
(١) أخرجه البخاري ١٧٣/٥، ١٧٤ في الهبة: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته،
ومسلم (١٦٢٠) في الهبات: باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق
عليه.
أخرجه مسلم (١٤٢٦) في النكاح: باب الصداق وجواز كونه تعليم القران.
(٢)
(٣) أخرجه الترمذي (١١١٤) في النكاح، وأحمد (٢٨٥) و(٢٨٧) و(٣٤٠)، والنسائي
١١٧/٦، وأبو داود (٢١٠٦)، وسنده حسن.
(٤) أخرجه البخاري ٩/ ١٨٧ في النكاح: باب المهر بالعروض وخاتم من حديد.
(٥) أخرجه أبو داود (٢١١٠) في النكاح: باب قلة المهر، وأحمد ٣٥٥/٣ وفي سنده
موسى بن مسلم، وصوابه صالح بن رومان، قال أبو حاتم: مجهول، وضعفه =
١٦٠