النص المفهرس

صفحات 321-340

والفضة سر من أسرار الله في الأرض، وطِلَّسْمُ الحاجات، وإحسانُ أهل
الدنيا بينهم، وصاحبُها مرموقٌ بالعيون بينهم، معظَّمٌّ في النفوس، مصدَّرٌ في
المجالس، لا تُغلق دونه الأبواب، ولا تُمَلُّ مجالستُه، ولا معاشرتُه، ولا يُستثقل
مكانه، تُشير الأصابع إليه، وتعقد العيون نِطاقها عليه، إن قال، سُمِعَ قوله، وإن
شَفَعَ، قُبِلَتْ شفاعتُه، وإن شهد، زُكِّيتْ شهادتُه، وإِن خَطَبَ فَكُفء لا يُعاب،
وإن كان ذا شيبة بيضاء، فهي أجمل عليه من حلية الشباب.
وهي من الأدوية المفرحة النافعة من الهمِّ والغمِّ والحزن، وضعف القلب
وخفقانه، وتدخُلُ في المعاجين الكُبَّار، وتجتذب بخاصيتها ما يتولَّد في القلب
من الأخلاط الفاسدة، خصوصاً إذا أُضيفت إلى العسل المصفى، والزعفران.
ومزاجُها إلى اليُبوسة والبرودة، ويتولَّد عنها مِن الحرارة والرُّطوبة ما يتولد،
والجِنَانُ التي أعدها الله عز وجل لأوليائه يومَ يلقونه أربعُ: جنتانِ من ذهب،
وجنتان مِن فضة، آنيتُهُما وحليتهما وما فيهما. وقد ثبت عنه رَّ في ((الصحيح))
من حديث أم سلمة أنه قال: ((الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ في
بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ))(١).
وصحَّ عنه رَُّ أنه قال: ((لاَ تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وَلاَ تَأْكُلُوا في
صحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ في الآخِرَةِ﴾ (٢).
فقيل: علة التحريم تضييقُ النقود، فإِنَّهَا إذا اتّخذَت أواني فاتت الحِكمةُ
علة تحريم الفضة
وعمر، وعبد الله بن عمرو، وعبدالله بن عباس، وزيد بن أرقم، وواثلة بن الأسقع،
=
وعقبة بن عامر، وقد استوفى تخريجها الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية))
٢٢٢/٤ _ ٢٢٥.
(١) أخرجه البخاري ٨٤/١٠ في الأشربة: باب الشرب في آنية الذهب، ومسلم (٢٠٦٥)
في اللباس والزينة: باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة، في الشرب وغيره.
(٢) أخرجه البخاري ٤٨١/٩ في الأطعمة: باب الأكل في إناء مفضض. من حديث
حذيفة رضي الله عنه.
٣٢١
زاد المعاد ج ٤-م١١

التي وضعت لأجلها مِن قيام مصالح بني آدم، وقيل: العلة الفخر والخيلاء.
وقيل: العلة كسرُ قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها.
وهذه العلل فيها ما فيها، فإن التعليل بتضييق النقود يمنع من التحلي بها
وجعلها سبائك ونحوها مما ليس بآنية ولا نقد، والفخرُ والخيلاءُ حرام بأي شيء
كان، وكسر قلوب المساكين لا ضابط له، فإن قُلوبَهم تنكسر بالدور الواسعة
والحدائق المعجبة، والمراكبِ الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللذيذة،
وغير ذلك من المباحات، وكُلُّ هذه علل منتقَضة، إذ تُوجد العلة، ويتخلف
معلولُها.
فالصواب أن العلة - والله أعلم - ما يُكسب استعمالُها القلبَ من الهيئة،
والحالة المنافية للعبودية منافاةً ظاهرة، ولهذا علَّل النبيُّ ◌َّ بأنها للكفار في
الدنيا، إذ ليس لهم نصيب مِن العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها، فلا
يصلُح استعمالُها لعبيد الله في الدنيا، وإنما يستعمِلُها مَنْ خرج عن عبوديته،
ورَضِي بالدنيا وعاجِلهَا من الآخرة.
علته عند المصنف
حرف القاف
قرآن: قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[الإسراء: ٨٢]، والصحيحُ: أن ((من)) ها هنا، لبيان الجنس لا للتبعيض، وقال
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبَّكُمْ وشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾
[يونس: ٥٧].
فالقرآن هو الشفاء التام مِن جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواءِ الدنيا
والآخرة، وما كُلُّ أحدٍ يُؤْهَّل ولا يُوفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداويَ
به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبولٍ تام، واعتقادٍ جازم، واستيفاء
شروطه، لم يُقَاوِمْهُ الداءُ أبداً.
٣٢٢

وكيف تُقاوِمُ الأدواء كلام ربِّ الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال،
لصَدَعَهَا، أو على الأرض، لقطعها، فما مِن مرض من أمراض القُلُوبِ والأبدان
إلا وفي القُرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه، والحِمية منه لمن رزقه الله فهماً في
كتابه، وقد تقدَّم في أول الكلام على الطب بيانُ إرشاد القرآن العظيم إلى أصوله
ومجامعه التي هي حفظُ الصحة والحمية، واستفراغُ المؤذي، والاستدلالُ بذلك
على سائر أفراد هذه الأنواع.
وأما الأدوية القلبية، فإنه يذكرها مفصلة، ويذكر أسبابَ أدوائها وعلاجها.
قال: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فمن
لم يَشْفِه القرآن، فلا شفاه اللهُ، ومن لم یکفه، فلا كفاه الله .
قثاء: في ((السنن)): من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، أن
رسولَ اللهِ وَ ﴿ كانَ يأكل القِثَّاء بالرُّطب، ورواه الترمذي وغيره(١):
القثاء بارد رطب في الدرجة الثانية، مطفىء لحرارة المعدة الملتهبة، بطيء
الفساد فيها، نافع من وجع المثانة، ورائحتُه تنفع مِن الغشي، ويِزره يُدِرُّ البول،
وورقه إذا اتخذ ضِماداً، نفع من عضة الكلب، وهو بطيء الانحدار عن المعدة،
وبرده مضر ببعضها، فينبغي أن يستعمل معه ما يصلحه ويكسر برودته ورطوبته،
كما فعل رسول الله وسلم إذ أكله بالرطب، فإذا أكل بتمر أو زبيب أو عسل عدَّله.
قسط وكست: بمعنى واحد. وفي ((الصحيحين)): من حديث أنس
رضيَ اللَّهُ عنه، عن النبيِّ ◌َ ﴿(خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُم بِهِ الحِجَامَةُ والقُسْطُ
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٣٥) في الأطعمة: باب الجمع بين لونين. والترمذي (١٨٤٥)
في الأطعمة: باب ما جاء في أكل القثاء بالرطب. وابن ماجه (٣٣٢٥) في الأطعمة:
باب القثاء والرطب يجتمعان، وإسناده صحيح، وأخرجه البخاري ٤٩٥/٩ في
الأطعمة: باب القثاء، ومسلم (٢٠٤٣) في الأشربة: باب أكل القثاء بالرطب. عن
عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول الله محمد يأكل القثاء بالرطب.
٣٢٣

البَحْرِي))(١).
وفي ((المسند)): من حديث أمِّ قيس، عن النبي ◌َِّ: ((عَلَيْكُم بِهَذا العُود
الهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الجَنْبِ))(٢).
القُسْط: نوعان إحدهما: الأبيض الذي يقال له: البحري. والآخر الهندي،
وهو أشدُّهما حراً، والأبيضُ ألينهُما، ومنافعُهما كثيرة جداً.
أنواعه
وهما حاران يابسان في الثالثة، يُنشِّفان البلغم، قاطعانِ للزُّكام، وإذا شُرِبًا،
نفعا مِن ضعف الكَبِدِ والمعدة ومن بردهما، ومِن حُمَّى الذَّوْرِ والرِّبع، وقطعا وجعَ
الجنب، ونفعا مِن السُّمُوم، وإذا طُلِيَ به الوجهُ معجوناً بالماء والعسل، فَلَعَ
الكلف، وقال جالينوس: ينفع من الكُزَاز، ووجع الجنبين، ويقتل حب القَرَع.
وقد خفي على جهال الأطباء نفعُه مِن وجَع ذات الجنب، فأنكروه ولو ظفر
هذا الجاهلُ بهذا النقل عن جالينوس لنزله منزلةً النص، كيف وقد نصَّ كثيرٌ من
الأطباء المتقدمين على أن القُسط يصلحُ للنوع البلغميٍّ من ذات الجنب، ذكره
الخطابي عن محمد بن الجهم.
الرد على من أنكر نفعه
للمجنوب
وقد تقدم أن طِبَ الأطباء بالنسبة إلى طِبِّ الأنبياء أقل من نسبةٍ طِب الطُّرقية
والعجائز إلى طِب الأطباء، وأن بين ما يُلقَى بالوحي، وبين ما يُلَقَّى بالتجرِبة،
والقياسٍ مِن الفرق أعظَم مما بين القَدَم والفرق.
ولو أن هؤلاء الجھَّالَ وجدوا دواء منصوصاً عن بعض اليهود والنصارى
والمشركين من الأطباء، لتلقَّوْه بالقبول والتسليم، ولم يتوقَّقُوا على تجربته.
نعم نحن لا ننكِرُ أن للعادة تأثيراً في الانتفاع بالدواء وعدمه، فمن اعتاد
(١)
(٢)
تقدم تخريجه ص٤٨ .
أخرجه أحمد ٣٥٦/٦ وهو في ((صحيح البخاري)) ١٢٤/١٠ و١٢٥ في الطب: باب
السعوط بالقسط الهندي والبحري.
٣٢٤

دواءً وغذاءً، كان أنفع له، وأوفقَ ممن لم يعتده، بل ربما لم ينتفع به مَن لم
يعتده .
وكلامُ فضلاء الأطباء وإن كان مطلقاً، فهو بحسب الأمزجة والأزمنة،
والأماكن والعوائد، وإذا كان التقييدُ بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم،
فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق، ولكن نفوس البشر مركبة على
الجهل والظلم، إلا من أيده الله بروح الإيمان، ونور بصيرته بنور الهُدى.
قصب السُّكر: جاء في بعض ألفاظ السنة الصحيحة في الحوض ((ماؤه،
أحلى من السكر))(١)، ولا أعرف السكر في الحديث إلا في هذا الموضع.
والسكر حادث لم يتكلم فيه متقدمو الأطباء، ولا كانوا يعرفونه، ولا
يَصِفونه في الأشربة، وإنما يعرفون العسل، ويدخلونه في الأدوية، وقصبُ
السكر حار رطب ينفع من السُّعال، ويجلو الرطوبةَ والمثانة، وقصبةَ الرئة،
وهو أشدُّ تلييناً من السكر، وفيه معونة على القيء، ويُدِرُّ البول، ويزيد في
(١) لم نقف على هذا اللفظ في وصف الحوض فيما بين أيدينا من المصادر، وإنما ورد
بلفظ ((أحلى من العسل)) في ((صحيح مسلم)) (٢٤٧) من حديث أبي هريرة، وفي
الترمذي (٢٤٤٧) ومسلم (٢٣٠٠) و(«المسند» ١٤٩/٥ من حديث أبي ذر وفي
الترمذي (٢٥٤٥) من حديث أنس بن مالك، وفيه أيضاً (٣٣٥٨) و((المسند)) ٦٧/٢
من حديث ابن عمر، وفي ((المسند)) ١٩٩/٢ من حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص، وفيه أيضاً ٣٩٩/١ من حديث ابن مسعود، وفي المسند ٢٧٥/٥ و٢٨١
و٢٨٣ ومسلم (٢٣٠١) من حديث ثوبان، وفي («المسند» ٣٩٠/٥ و٣٩٤ و٤٠٦ من
حديث حذيفة. وفي ((المسند)) ٢٥٠/٥ من حديث أبي أمامة. وقد ورد لفظ السكر
في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي (٢٤٠٦) في الزهد: مرفوعاً، ولفظه:
(يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من
اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله عز وجل: أبي
يغترون، أم علي يجترؤون؟! فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم
منهم حيران)) وفي سنده يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب، وهو متروك.
٣٢٥

الباه. قال عفان بن مسلم الصفار: مَنْ مَصَّ قصبَ السكر بعد طعامه، لم يزل
يومَه أجمع في سرور، انتهى. وهو ينفع من خشونة الصدر والحلق إذا
شوي، ويولد رياحاً دفعها بأن يقشر، ويغسل بماء حار. والسكر حار رطب
على الأصح، وقيل: بارد، وأجودُه: الأبيض الشفافُ الطَّبَرْزَد(١)، وعتيقه
ألطفُ من جديده، وإذا طُبِخَ ونُزْعَتْ رغوتُه، سكن العطشَ والسُّعَال، وهو
يضر المعدةَ التي تتولد فيها الصفراءُ لاستحالته إليها، ودفع ضرره بماء
الليمون أو النارنج، أو الرمان اللفان.
الرد على من فضله على
العسل
وبعضُ الناس يفضِّلُه على العسل لِقلة حرارته ولينه، وهذا تحامل منه
على العسل، فإن منافع العسل أضعاف منافع السكر، وقد جعله الله شِفاءً
ودواءً، وإداماً وحلاوة، وأين نفعُ السكر مِن منافع العسل: مِن تقوية المعدة،
وتليينِ الطبع، وإحدادِ البصر، وجلاءِ ظُلمته، ودفع الخوانيق بالغرغرةِ به،
وإبرائِهِ من الفالج واللَّقوة، ومِن جميع العلل الباردة التي تحدُث في جميع
البدن من الرطوبات، فيجذِبُها من قعر البدن، ومن جميع البدن، وحفظ
صحته وتسمينِه وتسخينِه، والزيادةِ في الباه، والتحليلِ والجِلاء، وفتح أفواهِ
العروق، وتنقيةِ المِعى، وإحدارِ الدُّود، ومنع التخم وغيره من العفن، والأُدم
النافع، وموافقة من غلب عليه البلغم والمشايخ وأهلِ الأمزجة الباردة،
وبالجملة: فلا شيء أنفعُ منه للبدن، وفي العلاج وعجز الأدوية، وحفظٍ
قواها، وتقويةِ المعدة إلى أضعاف هذه المنافع، فأين للسُّكَّرِ مثلُ هذه المنافع
والخصائص أو قريبٌ منها؟.
حرف الكاف
كتاب للحمى: قال المروزي: بلغ أبا عبد الله أني حممت، فكتب لي من
(١) الطيرزد فارسي معرب، وأصله تبرزد، أي: أنه صلب ليس برخو ولا لين، والتبر:
الفأس أي أنه یحت من نواحیه بالفأس.
٣٢٦

الحُمَّى رقعةً فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله، وبالله، محمد رسول الله،
قلنا: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، وأرادوا به كيداً، فجعلناهم
الأخسرين، اللهم ربَّ جبرائيل، ومِيكائيل، وإسرافيل، اشفِ صاحبَ هذا
الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك، إله الحق آمين.
قال المروزي: وقرأ على أبي عبد الله - وأنا أسمعُ - أَبُو المنذر عمرو بن الاختلاف في حكم التمائم
مجمع، حدثنا يونسُ بن حبان، قال: سألتُ أبا جعفر محمد بن علي أن أعلِّق
التعويذ، فقال: إن كان مِن كتاب الله أو كلامٍ عن نبيِّ الله فعلِّقه واستشف به ما
استطعتَ. قلتُ: أكتب هذهِ مِن حُمَّى الرِّبع: باسم الله، وبالله، ومحمد رسول الله
إلى آخره؟ قال: أي نعم.
وذكر أحمد عن عائشة رضي الله عنها وغيرها، أنهم سهّلُوا في ذلك.
قال حرب: ولم يُشدِّدْ فيه أحمد بن حنبل، قال أحمد: وكان ابنُ مسعود
يكرهه كراهة شديدة جداً. وقال أحمد وقد سئل عن التمائم تُعلَّقُ بعد نزول البلاء؟
قال: أرجو أن لا یکون به بأس .
قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن أحمد، قال: رأيتُ أبي يكتب التعويذَ
للذي يفزُ، وللحمى بعد وقوع البلاء.
كتاب لعسر الولادة: قال الخلال: حدثني عبدُ الله بن أحمد: قال رأيتُ أبي
يكتب للمرأة إذا عَسُرَ عليها ولادتُها في جام أبيض، أو شيء نظيف، يكتُبُ حديث
ابن عباس رضي الله عنه: لا إله إلا الله الحليمُ الكريم، سبحانَ اللهِ ربِّ العرش
العظيم، الحمد لله رب العالمين: ﴿كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً
مِنْ نَهَارِ بَلَغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿كأنَّهُم يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ عَشِيَّةً أَو
ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].
قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروزي، أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا
عبد الله! تكتب لإمرأة قد عَسُرَ عليها ولدُها منذ يومين؟ فقال: قُلْ له: يجيء بجامٍ
٣٢٧

واسع، وزعفرانٍ، ورأيتُه يكتب لغير واحد ويذكر عن عكرمة، عن ابن عباس
قال: مرَّ عيسى صلى الله على نبيِّنا وعليه وسلم على بقرة قد اعترض ولدُها في
بطنها، فقالت: يا كلمةَ الله! ادع الله لي أن يُخلِّصني مما أنا فيه، فقال: يا خالقَ
النفس من النفس، ويا مخلِّصَ النفس من النفس، ويا مخرجَ النفس من النفس،
خلصها. قال: فرمت بولدها، فإذا هي قائمة تَشُمُّه. قال: فإذا عسر على المرأة
ولدها، فاكتبه لها. وكلُّ مَا تقدم من الرُّقى، فإن كتابته نافعة.
ورخَّص جماعةٌ من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من
الشفاء الذي جعل الله فيه.
حكم كتابة بعض القرآن
وشربه
كتاب آخر لذلك: يُكتب في إناء نظيف: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا
وَحُقَّتْ، وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ١، ٤]، وتشرب
منه الحامل، ويُرش على بطنها .
كتاب للرُّعاف: كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكتب على جبهته:
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ، ويَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وغِيضَ المَاءُ وقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [هود:
٤٤]. وسمعته يقول: كتبتها لغير واحد فبرأ، فقال: ولا يجوز كتابتُها بدم
الراعف، كما يفعله الجهال، فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلامُ الله
تعالی.
كتاب آخر له: خرجَ موسى عليه السلام برداء، فوجد شَعِيباً، فشده بردائه
﴿يمحُو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩].
كتاب آخر للحزاز: يُكتب عليه: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نارٌ، فَاحْتَرَقَتْ﴾
[البقرة: ٢٦٦] بحولِ اللهِ وقوته.
كتاب آخر له: عند اصفرار الشمس يُكتبُ عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ، ويَغْفِرْ لَكُم
واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨].
٣٢٨

كتاب آخر للحمى المثلثة: يُكتب على ثلاث ورقات لطاف: بسم الله فرَّت،
بسم الله مرَّت، بسمِ الله قلَّت، ويأخذ كُلَّ يومٍ ورقة، ويجعلُهَا في فمه، ويبتذِعُهَا
بماء .
كتاب آخر لِعِرق النَّسَا: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهُمَّ ربَّ كلِّ شيء،
ومليكَ كل شيء، وخالق كل شيء، أنت خلقتني، وأنت خلقت النَّسا، فلا تُسلطه
عليَّ بأذى، ولا تُسلطني عليه بقطع، واشفني شفاء لا يُغادر سقماً، لا شافي إلا
أنت.
كتاب للعرق الضارب: روى الترمذي في ((جامعه)): من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما، أن رسولَ الله ◌ِ ﴾. كان يُعلَّمهم من الحمى، ومن الأوجاع كلها أن
يقولوا: ((بسْمِ اللَّهِ الكَبيرِ، أعُوذُ بِاللَّهِ العظيم مِنْ شَرِّ كلِّ ◌ِرْقٍ نَعَّار، ومِنْ شَرِّ حَرِّ
النَّارِ))(١) .
كتاب لوجع الضرس: يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم الله الرحمن
الرحيم: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَة قَلِيلاً مَا
تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وإن شاء كتب: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهَارِ وَهُوَ
السَّمِيعِ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣].
كتاب لِلخُرَاجِ: يكتب عليه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً
فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَ تَرِى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتَأَ﴾ [طه: ١٠٥].
كمأة: ثبت عن النبيِّ يَّ أنه قال: ((الكَمْأَةَ مِنَ المَنِّ ومَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ))،
أخرجاه في ((الصحيحين(٢) .
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٧٦) في الطب، وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة،
وهو ضعيف. ونعر العرق بالدم: إذا علا وارتفع.
(٢) أخرجه البخاري ١٣٧/١٠، ١٣٨ في الطب: باب المن شفاء للعين، ومسلم
(٢٠٤٩) في الأشربة: باب فضل الكمأة. من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.
٣٢٩

هل لفظة الكمأة مفرد أو
جمع
قال ابن الأعرابي: الكمأة: جمع، واحده كمء، وهذا خلافُ قياس العربية،
فإنَّ ما بينه وبينَ واحده التاء، فالواحدُ منه التاء، وإذا حذفت كان للجمع. وهل
هو جمع، أو اسم جمع؟ على قولين مشهورين، قالوا: ولم يخرُجْ عن هذا إلا
حرفان: كمأة وكمءٌ، وجبأة وجبء، وقال غيرُ ابن الأعرابي: بل هي على
القياس: الكمأة للواحد، والكمء للكثير، وقال غيرُهما: الكمأة تكون واحداً
وجمعاً.
واحتج أصحابُ القول الأول بأنهم قد جمعوا كمئاً على أكمؤ، قال الشاعر:
وَلَقَدْ جَنَيْئُكَ أَكْمُؤْاً وعَسَاقِلاً وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأوْبَرِ(١)
وهذا يدل على أن ((كم)) مفرد، ((وكمأة)) جمع.
والكمأة تكون في الأرض من غير أن تُزرع، وسُميت كمأة لاستتارها، ومنه
كمأ الشهادةَ: إِذا سترها وأخفاها، والكمأة مخفية تحت الأرض لا ورق لها، ولا
ساق، ومادتُها من جوهر أرضي بخاري محتقن في الأرض نحو سطحها يحتقن
ببرد الشتاء، وتُنميه أمطار الربيع، فيتولَّد ويندفع نحو سطح الأرض متجسداً،
ولذلك يقال لها: جُدَرِيُّ الأرض، تشبيهاً بالجُدَرِي في صورته ومادته، لأن مادته
رطوبة دموية، فتندفع عند سن الترعرع في الغالب، وفي ابتداء استيلاء الحرارة،
ونماءِ القوة .
وهي مما يُوجد في الربيع، ويُؤكل نِيئاً ومطبوخاً، وتُسميها العرب: نباتَ
(١) البيت في ((مجالس ثعلب)) ص ٦٢٤ (والخصائص)) ٥٨/٣ ((والكامل)) ص ١٢٦٤
و((مجمع الأمثال)) ١٦٩/١ و((المقتضب)) ٤٨/٤ و((المنصف)) ١٣٤/٣ و((المحتسب))
١٢٤/٢ ولا يعرف قائله مع كونه لم يخل منه كتاب لغة أو نحو، وموضع الشاهد
فيه زيادة الألف واللام في الأوبر، ومعنى: جنيتك: جنيت لك، أي لقطت الكمأة
وجئتك بها، وبنات أوبر: شر الكمأة. يريد: أنه جاءه بخيارها، ونهاه عن أكل
ردیئها وما لا خير فيه.
٣٣٠

الرعد لأنها تكثُر بكثرته، وتنفطِرُ عنها الأرضُ، وهي من أطعمة أهلِ البوادي،
وتكثرُ بأرض العرب، وأجودُها ما كانت أرضُها رملية قليلة الماء.
وهي أصناف: منها صنف قتال يضربُ لونه إلى الحُمرة يُحْدِثُ الاختناق.
وهي باردة رطبة في الدرجة الثالثة، رديئة للمعدة، بطيئة الهضم، وإذا
أدمنت، أورثت القولنج والسكتة والفالج، ووجع المَعِدَة، وعسر البول، والرطبة
أقلُّ ضرراً من اليابسة، ومن أكلها فليدفنها في الطين الرطب، ويسلقها بالماء
والملح والصعتر، ويأكلها بالزيت والتوابل الحارَّة، لأن جوهرها أرضي غليظ،
وغِذاؤها رديء، لكن فيها جوهر مائي لطيف يدل على خفتها، والاكتحال بها
نافع من ظلمة البصر والرمد الحار، وقد اعترف فضلاء الأطباء بأن ماءها يجلو
العين، وممن ذكره المسيحيُّ، وصاحبُ القانون وغيرهما.
وقوله مَّة: ((الكمأة من المن)) فيه قولان:
معنى «الكمأة من المن»
أحدهما: أنَّ المن الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط، بل
أشياءُ كثيرة منَّ الله عليهم بها من النبات الذي يُوجد عفواً من غير صنعة ولا عِلاج
ولا حرث، فإن المنَّ مصدر بمعنى المفعولِ، أي ((ممنون)) به، فكل ما رزقه اللهُ
العبدَ عفواً بغير كسب منه ولا علاج، فهو مَنُّ مَخْضٌ، وإن كانت سائر نعمه منّاً
منه على عبده، فخصَّ منها ما لا كسب له فيه، ولا صنع باسم المنِّ، فإنه منٌّ بلا
واسطة العبد، وجعل سبحانه قُوتَهم بالتيه الكمأة، وهي تقومُ مقام الخبز، وجعل
أُدمهم السَّلْوى، وهو يقوم مقام اللحم، وجعل حلواهم الطلَّ الذي ينزِلُ على
الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى، فكَمُل عيشھُم.
وتأمل قوله ◌َّة: ((الكمأة من المنِّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل)) فجعلها
من جملته، وفرداً من أفراده، والترنجبين (١) الذي يسقط على الأشجار نوع من
(١) الترنجبين. قال في ((المعتمد)) ص ٥٠: هو طل يقع من السماء شبيه بالعسل، جامد
متحبب، وتأويله عسل الندى وأكثر ما يقع بخراسان على شجر الحاج: وهو شجر=
٣٣١

المن، ثم غلب استعمال المن عليه عرفاً حادثاً.
والقول الثاني: أنه شَبَّهَ الكمأَةَ بالمنِّ المنزل من السماء، لأنه يجمع من غير
تعب ولا کلفة ولا زرع یزر ولا سقي.
من أين أتى الضرر الواقع
فيها
فإن قلت: فإن كان هذا شأنَ الكمأة، فما بالُ هذا الضرر فيها، ومن أين
أتاها ذلك؟ فاعلم أن الله سبحانه أتقن كُلَّ شيء صنعه، وأحسن كُلَّ شيء خلقه،
فهو عند مبدإٍ خلقه بريء من الآفات والعلل، تامُ المنفعة لما هُبىء وخُلِقَ له،
وإنما تعرِضُ له الآفاتُ بعد ذلك بأمور أخر من مجاورة، أو امتزاج واختلاط، أو
أسباب أخر تقتضي فسادَه، فلو تُرِكَ على خِلقته الأصلية من غير تعلق أسباب
الفساد به، لم يفسد.
قلة البركة والآفات جاءت
من كثرة الفساد
ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرِف أن جميع الفساد في جوه ونباته
وحيوانه، وأحوالِ أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثَه، ولم تزل أعمالُ
بني آدَمَ ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم
من الآلام، والأمراض، والأسقام، والطواعين والقحوط، والجدوب، وسلب
بركات الأرض، وثمارها، ونباتها، وسلب منافعها، أو نقصانها أموراً متتابعة يتلو
بعضُهَا بعضاً، فإن لم يشَسِعْ علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ
والبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، ونزِّلْ هُذِهِ الآية على أحوالِ
العالم، وطابِقْ بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كل وقت
في الثمار والزرع والحيوان، وكيف يحدُث من تلك الآفات آفاتٌ أخرُ متلازمة،
بعضُها آخذ برقاب بعض، وكلما أحدث الناسُ ظلماً وفجوراً، أحدث لهم ربهم
تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم، وأهويتهم ومياههم،
وأبدانهم وخلقهم، وصُورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات، ما هو
موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم.
=
القتاد.
٣٣٢

ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر مما هي اليوم، كما كانت
البركةُ فيها أعظمَ. وقد روى الإمام أحمد بإسناده: أنه وجد في خزائن بعض بني
أمية صرة فيها حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها: هذا كان ينبت أيامَ العدل.
وهذه القصة، ذكرها في («مسنده»(١)، على أثر حديث رواه.
وأكثرُ هذه الأمراض والآفات العامة بقيةُ عذاب عُذِّبت به الأممُ السالفة، ثم
بقيت منها بقية مرصَدَةٌ لمن بقيت عليه بقيةٌ مِن أعمالهم، حكماً قسطاً، وقضاء
عدلاً، وقد أشار النبي ◌َّة إلى هذا بقوله في الطاعون: ((إنَّهُ بقية رجز أو عذاب
أُرسِلَ على بني إسرائيل)).
وكذلك سلَّط الله سبحانه وتعالى الريحَ على قوم سبع ليالٍ وثمانيةَ أيام، ثم
أبقى في العالم منها بقية في تلك الأيام، وفي نظيرها عظةً وعبرة.
وقد جعل اللهُ سبحانه أعمال البرِّ والفاجر مقتضياتٍ لآثارها في هذا العالم
اقتضاء لا بد منه، فجعل منعَ الإحسان والزكاة والصدقة سبباً لمنع الغيث من
السماء، والقحطِ والجَذْبِ (٢)، وجعل ظلمَ المساكين، والبخسَ في المكاييل
والموازين، وتعدِّي القوي على الضعيف سبباً لجور الملوك والولاة الذينَ لا
(١) ٢٩٢/٢.
(٢) جاء في حديث ابن عمر المرفوع: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا
فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم
ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم،
ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم
ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما
في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخايروا مما أنزل الله إلا جعل الله
بأسهم فيما بينهم)) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) وفي سنده خالد بن يزيد وهو ضعيف،
لكن رواه الحاكم ٤/ ٥٤٠ من طريق آخر، وسنده حسن، فيتقوى به وفي الباب عن
ابن عباس من قوله عند البيهقي ٣٤٦/٣ بسند صحيح.
٣٣٣

يَرحمونَ إن اسْتُرْحِموا، ولا يَعْطِفُونَ إن اسْتُعْطِفُوا، وهم في الحقيقة أعمالُ
الرعايا ظهرت في صور وُلاتهم، فإن اللَّهَ سبحانه بحكمته وعدله يُظهِرُ للناس
أعمالَهم في قوالب وصورٍ تُناسبها، فتارةً بقحط وجدب، وتارة بعدو، وتارة بولاة
جائرين، وتارة بأمراضٍ عامة، وتارة بهُموم وآلام وغموم تحضُرها نفوسُهم لا
ينفكُّونَ عنها، وتارةً بمنع بركات السماءِ والأرض عنهم، وتارةً بتسليط الشياطين
عليهم تَؤُزُّهم إلى أسباب العذاب أزَّاً، لِتحق عليهم الكلمة، ولِيصير كل منهم إلى
ما خلق له، والعاقل يسير بصيرته بين أقطار العالم، فيشاهده، وينظر مواقعَ عدل
الله وحكمته، وحينئذ يتبَّينُ له أن الرسل وأتباعَهُم خاصة على سبيل النجاة، وسائر
الخلق على سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البوار صائرون، والله بالغ أمره، لا
مُعقّبَ لحكمه، ولا راد لأمره، وبالله التوفيق.
وقوله رَليّة في الكمأة ((وماؤها شفاء للعين)) فيه ثلاثة أقوال:
معنى «ماؤها شفاء
للعين»
أحدها: أن ماءهَا يُخلط في الأدوية التي يُعالج بها العينُ، لا أنه يستعمل
وحده، ذكره أبو عبيد.
الثاني: أنه يُستعمل بحتاً بعد شيِّهَا، واستقطار مائها، لأن النار تُلطِّفه
وتنضجه، وتُذِيبُ فضلاته ورطوبته المؤذية، وتبقي المنافع.
الثالث: أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به من المطر، وهو أولُ
قطر ينزل إلى الأرض، فتكون الإضافة إضافة اقتران، لا إضافة جزء، ذكره
ابن الجوزي، وهو أبعدُ الوجوه وأضعفها .
وقيل: إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين، فماؤها مجرداً شفاء،
وإن كان لغير ذلك، فمركب مع غيره.
وقال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عُجِنَ به الإثمد
واكتُحل به، ويقوِّي أجفانها، ويزيدُ الروحَ الباصرة قوةً وحِدة، ويدفع عنها
نزول النوازل.
٣٣٤

كباث: في ((الصحيحين)): من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه،
قال: كنّا مع رسولِ اللهِنَّهَ نَجني الكَبَاثَ، فقال: ((عَلَيْكُم بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ
أَطْیَبُ))(١) .
الكَباثِ، بفتح الكاف، والباء الموحدة المخففة، والثاء المثلثةِ - ثمرُ
الأراك، وهو بأرض الحجاز، وطبعُه حار يابس، ومنافعُه كمنافع الأراك:
يُقوي المعدة، ويُجيدُ الهضمَ، ويجلُو البلغمَ، وينفعُ مِن أوجاع الظهر، وكثيرٍ
من الأدواء. قال ابن جُلجُل: إذا شُرِبَ طحينُه، أدرَّ البول، ونقَّى المثانة،
وقال ابنُ رضوان: يقوي المعدة، ويُمسكُ الطبيعة.
كَتَم: روى البخاري في ((صحيحه)): عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب،
قال: دخلنا على أمّ سلمة رضي الله عنها، فأخرجت إلينا شعراً مِن شعر
رسولِ الله ◌َّة، فإذا هو مخضوب بالحِنَّاءِ والكَتَمِ (٢).
وفي ((السنن الأربعة)): عن النبي ◌َّ أنه قال: إنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ
الشَّيْبَ الحِنَّاءُ والكَتَمُ))(٣).
وفي ((الصحيحين)): عن أنس رضي الله عنه، أن أبا بكر رضي الله عنه
اختضب بالحِنَّاءِ والكَتَمِ (٤).
(١) أخرجه البخاري ٤٩٨/٩ في الأطعمة: باب الكباث وهو ورق الأراك، ومسلم
(٢٠٥٠) في الأشربة: باب فضيلة الأسود من الكباث.
(٢) أخرجه البخاري ٢٩٨/١٠، ٢٩٩ في اللباس: باب ما يذكر في الشيب.
(٣) أخرجه أحمد ١٤٧/٥ والترمذي (١٧٥٣) وأبو داود (٤٢٠٥) والنسائي ١٣٩/٨ وابن
ماجه (٣٦٢٢) وسنده صحيح، وصححه ابن حبان (١٤٧٥) وهو في ((المصنف))
(٢٠١٧٤).
(٤) أخرجه البخاري ٧/ ٢٠٠، ٢٠١ في فضائل أصحاب النبي وقالالر، ومسلم (٢٢٤١) في
الفضائل: باب شیبه چل﴾.
٣٣٥

وفي ((سنن أبي داود)): عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: مر على
النبي ◌َّ رجلٌ قد خضب بالحِناء فقال: ((مَا أَحْسَنَ هُذَا؟)) فمر آخر قد خَضَبَ
بالحِنَّاء والكَتَم، فقال: ((هُذَا أَحْسَنُ مِنْ هُذَا)) فمرَّ آخرُ قد خَضَبَ بالصُّفرة،
فقال: ((هُذَا أَحْسَنُ مِن هذا كُلِّهِ)(١).
قال الغافقي: الكَتَمُّ نبتٌ ينبت بالسهول، ورقُه قريب مِن ورق الزيتون،
يعلُو فوقَ القامة، وله ثمر قَدْرَ حبِّ الفُلفل، في داخله نوى، إذا رُضِخَ
اسودَ، وإذا استُخرجَتْ عُصارة ورقه، وشُرِبَ منها قدر أوقية، قيَّأ قيئاً شديداً،
وينفع عن عضة الكلب، وأصلُه إذا طبخَ بالماء كان منه مدادٌّ یکتب به.
وقال الكندي: بزر الكَتَم إذا اكتُحِلَ به، حلَّل الماء النازل في العين
وأبرأها.
وقد ظن بعض الناس أن الكَتَمَ هو الوسمة، وهي ورق النيل، وهذا
وهم، فإن الوسمة غير الكتم. قال صاحب ((الصحاح)): الكَتَم بالتحريك:
نبت يُخلط بالوسمة يُختضب به، قيل: والوسمة نباتٌ له ورق طويل يَضرِبُ
لونه إلى الزرقة أكبر مِن ورق الخِلاف، يُشبه ورق اللوبيا، وأكبر منه، يُؤتى
به من الحجاز واليمن.
هل اختضب النبي ◌َّ؟
فإن قيل: قد ثبت في ((الصحيح)) عن أنس رضي الله عنه، أنه قال: لم
يختصب النبيُّ ◌َلِ﴾ (٢).
قيل: قد أجاب أحمد بن حنبل عن هذا وقال: قد شَهِدَ بِهِ غيرُ أنس
رضي الله عنه على النبي ◌ٍَّ أنه خضب، وليس مَنْ شَهِدَ بمنزلة من لم يشهد،
أخرجه أبو داود (٤٢١١) وابن ماجه (٣٦٢٧) وفي سنده حميد بن وهب، وهو لين
(١)
الحديث، والراوي عنه، وهو محمد بن طلحة اليامي صدوق له أوهام.
(٢)
أخرجه البخاري ٢٩٧/١٠، ومسلم (٢٣٤١).
٣٣٦

فأحمدُ أثبت خِضاب النبي صَلِّ، ومعه جماعة من المحدثين، ومالك أنكره.
فإن قيل: فقد ثبت في ((صحيح مسلم)) النهي عن الخضاب بالسواد في
شأن أبي قُحافة لما أُتي به ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً، فقال: ((غيِّرُوا هذَا
الشَّيْبَ وجَنِّبُوهُ السَّوَاد)»(١).
والكتم يسوِّد الشعر.
فالجواب من وجهين، أحدهما: أن النهي عن التسويد البحت، فأما إذا حكم الخضاب بالسواد
أضيف إلى الحِنَّاء شيء آخر، كالكتم ونحوه، فلا بأس به، فإن الكَتَم والحِنَّاء
يجعل الشعر بين الأحمر والأسود بخلاف الوسمة، فإنها تجعلُه أسود فاحماً،
وهذا أصح الجوابين.
الجواب الثاني: أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس،
كخِضاب شعر الجارية، والمرأة الكبيرة تغرُّ الزوج، والسيدَ بذلك، وخِضاب
الشيخ يغُرُّ المرأة بذلك، فإنه مِن الغش والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليساً
ولا خداعاً، فقد صح عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا
يخضِبان بالسواد، ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب ((تهذيب الآثار)) وذكره
عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعُقبةَ بن
عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وحكاه عن
جماعة من التابعين، منهم: عمرو بن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس،
وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة،
والزهري، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب.
وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار، ويزيد، وابن جريج، وأبي
يوسف، وأبي إسحاق، وابن أبي ليلى، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع،
(١) أخرجه مسلم (٢١٠٢) في اللباس: باب استحباب خضاب الشيب بصفرة أو حمرة
وتحريمه بالسواد.
٣٣٧

ونافع بن جبير، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلام.
كرم: شجرة العنب، وهي الحَبَلَةُ، ويكره تسميتها كَرْماً، لما روى
مسلم في (صحيحه) عن النبيِّ ◌َ﴿ أنه قال: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الكَرْمَ.
الكَرْمُ: الرَّجُلُ المُسْلِمُ)). وفي رواية: ((إِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤمِن))(١)، وفي
أخرى: ((لاَ تَقُولُوا: الكَرْمُ، وقُولُوا: العنَبُ والحَبَلَةُ))(٢).
وفي هذا معنیان:
علة النهي عن تسمية
العنب كرماً
أحدهما: أن العرب كانت تُسمي شجرة العنب الكرم، لكثرة منافعها
وخيرها، فكره النبيُّ ◌َّ تسميتها باسم يهيج النفوس على محبتها ومحبة ما
يُتخذ منها من المسكر، وهو أمُّ الخبائث، فكره أن يسمى أصلُه بأحسن
الأسماء وأجمعها للخير.
والثاني: أنه من باب قوله: (لَيْسَ الشِّدِيدُ بالصُّرَعِةِ))(٣). ((وليسَ
المِسْكِينُ بالطَّوَّافِ))(٤). أي: أنكم تُسمون شجرةَ العنب كرماً لكثرة منافعه،
وقلبُ المؤمن أو الرجل المسلم أولى بهذا الاسم منه، فإن المؤمن خيرٌ كله
(١) أخرجه مسلم (٢٢٤٧) في الألفاظ: باب كراهة تسمية العنب كرماً من حديث أبي
هريرة، رضي الله عنه وهو في البخاري ١٠/ ٤٦٥ و٤٦٧ بنحوه.
(٢)
أخرجه مسلم (٢٢٤٨) في الألفاظ: من حديث وائل رضي الله عنه.
أخرجه البخاري ٤٣١/١٠ في الأدب: باب الحذر من الغضب، ومسلم (٢٦٠٩) في
(٣)
البر: باب فضل من يملك نفسه عند الغضب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
وتمامه: ((إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) والصرعة بضم الصاد وفتح
الراء: الذي يصرع الناس كثيرا، كهمزة ولمزة وخدعة.
(٤) أخرجه مسلم (١٠٣٩) في الزكاة: باب المسكين الذي لا يجد غنى، من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه، ولفظه بتمام («ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على
الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان)» قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟
قال: ((الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً»
وفي رواية: إنما المسكين المتعفف، اقرؤوا إن شئتم (لا يسألون الناس إلحافاً).
٣٣٨

ونفع، فهو مِن باب التنبيه والتعريف لما في قلب المؤمن مِن الخير،
والجود، والإيمان، والنور، والهدى، والتقوى، والصفات التي يستحق بها
هذا الاسم أكثرُ من استحقاق الحَبَلَة له.
وبعد: فقوة الحَبَلَةِ باردة يابسة، وورقُها وعلائقها وعرمُوشها مبرد في
آخر الدرجة الأولى، وإذا دُقَّت وضُمِّدَ بها من الصداع سكنته، ومن الأورام
الحارة والتهاب المعدة. وعصارةُ قضبانه إذا شُرِبت سكنت القيء، وعقلت
البطن، وكذلك إذا مُضغت قلوبها الرطبة. وعُصارة ورقها، تنفع مِن قروح
الأمعاء، ونفث الدم وقيئه، ووجع المعدة، ودمعُ شجره الذي يحمل على
القضبان، كالصمغ إذا شُرِبَ أخرج الحصاة، وإذا لُطِخَ به، أبرأ القُوَبَ
والجربَ المتقرح وغيره، وينبغي غسل العضو قبل استعمالها بالماء
والنطرون، وإذا تمسح بها مع الزيت حلق الشعر، ورَماد قضبانه إذا تُضمِّد به
مع الخل ودهن الورد والسّذاب، نفع من الورم العارض في الطحال، وقوة
دهن زهرة الكرم قابضة شبيهة بقوة دهن الورد، ومنافعها كثيرة قريبة من منافع
النخلة .
كَرَفْس: روي في حديث لا يصح عن رسول الله ◌َّه أنه قال: «مَنْ أَكَلَهُ
ثم نَامَ عَلَيْهِ، نَامَ ونَكْهَتُهُ طَيِّبَةٌ، ويَنَامُ آمِنَاً مِنْ وَجَعِ الأَضْرَاسِ وَالأَسْنَانِ)»،
وهذا باطل على رسول الله وَّة، ولكن البُسْتانيَّ منه يُطيب النكهة جداً، وإذَا
علق أصله في الرقبه نفع من وجع الأسنان.
وهو حار يابس، وقيل: رطب مفتِّح لسُداد الكبد والطحال، وورقه
رطباً ينفعُ المعدة والكَبِدَ الباردة، ويُدِزُّ البول والطمث، ويفتت الحصاة،
وحبه أقوى في ذلك، ويهيج الباه، وينفعُ من البخر. قال الرازي: وينبغي أن
يُجتنب أكله إذا خِيفَ من لدغ العقارب.
كراث: فيه حديث لا يصِحُّ عَنْ رسول الله ◌َّهَ، بل هو باطل موضوع:
٣٣٩

(مَنْ أَكَلَ الْكُرَّاثَ ثُمَّ نَامَ عَلَيْهِ نَامَ آمِناً مِنْ رِيحِ البَوَاسِيرِ واعْتَزَلَهُ المَلَكُ لِنَتَنِ
نَکْھَتِه حَتّى يُصْبحَ)(١).
وهو نوعان: نبطي وشامي، فالنبطي: البقلُ الذي يوضع على المائدة.
والشَّامي: الذي لَه رؤوس، وهو حار يابس مصدع، وإذا طَبِخَ وأكل، أو
شرب ماؤه، نفع من البواسير الباردة. وإن سُحِقَ بزره، وعُجِنَ بقَطِرَانٍ،
وبُخِّرَت به الأضراس التي فيها الدود نثرها وأخرجها، ويُسكن الوجع العارض
فيها، وإذا دُخنت المقعدة ببزره خفَّت البواسير، هذا كله في الكُراث النبطي.
وفيه مع ذلك فساد الأسنان واللثة، ويصدع، ويُري أحلاماً رديئةٌ،
ويُظلم البصر، وينتن النكهة، وفيه إدرارٌ للبول والطمث، وتحريك للباه، وهو
بطيءُ الهضم.
حرف اللام
لحم: قال الله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾
[الطور: ٢٢]. وقال: ﴿وَلَحْمُ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١].
وفي ((سنن ابن ماجه)) من حديث أبي الدرداء، عن رسول الله وَثله: ((سَيِّدُ
طَعَامِ أهْلِ الدُّنْيا، وأَهْلِ الجَنَّةِ اللَّحْمُ)) (٢). ومن حديث بُريدة يرفعه: ((خَيْرُ الإِدَامِ
في الدُّنْيَا والآخِرَةِ اللَّحْمُ)) (٣) .
وفي «الصحيح عنه بَّةَ: ((فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ
(١) هو قطعة من حديث طويل موضوع، أورده السيوطي في ((ذيل الموضوعات)) ص
١٤١ _ ١٤٢ ونقله عنه ابن عراق في ((تنزيه الشريعة المرفوعة)) ٢٦٦/٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٥) في الأطعمة: باب اللحم، وفي سنده مجهولان وضعيف.
(٣) أخرجه البيهقي، وفي سنده العباس بن بكار، وهو كذاب يضع. انظر ((الفوائد
المجموعة)) ص: ١٦٨.
٣٤٠