النص المفهرس
صفحات 301-320
الكَيموس، يحرق الدمَ، ويُصلحه الخل والخردل، والإكثار منه يُولد القبض والنفخ. حرف الشين شونيز: هو الحبة السوداء، وقد تقدم في حرف الحاء. شُبرم: روى الترمذي، وابن ماجه في ((سننهما)): من حديث أسماء بنت عميس، قالت: قال رسول الله بَّهُ: ((بماذا كُنْتِ تَسْتَمْشِينَ؟)) قالت: بالشُّبْرُمِ. قال: ((حَارٌّ جارٌ))(١). الشُّبْرُمُ شجر صغير وكبير، كقامة الرجل وأرجح، له قُضبان حمر ملمَّعة ببياض، وفي رؤوس قضبانه جُمَّةٌ مِن ورق، وله نَوْرٌ صِغار أصفُر إلى البياض، يسقط ويخلفه مراودُ صِغار فيها حبٌّ صغير مثل البُطْم، في قدره، أحمرُ اللون، ولها عروق عليها قُشورٌ حمر، والمستعمل منه قِشْرُ عُروقه، ولبنُ قضبانه. وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، ويُسَهِّلُ السوداء، والكَيْمُوسَات الغليظة، والماءَ الأصفر، والبلغم، مُكْرِبٌ، مُغَثٌّ، والإكثارُ منه يقتل، وينبغي إذا استُعمِل أن يُنقع في اللبن الحليب يوماً وليلة، ويُغيَّر عليها اللبنُ في اليوم مرتين أو ثلاثاً، ويُخرج، ويُجفَّفُ في الظل، ويُخلَطُ معه الورود والكَثِيرَاء(٢)، ويُشرب بماء العسل، أو عصير العِنَب، والشَّرْبَةُ مِنه ما بين أربع دوانق إلى دَانِقِين على حسب القوة، قال حُنين: أما لبنُ الشبرم، فلا خير فيه، ولا أرى شُربه البتة، فقد قَتَلَ به أطباءُ الطرقات كثيراً مِن الناسِ. شعير: روى ابن ماجه: من حديث عائشة، قالت: كان رسولُ الله ◌َّل إذا (١) أخرجه الترمذي رقم (٢٠٨٢) في الطب، وابن ماجه (٣٤٦١) وإسناده ضعيف. (٢) قال في ((القاموس)): الكثيراء: رطوبة تخرج من أصل الشجرة تكون بجبال بيروت ولبنان. ٣٠١ أخذ أحداً مِنْ أهْلِهِ الوَعْكُ، أمَرَ بالحَسَاءِ مِنَ الشَّعِيرِ، فَصُنعَ، ثُمَّ أمرهم فَحَسوْا مِنْهُ، ثم يقول: ((إنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ الحَزِينِ ويَسْرُو فُؤَادَ السَّقِيم كما تَسْرُوا إِحْدَاكُنَّ الوَسَخَ بِالمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا (١). ومعنى يرتوه: يشُدُّه ويُقويه. ويسرو، يكشِفُ، ويُزِيلُ. منافع ماء الشعير المغلي وصفته وقد تقدم أن هذا هو ماء الشعير المغلي، وهو أكثرُ غِذاء من سويقه، وهو نافع للسعال، وخشونةِ الحلق، صالح لقمع حِدة الفضول، مُدِرٌ للبول، جلاء لما في المعدة، قاطع للعطش، مُطْفِىء للحرارة، وفيه قوة يجلو بهاويلطف ويُحلل. وصفته: أن يُؤخذ مِن الشعير الجيدِ المرضوضِ مقدارٌ، ومن الماء الصافي العذبِ خمسةُ أمثاله، ويُلقى في قدر نظيف، ويُطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى منه خمساه، ويُصفَّى، ويُستعمل منه مقدار الحاجة مُحَلاًّ . شواء: قال الله تعالى في ضيافة خليله إبراهيم عليه السلام لأضيافه: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنيذٍ﴾ [هود: ٦٩] والحنيذ: المشويُّ على الرَّضفِ، وهي الحجارةُ المحماة. وفي الترمذي: عن أمّ سلمة رضي الله عنها، أنها قربت إلى رسول الله جنباً مشوياً، فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ. قال الترمذي: حديث (٢) صحيح(٣). وفيه أيضاً: عن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله وَّة شواءً في (١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٥) في الطب: باب التلبينة، والترمذي (٢٠٤٠) في الطب: باب ما يطعم المريض، وأحمد ٣٢/٦ وفي سنده أم محمد والدة محمد بن السائب، لم يوثقها غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات. ومع ذلك فقد قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن عائشة مرفوعا: ((التلبينة مجمة لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن)» وهو متفق عليه. (٢) أخرجه الترمذي (١٨٣٠) في الأطعمة: باب ما جاء في أكل الشواء، وأحمد ٣٠٧/٦ وإسناده صحيح. ٣٠٢ المسجد (١). وفيه أيضاً: عن المغيرة بن شعبة قال: ضِفتُ مع رسول الله مَّ ذات ليلة، فأمر بجنب، فشُوِيَ، ثم أخذ الشفرة، فجعل يَحُزُّ لي بها منه، قال فجاء بلال يؤذن للصلاة، فألقى الشفرة فقال: ((مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ»(٢). أنفع الشواء شواء الضأن الحولي، ثم العِجل اللطيفِ السمين، وهو حارّ رطب إلى اليبوسة، كثيرُ التوليد للسوداء، وهو من أغذية الأقوياء والأصحاء والمرتاضين، والمطبوعُ أنفع وأخف على المعدة، وأرطبُ منه، ومن المُطبَّن. وأردؤه المشوي في الشمس، والمشوي على الجمر خير من المشوي باللهب، وهو الحنيذ. شحم: ثبت في ((المسند)): عن أنس، أن يهودياً أضاف رسولَ الله ◌ٍَّ، فقدَّم له خُبزَ شَعِيرٍ وإِهَالَةً سَنِخَةً(٣)، والإهالة: الشحم المذاب، والألية، والسَّنِخَةُ: المتغيرة. وثبت في ((الصحيح): عن عبد الله بن مغفَّل، قال: دُلِي جِرَابٌ مِنْ شَخْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، فالتزمتُه وقلتُ: والله لا أُعطي أحداً منه شيئاً فالتفتُّ، فإذا رسولُ الله ◌ِ﴿ يَضْحَكُ، ولم يقل شيئاً(٤). أجود الشحم ما كان من حيوان مكتمل، وهو حار رطب، وهو أقلُّ رطوبةً من السمن، ولهذا لو أذيبَ الشحمُ والسمن كان الشَحمُ أسرعَ جموداً، وهو ينفع (١) أخرجه أحمد ١٩٠/٤ و١٩١ وفي سنده ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ، لكن يشهد له الحديث الذي قبله. (٢) أخرجه أحمد ٢٥٢/٤ وأبو داود (١٨٨) في الطهارة: باب في ترك الوضوء مما مست النار، وإسناده صحيح. (٣) أخرجه أحمد ٢١١/٣ و٢٧٠ وإسناده صحيح، وأخرجه البخاري ٢٥٧/٤ و٩٩/٥ والترمذي (١٢١٥) عن أنس أنه مشى إلى النبي مج لّ بخبز شعير وإهالة سنخة. (٤) أخرجه البخاري ١٨٢/٦ في الجهاد: باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب، ومسلم (١٧٧٢) في الجهاد: باب جواز الأكل من الغنيمة من دار الحرب. ٣٠٣ مِن خشونة الحلق، ويُرخي ویعفن، ويدفع ضرره بالليمون المملوح، والزنجبيل، وشحمُ المعز أقبضُ الشحوم، وشحم التيوس أشد تحليلاً، وينفع من قروح الأمعاء وشحمُ العنز أقوى في ذلك، ويُحتقن به للسَّحَج والزَّحير(١). حرف الصاد صلاة: قال اللهُ تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الخَاشعينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاَةِ إنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿وأمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ واصْطِبِرْ عَلَيْها لا نسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعَاقِبَةُ لِلْتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. وفي ((السنن)): كان رسول الله وَ لَه، إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ، فَزِعَ إلى الصَّلاَةٍ(٢). وقدم تقدم ذكر الاستشفاء بالصلاة من عامة الأوجاع قبل استحكامها. منافع الصلاة والصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوِّية للقلب، مبيّضة للوجه، مُفرِحةٌ للنفس، مُذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر مغذية للروح، منوِّرة للقلب، حافِظةٌ للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مُبعِدة من الشيطان، مقرّبة من الرحمن. وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب، وقواهما ودفع المواد الرديئة عنهما، وما ابتُلي رجلان بعاهة أو داءٍ أو مِحنة أو بلية إلا كان حظّ المصلي منهما أقلَّ، وعاقبتُه أسلم. وللصلاة تأثير عجيب في دفع شُرور الدنيا، ولا سيما إذا أُعطيت حقها من السحج: داء في البطن قاشر. والزحير: استطلاق البطن. (١) (٢) تقدم تخريجه ص ١٨٣. وهو صحيح أخرجه أحمد وأبو داود من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. ٣٠٤ التكميل ظاهراً وباطناً، فما استُدفِعَتْ شرورُ الدنيا والآخرة، ولا استُجْلِبَت مصالِحُهُمَا بمثل الصلاة، وسِرُّ ذلك أن الصلاة صِلة باللّهِ عز وجل، وعلى قدر صلة العبد بربه عز وجل تفتح عليهِ من الخيرات أبوابَها، وتقطعُ عنه مِن الشرور أسبابها، وتُقِيضُ عليه موادَ التوفيق مِن ربه عز وجل، والعافية والصحة، والغنيمة والغِنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات، كلها محضرة لديه، ومسارعة إليه . صبر: ((الصبرُ نِصِفُ الإِيمَان))(١)، فإنَّهُ ماهِية مركبة مِن صبر وشكر، كما قال بعضُ السلف: الإيمان نصفان: نصفٌ صبر، ونصفٌ شكر، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لاَّيَّاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] والصبرُ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسدِ، وهو ثلاثةُ أنواع: صبر على فرائض الله، فلا يُضيِّعُهَا، وصبر عن محارمه، فلا يرتكِبُهَا وصبر على أقضيتهِ وأقداره، فلا يتسخّطُهَا، ومن استكمل هذهِ المراتبَ الثلاث، استكمل الصبر، ولذةُ الدنيا والآخرة ونعيمها، والفوزُ والظفرُ فيهما، لا يصل إليه أحدٌ إلا على جسر الصبر، كما لا يصِلُ أحد إلى الجنةِ إلا على الصراطِ، قال عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه: خيرُ عيش أدركناه بالصبر . وإذا تأملتَ مراتِبَ الكمال المكتسَب في العالم، رأيتَها كلها منوطةً بالصبر، وإذا تأملتَ النُّقُصان الذي يُذَمُّ صاحبُه عليه، ويدخُل تحتَ قُدرته، رأيتَه كله مِن عدمِ الصبر، فالشجاعةُ والعِفةُ، والجودُ والإيثارُ كَلُّه صبرُ ساعة. فَالصَّبْرُ طِلَّسْمٌ عَلَى كَثْزِ العُلَى مَنْ حَلَّ ذا الطِّلَّسْم فَازَ بِكَثْرِهِ(٢) وأكثرُ أسقام البدن والقلب، إنما تنشأ عن عدم الصبر، فما حُفِظَت صِحَةُ أكثر أسقام البدن والقلب من عدم الصبر (١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣٤/٥، والخطيب في ((تاريخه) ٢٢٦/٣ والبيهقي في (شعب الإيمان)) من حديث ابن مسعود، وفي سنده محمد بن خالد المخزومي، وهو ضعيف، وضعفه الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٥ وجعله من قول ابن مسعود. (٢) الطلسم: جمع طلسمات، وهي خطوط أو كتابة يستعملها المشعوذ ويزعم أنه يدفع بها کل مؤذٍ. ٣٠٥ القلوب والأبدان والأرواح بمثل الصبر، فهو الفاروق الأكبر، والتِّرياق الأعظم، ولو لم يكن فيه إلا معيةُ اللهِ مع أهله، فإن الله مع الصابرين ومحبته لهم، فإن الله يُحب الصابرين، ونصرُهُ لأهله، فإن النصر مع الصبر، وإنه خير لأهله، ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وإنه سببُ الفلاح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِروا ورَابِطُوا واثَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. صَبِر(١): روى أبو داود في كتاب (المراسيل) من حديث قيس بن رافع القيسي، أن رسولَ اللهِ مَّ قال: ((ماذا في الأَمَرَّيْنِ مِنَ الشِّفَاءِ؟ الصَّبِرُ والُّفَّاءُ)) (٢). وفي ((السنن)) لأبي داود: من حديث أم سلمة، قالت: دخلَ عَليَّ رسولُ الله ◌َّهِ حين تُوفي أبو سلمة، وقد جعلتُ عليَّ صَبِرَاً، فقال: مَاذَا يَا أُمَّ سَلَمَة؟)) فقلت: إنما هو صَبرٌ يا رسولَ اللهِ، ليس فيه طيبٌ، قال: ((إِنَّهُ يُشُبُ الوَجْهَ، فلا تَجْعَلِيِهِ إِلاَّ بِاللَّيْلِ)) ونهى عنه بالنهار(٣). منافع الصبر عامة الصِبر كثيرُ المنافع، لا سيما الهنديَّ منه، يُنقي الفضول الصفراوية التي في الدماغ وأعصابِ البصر، وإذا طُلِي على الجبهة والصدغ بدُهن الورد، نفع من الصُّداع، وينفع من قُروح الأنف والفم، ويسهل السوداء والماليخوليا. والصبر الفارسي يُذكي العقل، ويُمدُّ الفؤاد، ويُنقِّي الفُصُول الصفراوية والبلغميَّةَ مِن المَعِدَةِ إذا شُرِبَ منه ملعقتان بماء، ويردُّ الشهوة الباطلة والفاسدة، وإذا شرب في البرد، خِيف أن يسهل دماً. منافع الصبر الفارسي (١) الصبر: قال الدكتور الأزهري: يستعمل إلى الآن في العطارة وفي الأدوية الحديثة كمسهل في بعض حالات الإمساك بمقادير معروفة محددة. (٢) رواه أبو داود في ((المراسيل))، وقد تقدم ص٢٧٥ وهو ضعيف. (٣) أخرجه أبو داود (٢٣٠٥) في الطلاق: باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها، والنسائي ٦/ ٢٠٤، ٢٠٥ في الطلاق: باب الرخصة للحادة أن تمتشط، وفي سنده المغيرة بن الضحاك، لم يوثقه غير ابن حبان، وفيه أيضاً مجهولتان. وقوله: يشب الوجه، أي: يلونه ويحسنه، من شب النار: أوقدها فتلألأت ضياءً ونوراً. ٣٠٦ صوم: الصوم جُنة من أدواء الروح والقلب والبدن، منافِعُه تفوت الإحصاء، وله تأثير عجيب في حفظ الصحة، وإذابةِ الفضلاتِ، وحبس النفس عن تناول مؤذياتها، ولا سيما إذا كان باعتدال وقصدٍ في أفضل أوقاته شرعاً، وحاجةُ البدنِ إليه طبعاً. ثم إن فيه مِن إراحة القوى والأعضاء ما يحفظُ عليها قُواها، وفيه خاصية تقتضي إيثارَه، وهي تفريحُه للقلب عاجلاً وآجلاً، وهو أنفعُ شيءٍ لأصحاب الأمزجة البارِدة والرطبة، وله تأثيرٌ عظيم في حفظ صحتهم. وهو يدخلُ في الأدوية الروحانية والطبيعية، وإذا راعى الصائمُ فيه ما ينبغي مراعاتُه طبعاً وشرعاً، عظُمَ انتفاعُ قلبه وبدنه به، وحبس عنه الموادّ الغريبةَ الفاسدةَ التي هو مستعدٌّ لها، وأزال الموادّ الرديئة الحاصلة بحسب كماله ونقصانه، ويحفظ الصائمَ مما ينبغي أن يُتحفّظَ منه، ويعينه على قيامه بمقصود الصوم وسرّه وعلته الغائية، فإن القصدَ منه أمر آخر وراء ترك الطعام والشراب، وباعتبار ذلك الأمر اختُصَّ من بين الأعمال بأنه لله سبحانه، ولما كان وقايةً وجُنَّةً بين العبد وبين ما يؤذي قلبه وبدنه عاجلاً وآجلاً، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فأحدُ مقصودي الصيامِ الجُنَّهُ والوقاية، وهي حِمية عظيمة النفع، والمقصود الآخر: اجتماعُ القلب والهم على الله تعالى، وتوفير قوى النفس على محابه وطاعته، وقد تقدم الكلام في بعض أسرار الصوم عند ذکر هدیه ێ﴾ فيه. حرف الضاد ضب: ثبت في ((الصحيحين)): من حديث ابن عباس، أن رسول الله لَله سئل عنه لما قدم إليه، وامتنع من أكله: أحرام هو؟ فقال: ((لاَ ولُكِنْ لَمْ يَكُنْ ٣٠٧ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ. وأُكِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَلَىْ مَائِدَتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ))(١). وفي ((الصحيحين)): من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عنه بَثّ أنه قال: ((لا أُحِلُّه ولا أُحَرِّمُه))(٢) . وهو حار يابس، يُقوي شهوة الجماع، وإذا دق، ووُضِعَ على موضع الشوکة اجتذبها . ضِفدع: قال الإمام أحمد: الضُّفْدَعُ لا يحل في الدواء، نهى رسول الله الَّة عن قتلها، يريدُ الحديثَ الذي رواهُ في ((مسنده)) من حديث عثمان بن عبد الرحمن رضي الله عنه، أن طبيباً ذكر ضِفدعاً في دواء عند رسول الله بَثّة، فنهاه عن قتلها(٣). قال صاحب القانون: من أكل مِن دم الضفدع أو جرمه، ورم بدنُه، وكَمَدَ لونُه، وقذف المنيَّ حتى يموت، ولذلك ترك الأطباءُ استعماله خوفاً مِن ضرره، وهي نوعان: مائية وتُرابية، والترابية يقتل أكلها. حرف الطاء طيب: ثبت عن رسول الله وَّه أنه قال: ((حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَاكُم: النِّسَاءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ» (٤). وكان ◌َّ يُكثِرُ التطيب، وتشتد عليه الرائحةُ الكريهة، وتَشُقُّ عليه، والطيبُ غِذاءُ الروح التي هي مطيةُ القوى تتضاعف وتزيدُ بالطيبِ، كما تزيدُ بالغذاء (١) تقدم تخريجه ص١٩٩. (٢) تقدم تخريجه. (٣) تقدم تخريجه ص١٤٣، وهو صحيح. (٤) تقدم تخريجه ٢٢٩، وهو صحيح. ٣٠٨ والشراب، والدعةِ والسرور، ومعاشرةِ الأحبةِ، وحدوثِ الأمور المحبوبة، وغيبةٍ من تَسُرُّ غيبتُه، ويَتَقُلُ على الروح مشاهدتهُ، كالثقلاء والبغضاء، فإن مُعاشرتهم تُوهِنُ القوى، وتجلب الهم والغم، وهي للروح بمنزلة الحمى للبدن، وبمنزلة الرائحة الكريهة، ولهذا كان مما حبَّبَ الله سبحانَه الصحابةَ بنهيهم عن التخلق بهذا الخلق في معاشرة رسول الله ﴿ لتأذيه بذلك، فقال: ﴿إِذَا دُعيتُم فادْخُلُوا، فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذُلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبيَّ فَيَسْتَحِي مِنْكُم واللَّهُ لا يَسْتَحْبِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. والمقصود أن الطيب كان من أحبِّ الأشياء إلى رسولِ الله ◌َّة، وله تأثير في حفظ الصحة، ودفع كثير من الآلام، وأسبابها بسبب قوة الطبيعة به. طين: ورد في أحاديث موضوعة لا يَصِحُّ منها شيء مثل حديث ((منْ أكل الطين، فقد أعانَ على قتل نفسه)) ومثل حديث: ((يا حُمَيْرَاء لاَ تَأْكُلِي الطِّينَ فَإِنَّهُ يَعْصِمُ البَطْنَ، ويُصَفِّرُ اللَّوْنَ، ويُذْهِبُ بَهَاءَ الوَجْهِ))(١). وكل حديث في الطين فإنه لا يصح، ولا أصل له عن رسول الله وَّة، إلا أنه رديء مؤذ، يسدّ مجاري العروق، وهو بارد يابس، قوي التجفيف، ويمنع استطلاقَ البطن، ويُوجب نفث الدم وقروح الفم. طَلْحٍ: قال تعالى: ﴿وَطَلْحِ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩]، قال أكثر المفسرین، هو الموز. والمنضودُ: هو الذي قد نُضِّدَ بعضُهُ على بعض، كالمشط. وقيل: الطلحُ: الشجرُ ذو الشوك، نضد مكان كل شوكة ثمرة، فثمره قد نُضِّدَ بعضُه إلى بعض، فهو مثل الموز، وهذا القولُ أصح، ويكون من ذكر الموز من السلف أراد التمثيل لا التخصيص والله أعلم. وهو حارٌّ رطب، أجودُه النضيج الحلو، ينفع مِن خشونة الصدر والرئة (١) انظر ((المنار المنيف)) ص ٦١ للمؤلف. ٣٠٩ والسُّعال، وقروح الكليتين، والمثانة، ويُدِرُّ البول، ويزيد في المني، ويُحرِّكُ الشهوة للجماع، ويُلين البطن، ويُؤكل قبل الطعام، ويضر المعدة، ويزيد في الصفراء والبلغم، ودفع ضرره بالسكر أو العسل. طَلْعٍ: قال تعالى: ﴿والنَّخْلَ باسِقَاتٍ لها طَلْعٌ نضيدٌ﴾ [ق: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨]. طلعُ النخل: ما يبدو من ثمرته في أول ظهوره، وقشره يُسمى الكُفُرَّى، والنضيدُ: المنضودُ الذي قد نُضِّدَ بعضُه على بعض، وإنما يُقال له: نضيد ما دام في كُفرَّاه، فإذا انفتح فليس بنضید. وأما الهضيم: فهو المنضم بعضه إلى بعض، فهو كالنضيد أيضاً، وذلك يكون قبل تَشَقُّقِ الكُفُرَّى عنه. والطلع نوعان: ذكر وأنثى، والتلقيح هو أن يُؤخذ من الذكر، وهو مثلُ دقيق الحنطة، فيُجعل في الأنثى، وهو التأبير، فيكون ذلك بمنزلة اللقاح بين الذكر والأنثى، وقد روى مسلم في ((صحيحه)): عن طلحة بن عُبيد الله رضي الله عنه، قال: مررتُ مع رسول الله بِّه في نخل، فرأى قوماً يُلقِّحُونَ، فقال: ((ما يَصْنَعُ هُؤُلاءِ؟)) قالوا: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى، قال: ((مَا أَظُنُّ ذُلكَ يُغْنِي شَيْئًا))، فبلغهم، فتركُوه، فلم يَصْلُحْ، فقال النبيُّ مَ: ((إِنَّمَا هُوَ ظَنٍّ، فَإِنْ كانَ يُغْنِي شَيْئاً، فاصْنَعُوهُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وإِنَّ الظَنَّ يُخْطِىء ويُصِيبُ، ولُكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَلَنْ أَكْذِبَ عَلى الله)(١) . انتهى. (١) أخرجه مسلم (٢٣٦١) في الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره ◌َّ من معايش الدنيا على سبيل الرأي، ولفظه: مررت مع رسول الله مَثل بقوم على رؤوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول مَّله: ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فأخبروا بذلك، فتركوه. فأخبر رسول الله يمثّ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن= ٣١٠ طلع النخل ينفع من الباه، ويزيد في المباضعة، ودقيقُ طلعه إذا تحمَّلت به المرأة قبل الجماع أعان على الحبل إعانة بالغة، وهو في البرودة واليبوسة في الدرجة الثانية، يُقوي المعدة ويجففها، ويسكن ثائرة الدم مع غلظة وبطء هضم. ولا يحتمِلُه إلا أصحابُ الأمزجة الحارة، ومن أكثر منه فإنه ينبغي أن يأخذ عليه شيئاً من الجوارشات الحارَّة، وهو يَعْقِلُ الطبع، ويقوي الأخشاء، والجُمَّارُ(١) يجري مجراه، وكذلك البلحُ، والبسرُ، والإكثار منه يضرُّ بالمعدة والصدر، وربما أورث القُولنج، وإصلاحُه بالسمن، أو بما تقدم ذكرُه. حرف العين عنب: في ((الغيلانيات)) من حديث حبيب بن يسار، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: رأيتُ رسولَ الله ◌ِّ يأكل العنبَ خَرْطاً. قال أبو جعفر العقيلي: لا أصل لهذا الحديث، قلتُ: وفيه داود ابن عبد الجبار أبو سليم الکوفي، قال یحیی بن معین: کان یکذب. ويذكر عن رسول الله وَّ أنه كان يُحِبُّ العِنب والبطيخ. أكذب على الله عز وجل. وأخرج مسلم (٢٣٦٢) عن رافع بن خديج رضي الله عنه = قال: قدم نبي الله ◌َّة المدينة وهم يأبرون النخل يقولون: يلقحون النخل، فقال: ((ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً، فتركوه، فنفضت، أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له، قال: إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر) وأخرج مسلم أيضاً (٢٣٦٣) من حديث عائشة وأنس رضي الله عنهما أن النبي ٤ مر بقوم يلقحون، فقال: ((لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصاً (بسراً رديئاً) فمر بهم، فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم)) وقد نقل الإمام النووي رحمه الله عن العلماء أن رأيه # في أمور المعايش كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك. (١) الجُمَّار: شحم النخلة. ٣١١ وقد ذكر الله سبحانه العنبَ في ستة مواضع مِن كتابه في جملة نعمه التي أنعم بها على عباده في هذه الدار وفي الجنة (١)، وهو من أفضل الفواكه وأكثرها منافع، وهو يُؤكل رطباً ويابساً، وأخضر ويانعاً، وهو فاكهة مع الفواكه، وقوتٌ مع الأقواتِ، وأدمٌّ مع الإدام، ودواءٌ مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وطبعه طبع الحبات: الحرارة والرطوبة، وجيدُه الكُبَّارُ المائي، والأبيض أحمد من الأسود إذا تساويا في الحلاوة، والمتروك بعد قطفه يومين أو ثلاثة أحمد مِن المقطوف في يومه، فإنه منفخ مطلق للبطن، والمعلَّق حتى يضمر قشره جيد للغذاء، مقوٍ للبدن، وغِذاؤه كغذاء التين والزبيب، وإذا ألقي عَجَمُ العِنب كان أكثر تلييناً للطبيعة، والإكثار منه مصدع الرأس، ودفع مضرته بالرمان المُز. ومنفعة العنب يسهل الطبع، ويسمن، ويغذو جيدُه غِذاءً حسناً، وهو أحدٌ الفواكه الثلاث التي هي ملوك الفواكه، هو والرُّطَب والتين. عسل: قد تقدم ذكر منافعه. قال ابنُ جريج: قال الزهري: عليك بالعسل، فإنه جيد للحفظ، وأجوده أصفاه وأبيضُه، وألينه حِدة، وأصدقه حلاوة، وما يُؤخذ من الجبال والشجر له فضل على ما يُؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعى نحله. عجوة: في ((الصحیحین)): من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَراتِ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذُلِكَ الْيَوْمِ سُمِّ وَلاَ سِحْرٌ)) (٢) (١) ورد ذكر العنب في القرآن في أحد عشر موضعاً، في سورة البقرة: ٢٦٦، وفي سورة الأنعام: ٩٩، وفي سورة الرعد: ٤، وفي سورة النحل: ١١ و٦٧، وفي سورة الإسراء: ٩١، وفي سورة الكهف: ٣٢، وفي سورة المؤمنين: ١٩، وفي سورة يس: ٣٤، وفي سورة النبأ: ٣٢، وفي سورة عبس: ٢٨. (٢) تقدم تخريجه ص٨٩. ٣١٢ وفي ((سنن النسائي)) وابن ماجه: من حديث جابر، وأبي سعيد رضي الله عنهما، عن النبي ◌ََّ: ((العَجْوَةُ مِن الجَنَّةِ، وهي شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، والكمأة مِنَ المَنِّ، ومَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ))(١). وقد قيل: إن هذا في عجوة المدينة، وهي أحدُ أصناف التمر بها، ومن أنفع تمر الحجاز على الإطلاق، وهو صِنف كريم، ملذذ، متين للجسم والقوة، مِن ألين التمر وأطيبه وألذه، وقد تقدم ذكرُ التمر وطبعه ومنافعه في حرف التاء، والكلامُ على دفع العجوة للسم والسحر، فلا حاجة لإعادته. عنبر: تقدم في ((الصحيحين)) من حديث جابر، في قصة أبي عبيدة وأكلهم من العنبر شهراً، وأنهم تزوَّدوا من لحمه وشَائِقَ إلى المدينة، وأرسلوا منه إلى النبي ◌َّز، وهو أحدُ ما يدل على أن إباحة ما في البحر لا يختصُ بالسمك، وعلى أن ميتته حلال، واعترض على ذلك بأن البحر ألقاه حيّاً، ثم جَزَرَ عنه الماء، فمات، وهذا حلال، فإن موتَه بسبب مفارقته للماء، وهذا لا يَصِحُّ، فإنهم إنما وجدوه ميتاً بالساحل، ولم يُشاهدوه قد خرج عنه حياً، ثم جزر عنه الماء. إباحة ما في البحر لا يختص بالسمك وأيضاً: فلو كان حياً لما ألقاه البحر إلى ساحله، فإنه من المعلوم أن البحر إنما يقذِفُ إلى ساحله الميت من حيواناته لا الحيَّ منها. وأيضاً: فلو قُدِّرَ احتمال ما ذكروه لم يجز أن يكون شرطاً في الإباحة، فإنه لا يُباح الشيء مع الشك في سبب إباحته، ولهذا منع النبيُّ ◌َّ من أكل الصيد إذا (١) أخرجه الترمذي (٢٠٦٧) في الطب، من حديث سعد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي مسلم عن أبي هريرة وحسنه، وهو كما قال. وأخرجه أحمد ٤٨/٣ وابن ماجه (٣٤٥٣) من طريق شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما. وفي الباب عن رافع بن عمرو المزني: ((العجوة والشجرة من الجنة)) أخرجه أحمد ٤٢٦/٣ و٣١/٥و٦٥ وابن ماجه (٣٤٥٦) وإسناده قوي، وعن بريدة عند أحمد ٣٤٦/٥. ٣١٣ وجده الصائِدُ غريقاً في الماء للشك في سبب موته، هل هو الآلة أم الماء؟. طيب العنبر والمفاضلة بينه وبين المسك وأما العنبر الذي هو أحدُ أنواع الطيب، فهو مِن أفخر أنواعه بعد المسك، وأخطأ من قدّمه على المسك، وجعله سيدَ أنواع الطيب، وقد ثبت عن النبي أنه قال في المسك: ((هُوَ أَطْيَبُ الطِّيب))(١)، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الخصائص والمنافع التي خُص بها المسكُ، حتى إنه طيب الجنة، والكثبان التي هي مقاعد الصديقين هناك مِن مسك لا من عنبر. والذي غر هذا القائل أنه لا يدخله التغير على طول الزمان، فهو كالذهب، وهذا يدُلُّ على أنه أفضل من المسك، فإنه بهذه الخاصية الواحدة لا يُقاوم ما في المسك من الخواص. أنواع طيب العنبر وبعد فضروبُه كثيرة، وألوانه مختلفة، فمنه الأبيضُ، والأشهبُ، والأحمر، والأصفر، والأخضرُ، والأزرقُ، والأسودُ، وذو الألوان وأجودُه: الأشهب، ثم الأزرق، ثم الأصفر، وأردؤه: الأسود. وقد اختلف الناسُ في عُنصره، فقالت طائفة: هو نبات ينبت في قعر البحر، فيبتلِعُه بعض دوابه، فإذا ثَمِلَتْ منه قذفته رجيعاً، فيقذِفُه البحر إلى ساحله. وقيل: طَلٌّ ينزل من السماء في جزائر البحر، فتُلقيه الأمواج إلى الساحل، وقيل: روث دابة بحرية تُشبه البقرة. وقيل : بل هو جُفاء من جُفاء البحر، أي: زبد. وقال صاحب ((القانون)): هو فيما يُظن ينبع مِن عين في البحر، والذي يقال: إنه زبد البحر، أو روث دابة بعيد انتهى. ومزاجه حار يابس، مقو للقلب، والدماغ، والحواس، وأعضاء البدن، نافع من الفالج واللَّقوة، والأمراض البلغمية، وأوجاع المعدة الباردة، والرياح (١) أخرجه مسلم (٢٢٥٣) والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ٣١٤ الغليظة، ومن السدد إذا شرب، أو طلي به من خارج، وإذا تُبُخِّر به، نفع من الزُّكَام والصداع، والشقيقة الباردة(١) . عود: العود الهندي نوعان، أحدهما: يُستعمل في الأدوية وهو الكُست، ويقال له: القسط، وسيأتي في حرف القاف. الثاني: يُستعمل في الطيب، ويقال له: الأَلُوَّة. وقد روى مسلم في ((صحيحه)): عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان يَسْتَجْمِرُ بالألُوَّةِ غيرَ مُطرَّاة، وبكافُور يُطْرَحُ مَعَهَا، ويقولُ: هكذا كان يستجمرُ رسولُ الله ◌َّةٍ (٢)، وثبت عنه في صفة نعيم أهل الجنة ((مَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ(٣))) والمجامر: جمع مِجْمَرٍ وهو ما يُجمَّر به مِن عود وغيره، وهو أنواع. أجودُها: الهندي، ثم الصِّيني، ثم القَماري، ثم المندلي، وأجوده: الأسود والأزرق الصلب الرزينُ الدسم، وأقلُّه جودة: ما خف وطفا على الماء، ويقال: إنه شجر يقطع ويدفن في الأرض سنة، فتأكل الأرض منه ما لا ينفع، ويبقى عودُ الطيب، لا تعمل فيه الأرض شيئاً، ويتعفن منه قِشرُه وما لا طيبَ فيه . وهو حارٌ يابس في الثالثة، يفتح الشُّدد، ويكسر الرياح، ويذهب بفضل الرُّطوبة، ويُقوي الأحشاء والقلب ويُفرحه، وينفع الدماغ، ويُقوي الحواس، ويحبِسُ البطن، وينفع مِن سلس البول الحادث عن برد المثانة. قال ابن سمجون (٤): العود ضروب كثيرة يجمعها اسم الألوة، ويستعمل (١) قال الدكتور الأزهري: البحث الطبي لم يثبت أي فائدة علاجية للعنبر، فإنه لا يزالون يستعملونه كمقو للجماع، وفي حالات الشلل، ويستعمل الآن طبياً في صناعة الأرواح العطرية فقط. (٢) أخرجه مسلم (٢٢٥٤) في الألفاظ: باب استعمال المسك وأنه أطيب الطيب. (٣) أخرجه البخاري ٦/ ٢٦٠ في الأنبياء: باب خلق آدم، ومسلم (٢٨٣٤)(١٥) في الجنة: باب أول زمرة تدخل الجنة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٤) هو حامد بن سمجون من رجال القرن الرابع، فاضل في صناعة الطب، متميز في قوى الأدوية المفردة وأفعالها. ((عيون الأنباء» ٢/ ٥١ و٦٢. ٣١٥ مِن داخل وخارج، ويُتُجمَّرُ به مفرداً ومع غيره، وفي الخلط للكافور به عند التجمير معنى طبي، وهو إصلاحُ كل منهما بالآخر، وفي التجمُّر مراعاةٌ جوهر الهواء وإصلاحُه، فإنه أحدُ الأشياء الستة الضرورية التي في صلاحها صلاحُ الأبدان. عدس: قد ورد فيه أحاديثُ كُلُّهَا باطلة على رسول الله وََّ، لم يَقُلْ شيئاً منها، كحديث: ((إنه قُدَّس على لِسانِ سبعين نبياً) وحديث ((إنه يرق القلب، ويُغْزِرُ الدمعة، وإنه مأكول الصالحين))، وأرفع شيء جاء فيه، وأصحه أنه شهوةُ اليهود التي قدموها على المنِّ والسلوى، وهو قرينُ الثوم والبصل في الذكر. وطبعه طبع المؤنث، بارد يابس، وفيه قوتان متضادتان. إحداهما: يعقِلُ الطبيعة. والأخرى: يُطلقها، وقشره حار يابس في الثالثة، حِرِّيف مطلق للبطن، وتِرياقه في قشره، ولهذا كان صِحاحهُ أنفعُ من مطحونه، وأخفَ على المعدة، وأقلَّ ضرراً، فإن لُبَّه بطيءُ الهضم لبرودته ويبوسته، وهو مولِّد للسوداء، ويَضُرُّ بالماليخوليا ضرراً بِيّاً، ويضُرُّ بالأعصاب والبصر. وهو غليظُ الدم، وينبغي أن يتجنبه أصحابُ السوداء، وإكثارهم منه يولد لهم أدواء رديئة، كالوسواس والجذام، وحمى الرِّبع، ويُقلل ضرره السلق والإسْفَانَاخ (١)، وإكثار الدهن. وأردأ ما أكل بالنمكسود(٢) وليتجنب خلط الحلاوة به، فإنه يُورث سُدداً كبدية، وإدمانه يُظلم البصر لشدة تجفيفه، ويُعسِّر البول، ويُوجِبُ الأورام الباردة، والرياحَ الغليظة. وأجودُه الأبيضُ السمينُ، السريع النُّضج. وأما ما يظُنه الجهالُ أنه كان سِماطَ الخليل الذي يُقدِّمه لأضيافه، (١) في ((القاموس)): والاسفاناخ: نبات معروف معرب، فيه قوة جالية غسالة ينفع الصدر والظهر، ملين. (٢) النمكسود: هو اللحم إذا شرح وجعل عليه الملح والأبازير ((المعتمد) ص: ٥٢٥. ٣١٦ فَكَذِبٌ مفترَى، وإنما حكى اللهُ عنه الضيافةَ بالشُّواء، وهو العِجل الحنيذ. قول ابن المبارك في وذكر البيهقي، عن إسحاق قال: سئل ابنُ المبارك عن الحديث الذي جاء في العدس، أنه قُدِّسَ على لسان سبعين نبياً، فقال: ولا على لسان نبي العدس واحد، وإِنَّه لمؤذ منفخ، من حدثكم به؟ قالوا: سلم بن سالم (١)، فقال: عمن؟ قالوا: عنك. قال: وعني أيضاً !! ؟. حرف الغين غيث: مذكور في القرآن في عِدة مواضع، وهو لذيذ الاسم على السمع، والمسمَّى على الروح والبدن، تبتهجُ الأسماعُ بذكره، والقلوب بوروده، وماؤُه أفضلُ المياه، وألطفُهَا وأنفعُهَا وأعظمُهَا بركة، ولا سيما إذا كان مِن سحاب راعد، واجتمع في مستنقعات الجبالِ، وهو أرطبُ مِن سائر المياه، لأنه لم تَطُلْ مدته على الأرض، فيكتسب من يُبوستها، ولم يُخالطه جوهر يابس، ولذلك يتغيَّر ويتعفَّن سريعاً للطافته وسرعة انفعاله، وهل الغيثُ الربيعي ألطفُ من الشتوي أو بالعكس؟ فيه قولان. قال من رجح الغيث الشتوي: حرارةُ الشمس تكون حينئذ أقلَّ فلا تجتذِب من ماء البحر إلا أَلْطِفَه، والجؤُّ صافٍ وهو خالٍ من الأبخرة الدخانية، والغبارِ المخالط للماء، وكلُّ هذا يوجب لطفه وصفاءه، وخُلَّوه من مخالط. الترجيح بين الغيث الشتوي و الربيعي قال من رجح الربيعي: الحرارة تُوجب تحلل الأبخرة الغليظة، وتُوجب رِقة الهواء ولطافته، فيخِفُّ بذلك الماء، وتَقِلُّ أجزاؤه الأرضية، وتُصادِف وقتَ حياة النبات والأشجار وطيب الهواء. (١) هو سلم بن سالم البلخي الزاهد، ضعفه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي. وانظر ((المنار المنيف)) للمؤلف ص: ٥١ و٥٢. و((الفوائد المجموعة)) ص: ١٦١. ٣١٧ تبركه # بالمطر وذكر الشافعي رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنهما، قال: كنّا مع رسولِ اللهِ وَلَ، فأصابنا مطرٌّ، فحسر رسول الله مح له ثوبَه، وقال: ((إنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّه))(١)، وقد تقدم في هديه في الاستسقاء ذكر استمطاره محلية، وتبركه بماء الغيث عند أول مجيئه . حرف الفاء فاتحة الكتاب: وأم القرآن، والسبعُ المثاني، والشفاءُ التام، والدواءُ النافع والرُّقيةُ التامة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظةُ القوة، ودافعةُ الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقّها، وأحسنَ تنزيلها علی دائه، وعَرَفَ وجهَ الاستشفاء والتداوي بها، والسرَّ الذي لأجله كانت كذلك. ولما وقع بعضُ الصحابة على ذلك، رقى بها اللديغ، فبرأ لوقته، فقال له النبي ◌ِ لٌ: ((ومَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَة»(٢). ومن ساعده التوفيق، وأُعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرارِ هُذه السورة، وما اشتملت عليه مِن التوحيد، ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثباتِ الشرع والقدر والمعاد، وتجريدٍ توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى من له الأمر كُلُّه، وله الحمدُ كله، وبيده الخیرُ كُلُّه، وإليه يرجع الأمرُ كُلُّه، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصلُ سعادة الدارين، وعَلِمَ ارتباطَ معانيها بجلب مصالحهما، ودفع مفاسدهما، وأن العاقبةَ المطلقة التامة، والنعمةَ الكاملة منوطةٌ بها، موقوفةٌ على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية والرُّقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها مِن الشر أسبابَه . أخرجه مسلم (٨٩٨) في صلاة الاستسقاء: باب الدعاء في الاستسقاء. (١) (٢) هو في الصحيح، وقد تقدم ص١٦٢ . ٣١٨ وهذا أمر يحتاجُ استحداث فِطرةٍ أخرى، وعقلٍ آخر، وإيمانٍ آخر، وتاللهِ لا تجد مقالةً فاسدة، ولا بدعةً باطلة إلا وفاتحةُ الكتابِ متضمّنة لردها وإبطالها بأقرب الطرق، وأصحّها وأوضحِها، ولا تجدُ باباً من أبواب المعارف الإلهية، وأعمالِ القلوب وأدويتها مِن عللها وأسقامها إلا وفي فاتحة الكتاب مفتاحُه، وموضع الدلالة عليه، ولا منزلاً من منازل السائرين إلى ربِّ العالمين إلا وبدايتُه و نھایتُه فيها . ولعمر الله إن شأنها لأعظمُ من ذلك، وهي فوقَ ذلك. وما تحقق عبدٌ بها، واعتصم بها، وعقل عمن تكلم بها، وأنزلها شفاءً تاماً، وعصمةً بالغةً، ونوراً مبيناً، وفهمها وفهم لوازمَها كما ينبغي ووقع في بدعة ولا شِرك، ولا أصابه مرضٌ مِن أمراض القلوب إلا لِماماً، غير مستقر. هذا، وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنها المفتاحُ لكنوز الجنة، ولكن ليس كل واحد يُحسن الفتح بهذا المفتاح، ولو أن طُلاَّبَ الكنوز وقفوا على سر هذه السورة، وتحقَّقُوا بمعانيها، وركبوا لهذا المفتاح أسناناً، وأحسنُوا الفتح به، لوصلوا إلى تناول الكُنوزِ من غير معاوق، ولا ممانع. ولم نقل هذا مجازفة ولا استعارة، بل حقيقة، ولكن لله تعالى حكمة بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم، والكنوزُ المحجوبة قد استُخدمَ عليها أرواحٌ خبيثة شيطانية تحولُ بين الإنس وبينها، ولا تقهُرها إلا أرواحٌ علوية شريفة غالبة لها بحالها الإيماني، معها منه أسلحةٌ لا تقومُ لها الشياطين، وأكثرُ نفوس الناس ليست بهذه المثابة، فلا يُقاوم تلك الأرواح ولا يَقْهَرُها، ولا ينالُ من سلبها شيئاً، فإن من قتل قتيلاً فله سلبه . فاغية: هي نَوْرُ الحِناء، وهي مِن أطيب الرياحين، وقد روى البيهقي في كتابه («شعب الإيمان)) من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه يرفعه: ٣١٩ (سَيِّدُ الرَّيَاحِين في الدُّنْيَا والآخرَةِ الفَاغِيَةُ))(١) وروى فيه أيضاً، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كَانَ أَحَبَّ الرَّيَاحِين إلى رسول اللهََّ الفَاغِيَةُ)). والله أعلم بحال هذین الحدیثین، فلا نشهد على رسول الله (قلا؛ بما لا نعلم صِحته. وهي معتدلةٌ في الحر واليُيْس، فيها بعضُ القبض، وإذا وُضِعَتْ بين طيِّ ثياب الصوف حفظتها من السوس، وتدخل في مراهم الفالج والتمدد، ودُهنها يُحلِّل الأعضاء، ويلين العصب. فضة: ثبت أن رسولَ الله وَّه كان خاتِمُه مِن فِضة، وفصُّه منه(٢)، وكانت قَبِيعةُ سيفِهِ فِضَّة(٣)، ولم يصح عنه في المنع من لباس الفضة والتحلي بها شيء البتة، كما صحَّ عنه المنع من الشُّرب في آنيتها، وبابُ الآنية أضيقُ مِن باب اللباس والتحلي، ولهذا يُباح للنساء لباساً، وحِلية ما يحرُم عليهن استعمالُه آنية، فلا يلزم من تحريم الآتية تحريمُ اللباس والحلية. وفي ((السنن)) عنه: ((وَأَمَّا الفِضَّةُ فَالْعَبُوا بِهَا لَعْباً) (٤). فالمنع يحتاجُ إلى دليل يُبينه، إما نصٌ أو إجماع، فإن ثبت أحدُهما، وإلا ففي القلب من تحريم ذلك على الرجال شيء، والنبيُّ مَّ أمسك بيده ذهباً، وبالأخرى حريراً، وقال: ((هذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتي، حِلٌّ لِإِنَائِهِم)، (٥). (١) وأخرجه أبو نعيم في ((الطب)) والطبراني في (الأوسط)) كما في (المجمع)) ٣٥/٥ وسنده ضعيف جداً. (٢) أخرجه البخاري ٢٧١/١٠ و٢٧٢ والترمذي في ((الشمائل)) رقم (٨٤) من حديث أنس رضي الله عنه. (٣) أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٩٩) وفي ((الجامع)) (١٦٩١) وأبو داود (٢٥٨٣) والنسائي ٢١٩/٨ وإسناده صحيح. والقبيعة: ما على رأس مقبض السيف من فضة أو حدید أو غيرهما. (٤) أخرجه أحمد ٣٣٤/٢ و٣٧٨ وأبو داود (٤٢٣٦) في الخاتم: باب ما جاء في الذهب للنساء. وإسناده حسن. (٥) حديث صحيح، روي عن عدة من الصحابة، منهم علي وأبو موسى الأشعري، = ٣٢٠