النص المفهرس

صفحات 221-240

نوم، وأردأ منه أن ينام منبطحاً على وجهه، وفي ((المسند)) و ((سنن ابن ماجه))
عن أبي أمامة قال: مر النبي ◌ََّ على رَجُلٍ نائم في المسجد منبطح على
وجهه، فضرَ به برجله، وقال: ((قُمْ أَوِ افْعُدْ، فإنَّهَا نَوْمَةٌ جَهَنَّمِيَّةٌ)) (١).
قال أبقراط في كتاب ((التقدمة)): وأما نوم المريض على بطنه من غير
أن يكون عادته في صحته جرت بذلك، يدل على اختلاط عقل، وعلى ألم
في نواحي البطن، قال الشراح لكتابه: لأنه خالف العادة الجيدة إلى هيئة
رديئة مِن غیر سبب ظاهر ولا باطن.
والنوم المعتدل ممكن للقوى الطبيعية من أفعالها، مريح للقوة منافع النوم المعتدل
النفسانية، مكثر من جوهر حاملها، حتى إنه ربما عاد بإرخائه مانعاً من تحلل
الأرواح.
ونوم النهار رديء يُورث الأمراض الرطوبية والنوازلَ، ويُفسد اللون،
ويورث الطِّحال، ويُرخي العصب، ويكسل، ويُضعف الشهوة إلا في الصَّيفِ
وقت الهاجرة، وأردؤه نومُ أول النهار، وأرداً منه النوم آخره بعدَ العصر،
ورأى عبد الله بن عباس ابناً له نائماً نومة الصُّبْحَةِ، فقال له: قم، أتنام في
الساعة التي تقسم فيها الأرزاق. ؟
مفاسد نوم النهار
وبخاصة آخره
وقيل: نوم النهار ثلاثة: خُلقٌّ، وحُرق، وحُمق. فالخلق: نومة
الهاجرة، وهي خلق رسول الله مَّةٍ. والحُرق: نومة الضحى، تشغل عن أمر
الدنيا والآخرة. والحمق: نومة العصر. قال بعض السلف: من نام بعد
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٧٢٥) في الأدب: باب النهي عن الاضطجاع على الوجه.
وسنده ضعيف، وفي الباب عن أبي هريرة قال: رأى رسول اللّه ◌َ لّ رجلاً مضطجعاً
على بطنه فقال: ((إن هذه ضجعة لا يحبها الله))، أخرجه أحمد ٢٨٧/٢ و٣٠٤،
والترمذي (٢٧٦٩)، وسنده حسن، وله شاهد من حديث يعيش بن طخفة عند أبي
داود (٥٠٤٠) وابن ماجه (٧٥٢) و (٣٧٢٧)، وسنده قوي.
٢٢١

العصر، فاختُلِسَ عقلُه، فلا يلومنَّ إلا نفسَه. وقال الشاعر:
أَلاَ إِنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الفَتِى خَبَالاً وَنَوْمَاتُ العُصَيْرِ جُنُونُ
مفاسد نوم الصبحة
ونومُ الصُّبحة يمنع الرزق، لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقةُ أرزاقَها، وهو
وقت قسمة الأرزاق، فنؤُمه حرمان إلا لعارض أو ضرورة، وهو مضر جداً بالبدن
لإرخائه البدن، وإفسادِهِ للفضلات التي ينبغي تحليلُها بالرياضة، فيحدث تكسراً
وعِيّاً وضَعفاً. وإن كان قبل التبرز والحركة والرياضة وإشغال المعدة بشيء،
فذلك الداء العُضال المولد لأنواع من الأدواء.
مفاسد النوم في الشمس
أو بعضه في الشمس
والنوم في الشمس يُثير الداء الدفين، ونومُ الإِنسان بعضه في الشمس،
وبعضه في الظل رديء، وقد روى أبو داود في ((سننه)) من حديث أبي هريرة،
قال: قال رسولُ الله ◌َّه: ((إذا كَانَ أَحَدُكُم في الشَّمسِ فَقَلَصَ عنهُ الظُّلُّ، فَصَارَ
بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ، وبَعْضُهُ في الظُّلِّ فَلْيَقُمْ))(١).
وفي ((سنن ابن ماجه)) وغيره من حديث بريدة بن الحُصيب، أن رسول
الله بَّرُ نهى أن يقعُدَ الرَّجُلُ بين الظُّلِّ والشمس، وهذا تنبيه على منع النوم
بينهما .
وفي ((الصحيحين)) عن البراء بن عازب، أن رسول الله وَ ◌ّ قال: ((إِذَا أَتَيْتَ
مَضْجَعَكَ فَتَوضَّأْ وُضُوءَكْ الصَّلاة، ثمَّ اضطَّجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَسْمَنِ، ثُم قُلْ: اللَّهُمَّ
أِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٢١) في الأدب: باب في الجلوس بين الظل والشمس، وسنده
ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن المنكدر وأبي هريرة، وأخرجه أحمد ٣٨٣/٢،
وإسناده صحيح إن صح سماع ابن المنكدر من أبي هريرة، وله شاهد بسند قوي عند
أحمد ٤١٣/٣ من حديث رجل من أصحاب النبي رئ بلفظ: ((نهى أن يجلس بين
الضحّ والظلّ وقال: مجلس الشيطان)»، ورواه الحاكم من طريق أخرى ٢٧١/٤
وسمى الصحابي أبا هريرة وصححه ووافقه الذهبي، وآخر من حديث بريدة عند ابن
ماجه (٣٧٢٢)، وسنده حسن، وهو الذي سيذكره المصنف فيما بعد.
٢٢٢

ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةٌ إِلَيْكَ، لاَمَلْجَأَ ولا مَنْجَا مِنْكَ، إلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتِ بِكِتَابِكَ
الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، واجْعَلْهُنَّ آخِرَ كَلاَمِكَ، فإنْ مِنَّ مِنْ لَيْلَتِكَ،
مِتَّ عَلَى الفِطْرةِ))(١).
وفي ((صحيح البخاري)) عن عائشة أنَّ رسولَ اللَّهِ بِ له، كان إذا صلَّى ركعتي
بعين سنتها - اضطجع على شِقُّه الأيْمَنِ (٢).
الفجر -
الحكمة من النوم على
الجانب الأيمن
وقد قيل: إن الحكمة في النوم على الجانب الأيمن، أن لا يستغرق النائم
في نومه، لأن القلب فيه ميل إلى جهة اليسار، فإذا نام على جنبه الأيمن، طلب
القلبُ مستقره من الجانب الأيسر، وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله في
نومه، بخلاف قراره في النوم على اليسار، فإنه مستقرُّه، فيحصل بذلك الدعة
التامة، فيستغرق الإِنسان في نومه، ويستثقل، فيفوتُه مصالح دينه ودنياه.
ولما كان النائمُ بمنزلة الميت، والنومُ أخو الموت ــ ولهذا يستحيل على
الحيِّ الذي لا يموت، وأهل الجنة لا ينامون فيها - كان النائمُ محتاجاً إلى من
يحرُس نفسه، ويحفظُها مما يَعْرِضُ لها من الآفات، ويحرُسُ بدنه أيضاً من
طوارق الآفات، وكان ربُّه وفاطره تعالى هو المتولي لذلك وحَده. علَّم النبيُّ
النائمَ أن يقول كلماتِ التفويض والالتجاء، والرغبة والرهبة، ليستدعي بها كمال
حفظ الله له، وحراسته لنفسه وبدنه، وأرشده مع ذلك إلى أن يستذكِرَ الإِيمانَ،
وينامَ عليه، ويجعل التكلم به آخر كلامه، فإنه ربما توفاه الله في منامه، فإذا كان
الإِيمانُ آخِرَ كلامه دخل الجنة، فتضمن هذا الهديُ في المنام مصالحَ القلب
والبدن، والروح في النوم واليقظة، والدنيا والآخرة، فصلواتُ الله وسلامُه على
من نالت به أمَّتُهُ كُلَّ خير.
فوائد الدعاء قبل النوم
(١) أخرجه البخاري ٩٣/١١، ٩٥ في ودب: باب الضجع عل الشق الأيمن، ومسلم
(٢٧١٠) في الذكر والدعاء: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع.
(٢) أخرجه البخاري ٣٥/٣ في التهجد: باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي
الفجر .
٢٢٣

وقوله: ((أسلمت نفسي إليك))، أي: جعلتها مسلمة لك تسليمَ العبد
المملوك نفسه إلى سيده ومالكه. وتوجيهُ وجهه إليه يتضمَّن إقبالَه بالكلية على
ربه، وإخلاص القصد والإرادة له، وإقراره بالخضوع والذل والانقياد، قال
تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ، وَمَنِ اتَبَعَنِ﴾ [سورة آل عمران،
الآية: ٢٠]. وذكر الوجه إذ هو أشرفُ ما في الإِنسان، ومجمعُ الحواس، وأيضاً
ففيه معنى التوجه والقصد من قوله:
اسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبِ العِبَادِ إِلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ (١)
وتفويض الأمر إليه ردُّهُ إلى الله سبحانه، وذلك يُوجب سكون القلب
وطمأنينته، والرضى بما يقضيه ويختارُه له مما يحبه ويرضاه، والتفويضُ من
أشرف مقامات العبودية، ولا علة فيه، وهو من مقامات الخاصة خلافاً لزاعمي
خلاف ذلك .
وإلجاء الظهر إليه سبحانه يتضَمَّنُ قوةَ الاعتماد عليه، والثقة به، والسكونَ
إليه، والتوكلَ عليه، فإن من أسند ظهره إلى ركن وثيق، لم يخف السقوطَ.
ولما كان للقلب قوتان: قوة الطلب، وهي الرغبة، وقوة الهرب، وهي
الرهبة، وكان العبد طالباً لمصالحه، هارباً مِن مضاره، جمع الأمرين في هذا
التفويض والتوجه، فقال: رغبة ورهبة إليك، ثم أثنى على ربه، بأنه لاملجأ للعبد
سواه، ولا منجا له منه غيره، فهو الذي يلجأ إليه العبدُ ليُنْجِيَه مِن نفسه، كما في
الحَدِيث الآخر: ((أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبمُعافَاتِكَ من عُقُوبَتِكَ، وأعُوذَ بِكَ
مِنْكَ(٢))، فهو سبحانه الذي يُعيدُ عبده ويُنجیه من بأسه الذي هو بمشيئته وقدرته،
(١) هو من أبيات ((الكتاب)) ١٧/١، أورده البغدادي في ((خزانة الأدب)) ٤٨٦/١، وذكر
أنه من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها.
(٢) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٤٨٦) في الصلاة: باب ما يقال في الركوع والسجود
من حديث عائشة.
٢٢٤

فمنه البلاءُ ومنه الإعانةُ، ومنه ما يطلب النجاة منه، وإليه الالتجاء في النجاة، فهو
الذي يُلجأ إليه في أن يُنجيَ مما منه، ويُستعاذ به مما منه، فهو ربُّ كل شيء، ولا
يكون شيء إلا بمشيئته: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُو﴾ [سورة
الأنعام، الآية: ١٧] ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهُ إنْ أَرادَ بِكُمْ سوءاً أو أرَادَ
بِكُمْ رَحْمَة﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ١٧] ثمَّ ختم الدعاء بالإِقرار بالإِيمان بكتابه
ورسوله الذي هو مَلاك النجاة، والفوز في الدنيا والآخرة، فهذا هديه في نومه.
لَوْ لَمْ يَقُلْ إِنِّي رَسُولٌ لَكَا نَ شَاهِدٌ فِي هَذِيِهِ يَنْطِقُ
فصل
هديه ◌َ في اليقظة
وأما هديُه في يقظته، فكان يستيقظ إذا صاح الصَارخُ وهو الدِيك، فيحمَدُ
اللَّهَ تعالى ويكبِّره، ويُهلله ويدعوه، ثم يستاكُ، ثم يقوم إلى وضوئه، ثم يقِفُ
للصلاة بين يدي ربه، مناجياً له بكلامه، مثنياً عليه، راجياً له، راغباً راهباً، فأيُّ
حفظ لصحة القلب والبدن، والروح والقوى، ولنعيم الدنيا والآخرة فوقَ هذا.
فصل
هديه * في الرياضة
وأما تدبيرُ الحركة والسكون، وهو الرياضة، فنذكر منها فصلاً يعلم منه
مطابقة هديه في ذلك لأكمل أنواعه وأحمدها وأصوبها، فنقول:
من المعلوم افتقارُ البدن في بقائه إلى الغذاء والشراب، ولا يصير الغذاء
بجملته جزءاً من البدن، بل لا بد أن يبقى منه عند كل هضم بقية ما، إذا كثُرت
على ممر الزمان اجتمع منها شيء له كمية وكيفية، فيضُرُّ بكميته بأن يسد ويثقل
البدن، ويوجب أمراضَ الاحتباس، وإن استفرغ تأذى البدن بالأدوية، لأن أكثرها
سميَّة، ولا تخلو من إخراج الصالح المنتفع به، ويضر بكيفيته، بأن يسخن
بنفسه، أو بالعفن، أو يبرد بنفسه، أو يضعف الحرارة الغريزية عن إنضاجه.
السبب الموجب للرياضة
وسدد الفضلات لا محالة ضارة تُركت، أو استفرغت، والحركة أقوى
٢٢٥
زاد المعاد ج ٤ -م٨
فوائد الرياضة

الأسباب في منع تولدها، فإنها تُسخن الأعضاء، وتُسيل فضلاتها، فلا تجتمعُ
على طول الزمان، وتُعوِّدُ البدن الخفةَ والنشاط، وتجعلُه قابلاً للغذاء، وتُصلِّب
المفاصِل، وتُقُوي الأوتار والرباطات، وتُؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر
الأمراض المزاجية إذا استُعملَ القدر المعتدل منها في وقته، وكان باقي التدبير
صواباً.
وقتها وأنواعها
ووقت الرياضة بعد انحدار الغذاء، وكمال الهضم، والرياضة المعتدلة هي
التي تحمُّ فيها البشرة، وتربو ويتندى بها البدن، وأما التي يلزمُها سيلان العرق
فمفرِطة، وأي عضو كثرت رياضتُه قوي، وخصوصاً على نوع تلك الرياضة، بل
كل قوة فهذا شأنها، فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته، ومن استكثر من
الفكر قويت قُوَّتُه المفكِّرة، ولكل عضو رياضة تخصُّه، فللصدر القراءة، فليبتدىء
فيها مِن الخفية إلى الجهر بتدريج، ورياضة السمع بسمع الأصوات، والكلام
بالتدريج، فينتقل من الأخف إلى الأثقل، وكذلك رياضةُ اللسان في الكلام،
وكذلك رياضة البصر، وكذلك رياضة المشي بالتدريج شيئاً فشيئاً.
وأما ركوب الخيل، ورمي النشاب، والصراع، والمسابقة على الأقدام،
فرياضة للبدن كله، وهي قالعة لأمراض مزمنة، كالجُذام والاستسقاء، والقولنج.
رياضة النفوس
ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب، والفرح والسرور، والصبر والثبات،
والإقدام والسماحة، وفِعل الخير، ونحو ذلك مما ترتاض به النفوسُ، ومِن أعظم
رياضتها: الصبر والحب، والشجاعة والإحسان، فلا تزال ترتاض بذلك شيئاً
فشيئاً حتى تَصيرَ لها هذه الصفاتُ هيئاتٍ راسخة، وملكاتٍ ثابتة .
وأنت إذا تأملتَ هديه ◌ََّ في ذلك، وجدتَه أكملَ هدي حافظ للصحة
والقوى، ونافع في المعاش والمعاد.
فائدة الصلاة
ولا ريبَ أن الصلاة نفسَها فيها من حِفظ صحة البدن، وإذابة أخلاطه
وفضلاته ما هو من أنفع شيء له سوى ما فيها مِن حفظ صحة الإِيمان، وسعادة
٢٢٦

الدنيا والآخرة، وكذلك قيامُ الليل مِن أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع
الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب، كما
في (الصحيحين)) عن النبي ◌َّةِ، أنه قال: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ
إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَليْكَ لَيْلٌ طويلٌ، فارْقُد، فإنْ هُوَ
اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللَّهَ انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ثانِيَةٌ، فَإِنْ صَلَّى
انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ
كَسْلانَ))(١).
فائدة الصوم
وفي الصوم الشرعي من أسباب حفظ الصحة ورياضة البدن والنفس ما لا
يدفعه صحیحُ الفطرة.
وأما الجهاد وما فيهٍ مِن الحركات الكلية التي هي من أعظم أسباب القوة،
وحفظ الصحة، وصلابة القلب والبدن، ودفع فضلاتهما، وزوالِ الهم والغم
والحزن، فأمر إنما يعرفه من له منه نصيب، وكذلك الحج، وفعل المناسك،
وكذلك المسابقة على الخيل، وبالنصال، والمشي في الحوائج، وإلى الإِخوان،
وقضاء حقوقهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، والمشي إلى المساجد
للجُمعات والجماعات، وحركة الوضوء، والاغتسال، وغير ذلك.
فائدة الجهاد
رياضات أخرى
وهذا أقلُّ ما فيه الرياضة المعينة على حفظ الصحة، ودفع الفضلات، وأما
ما شرع له من التوصل به إلى خيرات الدنيا والآخرة، ودفع شرورهما، فأمر وراء
ذلك.
فعلمتَ أن هديه فوق كل هدي في طب الأبدان والقلوب، وحفظ صحتها،
ودفع أسقامهما، ولا مزيد على ذلك لمن قد أحضر رشده، وبالله التوفيق.
(١) أخرجه البخاري ١٩/٣، ٢٢ في التهجد: باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا
لم يصل، ومسلم (٧٧٦) في صلاة المسافرين: باب ما روي في من نام الليل أجمع
حتى أصبح، من حديث أبي هريرة.
٢٢٧

فصل
وأما الجماع والبَاه، فكان هديُه فيه أكمل هدي، يحفظ به الصحة، وتَتمُّ به
اللذةُ وسرورُ النفس، ويحصل به مقاصدُه التي وُضع لأجلها، فإن الجماعَ وُضِعَ
في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية:
هديه ة في الجماع
مقاصد الجماع
أحدها: حفظ النسل، ودوام النوع إلى أن تتكامل العُدة التي قدر الله بروزها
إلى هذا العالم.
الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسُه واحتقانُه بجملة البدن.
الثالث: قضاء الوطر، ونيلُ اللذة، والتمتع بالنعمة، وهذه وحدَها هي
الفائدة التي في الجنة، إذ لا تناسُلَ هناك، ولا احتقان يستفرِغُه الإِزالُ.
الجماع من أسباب
الصحة
وفضلاء الأطباء: يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة. قال
جالينوس: الغالبُ على جوهر المني النار والهواء، ومِزاجه حار رطب، لأن كونه
من الدم الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية، وإذا ثبت فضلُ المني، فاعلم
أنه لا ينبغي إخراجُه إلا في طلب النسل، أو إخراجُ المحتقن منه، فإنه إذا دام
احتقانُه، أحدث أمراضاً رديئة، منها: الوسواسُ، والجنونُ، والصرعُ، وغير
ذلك، وقد يُبرىء استعمالُه من هذه الأمراض كثيراً، فإنه إذا طال احتباسُه، فسد
واستحال إلى كيفية سُمية تُوجب أمراضاً رديئة كما ذكرنا، ولذلك تدفعه الطبيعةُ
بالاحتلام إذا كثر عندها مِن غير جماع.
وقال بعض السلف: ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثاً: أن لا يدع
المشي، فإن احتاج إليه يوماً قدر عليه، وينبغي أن لا يدع الأكل، فإن أمعاءه
تضيق، وينبغي أن لا يدع الجماع، فإن البئر إذا لم تنزح، ذهب ماؤها. وقال
محمد بن زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة، ضعفت قوى أعصابه، وانسدَّت
مجاريها، وتقلَّص ذكرُه. قال: ورأيتُ جماعة تركوه لنوع من التقشف، فبردت
٢٢٨

أبدانهم، وعَسُرتْ حركاتهم، ووقعت عليهم كآبة بلا سبب، وقَلَّتْ شهواتُهم
وهضمهم، انتھی.
ومن منافعه: غضُّ البصر، وكفُّ النفس، والقدرة على العفة عن
الحرام، وتحصيلُ ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه، وينفع
المرأة، ولذلك كان ◌َّ يتعاهدُه ويُحبه، ويقول: ((حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ:
النّسَاءُ والطِّيبُ))(١).
منافعه
محبته له
وفي كتاب ((الزهد)) للإِمام أحمد في هذا الحديث زيادة لطيفة، وهي:
أصبر عن الطعام والشراب، ولا أصبر عنهن.
وحث على التزويج أمته فقال: (تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَائِرٌ بِكُمُ الأمم))(٢).
وقال ابن عباس: خيرُ هذه الأمة أكثرُها نِساء(٣).
الحث على الزواج
وقال: (إِنِّي أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وأَنَامُ وَأقومُ، وأَصُومُ وَأُفْطِرُ، فَمَنْ رَغِبَ
عَنْ سُنَِّي فَلَيْسَ مِنِّي))(٤).
وقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَاب! مَن اسْتَطَاعِ مِنْكُم البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ
(١) أخرجه أحمد ١٢٨/٣ و١٩٩ و٢٨٥، والنسائي ٧/ ٦١ في عشرة النساء: باب حب
النساء، من حديث أنس بن مالك، وسنده حسن، وصححه الحاكم ١٦٠/٢، ووافقه
الذهبي.
(٢) حديث صحيح أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في ((شعب الإيمان)) من حديث أبي أمامة،
وأخرجه أبو داود (٢٠٥٠)، والنسائي ٦/ ٦٥، ٦٦ من حديث معقل بن يسار مرفوعاً
بلفظ: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم))، وسنده حسن، وله شاهد من
حديث أنس بن مالك عند أحمد ١٥٨/٣ و ٢٤٥، وسنده حسن، وصححه ابن حبان
(١٢٢٨).
(٣) أخرجه البخاري ٩/ ٩٩.
(٤) أخرجه البخاري ٨٩/٩، ٩٠ في النكاح: باب الترغيب في النكاح، ومسلم (١٤٠١)
في النكاح: باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه.
٢٢٩

لِلْبَصرِ، وَأَحْفَظُ لِلْفَرْجِ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ))(١).
ولما تزوج جابر ثَيِّاً قال له: ((هَلاَّ بِكْراً تُلاَعِبُها وتُلاَعِبُكَ))(٢).
وروى ابن مَاجَه في ((سننه)): من حديث أنس بن مالك، قَال: قال
رسولُ الله ◌ََّ: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِراً مُطَهَّراً، فَلْيَتَزَوَّجِ الحَرَائِ))(٣).
وفي ((سننه)) أيضاً من حديث ابن عباس يرفعه، قال: ((لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّين
مِثْلَ النِّكَاحِ))(٤).
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث عبد الله بن عمر، قال: قال
رسول الله ◌َّةٍ: ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»(٥).
وكان ◌َّه يُحرِّضُ أمته على نكاح الأبكار الحسان، وذواتِ الدين، وفي
((سنن النسائي)) عن أبي هريرة قال: سئل رسولُ الله ◌َّةٍ: أَيُّ النِّسَاء خير؟
(١) أخرجه البخاري ٩٢/٩، ٩٥، ومسلم (١٤٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود،
والباءة: كناية عن النكاح، ويقال للجماع أيضاً الباءة، وأصلها المكان الذي يأوي
إليه الإنسان، سمي النكاح بها لأن من تزوج امرأة بوأها منزلاً. والوجاء: رضّ
الخصيتين، والإخصاء: سلهما، والمراد هنا أن الصوم يقطع الشهوة ويضعفها كما
يفعله الوجاء.
(٢) أخرجه البخاري ١٠٤/٩، ١٠٦ في النكاح: باب تزويج الثيبات، ومسلم ١٢٢١/٣
في المساقاة: باب بيع البعير واستثناء ركوبه، رقم الحديث الخاص (١١٠)
و ١٠٨٧/٢ في الرضاع: باب استحباب نكاح البكر، رقم الحديث الخاص (٥٦
و ٥٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٦٢) في النكاح: باب تزويج الحرائر والولود، وفي سنده
كثير بن سليم، وهو ضعيف، وسلام بن سليمان بن سوار، قال ابن عدي: عنده
مناکیر .
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٨٤٧) في النكاح: باب ما جاء في فضل النكاح، والحاكم
١٦٠/٢، والبيهقي ٧٨/٧، وسنده حسن.
(٥) أخرجه مسلم (١٤٦٧) في الرضاع: باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة.
٢٣٠

قال: ((الَّتِي تَسُرُّهُ إذا نَظَرَ، وتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، ولا تُخَالِفُهُ فيما يَكْرَهُ في نَفْسِها
ومَالِهِ»(١) .
وفي ((الصحيحين)) عنه، عن النبيِّلنَّ قال: ((تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِمَالِها،
ولِحَسَبِها، ولِجَمَالِهَا، ولِدِيِنِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّين، تَرِبَتْ يَدَاكَ))(٢).
وكان يحث على نكاح الولود، ويكره المرأة التي لا تَلِد، كما في ((سنن الحث على نكاح الولود
أبي داود)) عن مَعْقِل بن يَسار، أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َِّ فقال: إني أصبتُ
امرأةً ذاتَ حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجُها؟ قال: ((لا))، ثم أتاه
الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: ((تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ
پِكُمْ)(٣).
وفي الترمذي عنه مرفوعاً: ((أَرْبَعٌ مِن سنن المُرْسَلِينَ: النِّكَاحُ، والسِّوَاكُ
والتَعَطُّرُ، والحِنَّاءُ)) (٤) روي في (الجامع)) بالنون والياء(٥) وسمعت أبا الحجاج
الحافظ يقول: الصواب: أنه الختان، وسقطت النونُ من الحاشية، وكذلك
رواه المحاملي عن شيخ أبي عيسى الترمذي.
ومما ينبغي تقديمُه على الجماع ملاعبةُ المرأة، وتقبيلُها، ومصُّ
أمور تتعلق بما قبل
الجماع
(١) أخرجه النسائي ٦٨/٦ في النكاح: باب أي النساء خير، وأحمد ٢٥١/٢، وسنده
حسن.
(٢) أخرجه البخاري ١١٥/٩، ١١٦ في النكاح: باب الأكفاء في الدين، ومسلم
(١٤٦٦) في الرضاع: باب استحباب نكاح ذات الدين، من حديث أبي هريرة،
وقوله: تربت يداك معناه الحث والتحريض، وأصله الدعاء بالافتقار، يقال: ترب
الرجل إذا افتقر، ولم يكن قصده به وقوع الأمر، بل هي كلمة جارية على ألسنة
العرب كقولهم: لا أرض لك، ولا أم لك، ولا أبا لك.
(٣)
تقدم تخريجه قريباً ص٢٢٩، وهو صحيح.
(٤) أخرجه الترمذي (١٠٨٠) في أول النكاح، وأحمد ٤٢١/٥، وفي سنده مجهول.
(٥) في المسند: ((والحياء)).
٢٣١

لِسانها، وكان رسول الله وَّه يُلاعب أهلَه، ويقبلها.
وروى أبو داود في ((سننه)) أنه ﴿ كان يقبل عائشة، ويمُصُّ لِسَانَها (١).
ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله مَّ عن المواقعة قبل
الملاعبة .
وكان مَّه ربما جامع نساءه كلهن بغسل واحد، وربما اغتسل عند كل
الغسل من الجماع واحدة منهن، فروى مسلم في (صحيحه)) عن أنس، أن النبي ◌ََّ، كان يطوفُ
على نِسائه بغُسْلٍ وَاحِدٍ (٢).
وروى أبو داود في ((سننه)) عن أبي رافع مولى رسول الله وَلَّ، أن
رسول الله ◌َي طاف على نسائه في ليلة، فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلاً،
فقلتُ: يا رسول الله! لو اغتسلت غُسلاً واحداً، فقال: ((هذا أزكى وأظْهَرُ
وأَطْيَبُ)»(٣).
وشرع للمجامع إذا أراد العودَ قبل الغسل الوضوء بين الجماعين، كما
روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي سعيد الخُدري، قال: قال
رسولُ اللهَِّ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ)(٤).
وفي الغسل والوضوء بعد الوطء مِن النشاط، وطيبِ النفس، وإخلافٍ
بعض ما تحلل بالجماع، وكمال الطهر والنظافة، واجتماع الحار الغريزي إلى
منافع الغسل والوضوء
بعد الوطء
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٨٦) في الصوم: باب الصائم يبلغ الريق، وأحمد ١٢٣/٦
و ٢٣٤، في سنده محمد بن دينار الأزدي سيء الحفظ، وشيخه سعد بن أوس
العبدي له أغاليط.
(٢)
أخرجه مسلم (٣٠٩) في الحيض: باب جواز نوم الجنب ...
(٣)
أخرجه أبو داود (٢١٩) في الطهارة: باب الوضوء لمن أراد أن يعود، وابن ماجه
(٥٩٠)، وسنده قابل للتحسين.
(٤) أخرجه مسلم (٣٠٨).
٢٣٢

داخل البدن بعد انتشاره بالجماع، وحصولِ النظافة التي يُحبها الله، ويُبغض
خلافها ما هو مِن أحسن التدبير في الجماع، وحفظ الصحة والقوى فيه.
فصل
وقته
وأنفع الجماع: ما حصل بعد الهضم، وعند اعتدال البدن في حرِّه وبرده،
ويبوسته ورطوبته، وخلائه وامتلائه. وضررُه عند امتلاء البدن أسهل وأقل من
ضرره عند خلوه، وكذلك ضررُه عند كثرة الرطوبة أقلُّ منه عند اليبوسة، وعند
حرارته أقل منه عند برودته، وإنما ينبغي أن يُجامع إذا اشتدت الشهوة، وحصل
الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صورة، ولا نظر متتابع، ولا ينبغي
أن يستدعيَ شهوةَ الجماع ويتكلفها، ويحمل نفسه عليها، وليبادر إليه إذا هاجت
به كثرةُ المني، واشتد شَبَقُه، وليحذر جماعَ العجوز والصغيرة التي لا يُوطأ مثلُها،
والتي لا شهوة لها، والمريضة، والقبيحة المنظر، والبغيضة، فوطء هؤلاء يُوهن
القوى، ويُضعف الجماع بالخاصية، وغلط من قال من الأطباء: إن جماع الثيب
أنفعُ من جماع البكر وأحفظُ للصحة، وهذا من القياس الفاسد، حتى ربما حذر
منه بعضُهم، وهو مخالف لما عليه عقلاءُ الناس، ولما اتفقت عليه الطبيعةُ
والشريعة .
التحذير من جماع
العجوز والصغيرة
جماع الثيب
وفي جماع البكر من الخاصية وكمال التعلق بينها وبين مجامعها، وامتلاء أسباب الترغيب بالبكر
قلبها من محبته، وعدم تقسيم هواها بينه وبين غيره، ما ليس للثيب. وقد قال
النبي ◌َّ لجابر: ((هَلاَّ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا))، وقد جعل الله سبحانه من كمال نساء أهل
الجنة من الحور العين، أنهن لم يَطْمِثْهُنَّ أحدٌ قبل من جعلن له من أهل الجنة.
وقالت عائشة للنبي ◌َّ: أرأيتَ لو مَرَرْتَ بشجرة قد أرتِعَ فيها، وشجرة لم يُرتع
فيها، ففي أيهما كنت تُرْتِع بعيرك؟ قال: ((في الَّتِي لَمْ يُرْتَعْ فِيهَا))(١) .
(١) أخرجه البخاري ٩/ ١٠٤ في نكاح الأبكار.
٢٣٣

تريد أنه لم يأخذ بكراً غيرها.
وجماع المرأة المحبوبة في النفس يَقِلُّ إضعافه للبدن مع كثرة استفراغه
للمني، وجِماع البغيضة يُحِلُّ البدن، ويُوهن القوى مع قلة استفراغه، وجماع
الحائض حرامٌ طبعاً وشرعاً، فإنه مضر جداً، والأطباء قاطبة تحذر منه.
وأحسن أشكال الجماع أن يعلوَ الرجلُ المرأة، مستفرشاً لها بعدَ الملاعبة
والقُبلة، وبهذا سميت المرأة فراشاً، كما قال ◌َّ: ((الوَلَدُ للفِراشِ))(١)، وهذا مِن
تمام قَوَّامية الرجل على المرأة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
[النساء: ٣٤]، وكما قيل:
أحسن أشكاله
إِذَا رُمْتُهَا كَانَتْ فِرَاشاً يُقِلُّنِي وَعِنْدِ فَراغِي خَادِمٌ يَتَمَلَّقُ
وقد قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]،
وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال، فإن فراش الرجل لباس له، وكذلك
لِحَافُ المرأة لباس لها، فَهذا الشكلُ الفاضلُ مأخوذٌ مِن هذه الآية، وبه يحسن
موقعُ استعارة اللباس مِن كل من الزوجين للآخر. وفيه وجه آخر، وهو أنها
تنعطِفُ عليه أحياناً، فتكونُ عليه كاللباس، قال الشاعر(٢).
إِذَا ما الضَّحِيعُ ثَنَى جِيدَها تَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسا
أردأ أشكاله
وأردأ أشكاله أن تعلُوَهُ المرأة، ويُجامِعَهَا على ظهره، وهو خلافُ الشكل
الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجلَ والمرأة، بل نوعَ الذكر والأنثى، وفيه من
المفاسد، أن المني يتعسَّرُ خروجُه كلُّه، فربما بقي في العضو منه فيتعفن ويفسد،
فيضر وأيضاً: فربما سال إلى الذكر رطوباتٌ من الفرج، وأيضاً، فإن الرحم لا
(١) أخرجه البخاري ٢٧٨/٥ في الوصايا: باب قول الموصي لوصيه تعاهد ولدي،
ومسلم (١٤٥٧) في الرضاع: باب الولد للفراش، من حديث عائشة.
(٢) هو النابغة الجعدي، والبيت في شعره ص ٨١، ((والشعر والشعراء)) ص ٢٩٦.
٢٣٤

يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه، وانضمامِه عليه لتخليق الولد،
وأيضاً: فإن المرأة مفعول بها طبعاً وشرعاً، وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى
الطبع والشرع. وكان أهل الكتاب إنما يأتون النساء على جنوبهن على حرف،
ويقولون: هو أيسرُ للمرأة.
وكانت قريش والأنصار تَشْرَحُ النِّسَاء على أقفائِهِن، فعابَتِ اليهودُ عليهم
ذلك، فأنزل اللَّهُ عز وجل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾(١)
[البقرة: ٢٢٣].
وفي ((الصحيحين)) عن جابر، قال: كانت اليهود تقولُ: إذا أتى الرجلُ
امرأته مِن دُبرها في قبلها، كان الولدُ أحوَلَ، فأنزل الله عز وجل: ﴿نِسَاؤُكُم
حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وفي لفظ لمسلم: ((إن شاء مجبِّة، وَإِنْ شَاءَ
غَيْرَ مُجَبِّةٍ، غَيْرَ أَنَّ ذُلِكَ في صِمامٍ وَاحِدٍ))(٢).
والمجبِّية: المنكبة على وجهها، والصمام الواحد: الفرج، وهو موضع
الحرث والولد.
وأما الدبر: فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء، ومن نسب إلى بعض
السلف إباحة وطء الزوجة في دُبُرها، فقد غلط عليه، وفي ((سنن أبي داود)) عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله بََّ: (مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى المَرْأَةَ في دُبُرِها))(٣).
تحريم الدبر
(١) أخرجه أبو داود (٢١٦٤) في النكاح: باب في جامع النكاح، ورجاله ثقات، وله
شاهد بنحوه من حديث أم سلمة عند أحمد ٣٠٥/٦ و٣١٠ و٣١٨، والترمذي
(٢٩٨٣)، والدارمي ٢٥٦/١، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري ١٤٣/٨ في التفسير: باب نساؤكم حرث لكم، ومسلم (١٤٣٥).
(٣) أخرجه أحمد ٤٤٤/٢ و٤٧٩، وأبو داود (٢١٦٢)، وصحح البوصيري إسناده وله
شاهد عند ابن عدي ٢١١/١ والطبراني في ((الأوسط)) كما في ((المجمع)) ٢٩٩/٤
من حدیث عقبة بن عامر، وسنده حسن فيتقوی به.
٢٣٥

وفي لفظ لأحمد وابن ماجه: ((لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَه في
دُبْرِهَا))(١).
وفي لفظ للترمذي وأحمد: ((مَنْ أتى حَائِضاً أَوِ امْرَأَةً في دُبْرِهَا أَوْ كَاهِنَاً،
فَصَدَّقَه، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ بَ﴾(٢).
وفي لفظ للبيهقي: ((مَنْ أَتَى شَيْئاً مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ فِي الأَذْبَارِ فَقَدْ كَفَرَ)).
وفي ((مصنف وكيع)): حدثني زمعة بن صالح، عن ابن طاووس، عن أبيه،
عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن يَزيد، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله
عنه: قال رسول الله وَّ: ((إنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِ، لاَ تَأْتُوا النِّسَاء في
أَعْجَازهنّ)) وقال مرة: ((في أَدْبَارِهِنَّ»(٣).
وفي الترمذي: عن علي بن طلق، قال: قال رسول الله ◌َّ: ((لاَ تَأْتُوا
النِّسَاءَ في أَعْجَازِ هِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقّ(٤).
وفي ((الكامل)) لابن عدي: من حديثه عن المحاملي، عن سعيد بن يحيى
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٧٢/٢ و٣٤٤، وابن ماجه (١٩٢٣)، وله شاهد بسند
حسن يتقوى به من حديث ابن عباس عند الترمذي، وصححه ابن حبان (١٣٠٢).
(٢) أخرجه الترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، وأحمد ٤٠٨/٢ و٤٧٦، وأبو داود
(٣٩٠٤)، والدارمي ٢٥٩/١ من حديث أبي هريرة، وسنده قوي.
(٣) زمعة بن صالح ضعيف، وأورده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٢٠٠/٣ وقال:
رواه أبو يعلى بإسناد جيد، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٢٩٨/٤، ٢٩٩،
وزاد نسبته للطبراني في «الكبير)) والبزار وقال: رجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا
يعلى بن اليمان وهو ثقة.
(٤) أخرجه الترمذي (١١٦٤)، والدارمي ٢٦٠/١، وحسنه الترمذي، وصححه ابن
حبان، وله شاهد من حديث خزيمة بن ثابت، أخرجه الشافعي ٣٦٠/٢، وأحمد
٢١٣/٢، والطحاوي ٢٥/٢، وسنده صحيح، وصححه ابن حبان (١٢٩٩)، وابن
الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) ووصفه الحافظ في ((الفتح)) ١٤٢/٨ بأنه من
الأحاديث الصالحة الاسناد.
٢٣٦

الأموي، قال: حدَّثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رفيع، عن أبي عُبيدة، عن
عبد الله بن مسعود يرفعه: ((لاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ))(١) .
وروينا في حديث الحسن بن علي الجوهري، عن أبي ذر مرفوعاً: ((مَنْ أَتَى
الرِّجَالَ أو النِّسَاءَ في أدْبَارِهِنَّ، فَقَدْ كَفَرَ)).
وروى إسماعيل بن عياش، عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن
المنكدر، عن جابر يرفعه: ((استحيُوا مِنَ الله، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، لاَ
تَأْتُوا النِّسَاءَ في حُشُوشِهِنَّ». ورواه الدارقطني من هذه الطريق، ولفظه: ((إِنَّ اللَّهَ
لاَ يَستَحبي من الحق، لا يحِلِ مَأْتَكَ النِّسَاءَ في حُشُوشِهِنَّ»(٢).
وقال البغوي: حدثنا هُدبة، حدثنا همَّام، قال: سُئل قتادة عن الذي يأتي
امرأته في دبرها؟ فقال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن
رسولَ اللهَِ﴿ه قال: ((تِلْكَ اللُّوطيةُ الصُّغْرى)).
وقال أحمد في «مسنده)): حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا همام، أخبرنا
عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره
(٣)
(١) أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وفي الباب عن علي رضي الله عنه أخرجه أحمد،
ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه الدارقطني ٢٨٨/٣، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) وقال: رواه الطبراني
ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه أحمد (٦٧٠٦) و (٦٩٦٧)، وإسناده حسن، وذكره المنذري في ((الترغيب
والترهيب)) ٢٠٠/٣، وزاد نسبته للبزار، وقال: رجالهما رجال الصحيح، وأورده
الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩٨/٤ وزاد نسبته إلى الطبراني في ((الأوسط)) وقال: رجال
أحمد رجال الصحيح، وفي قولهما نظر، لأن المعهود في اصطلاح المحدثين أن هذا
الإطلاق يقال في الرواة الذين روى لهم الشيخان أو أحدهما، وعمرو بن شعيب
لم يروِ له الشيخان ولا أحدهما أصلاً، وأخرج الطبري ٢٣٤/٢، وأحمد (٦٩٦٨)،
والبيهقي ١٩٩/٧ عن قتادة قال: حدثني عقبة بن وساج، عن أبي الدرداء قال في
إتيان المرأة في دبرها: وهل يفعل ذلك إلا كافر، وسنده صحيح.
٢٣٧

وفي ((المسند)» أيضاً: عن ابن عباس، أنزلت هذه الآية: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ
لكم﴾ في أُناسٍ مِنَ الأنصار، أتَوْا رسولَ الله ◌َّ فسألوهُ، فقال: ((ائتها على كُلِّ
حَال إذا كَانَ في الفَرْجِ))(١) .
وفي ((المسند)) أيضاً: عن ابن عباس، قال: جاء عمرُ بنُ الخطاب إلى
رسولِ الله ◌َّ، فقال: يا رسول الله، هلكت، فقال: ((وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ؟)) قال:
حولتُ رحلي البارِحَةَ، قال: فلم يَرُدَّ عليه شيئاً، فأوحى الله إلى رسوله:
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم، فَأْتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، واتَّقِ الحَيْضَةَ
والدُّبر))(٢) .
وفي الترمذي: عن ابن عباس مرفوعاً: ((لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ أتى رَجُلاً أَو
امْرَأَةً في الدُّبُرِ))(٣) .
وروينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما، عن البراء بن
عازب يرفعه: ((كَفَرَ بالله، العَظِيمِ عَشْرَةٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّة: القاتِلُ، والسَّاحِرُ،
والدُّيُّوث، ونَاكِحُ المَرْأَةِ فِي دُبْرِها، ومَانِعُ الزَّكَاةِ، ومَنْ وَجَدَ سَعَةً فَمَاتَ وَلَمْ
يَحُجَّ، وشَارِبُ الخَمْرِ، والسّاعِي في الفِتَنِ، وَبَائِعُ السَّلاَحِ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، ومَنْ
نَكح ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ»(٤).
وقال عبد الله بن وهب: حدثنا عبد الله بن لهيعة عن مِشرَح بن هاعان، عن
عقبة بن عامر، أن رسولَ الله ◌َّ قال: ((مَلْعُونٌ مَنْ يَأْتِي النِّسَاءَ في محاشِّهنَّ.
(١) أخرجه أحمد ٢٦٨/١، وفي سنده رشدين بن سعد، وهو ضعيف، لكن تقدم ما
یشهد له.
(٢)
أخرجه أحمد ٢٩٧/١، والترمذي (٢٩٨٤)، وسنده حسن.
(٣)
أخرجه الترمذي (١١٦٥)، وإسناده حسن، وصححه ابن حبان (١٣٠٢).
(٤) وذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)) ونسبه إلى ابن عساكر، ورمز له بالضعف.
٢٣٨

يَعْني: أَدْبَارهنَّ»(١).
وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة)) من حديث أبي هريرة وابن عباس،
قالا: خطبنا رسولُ الله ◌َّه قبل وفاته، وهي آخِرُ خُطبة خطبها بالمدينة حتى لحق
بالله عز وجل، وعظنا فيها وقال: ((مَنْ نَكَحَ امْرَأةً في دُبْرِها أَوْ رَجُلاً أَوْ صَبِيّاً،
خُشِرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَريحُهُ أَنْتَنُ مِنَ الجِيفَة يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ حَتَّى يَدْخُلَ النَّارِ،
وَأَحْبَطَ اللَّهُ أَجْرَهُ، وَلاَ يَقْبَلُ مِنْهُ صَرْفاً وَلا عَدْلاً، ويُدْخَلُ في تَابُوتٍ مِنْ نَارٍ،
ويُشَدُّ عَلَيْهِ مَساميرُ مِنْ نَارٍ)) قال أبو هريرة: هذا لمن لم يتب.
وذكر أبو نعيم الأصبهاني، من حديث خُزيمة بن ثابت يرفعه، ((إنَّ الله لاَ
يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، لاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ في أَعْجَازِهِنَّ))(٢).
وقال الشافعي: أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع، قال: أخبرني
عبد الله بن علي بن السائب، عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح، عن خزيمة بن
ثابت، أن رجلاً سأل النبي ◌َّ عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال: ((حَلاَلٌ)،
فلما ولى، دعاه فقال: ((كَيْف قُلْتَ، في أيِّ الخُرْبَتَيْنِ، أوْ في أي الخَرْزَتَيْنِ، أَوْ
في أيِّ الخَصْفَتَيْنِ أمِنْ دُبْرِهَا فِي قُبُلِها؟ فَنَعمْ أمْ مِن دُبْرِها في دُبْرِها، فَلا، إنَّ الله لاَ
يَسْتَحِي مِن الحَقِّ، لاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ في أَدْبَارِهِنَّ»(٣).
قال الربيع: فقيل للشافعي: فما تقول؟ فقال: عمي ثقة، وعبد الله بن
علي ثقة، وقد أثنى على الأنصاري خيراً، يعني عمرو بن الجلاح، وخزيمة
(١) سنده حسن، وأخرجه ابن عدي في (الكامل)) ٢١١/١، وله شاهد من حديث أبي
هريرة وقد تقدم ص٢٣٥ .
(٢)
((حلية الأولياء)» ٣٧٦/٨ وسنده ضعيف.
حديث صحيح، أخرجه الشافعي ٢٦٠/٢، وعنه البيهقي ١٩٦/٧، والطحاوي
(٣)
٢٥/٢، والنسائي في ((العشرة))، وابن حبَّان (١٢٩٩) و (١٣٠٠)، وصححه ابن
الملقن في ((خلاصة البدر المنير))، وابن حزم في ((المحلى)) ٧٠/١٠، وجوده
المنذري ٢٠٠/٣.
٢٣٩

ممن لا يشك في ثقته، فلست أرخص فيه، بل أنهی عنه.
قلت: ومن ها هنا نشأ الغلط على من نقل عنه الإباحة من السلف
والأئمة، فإنهم أباحوا أن يكون الدُّبُر طريقاً إلى الوطء في الفرج، فيطأ من
الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع ((من)) بـ ((في)) ولم يظن بينهما فرقاً،
فهذا الذي أباحه السلف والأئمة، فغلط عليهم الغالطُ أقبحَ الغلط وأفحشه.
وقد قال تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ قال مجاهد: سألتُ
ابنَ عبَّاس عن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُم اللَّهُ﴾، فقال: تأتيها مِن
حيث أمرت أن تعتزِلها يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة عنه،
يقول: في الفرج، ولا تعدُه إلى غيره.
وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دُبرها من وجهين: أحدهما: أنه
أباح إتيانها في الحرث، وهو موضع الولد لا في الحُشِّ الذي هو موضع
الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: (من حيث أمركم الله) الآية
قال: ﴿فأتوا حرثكم أنى شِئتم﴾ وإتيانُها في قبلها مِن دبرها مستفادٌ من الآية
أيضاً، لأنه قال: أنى شئتم، أي: من أين شئتم من أمام أو من خلف. قال
ابن عباس: فأتُوا حرثَكم، يعني: الفرج.
وإذا كان اللَّهُ حرَّم الوطءَ في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظنّ
بالحُشِّ الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع
النسل والذريعة القريبة جداً من أدبار النساء إلى أدبارِ الصبيان.
مفاسد إتيان الدبر
وأيضاً: فللمرأة حق على الزوج في الوطء، ووطؤها في دُبرها يفوِّتُ
حقها، ولا يقضي وطَرَها، ولا يُحَصِّلُ مقصودها.
وأيضاً: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل، ولم يُخلق له، وإنما الذي هُبىء
له الفرج، فالعادلون عنه إلى الدُّبُر خارجون عن حكمة الله وشرعه جمیعاً.
٢٤٠