النص المفهرس

صفحات 201-220

خبزِ الشعير به مِن أحسن التدبير، لا سيما لمن تلك عادتُهم، كأهل المدينة، وتارة
بالخل، ويقول: ((نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ»، وهذا ثناءٌ عليه بحسب مقتضى الحال
الحاضر، لا تفضيلٌ له على غيرهِ، كما يظن الجهال، وسبب الحدیث أنه دخل
على أهله يوماً، فقدَّموا له خبزاً، فقال: ((هَلْ عِنْدَكُم من إدَام؟)) قالوا: ما عِندنا إلا
خل، فقال: ((نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ﴾(١).
معنى الأدم
والمقصود: أن أكل الخبز مأدوماً من أسباب حفظ الصحة، بخلاف
الاقتصار على أحدهما وحده. وسميَ الأدم أُدماً: لإصلاحه الخبز، وجعله ملائماً
لحفظ الصحة. ومنه قوله في إباحته للخاطب النظر: إنه أحرى أن يُؤْدَمَ بينهما،
أي أقرب إلى الالتئام والموافقة، فإن الزوجَ يدخل على بصيرة، فلا يندَم.
وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها، وهذا أيضاً مِن
أكبر أسباب حفظ الصحة، فإن الله سبحانه بحكمته جعل في كل بلدةٍ مِن الفاكهة
ما ينتفعُ به أهلُها في وقتِهِ، فيكونُ تناولُه من أسباب صحتهم وعافيتهم، ويُغني عن
كثير من الأدوية، وقلَّ من احتمى عن فاكهة بلده خشيةَ الشُّقم إلا وهو مِن أسقم
الناس جسماً، وأبعدِهم من الصحة والقوة.
أكله ◌َّر الفاكهة
وما في تلك الفاكهة مِن الرطوبات، فحرارةُ الفصل والأرض، وحرارةٌ
المعدة تُنْضِجُهَا وتدفع شرها إذا لم يُشْرِفْ في تناولها، ولم يُحمِّل منها الطبيعةَ
فوق ما تحتمله، ولم يُفسد بها الغذاء قبل هضمه، ولا أفسدها بشرب الماء عليها،
وتناول الغذاء بعد التحلي منها، فإن القُولنج كثيراً ما يحدث عند ذلك، فمن أكل
منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، كانت له دواءً نافعاً.
(١) أخرجه مسلم (٢٠٥٢) في الأشربة: باب فضيلة الخل، وأبو داود (٣٨٢٠)،
والترمذي (١٨٤٠)، وابن ماجه (٣٣١٧)، والنسائي ١٤/٧ في الأيمان: باب إذا
حلف ألا يأتدم فأكل خبزاً بخل.
٢٠١

فصل
في هديه ◌َّ في هيئة الجلوس للأكل
عدم الاتكاء عند الأكل
صح عنه أنه قال: ((لاَ آَكُلُ مُتَكِئاً (١)))، وقال: ((إنَّما أَجْلِسُ كَمَا
يَجْلِسُ العَبْدُ، وآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْدُ))(٢).
عدم الأكل مع الانبطاح
وروى ابن ماجه في ((سننه)) أنه نهى أن يأكل الرجلُ وهو منبطحٌ على
(٣)
وجهه(٣) .
تفسير الاتكاء
وقد فسر الاتكاء بالتربُّع، وفسر بالاتكاء على الشيء، وهو الاعتمادُ
عليه، وفسر بالاتكاء على الجنب. والأنواعُ الثلاثة من الاتكاء، فنوع منها
يضرُّ بالآكل، وهو الاتكاء على الجنب، فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي
عن هيئته، ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة، ويضغطُ المعدة، فلا
يستحكم فتحُها للغذاء، وأيضاً فإنها تميل ولا تبقى منتصبة، فلا يصل
الغذاء إليها بسهولة .
(١) أخرجه البخاري ٩/ ٤٧٢ في الأطعمة: باب الأكل متكئاً، من حديث أبي
جحيفة رضي الله عنه.
(٢) أخرجه أبو الشيخ من حديث عائشة، وفي سنده عبيد الله بن الوليد الوصافي
وهو ضعيف، لكن له طريق أخرى عند ابن سعد ٣٨١/١ وشاهد مرسل من
حديث الحسن عند أحمد في ((الزهد)» ص ٥، ٦ وإسناده صحيح، فيتقوى
الحديث ويصح.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٣٧٠) في الأطعمة: باب النهي عن الأكل منبطحاً، وأبو
داود (٣٧٧٥)، من حديث جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه،
قال أبو داود: هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري، وهو منکر، حدثنا
هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، حدثنا أبي، حدثنا جعفر أنه بلغه عن الزهري
بهذا الحديث.
٢٠٢

وأما النوعان الآخران: فمن جلوس الجبابرة المنافي للعبودية،
ولهذا قال: ((آكل كما يأكُلُ العبد)» وكان يأكل وهو مُقْع(١)، ويُذكر عنه أنه
كان يجلس للأكل متوَرِّكاً على ركبتيه، ويضع بطنَ قدمه اليسرى على ظهر
قدمه اليمنى تواضعاً لربه عز وجل، وأدباً بين يديه، واحتراماً للطعام
وللمؤاكِل، فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها، لأن الأعضاء كلها
تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله سبحانه عليه مع ما فيها من
الهيئة الأدبية، وأجود ما اغتذى الإنسان إذا كانت أعضاؤه على وضعها
الطبيعي، ولا يكون كذلك إلا إذا كان الإنسان منتصباً الانتصابَ الطبيعي،
وأردأ الجلسات للأكل الاتكاءُ على الجنب، لما تقدم من أن المريء،
وأعضاء الازدراد تضيقُ عند هذه الهيئة، والمَعِدَةُ لا تبقى على وضعها
الطبيعي، لأنها تنعصر مما يلي البطن بالأرض، ومما يلي الظهر بالحجاب
الفاصل بين آلات الغذاء، وآلات التنفس.
وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت
الجالس، فيكون المعنى أني إذا أكلت لم أقعد متكئاً على الأوطية
والوسائد، كفعل الجبابرة، ومن يُريد الإِكثار من الطعام، لكني آكل بُلْغةً
كما يأكل العبد.
فصل
الأكل بالأصابع الثلاث
وكان يأكُلُ بأصابعه الثَّلاث، وهذا أنفعُ ما يكون مِن الأكلات، فإن
الأكل بأصبع أو أصبعين لا يستلِذُّ به الآكل، ولا يُمريه، ولا يُشبعه إلا بعدَ
(١) أخرجه مسلم (٢٠٤٤) من حديث أنس بن مالك قال: رأيت النبي وَّر مقعياً
يأكل تمراً، والإقعاء: أن يجلس على أليتيه ناصباً ساقيه.
٢٠٣

طول، ولا تفرحُ آلات الطعام والمعدة بما ينالها في كل أكلة، فتأخذَها
على إغماضٍ، كما يأخذ الرجل حقَّه حبة أو حبتين أو نحوَ ذلك، فلا يلتذُّ
بأخذه، ولا يُسَرُّ به، والأكل بالخمسة والراحةِ يُوجب ازدحامَ الطعام على
آلاته، وعلى المعدَةِ، وربما انسدت الآلات فمات، وتُغصب الآلات على
دفعه، والمعدة على احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفعُ الأكل
أكلُهُ وَ لِّ، وأكلُ من اقتدى به بالأصابع الثلاث.
فصل
عدم الأكل أو الجمع بين
بعض الأطعمة
ومن تدبر أغذيته وَّه، وما كان يأكلُه، وجده لم يجمع قط بين لبنٍ
وسمك، ولا بين لبن وحامض، ولا بين غذاءين حارَّين، ولا بارِدين، ولا
لَزِجَين، ولا قابضين، ولا مُسهلين، ولا غليظين، ولا مُرخيين، ولا
مستحيلين إلى خلط واحد، ولا بين مختلفين كقابض ومسهل، وسريع
الهضم وبطيئه، ولا بين شوي وطبيخ، ولا بين طري وقديد، ولا بين لبن
وبيض، ولا بين لحم ولبن، ولم يكن يأكل طعاماً في وقت شدة حرارته،
ولا طبيخاً بائناً يُسخّن له بالغد، ولا شيئاً من الأطعمة العَفِنَّةِ والمالحة،
كالكوامخ والمخلَّلات، والملوحات، وكل هذه الأنواع ضار مولد لأنواع
من الخروج عن الصحة والاعتدال.
تعديل الطعام بضده
وكان يصلح ضرر بعض الأغذية ببعض إذا وجد إليه سبيلاً، فيكسرُ
حرارة هذا ببرودة هذا، ويُبوسةَ هذا برطُوبة هذا، كما فعل في القثاء
والرطب، وكما كان يأكل التمر بالسَّمن، وهو الحَيْسُ، ويشربُ نقيع التمر
يُلطّف بك كيموسات الأغذية الشديدة.
الأمر بالعَشاء
وكان يأمر بالعَشاء، ولو بكفٍّ مِن تمر، ويقول: ((تَرْكُ العَشَاءِ
مَهْرَمَةٌ))، ذكره الترمذي في ((جامعه))، وابن ماجه في
٢٠٤

(سننه))(١). وذكر أبو نعيم عنه أنه كان ينهي عن النوم على الأكل، ویذکر
أنه يُقسي القلب، ولهذا في وصايا الأطباء لمن أراد حفظ الصحة: أن
يمشيَ بعد العشاء خُطواتٍ ولو مِائة خطوة، ولا ينام عَقِبِه، فإنه مضر
جداً، وقال مسلموهم: أو يُصلي عقيبَه ليستقر الغِذاء بقعر المعدة، فيسهلَ
هضمه، ويجود بذلك.
عدم النوم على الأكل
ولم يكن من هديه أن يشربَ على طعامه فيفسده، ولا سيما إن كان عدم الشرب على الطعام
الماء حاراً أو بارِداً، فإنه رديء جداً. قال الشاعر:
وَدُخُول الحَمَّام تَشْرَبُ مَاء
لاَ تَكُنْ عِنْدَ أَكْلِ سُخْنٍ وبَرْدٍ
لَمْ تَخَفْ ما حَبِيتَ في الجوفِ دَاء
فَإِذَا مَا اجْتَنَبْتَ ذْلِك حَقّاً
الأوقات التي ينصح فيها
بعدم الشرب
ويُكره شرب الماء عقيبَ الرياضة، والتعبِ، وعقيبَ الجِمَاع،
وعقيبَ الطعام وقبله، وعقيبَ أكل الفاكهة، وإن كان الشربُ عقيبَ بعضِها
أسهلَ مِن بعض، وعقب الحمام، وعند الانتباه من النوم، فهذا كُلُّهُ منافٍ
لحفظ الصحة، ولا اعتبار بالعوائد، فإنها طبائع ثوانٍ.
فصل
وأما هديه في الشراب، فمن أكمل هدي يحفظ به الصحة، فإنه كان هديه ◌ّ في الشراب
يشرب العسل الممزوجَ بالماء البارد، وفي هذا مِن حفظ الصحة ما لا
يهتدي إلى معرفته إلا أفاضلُ الأطباء، فإن شُربه ولعقَه على الريق يُذيب
البلغم، ويغسِلُ خَمْل المعدة، ويجلُو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات،
شربه * العسل
الممزوج بالماء البارد
وفوائده
(١) أخرجه الترمذي (١٨٥٧) في الأطعمة: باب ما جاء في فضل العشاء من
حديث أنس بن مالك، وفي سنده ضعيف ومجهول، وأخرجه ابن ماجه
(٣٣٥٥) في الأطعمة: باب ترك العشاء، من حديث جابر، وفي سنده
إبراهيم بن عبد السلام بن عبد الله بن باباه المخزومي، وهو ضعيف.
٢٠٥

ويُسخنها باعتدال، ويفتحُ سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد والكُلى
والمَثانة، وهو أنفع للمعدة من كل حلو دخلها، وإنما يضر بالعَرَض
لصاحب الصَّفراء لحدته وحدة الصفراء، فربما هيَّجها، ودفعُ مضرته لهم
بالخلِّ، فيعودُ حينئذ لهم نافعاً جداً، وشربه أنفع من كثير من الأشربة
المتخذة من السكر أو أكثرها، ولا سيما لن لمن يعتد هذه الأشربة، ولا
ألفها طبعه، فإنه إذا شربها لا تلائمه ملاءمة العسل، ولا قريباً منه،
والمحكّم في ذلك العادة، فإنها تهدم أصولاً، وتبني أصولاً .
وأما الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة، فمن أنفع شيء
للبدن، ومن أكبر أسباب حفظ الصحة، وللأرواح والقوى، والكبد
والقلب، عشق شديد له، واستمداد منه، وإذا كان فيه الوصفانِ، حصلت
به التغذيةُ، وتنفيذُ الطعام إلى الأعضاء، وإيصاله إليها أتم تنفيذ.
منافع الماء البارد
والماء البارد رطب يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته
الأصلية، ويرد عليه بدل ما تحلل منها، ويُرقِّقُ الغذاء ويُنفذه في العروق.
هل الماء البارد يغذي
البدن؟
واختلف الأطباء: هل يُغذي البدن؟ على قولين: فأثبتت طائفة
التغذية به بناءً على ما يشاهدونه من النمو والزيادة والقوة في البدن به،
ولا سيَّما عند شدة الحاجة إليه.
قالوا: وبينَ الحيوانِ والنبات قدر مشترك مِن وجوه عديدة منها:
النمو والاغتذاء والاعتدال، وفي النبات قوةُ حِسٌّ تُناسبه، ولهذا كان غِذاء
النبات بالماء، فما يُنكر أن يكون للحيوان به نوعُ غذاء، وأن يكون جزءاً
من غذائه التام.
قالوا: ونحن لا ننكر أن قوة الغذاء ومعظمه في الطعام، وإنما
أنكرنا أن لا يكون للماء تغذية البتة. قالوا: وأيضاً الطعام إنما يغذي بما
فيه مِن المائية، ولولاها لما حصلت به التغذيةُ.
٢٠٦
١

قالوا: ولأن الماء مادة حياة الحيوان والنبات، ولا ريب أن ما كان
أقربَ إلى مادة الشيء، حصلت به التغذية، فكيف إذا كانت مادته
الأصلية، قال الله تعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:
٣٠]، فكيف ننكِرُ حصولَ التغذية بما هو مادة الحياة على الإطلاق؟ .
قالوا: وقد رأينا العطشان إذا حصل له الرِّيُّ بالماء البارد، تراجعت
إليه قواه ونشاطُه وحركته، وصبرَ عن الطعام، وانتفع بالقدر اليسير منه،
ورأينا العطشانَ لا ينتفعُ بالقدر الكثير مِن الطعام، ولا يجد به القوة
والاغتذاء، ونحن لا ننكِرُ أن الماءَ يُنفِذُ الغذاء إلى أجزاء البدن، وإلى
جميع الأعضاء، وأنه لا يتم أمر الغذاء إلا به، وإنما ننكر على من سلب
قوةَ التغذية عنه البتة، ويكاد قولُه عندنا يدخُل في إنكار الأمور الوجدانية.
وانكرت طائفة أخرى حصولَ التغذية به، واحتجت بأمور يرجعُ من أنكر حصول التغذية
حاصِلُها إلى عدم الاكتفاء به، وأنه لا يقومُ مقام الطعام، وأنه لا يزيد في
بالماء البارد
نمو الأعضاء، ولا يخلف عليها بدل ما حللته الحرارةُ، ونحو ذلك مما لا
ينكره أصحاب التغذية، فإنهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره، ولطافته
ورقته، وتغذيهُ كل شيء بحسبه، وقد شُوهد الهواءُ الرطب البارد اللين
اللذيذ يُغذي بحسبه، والرائحة الطيبة تُغذي نوعاً من الغذاء، فتغدية الماء
أظهر وأظهر .
والمقصودُ: أنه إذا كان بارداً، وخالطه ما يُحليه كالعسل أو
الزبيب، أو التمر أو السكر، كان مِن أنفع ما يدخل البدن، وحفظ عليه
صحته، فلهذا كان أحبُّ الشرابِ إلى رسولِ اللهِ وَّ البارِدَ الحلوَ. والماء
الفاتِرُ ينفخ، ويفعل ضد هذه الأشياء.
ولما كان الماء البائت أنفعَ مِن الذي يُشرب وقت استقائه، قال منافع الماء البائت
النبي ◌َّهِ وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التيهان: ((هَلْ مِنْ ماءِ بات في
٢٠٧

شَنَّة؟)) فأتاه به، فشرب منه، رواه البخاري ولفظه: ((إنْ كانَ عِنْدَكَ ماء
بَاتَ في شنة وإلاَّ كَرَغْنَا))(١).
والماء البائت بمنزلة العجين الخمير، والذي شرب لوقته بمنزلة
الفطير، وأيضاً فإن الأجزاء الترابية والأرضية تُفارقه إذا بات، وقد ذكر أن
النبي ◌َّه كان يُسْتَعْذَبُ لَهُ المَاءُ، ويختار البائت منه. وقالت عائشة: كان
رسول الله وَلّه يُستقى له الماء العذب مِن بئر السقيا(٢).
الماء الذي في القرب
والشنان ألذ من الذي في
وغيرهما
والماء الذي في القرب والشنان، ألذُّ من الذي يكون في آنية الفخار
آنية الفخار والأحجار والأحجار وغيرهما، ولا سيما أسقية الأدم، ولهذا التمس النبيُّ بَلّ ماء
بات في شنة دون غيرها من الأواني، وفي الماء إذا وضع في الشِّنان،
وقِرَب الأدم خاصة لطيفة لما فيها من المسام المنفتحة التي يرشَح منها
الماء، ولهذا كان الماء في الفخار الذي يرشح ألذ منه، وأبردُ في الذي لا
يرشَح، فصلاة الله وسلامه على أكمل الخلق، وأشرفهم نفساً، وأفضلهم
هدياً في كل شيء، لقد دل أمته على أفضل الأمور وأنفعها لهم في
القلوب والأبدان، والدنيا والآخرة.
قالت عائشة: كان أحبُّ الشرابِ إلى رسول الله وَل و الحلوَ
البارِدَ(٣). وهذا يحتمل أن يريد به الماء العذب، كمياه العيون والآبار
معنى «الحلو البارد)»
(١) أخرجه البخاري ٧٧/١٠ في الأشربة: باب الكرع في الحوض.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٧٣٥) في الأشربة: باب في إيكاء الآنية، وأبو الشيخ في
أخلاق النبي ص ٢٤٥ عن عائشة قالت: إن النبي وَ ل# كان يستعذب له الماء
من بئر سقيا، وسنده حسن، وصححه الحاكم ١٣٨/٤، وأقره الذهبي، وقال
الحافظ في ((الفتح)) سنده جيد، والسقيا: مكان من طرف الحرّة، والحرّة:
أرض بضواحي المدينة ذات حجارة سود، وطرفها: آخرها.
(٣) أخرجه أحمد ٣٨/٦ و٤٠، والترمذي في ((الجامع)) (١٨٩٦) وفي ((الشمائل))
٣٠٢/١، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ١٣٧/٤، ووافقه الذهبي، وفي =
٢٠٨

الحلوة، فإنه كان يُستعذب له الماء. ويحتملُ أن يريد به الماءَ الممزوجَ
بالعسل، أو الذي نُفِعَ فيه التمرُ أو الزبيب. وقد يُقال ــ وهو الأظهر - :
يعمهما جميعاً.
معنى الكرع وبيان
الاختلاف فيه
وقوله في الحديث الصحيح: ((إن كان عندك ماء بات في شن وإلا
كرعنا))، فيه دليل على جواز الكرع، وهو الشرب بالفم من الحوضٍ
والمِقراة ونحوها، وهذه - والله أعلم - واقعة عين دعت الحاجةُ فيها إلى
الكرع بالفم، أو قاله مبيّناً لجوازه، فإن مِن الناس مَنْ يكرهه، والأطباء
تكادُ تحرِّمه، ويقولون: إنه يضر بالمعدة، وقد روي في حديث لا أدري
ما حالُه عن ابن عمر، أن النبي ◌َّ نهانا أن نشرب على بطوننا، وهو
الكرحُ، ونهانا أن نغترِفَ باليد الواحدة وقال: ((لا يَلَغْ أَحَدُكُم كَمَا يَلَغُ
الكَلْبُ، ولا يَشْرَبْ بِاللَّيْلِ مِنْ إِنَاءٍ حَتَّى يَخْتَبِرَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُخَمَّراً!(١).
وحديث البخاري أصح من هذا، وإن صحَّ، فلا تعارض بينهما، إذ
لعل الشربَ باليد لم يكن يمكن حينئذ، فقال: وإلا كرعنا، والشربُ بالفم
إنما يضر إذا انكبَ الشارِبُ على وجهه وبطنه، كالذي يشربُ مِن النهر
والغدير، فأما إذا شرب منتصِباً بفمه مِن حوض مرتفع ونحوه، فلا فرق
بین أن یشرب بیده أو بفمه.
فصل
وكان من هديه الشربُ قاعداً، هذا كان هديَه المعتاد، وصحَّ عنه أنه
بيان الاختلاف في جواز
الشرب قائماً
الباب عن ابن عباس عند أحمد ٣٣٨/١ أن النبي صَ لقر سئل: أيّ الشراب
=
أطيب؟ قال: الحلو البارد، وسنده حسن في الشواهد.
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٣١) في الأشربة: باب الشرب بالأكف والكرع، وفي
سنده بقية، وهو مدلس، وقد عنعن، والراوي عنه - وهو زياد بن عبد الله -
لا يعرف.
٢٠٩

نهى عن الشُّرب قائماً، وصح عنه أنه أمر الذي شرب قائماً أن يستقيءَ،
وصح عنه أنه شرب قائماً.
قالت طائفة: هذا ناسخ للنهي، وقالت طائفة: بل مبيِّن أن النهيَ
ليس للتحريم، بل للإرشاد وترك الأولى، وقالت طائفة: لا تعارُضَ بينهما
أصلاً، فإنه إنما شَرِبَ قائماً للحاجة، فإنه جاء إلى زمزم، وهم يستقون
منها، فاستقى فناولوه الدلو، فشرب وهو قائم، وهذا كان موضعَ حاجة.
آفات الشرب قائماً
وللشرب قائماً آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الرِّيُّ التام، ولا
يستَقِرُّ في المعدة حتى يَقْسِمَه الكبدُ على الأعضاء، وينزل بسرعة وَحِدَّة
إلى المعدة، فيُخشى منه أن يبرد حرارتها، ويُشوشها، ويُسرع النفوذ إلى
أسفل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضُرُّ بالشارب، وأما إذا فعله نادراً أو
لحاجة، لم يضره، ولا يُعترض بالعوائد على هذا، فإن العوائد طبائع
ثوان، ولها أحكام أخرى، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء.
فصل
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أنس بن مالك، قال: كان
رسولُ اللهِ وَلَ يتنفّس في الشَّراب ثلاثاً، ويقول: ((إنَّهُ أَرْوَى وَأَمْرَأُ
وَأَبْرَأُ)(١) .
تنفسه ر في الشراب
ثلاثا
الشراب في لسان الشارع وحملة الشرع: هو الماء، ومعنى تنفسه
في الشراب: إبانتُه القدح عن فيه، وتنفُّسُه خارجه، ثم يعود إلى الشراب،
كما جاء مصرحاً به في الحديث الآخر: ((إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَفَّسْ في
القَدَحِ، ولَكِنْ لِيِن الإِنَاءَ عَنْ فيهِ)(٢).
(١) أخرجه مسلم (٢٠٢٨) في الأشربة: باب الشرب من زمزمٍ قائماً.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٢٧) من حديث أبي هريرة مرفوعاً، ولفظه ((إذا شرب
أحدكم فلا يتنفس في الإناء، فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء ثم ليعد إن كان =
٢١٠

فوائد تكرار الشرب
وفي هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، وقد نبه بَّ على
مجامعها بقوله: ((إنه أروى وأمرأ وأبرأ)) فأروى: أشدُّ ريًّاً، وأبلغه وأنفعُه،
وأبرأ: أفعل من البرء، وهو الشفاء، أي يُبرىء من شدة العطش ودائه
لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت
الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه، وأيضاً فإنه أسلمُ
لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها الباردُ وهلة واحدة،
ونهلة واحدة.
وأيضاً فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يُقلع عنها،
ولما تُكسر سورتُها وحِدَّتُها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها
على التمهل والتدريج.
وأيضاً فإنه أسلم عاقبة، وآمن غائلة مِن تناول جميع ما يُروي دفعة
واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفىء الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرة
كميته، أو يُضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد، وإلى
أمراض رديئة، خصوصاً في سكان البلاد الحارة، كالحجازِ واليمن
ونحوهما، أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف، فإن الشرب وهلة واحدة
مخوفٌ عليهم جداً، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها، وفي
تلك الأزمنة الحارة.
يريد)) قال البوصيري في ((الزوائد)) ورقة (٢٣١): إسناده صحيح، ورجاله
=
ثقات، وأخرج مالك في ((الموطأ)) ٩٢٥/٢، والترمذي (١٨٨٨)، وأحمد
٣٢،٢٦/٣، والدارمي ١١٩/٢، من حديث أبي سعيد الخدري أنه سمع
رسول الله ◌َّ نهى عن النفخ في الشراب، فقال له رجل: يا رسول الله! إني لا
أروى من نفس واحد، فقال رسول الله وَلير: ((فأبن القدح من فيك ثم تنفس))
فقال: فإني أرى القذاة فيه، قال: ((فأهرقها))، وإسناده صحيح، وأخرج
البخاري ٢٢١/١، ٢٢٢، ومسلم (٢٦٧) (٦٥) من حديث أبي قتادة مرفوعاً:
((إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإِناء)».
٢١١

معنى «أمرأ)»
وقوله: ((وأمرا)): هو أفعل مِن مَرِيء الطعامُ والشرابُ في بدنه: إذا
دخله، وخالطه بسهولة ولذة ونفع. ومنه: ﴿فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء:
٤]، هنيئاً في عاقبته، مريئاً في مذاقه. وقيل: معناه أنه أسرع انحداراً عن
المريء لسهولته وخفته عليه، بخلاف الكثير، فإنه لا يسهُل على المريء
انحداره.
ومن آفات الشرب نهلةً واحدة أنه يُخاف منه الشَّرَق بأن ينسدَّ مجرى
الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغَصَّ به، فإذا تنفّس رويداً، ثم شرب، أمن من
ذلك.
آفات الشرب نهلة واحدة
فوائد تكرار الشرب
ومن فوائده: أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخارُ الدخاني
الحارُّ الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطبيعةُ
عنها، فإذا شرِب مرةً واحدةً، اتفق نزول الماء البارد، وصعود البخار،
فيتدافعان ويتعالجان، ومن ذلك يحدُث الشرق والغصَّة، ولا يتهنأ الشاربُ
بالماء، ولا يُمرئه، ولا يتم رِيُّه. وقد روى عبد الله بن المبارك، والبيهقي،
وغيرهما عن النبي ◌َ ◌ّهَ: ((إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمَصَّ المَاءَ مَصَّا، وَلاَ يَعُبَّ عَبًّا،
فإنَّه مِنَ الكُبَارِ»(١).
ورود الماء جملة واحدة
على الكبد يؤلمها
والكباد - بضم الكاف وتخفيف الباء - هو وجع الكبد، وقد علم
بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها،
وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها، وبين ما ورد عليها مِن كيفية المبرود
وكميته. ولو ورد بالتدريج شياً فشيئاً، لم يضاد حرارتها، ولم يضعفها، وهذا
مثالُهُ صبُّ الماء البارد على القدر، وهي تفورُ، لا يضرها صُّه قليلاً قليلاً.
وقد روى الترمذي في ((جامعه)) عنه وَّ: ((لاَ تَشْرَبُوا نَفساً وَاحداً كَشُرْبٍ
(١) ضعيف لا يصح.
٢١٢

البعيرِ، ولَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنى وثُلاَثَ، وسَقُّوا إذْا أَنْتُمْ شَرِبْتُم واحْمَدوا إذا أَنْتُمْ
فَرَغْتُمْ))(١).
فوائد التسمية
وللتسمية في أول الطعام والشراب، وحمد الله في آخره تأثيرٌ عجيب في
نفعه واستمرائه، ودفع مضرته.
قال الإِمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعاً، فقد كمل: إذا ذُكِرَ اسم الله كمال الطعام في التسمية
والحمد وتكثير الأيدي
في أوله، وحُمِدَ اللَّهُ في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان مِن حل.
وأن يكون حلالاً
فصل
وقد روى مسلم في ((صحيحه)): من حديث جابر بن عبد الله، قال: سمِعْتُ تغطية الإِناء وإيكاء
رسولَ الله ◌َّه يقول: (غَطُوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ في السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا
السقاء
وَبَاءٌ لاَ يَمُزُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أو سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وكَاءٌ إلاَّ وَقَعَ فِيهِ مِن ذُلِكَ
الدَّاءِ»(٢). وهذا مما لا تنالُه علومُ الأطباء ومعارفُهم، وقد عرفه مَن عرفه عقلاء
الناس بالتجربة. قال الليث بن سعد أحدُ رواة الحديث: الأعاجم عندنا يتقون
تلك الليلة في السنة في كانون الأول منها .
وصح عنه أنه أمرَ بتخميرِ الإِناءِ ولَوْ أَنْ يَعْرِضَ عليه عُوداً (٣). وفي عرض
(١) أخرجه الترمذي (١٨٨٦) في الأشربة: باب ما جاء في النفس من الإناء، وفي سنده
يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، وهو ضعيف، وشيخه فيه مجهول، ولذا ضعفه
الحافظ في ((الفتح)) ٨١/١٠.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠١٤) في الأشربة: باب الأمر بتغطية الإناء.
(٣) أخرجه البخاري ٧٧/١٠ في الشرب: باب تغطية الإناء، ومسلم (٢٠١٢) (٩٧)،
من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَلّ: ((إذا كان جنح الليل أو أمسيتم
فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من الليل، فخلوهم
وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، وأوكوا قربكم
واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئاً، =
٢١٣

العود عليه من الحكمة، أنه لا ينسى تخميره، بل يعتادُه حتى بالعود، وفيه: أنه
ربما أراد الدبيبُ أن يسقط فيه، فيمر على العود، فيكون العودُ جسراً له يمنعه مِن
السقوط فيه.
وصح عنه: أنه أمر عند إيكاء الإِناء بذكر اسم الله، فإن ذكر اسم الله عند
تخمير الإناء يطرد عنه الشيطان، وإيكاؤه يطرد عنه الهواءَّ، ولذلك أمر بذكر
اسم الله في هذين الموضعين لهذين المعنيين.
وروى البخاري في (صحيحه)) من حديث ابن عباس، أن رسولَ اللهِ وَلَ نَهَى
عن الشُّرب مِنْ في السِّقَاءِ (١).
النهي عن الشرب من فم
السقاء والآداب المترتبة
عليه
وفي هذا آداب عديدة، منها: أن تردد أنفاس الشارب فيه يُكسبه زُهومة
ورائحة كريهة يُعاف لأجلها .
ومنها: أنه ربما غلب الداخِلُ إلى جوفه من الماء، فتضرر به.
ومنها: أنه ربما كان فيه حیوان لا يشعر به، فيُؤذیه.
ومنها: أن الماء ربما كان فيه قَذاةٌ أو غيرُها لا يراها عند الشرب، فتلج
جوفه .
ومنها: أن الشرب كذلك يملأ البطن مِن الهواء، فيضيقُ عن أخذ حظّه من
الماء، أو يُزاحمه، أو يؤذيه، ولغير ذلك من الحكم.
فإن قيل: فما تصنعون بما في ((جامع الترمذي)): أن رسولَ الله ◌َلآل دعا
بإداوة يومَ أحد، فقال: ((اخْنُثْ فَمَ الإِدَاوَة)»، ثم شَرِبَ مِنْهَا مِنْ فيها (٢)؟ قلنا:
ضعف حديث الشرب من
فم الإداوة
=
وأطفئوا مصابیحکم)).
(١) أخرجه البخاري ٧٩/١٠ في الأشربة: باب الشرب من فم السقاء، وأخرجه أيضاً من
حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (٣٧٢١) في الأشربة: باب في اختناث الأسقية،
وأخرجه الترمذي (١٨٩٢) بلفظ: (رأيت النبي ◌َّ قام إلى قربة معلقة فخنثها ثم =
٢١٤

نكتفي فيه بقول الترمذي: هذا حديثٌ ليس إسناده بصحيح، وعبد الله بن عمر
العمري يُضعَّفُ من قبل حفظه، ولا أدري سمع من عيسى أو لا انتهى. يريد
عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه، عن رجل من الأنصار.
فصل
وفي ((سنن أبي داود)) من حديث أبي سعيد الخُدري، قال: ((نهى النهى عن الشرب من ثلمة
رسولُ اللهِِّ عن الشُّرب مِنْ تُلْمَةِ القَدَحِ، وأن ينفُخَ في الشَّراب))(١)، وهذا من
القدح وبيان مفاسده
الأداب التي تتِمُّ بها مصلحةُ الشارب، فإنَ الشُّرب مِن تُلمة القدح فيه عِدَّةُ مفاسد:
أحدها: أن ما يكون على وجه الماء مِن قذى أو غيره يجتمع إلى الثُّلمة
بخلاف الجانب الصحيح .
الثاني: أنه ربما شوَّش على الشارب، ولم يتمكن مِن حسن الشرب من
الثلمة .
الثالث: أن الوسخ والزُّهومة تجتمعُ في الثلمة، ولا يصل إليها الغسل، كما
يصل إلى الجانب الصحيح.
الرابع: أن الثُّلمة محلُّ العيب في القدح، وهي أردأ مكان فيه، فينبغي
تجنُّبه، وقصد الجانب الصحيح، فإن الرديء من كل شيء لا خير فيه، ورأى
بعض السلف رجلاً يشتري حاجة رديئة، فقال: لا تفعل أما علمتَ أن الله نزع
البر کة من کل رديء.
شرب من فيها)). والاختناث: أن يثني رؤوسها ويعطفها ثم يشرب منها، ومن هذا
=
سمي المخنث، وذلك لتکسره وتثنيه.
(١) أخرجه أبو داود (٣٧٢٢) في الأشربة: باب الشرب من ثلمة القدح، وأحمد ٨٠/٣،
وفي سنده قرة بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات.
٢١٥

الخامس: أنه ربما كان في الثلمة شق أو تحديد يجرح فم الشارب، ولغير
هذه من المفاسد.
مفاسد النفح في الشراب
وأما النفخ في الشراب، فإنه يُكسِبُه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف
لأجلها، ولا سيما إن كان متغيرَ الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تُخالطه، ولهذا
جمع رسولُ الله ◌َّ بين النهي عن التنفس في الإِناء والنفخ فيه في الحديث الذي
رواه الترمذي وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله وَلّ
أن يُتَنَفَّسَ في الإِناءِ، أو يُنْفَخَ فيه (١).
كان * يتنفس في
الشرب ولا يتنفس في
الاناء
فإن قيل: فما تصنعون بما في ((الصحيحين)) من حديث أنس، أن
رسول الله ◌َ له كان يتنفَّسُ في الإِناء ثلاثاً؟(٢) قيل: نُقابله بالقبول والتسليم، ولا
مُعارضة بينه وبين الأول، فإن معناه أنه كان يتنفس في شربه ثلاثاً، وذكر الإِناء لأنه
آلة الشرب، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح: أن إبراهيم ابن رسول الله ◌َل
مات في الثَّدي(٣)، أي: في مدة الرضاع.
فصل
وكان وَّه يشربُ اللبن خالصاً تارةً، ومشوباً بالماء أخرى. وفي شرب اللبن
الحلو في تلك البلاد الحارة خالصاً ومشوباً نفعٌ عظيم في حفظ الصحة، وترطيبٍ
البدن، وريِّ الكبد، ولا سيما اللبن الذي ترعى دوابُّه الشيحَ والقَيْصُومَ والخُزامى
شرب اللبن خالصاً
ومشوباً بالماء ومنافعه
(١) أخرجه الترمذي (١٨٨٩)، وأبو داود (٣٧٢٨)، وابن ماجه (٣٤٢٨) و (٣٤٢٩)
وأحمد (١٩٠٧)، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٢٨) في الأشربة: باب في الشرب من ماء زمزم قائماً، واللفظ
له، ورواه البخاري ٨١/١٠ من حديث ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس يتنفس في
الإناء مرتين أو ثلاثاً، وزعم أن النبي ◌َهٍ كان يتنفس ثلاثاً.
(٣)
أخرجه مسلم (٢٣١٦) في الفضائل: باب رحمته ◌ّ الصبيان والعيال، من حديث
أنس، وتمامه (( .. وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة)).
٢١٦

وما أشبهها، فإن لبنها غذاء مع الأغذية، وشرابٌ مع الأشربة، ودواء مع الأدوية
وفي ((جامع الترمذي)) عنه وََّ: ((إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنَا فِيهِ
وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ، وإِذَا سَقِي لَناَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ
شَيءٌ يُجْزِئُ من الطَّعَامِ والشَّرَابِ إلا اللََّن)). قال الترمذي: هذا حديث
حسن(١) .
فصل
وثبت في ((صحيح مسلم)) أنه و ﴿ كان يُنْبَذُ لَهُ أولَ الليل، ويشربُه إذا أصبح
يومَه ذلك، والليلةَ التي تجيءُ، والغَد، والليلةَ الأخرى، والغَد إلى العصر، فإن
بقي منه شيءٌ سقاه الخادِمَ، أو أمر به فَصُبَّ(٢). وهذا النبيذ: هو ما يُطرح فيه تمر
يُحليه، وهو يدخل في الغذاء والشراب، وله نفع عظيم في زيادة القوة، وحفظ
الصحة، ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفاً من تغيره إلى الإِسكار.
الانتباذ في الماء
فصل
في تدبيره لأمر الملبس
وكان من أتم الهدي، وأنفعه للبدن، وأخفُّه عليه، وأيسره لبساً وخلعاً،
وكان أكثر لبسه الأردية والأُزر، وهي أخفُّ على البدن من غيرها، وكان يلبسُ
القميص، بل كان أحبَّ الثياب إليه. وكان هديُه في لبسه لما يلبَسُه أنفَع شيءٍ
للبدن، فإنه لم يكن يُطيل أكمامه، ويُوسِعُها، بل كانت كم قميصه إلى الرُّسغ لا
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٥١) في الدعوات: باب ما يقول إذا أكل طعاماً، وأبو داود
(٣٧٣٠) في الأشربة: باب ما يقول إذا شرب لبناً، وأحمد ٢٢٥/١ و٢٨٤، وفي
سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وعمر بن حرملة مجهول، لكن له
طريق آخر عند ابن ماجه (٣٣٢٢) يتقوى به، فيصير الحديث حسناً.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٤) في الأشربة: باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد.
٢١٧

يُجاوز اليد، فتشق على لابسها، وتمنعهُ خِفة الحركة والبطش، ولا تقصر عن
هذه، فتبرز للحر والبرد، وكان ذيلُ قميصه وإزاره إلى أنصاف الساقين لم يتجاوزِ
الكعبين، فيؤذي الماشي ويؤوده، ويجعله كالمقيد، ولم يقصُرْ عن عضلة ساقيه،
فتنكشف ويتأذى بالحر والبرد، ولم تكن عمامته بالكبيرة التي تؤذي الرأس
حملُها، ويضعفه ويجعله عرضة للضعف والآفات، كما يشاهد من حال
أصحابها، ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد، بل وسطاً
بين ذلك، وكان يُدخلها تحت حنكه، وفي ذلك فوائدُ عديدة: فإنها تقي العنق
الحر والبرد، وهو أثبت لها، ولا سيما عِند ركوب الخيل والإِبِل، والكرِّ والفرِّ،
وكثير من الناس اتخذ الكلاليب عوضاً عن الحنك، ويا بُعد ما بينهما في النفع
والزينة، وأنت إذا تأملت هذه اللبسة وجدتَها من أنفع اللبسات وأبلغِها في حفظ
صحة البدن وقوته، وأبعدها من التكلف والمشقة على البدن.
وكان يلبسُ الخِفاف في السفر دائماً، أو أغلب أحواله لِحاجة الرِّجلين إلى
ما يقيهما من الحر والبرد، وفي الحضر أحياناً.
وكان أحبُّ ألوان الثياب إليه البياض، والحِبَرَة، وهي البرود المحبّرة، ولم
يكن مِن هديه لبس الأحمر، ولا الأسود، ولا المصبَّغ، ولا المصقول. وأما الحُلة
الحمراء التي لبسها، فهي الرداءُ اليماني الذي فيه سوادٌ وحُمرة وبياض، كالحُلَّةِ
الخضراء، فقد لبس هذه وهذه، وقد تقدم تقريرُ ذلك، وتغليطُ من زعم أنه لبس
الأحمر القاني بما فيه كفاية.
فصل
في تدبيره لأمر المسكن
لما علم بَّ أنه على ظهرِ سيرٍ، وأن الدنيا مرحلةُ مسافرٍ ينزل فيها مُدَّة
عمره، ثم ينتقلُ عنها إلى الآخرة، لم يكن من هديه وهدي أصحابه، ومن تبعه
٢١٨

الاعتناءُ بالمساكن وتشييدها، وتعليتها وزخرفتها وتوسيعها، بل كانت من أحسن
منازل المسافر تقي الحر والبرد، وتستُر عن العيون، وتمنع من ولوج الدواب،
ولا يُخاف سقوطُها لِفرط ثقلها، ولا تُعشش فيها الهوام لِسعتها ولا تعتوِرُ عليها
الأهوية والرياح المؤذية لارتفاعها، وليست تحت الأرض فتؤذي ساكنها، ولا في
غاية الارتفاع عليها، بل وسط، وتلك أعدلُ المساكن وأنفعُها، وأقلُّها حراً وبرداً،
ولا تضيق عن ساكنها، فينحصِر، ولا تفضل عنه بغير منفعة ولا فائدة، فتأوي
الهوائُ في خلوها، ولم يكن فيها كُنُفٌ تُؤذي ساكنها برائحتها، بل رائحتها من
أطيب الروائح لأنه كان يُحب الطيب، ولا يزال عنده، وريحه هو مِن أطيب
الرائحة، وعَرَقُه من أطيب الطيب، ولم يكن في الدار كَنِيفٌ تظهر رائحتُه، ولا
ريبَ أن لهذه مِن أعدل المساكن وأنفعها وأوفقها للبدن، وحفظ صحته.
فصل
في تدبيره لأمر النوم واليقظة
من تدبَّر نومه ويقظَته ◌َّةَ، وجدَه أعدلَ نوم، وأنفعه للبدن والأعضاء
والقُوى، فإنه كان ينام أوَّل الليل، ويستيقظ في أول النصف الثاني، فيقوم
ويستاك، ويتوضأ ويُصلي ما كَتَبَ اللَّهُ له، فيأخذ البدن والأعضاء، والقوى حظّها
من النوم والراحة، وحظها من الرياضة مع وفور الأجر، وهذا غايةُ صلاح القلب
والبدن، والدنيا والآخرة.
ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر
المحتاج إليه منه، وكان يفعلُه على أكمل الوجوه، فينام إذا دعته الحاجةُ إلى النوم
على شِقه الأيمن، ذاكراً الله حتى تغلبه عيناه، غير ممتلىء البدن من الطعام
والشراب، ولا مباشرٍ بجنبه الأرض، ولا متخذٍ للفرش المرتفعة، بل له ضجاع
من أُدم حشوه ليف، وكان يضطجع على الوسادة، ويضع يده تحت خده أحياناً.

نوعا النوم
النوم الطبيعي
ونحن نذكر فصلاً في النوم والنافع منه والضار، فنقول:
النوم حالة للبدن يتبعها غور الحرارةِ الغريزية والقُوى إلى باطن البدن لطلب
الراحة، وهو نوعان: طبيعي وغير طبيعي. فالطبيعي: إمساك القوى النفسانية عن
أفعالها، وهي قُوى الحس والحركة الإرادية، ومتى أمسكت هذه القوى عن
تحريك البدن استرخى، واجتمعت الرطوبات والأبخرة التي كانت تتحلل وتتفرق
بالحركات واليقظة في الدماغ الذي هو مبدأ هذه القُوى، فيتخذَّرُ ويسترخي،
وذُلك النوم الطبيعي.
النوم غير الطبيعي
وأما النوم غير الطبيعي، فيكون لعرض أو مرض، وذلك بأن تستوليَ
الرطوباتُ على الدماغ استيلاء لا تقدِرُ اليقظة على تفريقها، أو تصعد أبخرة رطبة
كثيرة كما يكون عقيبَ الامتلاءِ مِن الطعام والشراب، فتُثْقِلُ الدماغ وترخیه،
فيتخذَّر، ويقع إمساكُ القوى النفسانية عن أفعالها، فيكون النوم.
فائدتا النوم
وللنوم فائدتان جليلتان، إحداهما: سكون الجوارح وراحتها مما يعرض
لها من التعب، فيُريح الحواس مِن نصب اليقظة، ويُزيل الإعياء والكلال.
والثانية: هضم الغذاء، ونضج الأخلاط لأن الحرارة الغريزية في وقت النوم
تَغور إلى باطن البدن، فتُعين على ذلك، ولهذا يبرد ظاهره ويحتاج النائم إلى
فضل دثار.
أنفع كيفيات النوم
وأنفعُ النوم: أن ينام على الشق الأيمن، ليستقر الطعام بهذه الهيئة في
المعدة استقراراً حسناً، فإن المعدة أميلُ إلى الجانب الأيسر قليلاً، ثم يتحول إلى
الشق الأيسر قليلاً ليسرع الهضم بذلك لاستمالة المعدة على الكبد، ثم يستقرُّ نومُه
على الجانب الأيمن، ليكون الغِذاء أسرعَ انحداراً عن المعدة، فيكون النوم على
الجانب الأيمن بُداءة نومه ونهايته، وكثرة النوم على الجانب الأيسر مضر بالقلب
بسبب ميل الأعضاء إلیه، فتنصب إليه المواد.
وأردأ النوم النومُ على الظهر، ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير
أردأ نوعيات النوم
٢٢٠