النص المفهرس

صفحات 181-200

السماء فقال: ((سُبْحَانَ الله العَظِيم))، وإذا اجتهد في الدعاء قال: ((يَا حَيُّ یَا
قَيُوم))(١).
وفي ((سنن أبي داود)) عن أبي بكرة، أن رسول الله ◌َ﴿ه قال: ((دَعَواتُ
المَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَىْ نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لي
شَأْنِي كُلَّهُ، لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ)) (٢).
ـي: ((أَلاَ
وفيها أيضاً عن أسماء بنت عُميس قالت: قال لي رسول الله
أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولِهِنَّ عَنْدَ الكَرْبِ، أَوْ في الكَرْبِ: اللَّهُ ربِّي لاَ أُشْرِكُ بِهِ
شَيْئاً» . وفي رواية أنها تقال سبعَ مرات (٤).
أخرجه الترمذي (٣٤٣٢) في الدعوات: باب ما يقول عند الكرب، وفي سنده إبراهيم بن
الفضل المخزومي، وهو متروك.
()
أخرجه أبو داود (٥٠٩٠): باب ما يقول إذا أصبح، وأحمد ٤٢/٥، والبخاري في
((الأدب المفرد)) (٧٠١)، وسنده حسن، وصححه ابن حبان (٢٣٧٠) وقد وهم المصنف
رحمه الله، فجعل الحديث من مسند أبي بكر الصديق.
(٣)
أخرجه أبو داود (١٥٢٥) في الصلاة: باب في الاستغفار، وابن ماجه (٣٨٨٢) من
حديث هلال أبي طعمة مولى عمر بن عبد العزيز؛ عن عمر بن عبد العزيز، عن
عبد الله بن جعفر، عن أسماء بنت عميس، وسنده حسن، وله شاهد من حديث عائشة
عند ابن حبان (٢٣٦٩) وقد وهم الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقه على ((الكلم
الطيب)) ص ٧٣ حين ادعى أن هلالاً أبا طعمة مولى عمر بن عبد العزيز أغفله كل من ألف
في تراجم رجال الستة ((كالتهذيب)) و ((التقريب)) و((الخلاصة)) مع أنه مترجم عندهم
جميعاً في الكنى، فقد جاء في ((التهذيب)) ما نصه: أبو طعمة الأموي مولى عمر بن
عبد العزيز اسمه هلال، شامي، سكن مصر، روى عن مولاه، وعبد الله بن عمر، وعنه
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعبد الله بن لهيعة،
وقال أبو حاتم: أبو طعمة قارىء مصر، روى عنه ابنا يزيد بن جابر، وقال ابن يونس :
هلال مولى عمر بن عبد العزيز، يكنى أبا طعمة، كان يقرأ القرآن بمصر، وقال ابن عمار
الموصلى: أبو طعمة ثقة .
(٤) لم نقف على هذه الرواية، وقد ذكر الطبراني في ((الدعاء)) أنها تقال ثلاث مرات.

وفي «مسند الإمام أحمد)) عن ابن مسعود، عن النَّبِيِّ وََّ قالَ: ((مَا أَصَابَ
عَبْدَاً هَمِّ وَلاَ حُزْنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أمتك نَاصِيَتِي بِيَدِكَ،
مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِي قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمِ هُو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ،
أَوْ أَنْزَلْتَه في كِتَابك، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدَاً مِنْ خَلْقِك، أو اسْتَأْثَرَتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ
عِنْدَكَ: أَنْ تَجْعَلِ القُرْآنَ العَظِيمِ رَبِيعَ قَلِي، وَنُورَ صَدْرِي وجلاءَ حُزْنِي، وذَهَابَ
هَمِّي، إلاَّ أَذْهَبَ اللَّهُ حُزْنَهُ وَهَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مِكَانَهُ فَرَحاً)) (١).
وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسولُ الله ◌َّهُ: ((دَعَوَةُ
ذِي النُّون إِذْ دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ، لَم يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيءٍ قَطُّ إِلَّ اسْتُجِيبٍ لَهُ))(٢).
وفي رواية ((إنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لاَ يَقُولُها مَكْرُوبٌ إِلَّ فَرَّجِ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةَ
أخِي يُونُس)) .
وفي (سنن أبي داود)) عن أبي سعيد الخدري، قال: دخل رسول الله وَئية.
ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: ((يا
أبَا أُمَامَة مَالِي أَرَاكَ في المَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاَةِ؟» فقال: همومٌ لَزِمَتْنِي،
وديونٌ يا رسولَ الله، فقال: ((ألا أُعَلِّمُكَ كَلاَمَاً إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ
وجَلَّ هَمَّكَ وقَضىُ دَيْنَكَ؟)) قال: قلتُ: بلى يا رسولَ اللَّهِ، قال: ((قُلْ إِذَا
أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ
العَجْزِ والكَسَلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ والبُخْلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٣٩٤/١ و٤٥٢، وسنده صحيح، وصححه ابن حبان
(٢٣٧٢) وقد تقدم والحاكم ٥٠٩/١ .
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٠٠) في الدعوات: باب دعوة ذي النون في بطن الحوت وأحمد
١٧٠/١، وصححه الحاكم ٥٠٥/١، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، والرواية الثانية
أخرجها ابن السني ص ١١١ وفي سندها ضعف.
١٨٢

وَقَهْرِ الرِّجال))، قال: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله عزَّ وجلَّ همي، وقضى عني
(١)
ديني(١) .
وفي ((سنن أبي داود)) عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه ◌َلَ: ((مَنْ
لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجَاً، ومِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ
مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب))(٢) .
وفي ((المسند)) أن النبيَّ ◌ََّ كان إذا حَزَبَه أمرٌ، فَزِعَ إلى الصَّلاة(٣)، وقد
قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
وفي ((السنن)): عَلَيْكُم بِالْجِهَادِ، فإنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ
عَنِ النُّفُوسِ الهَمَّ والغَمَّ)(٤).
ويذكر عن ابن عباس، عن النبي ◌ََّ: ((مَنْ كَثُرَتْ هُمُومُهُ وغُمُومُهُ،
فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْل: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ).
وثبت في ((الصحيحين)) أنها كنز من كنوز الجنة(٥) .
(١) أخرجه أبو داود (١٥٥٥) في الصلاة: باب في الاستعاذة، وفي سنده غسان بن عوف
البصري، وهو لین الحدیث.
(٢)
أخرجه أبو داود (١٥١٨) في الصلاة: باب الاستغفار، وأحمد (٢٢٣٤)، وابن ماجه
(٣٨١٩) وفي سنده الحكم بن مصعب، وهو مجهول.
أخرجه أحمد ٣٨٨/٥، وفي سنده محمد بن عبد الله الدؤلي وعبد العزيز بن أبي
(٣)
حذيفة، لم يوثقهما غير ابن حبان.
(٤) حديث صحيح أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أبي أمامة، وأحمد في
((المسند)) ٣١٤/٥، و٣١٦ و٣١٩ و٣٢٦ و٣٣٠ من حديث عبادة بن الصامت،
وصححه الحاكم ٧٤/٢، ٧٥ ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه البخاري ١١/ ١٨٠ في الدعوات: باب قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ومسلم
(٢٧٠٤) في الذكر والدعاء: باب استحباب خفض الصوت بالذكر، من حديث أبي
موسى رضي الله عنه.
١٨٣

ما تضمنته الأدوية
السابقة من أنواع الدواء
وفي الترمذي: ((أنها بابٌ من أبواب الجنة))(١).
هذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعاً من الدواء، فإن لم تقو على
إذهاب داءِ الهمَّ والغمِّ والحزن، فهو داء قد استحكم، وتمكنت أسبابه،
ويحتاج إلى استفراغ كلي.
الأول: توحيد الربوبية.
الثاني: توحيد الإلهية.
الثالث: التوحيد العلمي الاعتقادي.
الرابع: تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده، أو يأخذه بلا سبب من
العبد يُوجب ذلك.
الخامس: اعتراف العبد بأنه هو الظالم.
السادس: التوسُّل إلى الرب تعالى بأحبِّ الأشياء، وهو أسماؤه
وصفاته، ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات: الحيُّ القيوم.
السابع: الاستعانة به وحده.
الثامن: إقرار العبد له بالرجاء.
التاسع: تحقيق التوكل عليه، والتفويض إليه، والاعتراف له بأن ناصيته
في يده، يصرفه كيف يشاء، وأنه ماض فيه حُكمُه، عدلٌ فيه قضاؤه.
العاشر: أن يرتع قلبه في رياض القرآن، ويجعله لقلبه كالربيع
للحيوان، وأن يَستضيء به في ظلماتِ الشُّبهات والشهوات، وأن يتسلَّى به
عن كل فائت، ويتعزَّى به عن كل مصيبة، ويستشفي به من أدواء صدره،
فیکون جلاء حزنه، وشفاء همه وغمه.
الحادي عشر: الاستغفار.
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٧٦) في الدعوات: باب فضل لا حول ولا قوة إلا بالله، من
حدیث سعد بن عبادة، وإسناده حسن.
١٨٤

الثاني عشر: التوبة.
الثالث عشر: الجهاد.
الرابع عشر: الصلاة.
الخامس عشر: البراءة من الحول والقوة وتفويضهما إلى من هما بيده.
فصل
فى بيان جهة تأثير هذه الأدوية فى هذه الأمراض
خلق الله - سبحانه - ابن آدم وأعضاءه، وجعل لكل عُضو منها كمالاً إذا
فقده أحسَّ بالألم، وجعل لملكها وهو القلبُ كمالاً، إذا فقده، حضرته أسقامُه
وآلامُه من الهموم والغموم والأحزان.
فإذا فقدت العينُ ما خُلِقَت له من قوة الإبصار، وفقدت الأذنُ ما خلقت له
من قوة السمع، واللسان ما خُلِقَ له مِن قوة الكلام، فقدت كمالها.
والقلب: خُلِقَ لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به، والابتهاج
بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فیه،
والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبّ إليه مِن كل ما سواه، وارجى عنده
مِن كل ما سواه، وأجلَّ في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيمَ له ولا سرورَ ولا لذَّة،
بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقد غذاءه
وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان مسارعة مِن كل صوبٍ إليه، ورهنٌ
مقیم عليه .
وظيفة القلب
ومن أعظم أدوائه: الشركُ والذنوبُ والغفلة والاستهانة بِمحابّه ومراضیه،
وتركُ التفويض إليه، وقلةُ الاعتماد عليه، والركونُ إلى ما سواهُ، والسخطُ
بمقدوره، والشُّ في وعده ووعيده.
وإذا تأملت أمراض القلب، وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابُها لا
أمراض القلب

سبب لها سِواها، فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنتْهُ هُذه العلاجات النبوية
من الأمور المضادة لهذه الأدواء، فإن المرضَ يُزال بالضد، والصِّحةُ تُحفظ
بالمثل، فصحتُه تحفظ بهذه الأمور النبوية، وأمراضه بأضدادها.
فوائد التوحيد فوائد
التوبة
فالتوحيد: يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج،
والتوبةُ استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سببُ أسقامه، وحِمية له من
التخليط، فهي تُغلق عنه بابَ الشرور، فيُفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد،
ويُغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار.
قال بعض المتقدمين من أئمة الطب: من أراد عافية الجسم، فليقلِّلْ مِن
الطعام والشراب، ومن أراد عافية القلب، فليترُك الآثام. وقال ثابت بن قرة:
راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الآثام، وراحة اللسان في قلة
الكلام.
والذنوب للقلب، بمنزلة السموم، إن لم تُهلكه أضعفته، ولا بُدَّ، وإذا
ضعُفت قوته، لم يقدر على مقاومة الأمراض، قال طبيبُ القلوب عبد الله بن
المبارك.
وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِذْمَانُهَا
رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوب
وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا
وَتَرِكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ
الهوى أكبر أمراض القلب
فلا بد من مخالفته
فالهوى أكبرُ أدوائها، ومخالفتُه أعظمُ أدويتها، والنفس في الأصل خُلِقَت
جاهلة ظالمة، فهي لجهلها تظن شِفاءَها في اتباع هواها، وإنما فيه تلفُها وعطبُها،
ولِظلمها لا تقبل مِن الطبيب الناصح، بل تضَعُ الداء موضِعَ الدواء فتعتمده، وتضع
الدواء موضع الداء فتجتنبه، فيتولَّدُ مِن بين إيثارها للداء، واجتنابها للدواء أنواعٌ
من الأسقام والعِلل التي تعيي الأطباء، ويتعذَّرُ معها الشفاء. والمصيبةُ العظمى،
أنها تُرَكِّبُ ذلك على القدر، فتُبِّرِىء نفسها، وتلومُ ربها بلسان الحال دائماً،
ويقوى اللومُ حتى يُصَرِّحَ به اللسان.
١٨٦

وإذا وصل العليلُ إلى هذه الحال، فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة
من ربه، فيُحييه حياةً جديدة، ويرزقُه طريقةً حميدة، فلهذا كان حديثُ ابن عباس حديث ابن عباس مشتمل
في دعاء الكرب مشتملاً على توحيد الإلهية والربوبية، ووصف الرب سبحانه
على توحيد الإلهية
والربوبية وصفتي
العظمة والحلم
بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القُدرة والرحمة، والإِحسان
والتجاوز، ووصفِه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسُفلي، والعرش الذي هو
سقفُ المخلوقات وأعظمها، والربوبية التامة تستلزِمُ توحيدَه، وأنه الذي لا تنبغي
العبادةُ والحبُّ والخوفُ والرجاء والإِجلال والطاعة إلا له. وعظمتُه المطلقة
تستلزِمُ إثباتَ كل كمال له، وسلبَ كل نقص وتمثيل عنه. وحِلمُه يستلزم كمال
رحمته وإحسانه إلى خلقه.
فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فیحصل له من
الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجدُ المريضَ
إذا ورد عليه ما يسرُّهُ ويُفرحه، ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض
الحسِّي، فحصولُ هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى.
ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمَّنها دعاءُ
الكرب، وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعَةِ
البهجة والسرور، وهذه الأمورُ إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها، وباشر قلبُه
حقائقها .
وفي تأثير قوله: ((يا حي قيوم، برحمتك أستغيث)) في دفع هذا الداء مناسبة
بديعة، فإن صفة الحياة متضمِّنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة
القيّومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسمُ الله الأعظم الذي إذا دُعيَ
به أجاب، وإذا سُئل به أعطى: هو اسمُ الحيّ القيوم، والحياة التامة تُضاد جميعَ
الأسقام والآلام، ولهذا لما كَمُلَت حياة أهل الجنة لم يلحقهم همٌّ ولا غنّ ولا
حَزَنٌ ولا شيء من الآفات. ونقصانُ الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومة،
١٨٧
فوائد صفتي «الحي
القيوم»

فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحي المطلق التام الحياة لا تفوتُه صِفة الكمال
البتة، والقيوم لا يتعذَّرُ عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة القيومية له
تأثير في إزالة ما يُضادُّ الحياة، ويضُرُّ بالأفعال.
توسله * بربوبية الله
لجبريل وميكائيل
وإسرافيل
ونظير هذا توسلُ النبي ـ إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن
يَهدِيَه لما اختُلفَ فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب بالهداية، وقد وكل الله
سبحانه هؤلاء الأملاكَ الثلاثة بالحياةِ، فجبريلُ موكَّل بالوحي الذي هو حياةٌ
القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو حياةُ الأبدان والحيوان، وإسرافيل بالنفخ في
الصُّور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إليه
سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير في حصول
المطلوب.
والمقصود: أن لاسم الحي القيوم تأثيراً خاصاً في إجابة الدعوات، وكشفٍ
الكُربات، وفي ((السنن)) و ((صحيح أبي حاتم) مرفوعاً: ((اسْمُ اللَّهِ الأعْظَم في
مِاتَيْن الآيَتَيْنِ ﴿وَإِلْهُكُمْ إِلَهٌ واحِدٌ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ الرَّحمُنُ الرَّحِيمُ﴾ [ البقرة: ١٦٣]،
وفاتحة آل عمران ﴿الم. اللَّهُ لاَ إله إلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومُ﴾))، قال الترمذي: حديث
صحيح (١) .
وفي ((السنن)) و ((صحيح ابن حبان)) أيضاً: من حديث أنس أن رجلاً دعا،
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٧٢) في الدعوات: باب ما جاء في جامع الدعوات عن
رسول الله وحده، وابن ماجه (٣٨٥٥) في الدعاء: باب اسم الله الأعظم، وأبو داود
(١٤٩٦) في الصلاة: باب الدعاء، وأحمد ٤٦١/٦، والدارمي ٢/ ٤٥٠، من حديث
عبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، وعبيد الله ليس
بالقوي، وشهر بن حوشب تكلم فيه غیر واحد، لکن له شاهد يتقوى به من حديث
أبي أمامة مرفوعاً بلفظ ((اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في سور ثلاث:
البقرة وآل عمران وطه))، أخرجه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطحاوي في ((مشكل الآثار))
٦٣/١، والحاكم ٥٠٦/١، وسنده حسن.
١٨٨

فقال: اللهُمَّ إني أسألُكَ بأن لكَ الحمدَ، لا إله إلا أنتَ المنَّانُ، بديعُ السماواتِ
والأرضٍ، يا ذا الجلالِ والإِكرام، يا حيُّ يا قيُّومُ، فقال النبي ◌َ: ((لَقَدْ دَعَا اللَّهَ
باسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إذا دُعي به أَجَابَ، وإذا سُئِلَ به أعْطَى)) (١) .
ولهذا كان النبي ◌َّ إذا اجتهد في الدعاء قال: ((يا حَيُّ يَا قُّومُ)).
وفي قوله: ((اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأصْلِحْ
لي شَأْنِي كُلَّهُ لاَ إله ألاَّ أنْتَ)) من تحقيق الرجاء لمن الخيرُ كُلُّهُ بيديه والاعتمادُ عليه
وحده، وتفويضُ الأمر إليه، والتضرع إليه، أن يتولَّى إصلاح شأنه، ولا يكله إلى
نفسه، والتوسل إليه بتوحيده مما له تأثيرٌ قوي في دفع هذا الداء، وكذلك قوله:
«اللَّهُ ربي لاَ أُشْرِكُ به شَيْئاً».
ما في : «اللهم رحمتك
أرجو ... )) و((الله ربي ... )
وأما حديث ابن مسعود: ((اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ))، ففيه من المعارف ما في (اللهم إني عبدك
الإلهية، وأسرارِ العبودية ما لا يتَّسِعُ له كتاب، فإنه يتضمَّن الاعترافَ بعبوديته
ابن عبدك» من الفوائد
وعبودية آبائه وأمهاته، وأن ناصيته بيده يُصرِّفها كيف يشاء، فلا يملِكُ العبدُ دونه
لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً، ولا نُشوراً، لأن من ناصيتُه بيد غيره،
فليس إليه شيءٌ من أمره، بل هو عانٍ في قبضته، ذليل تحت سلطان قهره.
وقوله: ((مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فيَّ قَضَاؤُكَ)) متضمن الأصلين عظيمين إثبات القدر والعدل له في
عليهما مدار التوحيد.
«ماض في حكمك ... ))
أحدهما: إثبات القدر، وأن أحكام الربِّ تعالى نافذة في عبده ماضية فيه،
لا انفكاكَ له عنها، ولا حيلة له في دفعها .
والثاني: أنه - سبحانه - عدلٌ في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده، بل لا
(١) أخرجه أبو داود (١٤٩٥) في الصلاة: باب الدعاء، والنسائي ٥٢/٣ في السهو: باب
الدعاء بعد الذكر، وابن ماجه (٣٨٥٨)، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان
(٢٣٨٢)، والحاكم ٥٠٣/١، ٥٠٤، ووافقه الذهبي.
١٨٩

يخرُج فيها عن موجب العدل والإحسان، فإن الظلم سببه حاجة الظالم، أو
جهله، أو سفهه، فيستحيلُ صدورهُ ممن هو بكل شيء عليم، ومَن هو غني عن
كل شيء، وكلُّ شيءٍ فقير إليه، ومَنْ هو أحكم الحاكمين، فلا تخرُج ذرة مِن
مقدوراته عن حكمته وحمده، كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته، فحِكمته نافذة
حيث نفذت مشيئته وقُدرته، ولهذا قال نبيُّ اللَّهِ هود صلَّى الله على نبينا وعليه
وسلَّم، وقد خوَّفه قومُه بآلهتهم: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أني بَريءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
مِنْ دُونِهِ فَكيدُوني جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبَّكُمْ مَامِنْ دَابَّةٍ
إلاَّ هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلىْ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٧]، أي: مع
كونه سبحانه آخذاً بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء، فهو على صراطٍ مستقيم لا
يتصرَّفُ فيهم إلا بالعدل والحكمة، والإِحسان والرحمة. فقوله: ((ماض فيَّ
حكمك))، مطابق لقوله: (ما مِنْ دابَّةٍ إلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَّاصِيَتِهَا)، وقوله: ((عدل فيَّ
قضاؤك)) مطابق لقوله: ((إن ربي على صراط مستقيم))، ثم توسل إلى ربه بأسمائه
التي سمى بها نفسه ما عَلِمَ العباد منها وما لم يعلموا. ومنها: ما استأثره في علم
الغيب عنده، فلم يُطلع عليه ملكاً مقرَّباً، ولا نبيًّاً مرسلاً، وهذه الوسيلةُ أعظمُ
الوسائل، وأحبُّها إلى الله، وأقربها تحصيلاً للمطلوب.
«أسألك بكل اسم هو
لك ... »
ثم سأله أن يجعل القرآن لِقلبه كالربيع الذي يرتَع فيه الحيوانُ، وكذلك
((أن تجعل القرآن العظيمُ القرآنُ ربيعُ القلوب، وأن يجعلَه شفاء همَّه وغمِّه، فيكون له بمنزلة الدواء الذي
ربيع قلبي ... )»
يستأصِلُ الداء، ويُعيدُ البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحُزنه كالجلاء الذي
يجلو الطُبوع والأصدية، وغيرها، فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في
استعماله أن يُزيل عنه داءه، ويُعقبه شفاء تاماً، وصحةً وعافيةً، والله الموفق.
دعوة ذي النون
وأما دعوة ذي النون: فإن فيها مِن كمال التوحيد والتنزيه للربِّ تعالى،
واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو مِن أبلغ أدويةِ الكربِ والهمِّ والغمِّ، وأبلغِ
الوسائل إلى الله - سبحانه - في قضاء الحوائج، فإن التوحيد والتنزيه يتضمنان
إثبات كل كمال الله، وسلبَ كل نقص وعيب وتمثيل عنه. والاعترافُ بالظلم
١٩٠

يتضمَّن إيمانَ العبد بالشرع والثواب والعقاب، ويُوجب انكساره ورجوعَه إلى الله،
واستقالته عثرتَه، والاعترافَ بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فهاهنا أربعة أمور قد
وقع التوسل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية والاعتراف.
«اللهم إني أعوذ بك من
الهم والحزن ... ))
وأما حديث أبي أمامة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ))، فقد تضمَّن
الاستعاذة من ثمانية أشياء، كُلُّ اثنين منها قرينان مزدوجان، فالهمُّ والحزن
أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضَلَعُ الدَّين وغلبةٌ
الرجال أخوان، فإن المكروه المؤلم إذا ورد على القلب، فإما أن يكون سببهُ أمراً
ماضياً، فيُوجب له الحزن، وإن كان أمراً متوقعاً في المستقبل، أوجب الهم،
وتخلفُ العبد عن مصالحه وتفويتها عليه، إما أن يكون مِن عدم القُدرة وهو
العجز، أو مِن عدم الإِرادة وهو الكسل، وحبسُ خيره ونفعه عن نفسه وعن بني
جنسه، إما أن يكونَ منعَ نفعه ببدنه، فهو الجبن، أو بماله، فهو البخل، وقهرُ
الناس له إما بحق، فهو ضَلَعُ الدَّين، أو بباطل فهو غلبة الرجال، فقد تضمَّن
الحديثُ الاستعاذةَ من كل شر، وأما تأثيرُ الاستغفار في دفع الهمَّ والغمِّ والضَّيق،
فِلِمَا اشترك في العلم به أهلُ الملل وعقلاءُ كُلِّ أمة أن المعاصيَ والفسادَ تُوجب
الهمَّ والغم، والخوف والحُزن، وضيق الصدر، وأمراض القلب، حتى إن أهلها
إذا قضوا منها أوطارَهم، وسئمتها نفوسُهم، ارتكبوها دفعاً لما يجدُونه في
صدورهم من الضيق والهم والغم، كما قال شيخُ الفسوق(١):
وَكَأْسِ شَرِبْتُ عَلَىْ لَذَّةٍ وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا
وإذا كان هذا تأثيرَ الذنوب والآثام في القلوب، فلا دواء لها إلا التوبةُ
والاستغفار.
التوبة والاستغفار
(١) هو الأعشى ميمون بن قيس، وهو في ديوانه ص ١٢١، وقد اقتدى به أبو نواس في
قوله:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
١٩١

الصلاة وتأثيرها في
تفريح القلب
وأما الصلاة، فشأنها في تفريح القلب وتقويته، وشرحه وابتهاجه ولذته
أكبرُ شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله، وقربه والتنعم بذكره، والابتهاج
بمناجاته، والوقوفٍ بين يديه، واستعمال جميع البدن وقُواه وآلاته في عبودیته،
وإعطاء كل عضو حظه منها، واشتغالِه عن التعلق بالخلق وملابستهم
ومحاوراتهم، وانجذابٍ قُوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وراحته من عدوه
حالةَ الصلاة ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تُلائم إلا
القلوبَ الصحيحة. وأما القلوب العليلة، فهي كالأبدان لا تناسبها إلا الأغذية
الفاضلة .
فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد
الدنيا والآخرة، وهي منهاةٌ عن الإثم، ودافعةٌ لأدواء القلوب، ومَطْرَدَةٌ للداء عن
الجسد، ومُنوِّرة للقلب، ومُبيِّضَةٌ للوجه، ومنشِّطة للجوارح والنفس، وجالِبة
للرزق، ودافعة للظلم، وناصِرة للمظلوم، وقامِعة لأخلاط الشهوات، وحافظة
للنعمة، ودافِعة للنّعمة، ومُنزِلة للرحمة، وكاشِفة للغُمَّة، ونافِعة مِن كثير من
أوجاع البطن. وقد روى ابن ماجه في ((سننه)) من حديث مجاهد، عن أبي هريرة
قال: رآني رسولُ الله وأنا نائم أشكو مِن وجع بطني، فقال لي: ((يَا أَبَا هُرَيْرَة
أشِكَمَتْ دَرْد؟)) قال: قلتُ: نعم يا رسولَ اللَّهِ، قال: (قُمْ فَصَلِّ، فإِنَّ في الصَّلاة
شِفَاءً» . وقد رُوي هذا الحديثُ موقوفاً على أبي هريرة، وأنه هو الذي قال ذلك
لِمجاهد، وهو أشبهُ. ومعنى هذه اللفظة بالفارسي: أيوجعك بطنك؟ .
فإن لم ينشرح صدرُ زنديق الأطباء بهذا العلاج، فيُخاطب بصناعة الطب،
ويقال له: الصلاةُ رياضة النفس والبدن جميعاً، إذ كانت تشتمِلُ على حركات
وأوضاع مختلفة مِن الانتصاب، والركوع، والسجود، والتؤُّرك، والانتقالات
وغيرها من الأوضاع التي يتحرَّك معها أكثرُ المفاصل، وينغِزُ معها أكثرُ الأعضاء
الردعلى الأطباء
المذكرين لقائدة الصلاة
في لعلاج
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٨) في ((الطب)): باب الصلاة شفاء، وإسناده ضعيف.

الباطنة، كالمعدة، والأمعاء، وسائر آلات النفس، والغذاء، فما يُنكر أن يكونَ في
هذه الحركات تقويةٌ وتحليلٌ للمواد، ولا سيما بواسطة قوة النفس وانشراحها في
الصلاة، فتقوى الطبيعة، فيندفع الألم، ولكن داء الزندقة والإعراض عما جاءت
به الرسلُ، والتعوضِ عنه بالإلحاد داء ليس له دواء إلا نارٌ تلظَّى لا يصلاها إلا
الأشقى الَّذِي كذَّب وتولَّی.
وأما تأثيرُ الجهادِ في دفع الهم والغم، فأمر معلوم بالوجدان، فإن النفس تأثير الجهاد في دفع الهم
متى تركت صائِلَ الباطل وصولته واستيلاءه، اشتد همُّها وغُّها، وکربُها وخوفها،
فإذا جاهدته لله أبدل الله ذلك الهمَّ والحزْنَ فرحاً ونشاطاً وقوةً، كما قال تعالى:
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ
مُؤْمِنِين ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]، فلا شيء أذهبُ لجوى القلب
وغمه وهمِّه وحُزنه من الجهاد، والله المستعان.
وأما تأثيرُ ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) في دفع هذا الداء، فلما فيها مِن تأثير الحوقلة في دفع
كمال التفويضٍ والتبرِّي مِن الحول والقوة إلا به، وتسليم الأمر كله له، وعدمِ
الهم
منازعته في شيء منه، وعموم ذلك لكلِّ تحول من حال إلى حال في العالم
العُلوي والسُّفلي، والقوة على ذلك التحول، وأن ذلك كُلَّه باللّهِ وحدَه، فلا
يقوم لهذه الكلمة شيء. وفي بعض الآثار: إنه ما ينزلُ ملك مِن السماء، ولا
يصعَدُ إليها إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله، ولها تأثير عجيب في طرد
الشيطان، والله المستعان.
فصل
في هديه ◌ََّ في علاج الفَزع، والأَرَقِ المانع من النوم
روى الترمذي في ((جامعه)) عن بريدة قال: شكى خالد إلى النبي ◌َّ فقال:
يا رسول الله! ما أنام الليل مِن الأرَقِ، فقال النبي ◌ََّ: ((إِذَا أَوَيْتَ إلىْ فِرَاشِكَ
فَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الأَرَضِينَ، وَمَا أَقَّلَّتْ، وَرَبَّ
١٩٣
زاد المعاد ج ٤-م٧

الشَّيَاطِينِ، وَمَا أَضَلَّتْ، كُنْ لي جَاراً مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلُّهُم جَمِيعاً أَنْ يَفْرُطَ عَليَّ
أَحَدٌ مِنْهُمْ، أَوْ يَبْغِيَ عَلَيَّ، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، ولاَ إِلّهِ غَيْرُكَ))(١).
وفيه أيضاً: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسولَ الله ◌َّ.
كان يُعَلِّمهم مِن الفَزَعِ: ((أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ الثَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ، وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ
عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشِّيَاطِينِ، وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَخْضُرُونِ))، قال: وكان
عبد الله بن عمرو يعلِّمهن من عَقَلَ من بنيه. ومن لم يَعْقِلْ كتبه، فأعلقه عليه(٢)،
ولا يخفى مناسبة هذه العُوذة لعلاج هذا الداء.
فصل
في هديه وَ ل# في علاج داء الحريق وإطفائه
يذكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَّل: ((إذَا
رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ فَكَبِّرُوا، فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ))(٣). لما كان الحريقُ سببهُ النار، وهي
مادةُ الشيطان التي خُلِقَ منها، وكان فيه مِن الفساد العام ما يُناسب الشيطان بمادته
وفعله، كان للشيطان إعانةٌ عليه، وتنفيذ له، وكانت النارُ تطلبُ بطبعها العلوَ
والفسادَ، وهذان الأمران، وهما العلو في الأرض والفساد هما هدي الشيطان،
وإليهما يدعو، وبهما يُهْلِكُ بني آدم، فالنار والشيطان كل منهما يُريد العلو في
(١) أخرجه الترمذي (٣٥١٨) في الدعوات، وفي سنده الحكم بن ظهير، وهو متروك،
وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، والحكم بن ظهير ترك حديثه بعض
أهل العلم.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٩٣) في الطب: باب كيف الرقي، والترمذي (٣٥١٩)، وأحمد
في ((المسند)) (٦٦٩٦)، والحاكم ٥٤٨/١ ورجاله ثقات، وله شاهد مرسل عند ابن
السني (٦٤٣).
(٣) أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) ٢٨٩ و٢٩٠ و٢٩١ و٢٩٢ وفي سنده
القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري، وهو متروك، ورماه أحمد
بالكذب.
١٩٤

الأرض والفساد، وكبرياء الرب ــ عز وجل ــ تقمَعُ الشيطان وفِعْلَهُ.
ولهذا كان تكبير اللَّهِ - عزَّ وجلَّ - له أثر في إطفاء الحريق، فإن كبرياءَ الله
- عز وجل - لا يقوم لها شيء، فإذا كبَّر المسلم ربَّه، أثَّر تكبيرُه في خمود النار
وخمودِ الشيطان التي هي مادته، فيُطفىء الحريقَ، وقد جربنا نحن وغیرُنا هذا،
فوجدناه كذلك، والله أعلم.
أثر التكبير في إخماد
النار مادة الشيطان
فصل
في هديه ◌َّة في حفظ الصحة
لما كان اعتدالُ البدن وصحته وبقاؤه إنما هو بواسطة الرطوبة المقاومة قوام البدن على الحرارة
والرطوبة
للحرارة، فالرطوبة مادته، والحرارةُ تُنْضِجُهَا، وتدفع فضلاتِها، وتُصلحها،
وتلطفها، وإلا أفسدت البدن ولم يمكن قيامه، وكذلك الرطوبةُ هي غذاءُ
الحرارة، فلولا الرطُوبة، لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته، فقِوامُ كلِّ واحدة
منهما بصاحبتها، وقِوام البدنِ بهما جميعاً، وكُلٌّ منهما مادة للأخرى، فالحرارة
مادة للرطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة، والرطوبة مادة للحرارة
تغذُّوها وتحمِلها، ومتى مالت إحداهما إلى الزيادة على الأخرى، حصل لمزاج
البدن الانحرافُ بحسب ذلك، فالحرارةُ دائماً تُحَلِّلُ الرطوبة، فيحتاجُ البدن إلى
ما به يُخلَف عليه ما حلَّلته الحرارة - لضرورة بقائِه ـــ وهو الطعامُ والشرابُ،
ومتى زاد على مقدار التحلل، ضعفت الحرارةُ عن تحليل فضلاته، فاستحالت
موادّ رديئة، فعاثت في البدن، وأفسدت، فحصلت الأمراضُ المتنوعة بحسب
تنوع موادِّها وقبول الأعضاء واستعدادها، وهذا كُلُّه مستفَادٌ من قوله تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، فأرشدَ عِباده إلى إدخالِ ما يُقِيمُ
البدن من الطعام والشراب ◌ِوَضَ ما تحلَّل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفعُ به البدن
في الكمية والكيفية، فمتى جاوز ذلك كان إسرافاً، وكلاهما مانع من الصحة
جالب للمرض، أعني عدم الأكل والشرب، أو الإِسراف فيه.
ما يستفاد من قوله:
﴿وكلوا واشربوا
ولا تسرفوا ﴾
١٩٥

فحفظ الصحة كله في هاتين الكلمتين الإلهيتين، ولا ريب أن البدن دائماً
في التحلل والاستخلاف، وكلما كثر التحلُّل ضعفت الحرارة لفناء مادتها، فإن
كثرةَ التحلل تُفني الرطوبة، وهي مادة الحرارة، وإذا ضعفت الحرارة، ضعفَ
الهضم، ولا يزال، كذلك حتى تفنى الرطوبة، وتنطفىء الحرارة جملةً، فيستكملُ
العبدُ الأجلَ الذي كتب اللَّهُ له أن يصِلَ إليه.
غاية علاج الإنسان
الاعتدال بين الحرارة
والرطوبة
فغايةُ علاج الإنسان لنفسه ولغيره حراسةُ البدن إلى أن يصل إلى هذه
الحالة، لا أنه يستلزِمُ بقاءَ الحرارة والرطوبة اللتين بقاءُ الشباب والصحة والقوة
بهما، فإنَّ هذا مما لم يحصُلْ لبشر في هذه الدار، وإنما غايةُ الطبيب أن يحميَ
الرطوبةَ عن مفسداتها من العفونة وغيره، ويحميَ الحرارة عن مُضعِفاتها، ويعدل
بينهما بالعدل في التدبير الذي به قام بدنُ الإِنسان، كما أن به قامت السماواتُ
والأرضُ وسائرُ المخلوقات، إنما قوامُها بالعدل، ومن تأمل هدي النبيِّ وَلٍّ وجده
أفضلَ هدي يُمكن حِفظُ الصِّحة به، فإن حفظها موقوفٌ على حسن تدبير المطعم
والمشرب، والملبس والمسكن، والهواء والنوم، واليقظة والحركة، والسكون
والمنكح، والاستفراغ والاحتباس، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق
الملائم للبدن والبلد والسِّنِّ والعادة، كان أقربَ إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى
انقضاء الأجل.
الصحة من أجل النعم
وذكر الأخبار في ذلك
ولما كانت الصحةُ والعافيةُ من أجَلِّ نعم الله على عبده، وأجزل عطاياه،
وأوفر مِنحه، بل العافيةُ المطلقة أجلُّ النِّعَم على الإطلاق، فحقيق لمن رزق حظاً
مِن التوفيق مراعاتها وحِفظها وحمايتُها عما يُضادها، وقد روى البخاريُّ في
(صحيحه)) من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله وَّه: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهمَا
كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَرَاغُ»(١).
وفي الترمذي وغيره من حديث عبيد الله بن مِحصن الأنصاري، قال: قال
(١) أخرجه البخاري ١٩٦/١١ في الرقاق.
١٩٦

رسول الله ◌َّهِ: ((مَنْ أَصْبَحَ مُعَافِى فِي جَسَدِهِ، آمناً في سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ،
فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))(١).
وفي الترمذي أيضاً من حديث أبي هريرة، عن النبي ◌َّ أنَّه قال: ((أَوَّلُ مَا
يُسْأَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ، أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، وَنُروِّكَ
مِنَ المَاء البَارد)»(٢).
ومن ها هنا قال من قال من السلف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْتَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ
التَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قال: عن الصحة.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) أن النبي ◌ّ قال للعباس: ((يَا عَبَّاس، يَا عَمَّ
رَسُول اللَّه! سَلِ اللَّهَ العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا والآخُرَة))(٣).
وفيه عن أبي بكر الصديق، قال: سمعت رسول الله ◌َّه يقول: ((سَلُوا اللَّهَ
اليقينَ والمُعَافَاةَ، فما أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرَاً مِنَ العَافِيةِ)) (٤)، فجمع بين عافيتي
الدينِ والدنيا، ولا يَتِمُّ صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع
عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه.
وفي (سنن النسائي)) من حديث أبي هريرة يرفعه: ((سَلُوا اللَّهَ العَفُوَ والعَافِيَةَ
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٤٧)، وابن ماجه (٤١٤١) كلاهما في الزهد، والبخاري في
((الأدب المفرد)) (٣٠٠) والحميدي في ((مسنده)) رقم (٤٣٩) وفي سنده مجهول،
لكن له شاهد من حديث أبي الدرداء عند ابن حبان (٢٥٠٣) واخر من حديث ابن
عمر عند ابن أبي الدنيا، فيتقوى بهما.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٥٥) في التفسير: باب ومن سورة ألهاكم التكاثر، وإسناده
صحیح، وصححه ابن حبان (٢٥٨٥).
(٣) أخرجه أحمد (١٧٨٣)، والترمذي (٣٥٠٩) في الدعوات، وفي سنده يزيد بن أبي
زياد الكوفي، وهو ضعيف.
(٤) أخرجه أحمد (٥) و(١٧) وابن ماجه (٣٨٤٩)، وهو حديث صحيح مخرج في
تعليقنا على مسند أبي بكر.
=
١٩٧

والمُعَافَاة، فمَا أوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْراً مِنْ مُعَافَاةٍ))(١). وهذه الثلاثة تتضمن إزالة
الشرور الماضية بالعفو، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة بالمعافاة، فإنها تتضمن
المداومةَ والاستمرارَ على العافية.
وفي الترمذي مرفوعاً: ((مَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ العَافِيَةِ))(٢).
وقال عبدُ الرحمن بن أبي ليلى: عن أبي الدرداء، قلت: يا رسول الله! لأن
أعافى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن أُبتلى فأصبر، فقال رسول الله وَّ: ((وَرَسُولُ اللَّهِ
يُحِبُّ مَعَكَ العَافِيةَ)).
ويُذكر عن ابن عباس أن أعرابياً جاء إلى رسول الله وَ ل، فقال له: ما
أسأل الله بعد الصلواتِ الخمس؟ فقال: ((سَلِ اللَّهَ العَافِيةَ))، فأعاد عليه، فقال له
في الثالثة: سَلِ اللَّهَ العَافِيةَ في الدُّنيا، والآخرَة)).
هديه# في مراعاة أمور
الصحة
وإذا كان هذا شأنَ العافية والصحة، فنذكر من هديه مََّ في مراعاة هذه
الأمور ما يتبين لمن نظر فيه أنه أكملُ هدي على الإطلاق ينال به حفظَ صحة البدن
والقلب، وحياة الدنيا والآخرة، والله المستعانُ، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوة
إلا بالله .
فصل
هديه * في المطعم
والمشرب
فأما المطعمُ والمشرب، فلم يكن مِن عادته بَّر حبسُ النفس على نوع
واحد من الأغذية لا يتعداه إلى ما سواه، فإنَّ ذلك يضر بالطبيعة جداً، وقد يتعذَّر
عليها أحياناً، فإن لم يتناول غيره، ضعف أو هلك، وإن تناول غيره، لم تقبله
الطبيعة، واستضرَّ به، فقصرها على نوع واحد دائماً - ولو أنه أفضل الأغذيةِ -
خطر مضر .
(١) أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥١٠) في الدعوات، وفي سنده عبد الرحمن بن أبي بكر
المليكي، وهو ضعيف.
١٩٨

بل كان يأكل ما جرت عادةُ أهل بلده بأكله مِن اللحم، والفاكهة، والخُبز،
والتمر، وغيره مما ذكرناه في هديه في المأكول، فعليك بمراجعته هناك.
وإذا كان في أحد الطعامین کیفیةٌ تحتاجُ إلى كسر وتعديل، کسرها وعدلها
بضدها إن أمكن، كتعديل حرارة الرُّطَبِ بالبطيخ، وإن لم يجد ذلك، تناوله على
حاجة وداعيةٍ مِن النفس من غير إسراف، فلا تتضرر به الطبيعة.
تعديل الطعام بضده
ترك ما تعافه النفس
وكان إذا عافت نفسُه الطعامَ لم يأكله، ولم يُحمِّلْها إياه على كُره، وهذا
أصل عظيم في حفظ الصحة، فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه، ولا یشتهيه، كان
تضُّره به أكثر من انتفاعه. قال أبو هريرة (١): ما عابَ رسولُ اللهِلَّةٍ طعاماً قطُّ،
إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، ولم يأكل منه. ولما قُدِّمَ إليه الضَّبُّ المشويُّ لم يأكل
منه، فقيل له: أهو حرام؟ قال: ((لاَ، وَلْكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضٍ قَوْمِي، فَأَجِدُني
أَعَافُهُ))(٢). فراعى عادته وشهوته، فلما لم يكن يعتادُ أكله بأرضه، وكانت نفسُه لا
تشتهيه، أمسك عنه، ولَم يمنع من أكله مَن یشتهيه، ومَنْ عادته أكله.
محبته # للذراع
وكان يحب اللحم، وأحبُّه إليه الذراعُ، ومقدم الشاة، ولذلك سم فيه، وفي
((الصحيحين)): أتي رسولُ الله ◌َّ بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تُعجبُه(٣).
أكله 00 للرقبة
وذكر أبو عبيدة وغيره عن ضباعة بنت الزبير، أنها ذبحت في بيتها شاة،
(١) في الأصل (أنس) وهو وهم من المؤلف رحمه الله، فالحديث معروف عن أبي
هريرة، أخرجه البخاري ٩/ ٤٧٧، ومسلم (٢٠٦٤)، وأبو داود (٣٧٦٣)، والترمذي
(٢٠٣٢)، وابن ماجه (٣٢٥٩)، وأحمد ٤٢٧/٢ و٤٧٤ و ٤٨١ و ٤٩٥، وأبو
الشيخ في ((أخلاق النبي)) ص ١٨٩ و١٩٠ و١٩١، والترمذي في ((الشمائل)).
(٢) أخرجه البخاري ٩/ ٥٧٢، ٥٧٤ في الأطعمة: باب الضب، ومسلم (١٩٤٦) في
الصيد: باب إباحة الضب، من حديث خالد بن الوليد.
(٣) أخرجه البخاري ٢٦٤/٦، ٢٦٥ في الأنبياء: باب قول الله عز وجل (ولقد أرسلنا
نوحاً إلى قومه)، ومسلم (١٩٤) في الإِيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة، من
حديث أبي هريرة.
١٩٩

فأرسل إليها رسول الله وَ ل﴿ أن أطعمينا من شاتكم، فقالت للرسول: ما بقي عندنا
إلا الرقبة، وإني لأستحي أن أرسل بها إلى رسول الله مثل﴿، فرجع الرسول فأخبره،
فقال: ((ارْجِعْ إِلَيْهَا فَقُلْ لَهَا: أرْسِي بِها، فَإِنَّهَا هَادِيَّةُ الشَّاةِ وَأَقْرَبُ إِلَىْ الخَيْرِ،
وَأَبْعَدُهَا مِنَ الأَذَى))(١) .
ولا ريب أن أخفَّ لحم الشاة لحمُ الرقبة، ولحمُ الذراع، والعَضُد، وهو
أخفُّ على المعدة، وأسرعُ انهضاماً، وفي هذا مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاثة
أوصاف. أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى. الثاني: خفتها على المعدة،
وعدمُ ثقلها عليها. الثالث: سرعة هضمها، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء،
والتغذي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره.
وكان يُحب الحلواءَ والعسلَ، ولهذه الثلاثة - أعني: اللحم والعسل
والحلواء - مِن أفضل الأغذية، وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، وللاغتذاء بها
نفع عظيم في حفظ الصحة والقوة، ولا ينفِرُ منها إلا من بِهِ عِلة وآفة .
محبته 3* للحلواء
والعسل وبيان أنهما مع
اللحم أفضل الأغذية
وكان يأكُلُ الخبز مأدوماً ما وجد له إداماً، فتارة يأدِمهُ باللحم ويقول: ((هُوّ
سَيِّدُ طعام أهْل الدُّنيا والآخرة)). رواه ابن ماجه وغيره (٢). وتارة بالبطيخ، وتارة
بالتمر، فإنه وضع تمرة على كِسرة شعير، وقال: ((هذا إدَامُ هُذِهِ))(٣). وفي هذا من
تدبير الغذاء أن خبز الشعير بارد يابس، والتمر حار رطب على أصح القولين، فأدمُ
يؤدم # خبز الشعير
باللحم والبطيخ والتمر
والخل وفوائد ذلك
(١) أخرجه أحمد ٣٦٠/٦، ٣٦١، والنسائي، وفي سنده الفضل بن الفضل المدني
لم يوثقه غير ابن حبان، وبقية رجاله ثقات.
أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٥) في الأطعمة: باب اللحم، وفي سنده سليمان بن عطاء
(٢)
الجزري وهو منكر الحديث، ومسلمة بن عبد الله الجهني وأبو مشجعة وهما
مجهولان.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٥٩) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، ورجاله ثقات لكنه
منقطع، وأخرجه أبو داود (٢٢٦٠) والترمذي في ((الشمائل)) (١٨٤)، وفي سنده
مجهول.
٢٠٠