النص المفهرس
صفحات 141-160
ليتبين لهم أن هذا من الأسباب التي جعلها الله مُفضية إلى مسبباتها، ففي نهيه إثباتُ الأسباب، وفي فعله بيان أنها لا تستقِلُّ بشيء، بل الربُّ سبحانه إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثر شيئاً، وإن شاء أبقى عليها قواها فأثرت. وقالت فرقة أخرى: بل لهذه الأحاديث فيها الناسخ والمنسوخ، فينظر في تاريخها، فإن علم المتأخر منها، حكم بأنه الناسخ، وإلا توقفنا فيها. وقالت فرقة أخرى: بل بعضُها محفوظ، وبعضها غيرُ محفوظ، وتكلمت في حدیث ((لا عدوی))، وقالت: قد کان أبو هريرة یرویه أولاً، ثم شكَّ فیه فتركه، وراجعوه فيه، وقالوا: سمعناك تُحدِّث به، فأبى أن يُحدِّث به. قال أبو سلمة: فلا أدري، أنسي أبو هريرة، أم نسخَ أحدُ الحديثين الآخَر؟ وأما حديثُ جابر: أن النبي ◌َّ أخذ بيد مجذوم، فأدخلها معه في القصعة، فحدیثٌ لا يثبت ولا يَصِحُ، وغاية ما قال فيه الترمذي: إنه غريب، لم يصححه ولم يحسنه. وقد قال شعبة وغيرُه: اتقوا هذه الغرائبَ. قال الترمذي: ويُروى هذا مِن فعل عمر، وهو أثبت، فهذا شأنُ هذين الحديثين اللذين عُورض بهما أحاديثُ النهي، أحدهما: رجع أبو هريرة عن التحديث به وأنكره، والثاني: لا يَصِحُّ عن رسول الله ◌ََّ، والله أعلم، وقد أشبعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب ((المفتاح))(١) بأطولَ من هذا، وبالله التوفيق. فصل في هديه ◌َّل﴾ في المنع من التداوي بالمحرمات روى أبو داود في ((سننه)) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الذَّاء والدَّوَاءِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَتَدَاووْا، ولا (١) أي ((مفتاح دار السعادة)) انظر الجزء الثاني ٢٦٤، ٢٧٣. ١٤١ تَدَاوَوْا بِالْمُحَرَّم»(١). وذكر البخاري في ((صحيحه)) عن ابن مسعود: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم(٢) . وفي ((السنن)): عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ◌َّلِ عَنِ الدَّواء (٣) الخَبِيثِ (٣) . وفي ((صحيح مسلم)) عن طارق بن سويد الجُعفي، أنه سأل النبي ◌َّ- عن الخمر، فنهاه، أو كَرِهَ أن يصنَعَها، فقال: إنما أصنعُها للدواء، فقال: ((إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلْكِنَّهُ دَاءٌ)(٤). وفي ((السنن)) أنه نَُّ سئل عن الخمر يُجعل في الدَّواء، فقال: ((إِنَّها دَاءٌ (١) أخرجه أبو داود (٣٨٧٤) في الطب: باب في الأدوية المكروهة، من حديث إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي الشامي، عن أبي عمران الأنصاري، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، ورجاله ثقات خلا ثعلبة بن مسلم، فقد وثقه ابن حبان وروى عنه جمع، فهو حسن ويشهد له حديث أبي هريرة عند أبي داود الذي سيذكره المصنف بعده. أخرجه البخاري ٦٨/١٠ تعليقاً في الطب: باب شراب الحلواء والعسل بلفظ وقال (٢) ابن مسعود في السَّكَرِ: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) قال الحافظ: رويت الأثر المذكور في فوائد علي بن حرب الطائي عن سفيان بن عيينة عن منصور أبي وائل قال: اشتكى رجل منا يقال له: خُثيم بن العداء داءً في بطنه يقال له: الصَّفَر، فنُعِت له السَّكَر - وهو الخمر - فأرسل إلى ابن مسعود يسأله فذكره، وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور، وسنده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أحمد في ((كتاب الأشربة)) رقم (١٣٠) والطبراني في ((الكبير)) من طريق أبي وائل نحوه. أخرجه أبو داود (٣٨٧٠) والترمذي (٢٠٤٦)، وابن ماجه (٣٤٥٩)، وأحمد (٣) ٣٠٥/٢، و ٤٤٦، و ٤٧٨، وسنده قوي. أخرجه مسلم (١٩٨٤) في الأشربة: باب تحريم التداوي بالخمر. (٤) ١٤٢ ولَيسَتْ بالذَّواءِ))، رواه أبو داود، والترمذي(١). وفي ((صحيح مسلم)) عن طارق بن سُويد الحضرمي، قال: قلت: يا رسول الله! إن بأرضنا أعناباً نعتصرُها فنشربُ منها، قال: ((لا)) فراجعته، قلتُ: إنا تستشفي للمريض، قال: ((إنَّ ذُلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ وَلكِنَّهُ دَاءٌ)) (٢). وفي ((سنن النسائي)) أن طبيباً ذكر ضِفْدَعاً في دواء عند رسول الله وَّةِ، فنهاه عن قَتْلِهَا(٣). ويُذكر عنه ◌َّ أنه قال: ((مَن تَداوى بِالخَمْرِ، فَلاَ شَفَاهُ الله))(٤). المعالجة بالمحرمات قبيحةٌ عقلاً وشرعاً، أما الشرعُ فما ذكرنا مِن هذه الأحاديث وغيرها، وأما العقلُ، فهو أن اللَّهَ سبحانه إنما حرَّمه لخبئه، فإنه لم يُحرِّم على هذه الأمة طيباً عقوبةً لها، كما حرَّمه على بني إسرائيل بقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيَِّاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]؛ وإنما حرم على هذه الأمة ما حَرَّم لخبثه، وتحريمه له حِمية لهم، وصيانة عن تناوله، فلا يُناسِبُ أن يطلب به الشِّفاءُ من الأسقام والعِلل، فإنه وإن أثر في إزالتها، لكنه يُعْقِبُ سَقَماً أعظمَ منه في القلب بقوة الخُبث الذي فيه، فيكون المُدَاوَى بِهِ قد سعى في إزالة سُقم البدن بسُقم القلب. بيان قبح المعالجة بالمحرمات عقلاً (١) أخرجه أبو داود (٣٨٧٣) في الطب: باب ما جاء في الأدوية المكروهة، والترمذي (٢٠٤٧) من حديث طارق بن سويد، وسنده حسن، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (١٣٧٧). (٢) لقد وهم المؤلف رحمه الله في عزو هذا الحديث إلى مسلم بهذا اللفظ، فإنه ليس فيه وإنما هو عند أحمد في ((المسند» ٣١١/٤، وابن ماجه (٣٥٠٠). (٣) أخرجه النسائي ٢١٠/٧ في الصيد: باب الضفدع، وأحمد ٤٥٣/٣، و٤٩٩ من حديث عبد الرحمن بن عثمان، وسنده صحيح. (٤) أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) بلفظ ((من تداوى بحرام كخمر، لم يجعل الله له فيه شفاء)) ونسبه إلى أبي نعيم في ((الطب)) من حديث أبي هريرة، ورمز له بالضعف. ١٤٣ وأيضاً فإن تحريمه يقتضي تجنّبه والبعدَ عنه بكُلِّ طريق، وفي اتخاذه دواء حضٌّ على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضِدُّ مقصود الشارع، وأيضاً فإنه داء كما نصَّ عليه صاحبُ الشريعة، فلا يجوز أن يتخذ دواء. وأيضاً فإنه يُكْسِبُ الطبيعة والروح صفة الخبث، لأن الطبيعة تنفعِلُ عن كيفية الدواء انفعالاً بيناً، فإذا كانت كيفيتُه خبيثةً، اكتسبت الطبيعةُ منه خبثاً، فكيفَ إذا كان خبيثاً في ذاته، ولهذا حرَّم الله سبحانه على عباده الأغذيةَ والأشربةَ والملابِسَ الخبيثة، لما تكسب النفسَ من هيئة الخبث وصفته. وأيضاً فإن في إباحة التداوي به، ولا سيما إذا كانت النفوسُ تميل إليه ذريعةً إلى تناوله للشهوة واللذة، لا سيما إذا عرفت النفوسُ أنه نافع لها مزيل لأسقامِها جالب لِشفائها، فهذا أحبُّ شيءٍ إليها، والشارعُ سدَّ الذريعة إلى تناوله بكُلِّ ممكن، ولا ريبَ أن بينَ سد الذريعة إلى تناوله، وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضاً وتعارضاً. التداوي به ذريعة إلى تعاطیه وأيضاً فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيدُ على ما يُظن فيه من الشِّفاء، ولنفرض الكلام في أُمّ الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاءً قطُّ، فإنها شديدةُ المضرة بالدماغ الذي هو مركزُ العقل عند الأطباء، وكثير من الفقهاء والمتكلمين. قال أبقراط في أثناء كلامه في الأمراض الحادة: ضرر الخمرة بالرأس شديد. لأنه يُسرع الارتفاعَ إليه. ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن، وهو كذلك يضر بالذهن. وقال صاحب ((الكامل)): إن خاصيةَ الشَّراب الإضرارُ بالدماغ والعَصَب. وأما غيرُه من الأدوية المحرمة فنوعان: أحدهما: تعافُه النفس ولا تنبعِثُ لمساعدته الطبيعة على دفع المرض به كالسموم، ولحوم الأفاعي وغيرها من المستقذرات، فيبقى كَلاَّ على الطبيعة مثقلاً لها، فیصیر حينئذ داء لا دواء. ١٤٤ والثاني: ما لا تعافُه النفس كالشراب الذي تستعمِلُه الحوامل مثلاً، فهذا ضررهُ أكثرُ مِن نفعه، والعقلُ يقضي بتحريم ذلك، فالعقلُ والفِطرة مطابق للشرع في ذلك. وها هنا سِر لطيف في كون المحرمات لا يُستشفى بها، فإن شرطَ الشفاء بالدواء تلقِّيه بالقبول، واعتقادُ منفعته، وما جعل الله فيه مِن بركة الشفاء، فإن النافعَ هو المبارَك، وأنفعُ الأشياءِ أبركُها، والمبارك من الناس أينما كان هو الذي ينتفع به حيث حلَّ، ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريمَ هذه العين مما يحولُ بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها، وبين حسن ظنه بها، وتلقي طبعه لها بالقبول، بل كلما كان العبدُ أعظمَ إيماناً، كان أكره لها وأسوأ اعتقاداً فيها، وطبعُه أكره شيء لها، فإذا تناولها في هذه الحال، كانت داء له لا دواء إلا أن يزولَ اعتقاد الخبث فيها، وسوء الظن والكراهة لها بالمحبة، وهذا يُنافي الإِيمان، فلا يتناولها المؤمن قط إلا على وجه داء، والله أعلم. فصل في هديه ◌َّ في علاج القَمْلِ الذي في الرأس وإزالته في ((الصحيحين)) عن كعب بن عُجرة، قال: كان بي أذىّ مِنْ رأسِي، فَحُمِلْتُ إلى رسولِ اللهِ ◌َِّ والقملُ يتناثَرُ على وجهي، فقال: ((مَا كُنْتُ أَرى الجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ مَا أرىَ))، وفي رواية: فأمره أن يَحْلِقَ رأسه، وأنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةٍ، أو يُهديَ شاة، أو يَصُومَ ثلاثة أيام(١). (١) أخرجه البخاري ١٠/٤، ١٣ في الحج: باب قول الله تعالى (فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية) وباب قول الله تعالى: (أو صدقة) وباب الإطعام في الفدية نصف صاع، وباب النسك شاة، وفي المغازي: باب غزوة الحديبية، وفي تفسير سورة البقرة: باب (فمن كان منكم مريضاً) وفي المرضى: باب قول المريض: إني وجع أو: وارأساه أو اشتد بي الوجع، وفي الطب: باب الحلق من = ١٤٥ القمل يتولد في الرأس والبدن من شيئين: خارج عن البدن وداخلٍ فيه، فالخارج: الوسخُ والدنس المتراكم في سطح الجسد، والثاني من خلط رديء عفن تدفعُه الطبيعة بين الجلد واللحم، فيتعفَّنُ بالرُّطوبة الدموية في البَشَرَةِ بعد خُروجها من المسام، فيكون مِنه القملُ، وأكثرُ ما يكون ذلك بعد العلل والأسقام، وبسبب الأوساخ، وإنما كان في رؤوس الصبيان أكثر لكثرة رطوباتهم وتعاطيهم الأسباب التي تُولِّد القمل، ولذلك حلق النبيُّ ◌َّ رؤوسَ بني جعفر. ومن أكبر عِلاجه حَلْقُ الرأس لِتنفتح مسامُ الأبخرة، فتتصاعد الأبخرة الرديئة، فتضعفُ مادة الخلط، ويبنغي أن يُطلى الرأس بعد ذلك بالأدوية التي تقتل القمل، وتمنع تولده. علاجه بالحلق ثم بالطلي بالأدوية أنواع حلق الرأس وحلقُ الرأس ثلاثة أنواع: أحدها: نسك وقربة. والثاني: بدعة وشرك، والثالث: حاجة ودواء، فالأول: الحلق في أحد النُّسكين، الحج أو العمرةِ. والثاني: حلقُ الرأس لغير الله سبحانه، كما يحلقها المريدُون لشيوخهم، فيقول أحدهم: أنا حلقتُ رأسي لفلان، وأنت حلقَته لفلان، وهذا بمنزلة أن يقول: سجدتُ لفلان، فإن حلق الرأس خضوعٌ وعبودية وذُل، ولهذا كان من تمام الحجِّ، حتى إنه عند الشافعي ركن من أركانه لا يَتِمُّ إلا به، فإنه وضعُ النواصي بين يدي ربها خضوعاً لعظمته، وتذللاً لِعزته، وهو من أبلغ أنواع العبودية، ولهذا كانت العربُ إذا أرادت إذلالَ الأسير منهم وعِتقَه، حلقُوا رأسه وأطلقُوه، فجاء شيوخُ الضلال، والمزاحِمون للربوبية الذين أساسُ مشيختهم على الشرك والبدعة، فأرادوا مِن مريديهم أن يتعبَّدوا لهم، فزيَّنوا لهم حَلْقَ رؤوسهم لهم، كما زيَّنوا لهم السجودَ لهم، وسمَّوه بغير اسمه، وقالوا: هو وضعُ الرأس بين يدي الشيخ، ولعمرُ الله إن السجود لله هو وضعُ الرأس بين يديه سبحانه، وزيَّنوا لهم أن الأذى، وفي الأيمان والنذور: باب كفارات الأيمان، وأخرجه مسلم (١٢٠١) في الحج: باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى. ١٤٦ ينذُروا لهم، ويتوبُوا لهم، ويحلِفُوا بأسمائهم، وهذا هو اتخاذُهم أرباباً وآلهِةٍ مِنْ دُونِ الله، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيهُ اللَّهُ الكِتَابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاس: كُونُوا عِباداً لي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلْكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّين بمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمون الكِتَابَ، وبمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَنَّخِذُوا المَلائِكَةِ والنَِّّينَ أَزْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠]. وأشرف العبودية عبوديةُ الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخُ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة، فأخذ الشيوخُ منها أشرفَ ما فيها، وهو السجود، وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوعَ، فإذا لقي بعضُهم بعضاً ركع له كما يركع المصلي التحذير من الركوع والانحناء لغير الله وكذا وهم جلوس لربه سواء، وأخذ الجبابرةُ مِنهم القيام، فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم القيام على رؤوس الأكابر عبوديةً لهم، وهم جلوس، وقد نهى رسول الله يَّر عن لهذه الأمور الثلاثة على التفصيل، فتعاطيها. مخالفة صريحة له، فنهى عن السجود لغير الله وقال: ((لا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ)). وأنكر على معاذ لما سجد له وقال: ((مه)(١). (١) أخرج أحمد ٢٢٧/٥، ٢٢٨ عن معاذ بن جبل أنه لما رجع من اليمن قال: يا رسول الله، رأيت رجالاً باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك، قال: ((لو كنت آمراً بشراً يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)» ورجاله ثقات لكنه منقطع، وأخرج أحمد ٣٨١/٤ وابن ماجه (١٨٥٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: قدم معاذ اليمن أو قال: الشام فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها، فروَأ في نفسه أن رسول الله ◌َّ أحق أن يعظم، فلما قدم قال: يا رسول الله رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها. فروأت في نفسي أنك أحق أن تعظم، فقال: ((لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)» وسنده حسن، وصححه ابن حبان (١٣٩٠)، وله شاهد من حديث قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزُبان لهم فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له قال: فأتيت النبي ◌َّ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون المرزبان لهم فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك قال: ((أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ قلت: لا، قال: فلا تفعل، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق))، وفي الباب عن أبي هريرة عند الترمذي (١١٥٩)= ١٤٧ وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة، وتجويزُ مَنْ جَوَّزه لِغير الله مُراغَمَةٌ لله ورسوله، وهو من أبلَغ أنواع العبودية، فإذا جوَّز هذا المشرك هذا النوعَ للبشر، فقد جوَّز العبودية لغير الله، وقد صح أنه قيل له: الرَّجُلُ يلقَى أخاه أينحني له؟ قال: ((لا)). قيل: أيلتزِمُه ويُقَبِّلُهُ قال: ((لا)). قيل: أيُصافِحُه؟ قال: ((نعم))(١). أمره # أصحابه إذا صلى جالساً أن يصلوا جلوساً لئلا يقوموا على رأسه وهم جالس وأيضاً: فالانحناء عند التحية سجود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾ [البقرة: ٥٨] أي منحنين، وإلا فلا يُمكن الدخول على الجباه، وصحَّ عنه النهيُ عن القيام، وهو جالس، كما تُعظم الأعاجمُ بعضُها بعضاً، حتى منع مِن ذلك في الصلاة، وأمرهم إذا صلى جالساً أن يُصَلُّوا جلوساً، وهم أصحاء لا عُذر لهم، لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس، مع أن قيامَهم لله، فكيف إذا كان القيامُ تعظيماً وعبودية لغيره سبحانه. والمقصود: أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبوديةَ الله سبحانه، وأشركت فيها من تُعظمه مِن الخلق، فسجدت لغير الله، وركعت له، وقامت بين يديه قيامَ الصلاة، وحلفت بغيره، ونذرَت لغيره، وحَلَقَتْ لغيره، وذبحت لغيره، وطافت لِغير بيته، وعظمته بالحب، والخوف، والرجاء، والطاعة، كما يُعَظّم الخالقُ، بل أشد، وسؤَّتْ من تعبدُه من المخلوقين بربِّ العالمين، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل، وهم الذين بربهم يَعْدِلُون، وهم الذين يقولون ــ وهم في النار مع آلهتهم يختصمون - : ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لِفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ = بسند حسن، وصححه ابن حبان (١٢٩١) وعن عائشة عند أحمد ٧٦/٦ وابن ماجه (١٨٥٢). (١) أخرجه الترمذي (٢٧٢٩) في الاستئذان: باب ما جاء في المصافحة، وابن ماجه (٣٧٠٢) في الأدب: باب المصافحة، وأحمد ١٩٨/٣ عن أنس بن مالك، وفي سنده حنظلة بن عبد الله السدوسي، وهو ضعيف، لكن تابعه شعيب بن الحبحاب وكثير بن عبد الله والمهلب بن أبي صفرة عند الضياء في ((المنتقى)) من مسموعاته بمرو ٢٣/١ و٨٧/٢، وابن شاهين في رباعياته ٢/ ٧٢ فالحديث حسن كما قال الترمذي رحمه الله. ١٤٨ العَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨]. وهم الذين قال فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبَاَ للَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهذا كُلُّه من الشرك، والله لا يغفِرُ أن يُشرك به. فهذا فصل معترض في هديه في حلق الرأس، ولعله أهمُّ مما قصد الكلام فيه، والله الموفق. فصل فصول في هديه مقدّ في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية المفردة، والمركبة منها، ومن الأدوية الطبيعية فصل في هديه ◌ّ في علاج المصاب بالعين روى مسلم في ((صحيحه)) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَّة: ((العَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ القَدَرَ، لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ))(١). وفي ((صحيحه) أيضاً عن أنس، أن النبي ◌َّه رخّصَ في الرُّقية مِن الحُمَةِ والعَيْنِ والثَّمْلَةِ (٢). وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللّهِ وَّه: ((العَيْنُ حَقٌ (٣). وفي سنن أبي داود)) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يُؤْمَرُ العائِنُ فَيَتَوَضَّأْ، ثم يَغْتَسِلُ منه المَعِينُ (٤). (١) أخرجه مسلم (٢١٨٨) في السلام: باب الطب والمرض والرقى. (٢) أخرجه مسلم (٢١٩٦) في السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة. والحمة بالتخفيف: السم، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة، لأن السم يخرج منها. والنملة: قروح تخرج في الجنب. (٣) أخرجه البخاري ١٧٣/١٠ في الطب: باب العين حق، ومسلم (٢١٨٧) في السلام: باب الطب والمرض والرقى. (٤) أخرجه أبو داود (٣٨٨٠) في الطب: باب ما جاء في العين، ورجاله ثقات، وإسناده صحیح. ١٤٩ وفي ((الصحيحين)) عن عائشة قالت: أمرني النبيُّ ◌َثّر، أو أمر أن نسترقيَ من العين(١) . وذكر الترمذي، من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عُبيد بنِ رفاعة الزُّزْقي، أن أسماء بنت عُميس، قالت: يا رسولَ اللَّهِ! إن بني جعفر تُصِيبُهم العينُ أفأسترقي لهم؟ فقال: ((نَعَمْ فَلَوْ كَانَ شَيءٌ يَسْبِقُ القَضَاءَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ)) قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢). وروى مالك رحمه الله: عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، قال: رأى عامِرُ بن ربيعة سهلَ بنَ حُنيف يغتسِلُ، فقال: واللَّهِ ما رَأَيْتُ كَالَيْوم ولا جِلْدَ مُخَبَّة! قال: فلُبِطَ سَهْلٌ، فأتى رسولُ الله ◌َِّ عامراً، فتغيّظ عليه وقال: ((عَلَاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلاَ بَرَّكْتَ اغْتَسِلْ لَهُ))، فغسل له عامِرٌ وجهَه ويديه، ومرفَقَيْهِ ورُكبتيه، وأطرافَ رِجليه، وداخِلَة إزاره في قدح، ثم صبَّ عليه، فراحَ (٣) مع الناس(٣) . وروى مالك رحمه الله أيضاً عن محمد بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه هذا الحديثَ، وقال فيه: ((إنَّ العَيْنَ حَقٌّ، تَوَضَّأْ لَهُ) فَتَوضَّأ له(٤). وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه مرفوعاً «العَيْنُ حَقٌّ، ولَوْ كَانَ شَيءٌ سَابَقَ القَدَرَ، لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ، وإذا اسْتُغْسِلَ أَحَدُكُمْ، (١) أخرجه البخاري ١٦٩/١٠، ١٧٠ في الطب: باب رقية العين، ومسلم (٢١٩٥) في السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة. (٢) أخرجه الترمذي (٢٠٥٩) وأحمد ٤٣٨/٦، وابن ماجه (٣٥١٠) وسنده جيد. (٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٩٣٨/٢ في أول كتاب العين، ورجاله ثقات. أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٩٣٨/٢ وابن ماجه (٣٥٠٩)، وأخرجه أحمد ٤٨٦/٣، (٤) ٤٨٧ من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه ... ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٤٢٤). ١٥٠ فَلْيَغْتَسِلْ))(١) ووصله صحيح. قال الزهري: يُؤمر الرجل العائن بقدح، فيُدخِلُ كفَّه فیه، فیتمضمض، ثم يَمُجّه في القدح، ويغسِلُ وجهه في القدح، ثم يُدخِل يدَه اليُسرى، فيصُبُّ على رُكبته اليُمنى في القَدَح، ثم يُدخِلُ يَدَهُ اليُمنى، فيصُبُّ على رُكبته اليُسرى، ثم يَغْسِلُ داخِلَةَ إزارِهِ، ولا يُوضع القَدَحُ في الأرض، ثم يُصَبُّ على رأس الرجل الذي تُصيبه العينُ مِن خلفه صبةً واحدة (٢). والعين: عينان: عينٌ إنسية، وعين جنية، فقد صح عن أمّ سلمة، أن النبيِ نَّه رأى في بيتها جاريةً في وجهها سفعة، فقال: ((اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِها النظرةَ»(٣) . قال الحسين بن مسعود الفراء: وقوله: ((سفعة)). أي نظرة، يعني: مِن الجن، يقول: بها عين أصابتها مِن نظر الجن أنفذ مِن أسنة الرِماح (٤). ويُذكر عن جابر يرفعه: ((إن العين لتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ، والجَمَلَ القِدْرَ))(٥). (١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٩٧٧٠) وإسناده صحيح لكنه مرسل، وقد وصله مسلم في ((صحيحه)) (٢١٨٨) من طريق وهيب عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس ... (٢) ذكره البيهقي في ((السنن)) ٣٥٢/٩ عقب حديث سهل. (٣) أخرجه البخاري ١٧١/١٠، ١٧٢ في الطب: باب رقية العين، ومسلم (٢١٩٧) في السلام: باب رقية العين، والسفعة - بفتح السين ويجوز ضمها وسكون الفاء - سواد في الوجه، ومنه سفعة الفرس: سواد ناصيته، وعن الأصمعي: حمرة يعلوها سواد، وقيل: صفرة، وقيل: سواد مع لون آخر، وقال ابن قتيبة: لون يخالف لون الوجه، وكلها متقاربة. (٤) انظر ((شرح السنة)) ١٦٣/١٣ بتحقيقنا. (٥) حديث ضعيف أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ٩٠/٧ وابن عدي والخطيب في ((تاريخه)) ٢٤٤/٩ من حديث جابر بن عبد الله بلفظ ((العين تدخل الرجل القبر، = ١٥١ وعن أبي سعيد، أن النبيَّ ◌َّ﴿ كان يتعوَّد مِن الجان، ومِن عينِ الإِنسان (١). قول من أبطل الإصابة بالعين فأبطلت طائفة ممن قلَّ نصيبُهم مِن السمع والعقل أمرَ العين، وقالوا: إنما ذلك أوهامٌ لا حقيقة له، وهؤلاء مِن أجهل الناس بالسّمع والعقل، ومن أغلظِهم حجاباً، وأكثفِهِم طِباعاً، وأبعدِهم معرفةً عن الأرواح والنفوس. وصِفاتها وأفعالِها وتأثيراتها، وعقلاءُ الأمم على اختلافِ مِللهم ونِحلهم لا تدفَعُ أمر العين، ولا تُنكره، وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثیر العين. فقالت طائفة: إن العائن إذا تكيَّفت نفسُه بالكيفية الرديئة، انبعث من عينه قوَّةٌ سُمِّية تتصل بالمعين، فيتضرر. قالوا: ولا يُستنكر هذا، كما لا يُستنكر انبعاثُ قوة سُمِّية من الأفعى تتصل بالإِنسان، فيهلِك، وهذا أمر قد اشتُهِرَ عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرُها على الإنسان هلك، فكذلك العائن. وقالت فرقة أخرى: لا يستبعد أن ينبعِثَ مِن عين بعضِ الناس جواهِرُ لطيفة غير مرئية، فتتصل بالمعینِ، وتتخلل مسام جسمه، فیحصل له الضررُ. وقالت فرقة أخرى: قد أجرى الله العادةَ بخلق ما يشاء مِن الضرر عند مقابلة عينٍ العائن لمن يَعينه مِن غير أن يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير أصلاً، وهذا مذهبُ منكري الأسباب والقُوى والتأثيرات في العالم، وهؤلاء قد سدُّوا على أنفسهم بابَ العِلل والتأثيرات والأسباب، وخالفُوا العقلاء أجمعين. ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، الرد على من أنكر الإصابة بالعين وتدخل الجمل القدر)) وقد تفرد به شعيب بن أيوب عن معاوية، عن هشام ... قال = الصابوني: وبلغني أنه قيل له: ينبغي أن تمسك عن هذه الرواية ففعل. وقال الذهبي في (الميزان)) في ترجمة شعيب بن أيوب: وله حديث منكر ذكره الخطيب في ((تاريخه)) يريد هذا الحديث. (١) أخرجه الترمذي (٢٠٥٩) والنسائي ٢٧١/٨، وابن ماجه (٣٥١١) وحسنه الترمذي، وتمامه: فلما نزلت المعوذتان، أخذ بهما وترك ماسوى ذلك. ١٥٢ وجعل في كثير منها خواصَّ وكيفيات مؤثرة، ولا يُمكن لعاقل إنكارُ تأثيرِ الأرواح في الأجسام، فإنه أمر مشاهد محسوس، وأنت ترى الوجه كيف يحمَرُّ حُمرةً شديدة إذا نظر إليه من يحتشِمُه ويَستحي منه، ويصفرُّ صُفرة شديدة عند نظر من يخافُه إليه، وقد شاهد الناسُ من يسقم من النظر وتضعُف قواه، وهذا كُلُّه بواسطة تأثير الأرواح، ولشدة ارتباطها بالعين يُنسب الفعل إليها، وليست هي الفاعلة، وإنما التأثيرُ للروح، والأرواحُ مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فروحُ الحاسد مؤذية للمحسود أذى بيِّناً، ولهذا أمر الله - سبحانه ـــ رسوله أن يستعيذَ به من شره، وتأثيرُ الحاسد في أذى المحسود أمرٌ لا يُنكره إلا من هو خارج عن حقيقةِ الإِنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين، فإنَّ النفس الخبيثة الحاسدة تتكيّف بكيفية خبيثة، وتُقابِلُ المحسود، فتؤثِّرُ فيه بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بهذا الأفعى، فإن السم كامِنٌ فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها، انبعثت منها قوة غضبية، وتکیّفت بكيفية خبيثة مؤذية، فمنها ما تشتدُّ کیفیتُها وتقوی حتی تؤثر في إسقاط الجنين، ومنها ما تُؤثر في طمس البصر، كما قال النبيُّ ◌َّ في الأبتر، وذي الطُّفيتين مِن الحيات: ((إِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ البَصَرَ، ويُسْقِطَان الحَبلَ)»(١). ومنها، ما تُؤثر في الإِنسان كيفيتُها بمجرد الرؤية من غير اتصال به، لشدة خُبْثِ تلك النفس، وكيفيتها الخبيثة المؤثرة، والتأثيرُ غيرُ موقوف على الاتصالات الجسمية، كما يظنُّه من قلَّ علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل التأثيرُ يكون تارةً بالاتصال، وتارةً بالمقابلة، وتارة بالرؤية، وتارة بتوجه الروح نحوَ من يُؤثر فيه، وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات، وتارة بالوهم والتخيل، ونفس العائن لا يتوقفُ (١) أخرجه البخاري ٢٤٨/٦ في بدء الخلق: باب قول الله تعالى (وبث فيها من كل دابة)، ومسلم (٢٢٣٣) في السلام: باب قتل الحيات وغيرها، من حديث ابن عمر، والطُّفيتان: هما الخطان الأبيضان على ظهر الحية، والأبتر: قصير الذنب، وقوله: يلتمسان البصر، قال الخطابي: فيه تأويلان، أحدهما: معناه يخطفان البصر ويطمسانه بمجرد نظرهما إليه بخاصة جعلها الله تعالى في بصريهما إذا وقع على بصر الإنسان، والثاني: أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش، والأول أصح وأشهر. ١٥٣ الحاسد أعم من العائن تأثيرُها على الرؤية، بل قد يكون أعمى، فيُوصف له الشيء، فتؤثِّرُ نفسه فيه، وإن لم يره، وكثيرٌ مِن العائنين يُؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية، وقد قال تعالى لنبيه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١]. وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّقَّاثَاتِ فِي الْعُقْدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد﴾، فكل عائن حاسدٌ، وليس كُلُّ حاسد عائناً، فلما كان الحاسد أعمَّ مِن العائن، كانت الاستعاذةُ منه استعاذةً من العائن، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحوَ المحسود والمعين تُصيبه تارة وتُخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفاً لا وقاية عليه، أَثَّرت فيه، ولا بُد، وإن صادفته حَذِراً شاكِيَ السِّلاح لا منفذ فيهِ لِلسهام، لم تُؤثر فيه، وربما رُدَّت السهام على صاحبها، وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء، فهذا مِن النفوس والأرواح، وذاك من الأجسام والأشباح. وأصلُه مِن إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفيةٌ نفسِه الخبيثة، ثم تستعينُ على تنفيذ سمِّها بنظرة إلى المعين، وقد يعَينُ الرجلُ نفسَه، وقد يَعِينُ بغير إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكونُ مِن النوع الإِنساني، وقد قال أصحابُنا وغيرُهم من الفقهاء: إن مَنْ عُرِفَ بذلك، حبسه الإمام، وأجرى له ما يُنفِقُ عليه إلى الموت، وهذا هو الصوابُ قطعاً. فصل علاج المعيون بالتعوذات والرقى والمقصودُ: العلاجُ النبوي لهذه العلة، وهو أنواٌ، وقد روى أبو داود في (سننه)) عن سهل بن حنيفٍ، قال: مررنا بسيل، فدخلتُ، فاغتسلت فيه، فخرجتُ محموماً، فَنُمِيَ ذلك إلى رسول الله ◌َّهَ، فقال: ((مُرُوا أَبَا ثَابتٍ يَتَعَوَّذُ))، قال: فقلت: يا سيدي! والرقى صالحة؟ فقال: ((لا رُقْيَةَ إلاَّ في نَفْسٍ، أَو حُمَةٍ أَوْ لَذْغَةٍ»(١) . (١) أخرجه أبو داود (٣٨٨٨) في الطب: باب ما جاء في الرقى، وفي سنده رباب جدة عثمان بن حكيم، لم يوثقها غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات. ١٥٤ والنفس: العين، يقال: أصابت فلاناً نفس، أي: عين. والنافس: العائن. واللدغة - بدال مهملة وغين معجمة ــ وهي ضربة العقرب ونحوها. فمن التعوذاتِ والرقى الإِكثارُ مِن قراءَة المعوِّذتين، وفاتحةِ الكتابِ، وآيةِ الكُرسي، ومنها التعوذاتُ النبوية. عبارات من التعوذات النبوية نحو: أعوذُ بكلماتِ اللَّهِ التامَّاتِ من شرِّ ما خلق. ونحو: أعوذُ بكلِمَاتِ اللَّهِ الثَّامَّةِ من كلِّ شيطان وهَامَّةٍ، ومن كُلِّ عينٍ لامَّةٍ. ونحو: أعوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ الثَّامَّاتِ التي لا يُجاوِزُهِنَّ بَرِّ ولا فَاجِرٌ، مِن شرِّ ما خلق وذَرَأ وبَرأ، ومِن شرِّ ما ينزِلُ مِن السماء، وَمِن شر ما يَعْرُجُ فيها، ومِن شرِّ ما ذرأ في الأرض، ومِن شرِّ ما يخرُج مِنها، ومِن شرِّ فِتْنِ الليل، والنهار، ومِن شرِّ طوارِقِ الليلِ إلا طارقاً يطرُق بخير يا رحمن. ومنها: أعوذُ بكلمات اللّهِ التامَّةِ مِنْ غضبه وعِقابه، ومِن شرِّ عِباده، ومن همزَات الشياطين وأن يحضُرونِ. ومنها: اللهم أني أعوذُ بِوجْهِك الكريم، وكلماتِك التامَّاتِ مِن شرِّ ما أنتَ آَخِذٌ بناصيته، اللهم أنتَ تكشِفُ المأثم والمغرمَ، اللهم إنه لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ، ولا يُخلَفُ وعدُك، سبحانَك وبحمدِك. ومنها: أَعُوذُ بوجه اللَّهِ العظيمِ الذي لا شيءَ أعظمُ منه، وبكلماتِه التامَّات التي لا يُجاوِزُ هن بَرِّ لا فاجر، وأسماءِ الله الحسنى، ما علمتُ منها وما لم أعلم، مِن شرِّ ما خلق وذَرأ وبرأ، ومِن شَرِّ كلِّ ذي شر لا أُطيق شرَّه، ومِن شر كُلِّ ذي شر أنتَ آخِذٌ بناصيته، إنَّ ربي على صراط مستقيم. ومنها: اللهم أنت ربِّي لا إله إلا أنتَ، عليك توكلتُ، وأنتَ ربُّ العرشِ العظيم، ما شاء اللَّهُ كان، وما لم يشأ لم يَكُن، لا حولَ ولا قوة إلا باللّهِ، أعلم أنَّ اللَّهَ على كُلِّ شيء قدير، وأن الله قد أَحاطَ بكل شيء علماً، وأحصَى كُلَّ شيءٍ ١٥٥ عدداً، اللهم إني أعوذُ بِكَ مِن شرِّ نفسي، وشرِّ الشيطانِ وشِرْكِهِ، ومِنْ شرِّ كُلِّ دابة أنتَ آخذٌ بناصيتها، إن ربِّي على صراط مستقيم. وإن شاء قال: تحصنتُ باللهِ الَّذي لا إله إلا هُوَ، إلهِي وإله كل شيء، واعتصمتُ بربي وربُّ كُلِّ شيء، وتوكلتُ على الحيِّ الذي لا يموتُ، واستدفعتُ الشرَّ بلا حول ولا قوة إلا بالله، حسبيَ الله ونِعْمَ الوكيلُ، حسبيَ الربُّ مِن العباد، حسبيَ الخالِقُ مِن المخلوق، حسبيَ الرازقُ مِن المرزوق، حسبيَ الذي هو حسبي، حسبيَ الذي بيده ملكوتُ كُلِّشيء، وهو يُجيرُ ولا يُجارُ عليه، حسبيَ اللَّهُ وكَفَى، سَمِعَ الله لمن دعا، ليس وَرَاءَ اللَّهِ مرمى، حسبي الله لا إله إلا هُوَ، عليه توكلتُ، وهُوَ ربُّ العرشِ العظيم. ومن جرَّب هذه الدعواتِ والعُوذَ، عَرَفَ مِقدار منفعتها، وشِدَّةَ الحاجةِ إليها، وهي تمنعُ وصولَ أثر العائن، وتدفعُه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها، وقوةٍ نفسه، واستعداده، وقوةٍ توكله وثباتٍ قلبه، فإنها سلاح، والسلاح بِضاربه . فصل وإذا كان العائنُ يخشى ضررَ عينه وإصابتها للمعين، فليدفع شرَّها بقوله: اللَّهُمَّ بَارِكْ عليه، كما قال النبي ◌َّ لِعامر بن ربيعة لما عان سهل بنَ حُنيف: ((ألا برَّكت)) أي: قلتَ: اللُهمَّ بارك عليه. ما يقوله العائن خشية من ضرر عينه ومما يدفع به إصابةَ العین قولُ: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، روی هشامُ بن عُروة، عن أبيه، أنه كان إذا رأی شیئاً يُعجِبُه، أو دخل حائطاً من حيطانه، قال: ما شاء الله، لا قُوَّةَ إلا بالله. الرقية للمعين ـّ التي رواها مسلم في ومنها رُقية جبريل عليه السَّلام للنبيِّ ١٥٦ ((صحيحه)) ((بِاسْم اللَّهِ أرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أوْ عَيْنٍ حَاسِدِ اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ)(١). ورأى جماعة من السلف أن تُكتب له الآياتُ مِن القرآن، ثم يشربَها. قال كتابة الآيات ثم شربها مجاهد: لاَ بأس أن يكتُبَ القرآنَ، ويغسِلَه، ويَسْقِيَه المريضَ، ومثلُه عن أبي قِلابة. ويُذكر عن ابن عباس: أنه أمر أن يُكتب لا مرأة تعَسَّرَ عليها ولادُها أثرٌ من القرآن، ثم يُغسل وتُسقى. وقال أيوب: رأيتُ أبا قلابة كتب كتاباً من القرآن، ثم غسله بماء، وسقاه رجلاً كان به وجع. فصل ومنها: أن يُؤمر العائِنُ بغسل مَغابِنِه وأطرافه وداخِلَةِ إزاره، وفيه قولان. استغسال العائن للمعين أحدهما: أنه فرجُه. والثاني: أنه طرفُ إزاره الداخل الذي يلي جسدَه من الجانب الأيمن، ثم يُصَبُّ على رأس المعين مِن خلفه بغتة، وهذا مما لا ينالُه عِلاجُ الأطباء، ولا ينتفعُ به من أنكره، أو سَخِرَ منه، أو شكَّ فيه، أو فعله مجرِّباً لا الرد على من أنكره من الأطباء يعتقِدُ أن ذلك ينفعُه. وإذا كان في الطبيعة خواصٌ لا تَعْرِفُ الأطباءُ عِلَلَها ألبتة، بل هي عندهم خارجةٌ عن قياس الطبيعة تفعل بالخاصِّية، فما الذي يُنكره زنادقتهم وجهلتُهم مِن الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهدُ له العقولُ الصحيحة، وتُقِرُّ لمناسبته، فاعلم أن تِرِياق سمِّ الحية في لحمها، وأن علاجَ تأثير النفس الغضبية في تسكين غضبها، وإطفاء ناره بوضع يَدِكَ عليه، والمسح عليه، وتسكين غضبه، وذلك بمنزلة رجل معه شُعلة من نار، وقد أراد أن يَقذِفَك بها، فصببتَ عليها الماء، وهي في يده حتى طُفئت، ولذلك أُمِرَ العائنُ أن يقول: حكمة الاستغسال (١) أخرجه مسلم (٢١٨٥) في السلام: باب الطب والمرض والرقى. ١٥٧ ((اللهم بَارِكْ عَلَيْهِ)) ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو إحسانٌ إلى المَعين، فإن دواء الشيء بضِدِّه. ولما كانت هذه الكيفيةُ الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد، لأنها تطلبُ النفوذَ، فلا تجد أرقَّ مِن المغابن، وداخِلَةِ الإِزار، ولا سيما إن كان كناية عن الفرج، فإذا غُسِلَتْ بالماءِ، بطل تأثيرها وعملها، وأيضاً فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص. والمقصود: أن غسلها بالماء يُطفيء تلك النارية، ويذهب بتلك السُّمية. وفيه أمر آخر، وهو وُصول أثرٍ الغسل إلى القلب من أرقُّ المواضع وأسرعها تنفيذاً، فيُطفىء تلك النارية والسمية بالماء، فيشفى المعين، وهذا كما أن ذواتِ السموم إذا قتلت بعد لَسعها، خَفَّ أثرُ اللسعة عن الملسوع، ووجد راحة، فإن أنفسَها تمدُّ أذاها بعد لسعها، وتُوصِله إلى الملسوع. فإذا قُتِلَتْ، خَفَّ الألم، وهذا مشاهد. وإن كان مِن أسبابه فرحُ الملسوع، واشتفاءُ نفسه بقتل عدوّه، فتقوى الطبيعة على الألم، فتدفعه. وبالجملة: غسل العائن يُذهِبُ تلك الكيفية التي ظهرت منه، وإنما ينفع غسلُه عند تكيُِّ نفسه بتلك الكيفية. حكمة صبُ ماء الاستغسال على المعين فإن قيل: فقد ظهرت مناسبةُ الغسل، فما مناسبةُ صبِّ ذلك الماء على المعين؟ قيل: هو في غاية المناسبة، فإن ذلك الماء ماء طُفىء به تلك النارية، وأبطل تلك الكيفية الرديئة من الفاعل، فكما طُفئت به النارية القائمة بالفاعِل ◌ُفئت به، وأبطلت عن المحل المتأثر بعد ملابسته للمؤثر العائِن، والماء الذي يُطفأ به الحديدُ يدخُل في أدوية عِدَّة طبيعية ذكرها الأطباء، فهذا الذي طُفىء به نارية العائن، لا يُستنكر أن يدخل في دواء يناسب هذا الداء. وبالجملة: فطب الطبائعية وعلاجُهم بالنسبة إلى العلاج النبوي، كطبِّ الطُّرقية بالنسبة إلى طبهم، بل أقل، فإن التفاوتَ الذي بينهم وبين الأنبياء أعظمُ، وأعظمُ مِنَ التفاوت الذي بينهم وبين الطُّرقية بما لا يُدرِكُ الإِنسان مقدراه، فقد ظهر لك عقدُ الإخاء الذي ١٥٨ بين الحِكمة والشرع، وعدمُ مناقضة أحدهما للآخر، والله يهدي من يشاء إلى الصواب، ويفتحُ لمن أدام قرعَ باب التوفيق منه كُلَّ باب، وله النعمة السابعة، والحجة البالغة. فصل ومِن علاج ذلك أيضاً والاحترازِ منه سترُ محاسن من يُخاف عليه العين بما يردُّها للاحتراز من الإصابة عنه، كما ذكر البغويُّ في كتاب ((شرح السنة)): أن عثمان رضي الله عنه رأى صبياً مليحاً، فقال: دَسِّمُوا نُونَتَه، لَئِلا تُصيبَه العين، ثم قال في تفسيره: ومعنى: دسموا نونته: أي: سؤِّدُوا نونته، والنونة: النُّقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير(١) . بالعين ستر محاسن من يخاف عليه العين وقال الخطابي في ((غريب الحديث)) له عن عثمان: إنه رأى صبياً تأخذه العين، فقال: دسِموا نونته. فقال أبو عمرو: سألت أحمد بن يحيى عنه، فقال: أراد بالنونة: النُّقرة التي في ذقنه. والتدسيم: التسويد. أراد: سوِّدُوا ذلك الموضع من ذقنه، ليرد العين. قال: ومِن هُذَا حديثُ عائشة أن رسول الله إِ ل خطب ذاتَ يومٍ، وعلى رأسهِ عِمامةٌ دَسْماء (٢) . أي: سوداء. أراد الاستشهاد على اللفظة، ومن هذا أخذ الشاعرُ قوله: (١) انظر ((شرح السنة)) ١١٦/١٣ بتحقيقنا. (٢) لم نرَ الحديث من مسند عائشة كما نقل المصنف عن الخطابي، فقد أخرجه البخاري ٩٢/٧ في مناقب الأنصار من حديث ابن عباس قال: خرج رسول اللّه ◌َ ثله وعليه ملحفة متعطفاً على منكبيه، وعليه عصابة دسماء حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد أيها الناس، فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم)) وأخرج مسلم (١٣٥٨) عن جابر قال: ((دخل النبي ◌َّ مكة يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء)) وهو في ((سنن أبي داود» (٤٠٧٦) والترمذي (١٧٣٥) والنسائي ٢٠٠/٥، ٢٠١، وابن ماجه (٣٥٨٥) و (٢٨٢٢) وأخرج مسلم (١٣٥٩) وأبو داود (٤٠٧٧) والنسائي ٢١٢/٨، وابن ماجه (٢٢٨١) من حديث عمرو بن حُريث قال: رأيت النبي ◌َلَّ على المنبر، وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفیھا بین کتفيه. ٠٥٠ ١٥٩ مَاكَانَ أَحَوْجَ ذَا الكَمَالِ إِلَى عَيب يُوَفِّهِ مِنَ العَيْنِ فصل ذكر رقية ترد العين ومن الرُّقى التي ترُدُّ العين ما ذكر عن أبي عبد الله السَّاجي، أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فَارِهة، وكان في الرفقة رجل عائن، قلَّما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفَظْ ناقتك من العائن، فقال: ليس له إلى ناقتي سبيل، فأُخْبِرَ العائِنُ بقوله، فتحيَّن غيبة أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأُخْبِرَ أن العائنَ قد عانها، وهي كما ترى، فقال: دلُوني عليه، فدُل، فوقف عليه، وقال: بسم الله، حَبْسٌ حابِسٌ، وحَجَرٌ يابسٌ، وشِهابٌ قابسٌ، رددتُ عينَ العائن عليه، وعلى أحِّ الناس إليه، ﴿فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣، ٤] فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقةُ لا بأسَ بها. فصل في هديه ◌َّ في العلاج العام لكل شكوى بالرقية الإلهية روى أبو داود في «سننه»: من حديث أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ بَلَ يقول: ((مَنِ اشْتَكَىْ مِنْكُمْ شَيْئاً، أَوْ اشْتَكَاهُ أَخْ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبَّنَ اللَّهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّس اسْمُكَ، أَمْرُكَ في السَّماءِ والأَرْض كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، فاجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأرضِ، واغْفِرْ لَنَا حُوْبَنَا وخَطَايَانَا أَنْتَ رَبُّ الطَّتِين، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحمتك، وشِفَاءٌ مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هذا الوَجَع، فيبرأ بأذن اللَّهِ)(١) . (١) أخرجه أبو داود (٣٨٩٢) في الطب: باب كيف الرقى، وفي سنده زياد بن محمد وهو منكر الحديث، وباقي رجاله ثقات، ورواه أحمد ٢١/٦ من طريق آخر، وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم الغساني الشامي، وهو ضعيف، وقال الدارقطني : = ١٦٠