النص المفهرس

صفحات 121-140

وأحمد أوقاته الصيفُ والربيع دون الشتاء والخريف، وينبغي عند القيء أن
يَعْصِبَ العينين، ويقمط البطن، ويغِسلَ الوجه بماء بارد عند الفراغ، وأن يشرب
عقيبه شراب التفاح مع يسير من مُصْطَكَى (١)، وماء الورد ينفعه نفعاً بيناً.
أفضل أوقاته وكيفيته
والقيء يستفرغ من أعلى المعدة، ويجذب من أسفل، والإسهال بالعكس،
قال أبقراط: وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الاستفراغ
بالدواء، وفي الشتاء من أسفل.
الفرق بين القيء
و الاستفراغ
فصل
في هديه وَّ في الإِرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين
ذكر مالك في ((موطئه)): عن زيد بن أسلم، أن رجلاً في زمان
رسولِ اللهَ يَّ أصابه جُرْحٌ، فاحتقَن الجرحُ الدَّم، وأن الرجلَ دعا رجلين من بني
أنمار، فنظرا إليه فزعما أن رسولَ الله ◌َ لاَ قال لهما: ((أيُّكُما أطبُّ))؟ فقال: أو في
الطبِّ خيرٌ يا رسول الله؟ فقال: ((أنزل الدواءَ الذي أنزل الداء(٢)).
ففي هذا الحديث أنه ينبغي الاستعانةُ في كل عِلم وصِناعة بأحذقٍ مَن فيها ينبغي الاستعانة في كل
فالأحذق، فإنه إلى الإصابة أقربُ.
علم وصناعة بأحذق من
فيها فالأحذق
وهكذا يجب على المُستفتي أن يستعينَ على ما نزل به بالأعلم فالأعلم،
لأنه أقرب إصابة ممن هُوَ دُونه.
وكذلك من خَفِيت عليه القبلة، فإنه يقلد أعلم من يجده، وعلى هذا
فطر الله عباده، كما أن المسافر في البرِّ والبحر إنما سكونُ نفسه، وطمأنينتُه إلى
(١) المصطكى ويقال: المصطكاء: شجر له ثمر، يميل طعمه إلى المرارة، ويستخرج
منه صمغ يعلك.
(٢) ((الموطأ)) ٣٢٨/٤ بشرح الزرقاني، وهو مرسل.
١٢١

أحذِق الدليلين وأخبرِهما، وله يقْصِدُ، وعليه يعتَمِدُ، فقد اتفقت على هذا
الشريعة والفطرة والقعل.
وقوله مثل: ((أنزل الدواء الذي أنزل الداء))، قد جاء مثله عنه في أحاديث
كثيرة، فمنها ما رواه عمرو بن دينار، عن هِلال بن يساف، قال: دخلَ
رسولُ الله ◌َّل على مريض يعوده، فقال: ((أرْسِلُوا إلى طِيب))، فقال قائل: وأنتَ
تقولُ ذلك يا رسول الله؟ قال: ((نَعَمْ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلاَّ أنْزَلَ لَهُ
دواء)» .
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة يرفعه: ((ما أنزل الله من داء إلا
أنزل له شفاء))، وقد تقدم هذا الحديثُ وغيرُه.
معنى: «أنزل الداء
والدواء»
واختُلِف في معنى ((أنزل الداء والدواء))، فقالت طائفة: إنزالُه إعلامُ العِباد
به، وليس بشيء، فإن النبيَّ ◌َّ أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه، وأكثرُ الخلق
لا يعملون ذُلك، ولهذا قال: «عَلِمَه مَنْ علمه، وجَهِلَه مَنْ جهله)» .
وقالت طائفة: إنزالُهما: خلقُهما ووضعُهما في الأرض، كما في الحديث
الآخر: ((إنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ داءً إلا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً»، وهذا وإن كان أقربَ مِن الذي
قبله، فلفظة الإنزال أخصُّ من لفظة الخلق والوضع، فلا ينبغي إسقاط خصوصية
اللفظة بلا موجب.
وقالت طائفة: إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بمباشرة الخلق مِن داء
ودواء وغيرِ ذلك، فإن الملائكة موكَّة بأمر هذا العالَم، وأمر النوع الإِنساني مِن
حين سقوطه في رحم أمه إلى حين موته، فإنزالُ الداء والدواء مع الملائكة، وهذا
أقربُ من الوجهين قبله.
وقالت طائفة: إن عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيثِ مِن السماء
الذي تتولد به الأغذية، والأقوات، والأدوية، والأدواء، وآلات ذلك كله،
وأسبابه ومكملاته، وما كان منها مِن المعادن العلوية، فهي تنزل مِن الجبال، وما
١٢٢

كان منها من الأودِية والأنهار والثمار، فداخل في اللفظ على طريق التغليب
والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنهما، وهو معروف من لغة العرب، بل
وغيرها من الأمم، كقول الشاعر:
عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بَارِداً حَتَّى غَدَتْ هَمَّلَةٌ عَيْنَاهَا (١)
وقول الآخر:
مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحاً(٢)
وَرَأيْتُ زَوْجَكِ قَدْ غَدا
وقول الآخر:
إذا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً وَزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيونَا(٣)
وهذا أحسنُ مما قبله من الوجوه والله أعلم.
وهذا مِن تمام حكمة الربِّ عز وجل، وتمام ربوبيته، فإنه كما ابتلى عبادَه كما يبتلي الله عباده فإنه
بالأدواء، أعانهم عليها بما يسَّرَهُ لهم مِن الأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم
ييسر لهم ما يضاده
عليها بالتوبة، والحسناتِ الماحية والمصائب المكفرة، وكما ابتلاهم بالأرواح
الخبيثةِ مِن الشياطين، أعانهم عليها بجُنْدٍ مِن الأرواح الطيبة، وهم الملائكة.
وكما ابتلاهم بالشهوات أعانهم على قضائها بما يسَّرَهُ لهم شرعاً وقدراً مِن
المشتهيات اللذيذة النافعة، فما ابتلاهم سُبحانه بشيء إلا أعطاهم ما يستعينُون به
(١) هو الذي الرُّمة في ((المقتضب)) ٢٢٣/٤، والخصائص ٤٣١/٢، و((أمالي المرتضى))
٢٥٩/٢، و((أمالي ابن الشجري)) ٣٢١/٢، و((الإنصاف)) ص ٦١٣، و ((شرح
المفصل)) ٨/٢، والخزانة ٤٩٩/١.
(٢) هو لعبد الله بن الزِّبعري في ((الكامل)) ١٨٩ و٢٠٩، و((المقتصب)) ٥١/٢،
و((الخصائص)) ٤٣١/٢ و((أمالي ابن الشجري)) ٣٢١/٢، و((أمالي المرتضى))
٥٤/١، و٢٦٠، و٣٧٥.
(٣) هو للراعي النميري في ديوانه ص ١٥٦، و((تأويل مشكل القرآن)) ص ١٦٥،
و ((الخصائص)) ٤٣٢/٢، و((الإنصاف)) ٦١٠.
١٢٣

على ذلك البلاء، ويدفعُونه به، ويبقى التفاوتُ بينهم في العلم بذلك، والعلم
بطريق حصوله والتوصل إليه، وبالله المستعان .
فصل
في هديه ◌َّ في تضمين من طبَّ الناس، وهو جاهل بالطب
روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده، قال: قال رسولُ اللّهِ بِّهِ: ((مَنْ تَطَبَّبَ ولَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ الطِّبُّ قَبْلَ
ذُلِكَ، فَهُوَ ضَامِنٌ))(١).
هذا الحديث يتلعق به ثلاثة أمور: أمرٌ لغوي، وأمرٌ فقهي، وأمرٌ طبي.
معنى الطب لغة
فأما اللغوي: فالطِّب بكسر الطاء في لغة العرب، يقال: على معان. منها
الإصلاح، يقال: طبيتُه: إذا أصلحته. ويقال: له طِبٌّ بالأمور. أي: لطف
وسياسة. قال الشاعر:
وإِذَا تَغَيَّرَ مِنْ تَمِيمٍ أمْرُها كُنْتَ الطَّبِيبَ لَها بِرَأْىٍ ثَاقِبٍ
ومِنها: الحِذق. قال الجوهري: كل حاذق طبيبٌ عند العرب، قال أبو
عبيد: أصل الطِّب: الحِذْق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرجل: طب وطبيب:
إذا كان كذلك، وإن كان في غيرِ علاج المريض. وقال غيرُه: رجل طبيب: أي
حاذق، سمي طبيباً لِحذقه وفطنته. قال علقمة:
خَبِيرٌ بِأُدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
فإنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّساءِ فَإِنَّنِي
فَلَيْسَ لَهُ مِنْ وُدِهِنَّ نَصِيبُ(٢)
إذا شَابَ رَأْسُ المَرْءِ أوْ قَلَّ مَالُه
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٨٦): باب فيمن تطبب بغير علم، والنسائي ٥٣/٨ في
القسامة: باب صفة شبه العمد، وابن ماجه (٣٤٦٦) في الطب: باب من تطبب ولم
یعلم منه طب، وسنده حسن.
(٢) البيتان من قصيدته المفضلية الرائعة التي قالها في مدح الحارث بن جبلة بن أبي شمر
الغساني، ومطلعها.
١٢٤

وقال عنترة:
طَبٌ بِأَخْدِ الفَارِسِ المُسْتَلْتِم (١)
إِنْ تُغْدِ في دُوني القِناعَ فَإِنِّني
أي: إن تُرخي عني قِناعك، وتستري وجهك رغبة عني، فإني خبير حاذق
بأخذ الفارس الذي قد لبس لأمة حربه.
ومنها: العادة، يقال: ليس ذاكَ بطبي، أي: عادتي، قال فروة بن
مُسيك (٢):
بُعيد الشباب عصر حان مشيبُ
طحابك قلب في الحسان طروبُ
=
وهي في ((المفضليات)) ص ٢٩٠، وديوان علقمة ص ١٣١، ومختار الشعر
الجاهلي ٤١٨/١، وشرح ((المفضليات)) ١٥٨٢/٣ للتبريزي. وقوله: بالنساء، يريد:
عن النساء، وفي القرآن (فاسأل به خبيراً)، وقوله: إذا شاب ... هو كقول امرىء
القیس.
ولا من رأين الشيب فيه وقوساً
أراهن لا يحبين من قل ماله
وعلقمة بن عبدة شاعر جاهلي فحل مجيد عاصر امرأ القيس الذي بينه وبن الاسلام
نحو ثمانن سنة.
(١) البيت من معلقته في ((شرح القصائد السبع الطوال))، ص ٣٣٥، و((مختار الشعر
الجاهلي)) ص ٣٧٤، وقوله: ((إن تغدفي)) الإغداف: إرخاء القناع على الوجه والتستر.
والمسلئم: اللابس اللأمة، واللأمة: الدرع، يقول: إذا لم أعجز عن صيد الفرسان
الدارعين، فكيف أعجز عن صيد مثلك؟
(٢) هو فروة بن مسيك بن الحارث بن سلمة المرادي الغطيفي، وفد على النبي مخافةٍ سنة تسع
أو عشر، وأسلم، ونزل على سعد بن عبادة، وتعلم القران، وفرائض الإسلام وشرائعه،
وأجازه النبي ◌ٍَّ، واستعمله على مراد ومنحج وزبيد، وقاتل أهل الردة بعد وفاة
النبي ◌َّ، وبقي إلى خلافة عمر. انظر ((الإصابة)) ت ٦٩٨٣، وبيته هذا أورده المبرد.
في ((الكامل)) ص ٢٩٥، وفي ((اللسان)) مادة: طبب وقبله.
وإن نُغْلَبْ فغيرُ مغلّبينا
فإن تَغْلِبْ فَغْلاَ بُون قِدماً
كذاك الدهر دولتُه سجَالٌ
وبعده
تَكُرُّ صُروفُه حيناً فحيناً
١٢٥

مَنَايَانًا ودولة آخَرِينَا
فَمَا إِن طِبُّنا جُبْنٌ وَلْكِنْ
وقال أحمد بن الحسين المتنبي:
بَغِيضٌ إليَّ الجَاهِلُ المتعاقلُ(١)
وما التِّيهُ طِبِي فِيهِمُ غَيْرَ أَنَّنِي
ومنها: السِّحر؛ يقال: رجل مطبوب، أي: مسحور، وفي ((الصحيح)) في
حديث عائشة لما سحرت يهودُ رسولَ الله وَّ، وجلس الملكانِ عِنْدَ رأسه وعند
رجليه، فقال أحدهما: ما بالُ الرَّجُلِ؟ قال الآخر: مَطْبُوبٌ. قال: مَنْ طَبَّه؟ قال:
فلان اليهودي .
قال أبو عبيد: إنما قالوا للمسحور: مطبوب، لأنهم كثَّوا بالطبِّ عن
السحر، كما كنوا عن اللديغ، فقالوا: سليم تفاؤلاً بالسلامة، وكما كنَّوا بالمفازة
عن الفلاة المُهلكة التي لا ماء فيها، فقالوا: مفازة تفاؤلاً بالفوز من الهلاك.
ويقال: الطب لنفس الداء. قال ابنُ أبي الأسلت:
ألاَ مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عَنِّي أسِخْرٌ كَانَ طِبُّكَ أمْ جُنُونٌ
وأما قول الحماسي:
فَإِنْ كُنْتَ مَطْبُوباً فَلا زِلْتَ هُكَذا وإنْ كنْتَ مَسْحُوراً فَلا بَرِىء السِّحْرُ(٢)
(١) ديوانه ٣/ ٢٣٧ بشرح البرقوقي.
(٢) البيت في ((الحماسة)) ١٢٦٧/٣ بشرح المرزوقي، وقبله بيتان هما.
هَل الوجْدُ إلاَّ أنَّ قلبيَ لَودَنَا
مِن الجَمْرِ قيد الرُّمح لاحترق الجمرُ
وأَنَّكِ لَا خَلٌّ هواكٍ ولا خمرُ
أفي الحقِّ أنِّي مغرمٌ بِكِ هَائِمٌ
وقوله: ((فإن كنت مطبوبا)» قال المرزوقي: فالطب: السحر والعلم جَميعاً، وهو
طب، أي: عليم، وفي الحديث ((حين طُب)) أي: سحر، وهو مطبوب، أي: مسحور.
ومعنى البيت: إن كان الذي بي وأقاسيه داءً معلوماً يعرف دواؤه، فلا فارقني فإني ألتذّ
به، وإن كان الذي بي لا يعلم ما هو، وأعيا الوقوف عليه الأطباء، والعلماء بالأدواء حتى=
١٢٦

فإنه أراد بالمطبوب الذي قد سحر، وأراد بالمسحور: العليل بالمرض.
قال الجوهري: ويقال للعليل: مسحور. وأنشد البيت. ومعناه: إن كان
هذا الذي قد عراني منك ومِن حُبِّك أسألُ اللَّهَ دوامه، ولا أريدُ زواله، سواء كان
سحراً أو مرضاً.
والطب: مثلثُ الطاء، فالمفتوح الطاءُ: هو العالم بالأمور، وكذلك الطبيب
يقال له: طَب أيضاً. والطِّبُّ: بكسر الطاء: فِعل الطبيب، والطُّبُّ بضم الطاء:
اسم موضع، قاله ابن السِّيد، وأنشد:
فَقُلْتُ هَلَ انْهَلْتُم بِطُبَّ رَكَابَكُمْ بِجَائِزَةِ المَاءِ التي طَابَ طينُها
وقوله ◌َّه: ((مَنْ تطبَّبَ))، ولم يقل: من طب، لأن لفظ التَّفعل يدل على
تكلف الشيء والدخول فيه بعُسر وكُلفه، وأنه ليس من أهله، كتحلَّم وتشجَّع
وتصبَّر ونظائرها، وكذلك بَنَوْا تكلّف على هذا الوزن، قال الشاعر:
وَقَيْسَ عَيْلانَ وَمَنْ تَقَيَّسَا (١)
وأما الأمر الشرعي، فإيجابُ الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى
عِلمَ الطِّب وعمله، ولم يتقدم له به معرفة، فقد هجم بجهله على إتلافِ الأنفس،
وأَقْدَم بالتهوُّر على ما لم يعلمه، فيكون قد غَرَّرَ بالعليل، فيلزمه الضمانُ لذلك،
إيجاب الضمان على
الطبيب الجاهل
يسلّم للسحر، فلا فارقني أيضاً، وإنما قال هذا من عادة العامة، لأنهم كذا يعتقدون في
=
الأوصاب والعلل، ولا يجوز أن يكون معنى مطبوباً: لأنه يصير الصدر والعجز لمعنى
واحد.
(١) الرجز للعجاج، وقبله
وإنْ دعوتَ مِن تميم أرؤسا
وبعده
تقاعَسَ العِزُّ بنا فاقعنسَسَا
ومعنی تقاعس : ثبت وانتصب، وكذلك اقعنسس.
١٢٧

وهذا إجماع من أهل العلم.
قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تعدى، فَتَلِفَ المريضُ كان
ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعد، فإذا تولد مِن فعله التلف ضمن
الدية، وسقط عنه القودُ، لأنه لا يستبدُّ بذلك بدون إذن المريض وجناية المتطبب
في قول عامة الفقهاء على عاقتله.
أقسام الأطباء من جهة
إتلاف الأعضاء وذكر
القسم الأول
قلت: الأقسام خمسة: أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعةَ حقّها ولم تجن
يده، فتولَّد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبُّه تلفُ العضو
أو النفس، أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقاً، فإنها سِراية مأذون فيه،
وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت، وسِتُه قابل للختان، وأعطى الصنعةَ حقها،
فَتَلِفَ العضو أو الصبيُّ، لم يضمن، وكذلك إذا بَطَّ مِن عاقل أو غيرِهِ ما ينبغي بطُه
في وقته على الوجه الذي ينبغي فَتَلِفَ به، لم يضمن، وهكذا سراية كُلِّ مأذون فيه
لم يتعد الفاعل في سببها، كسِراية الحد بالاتفاق. وسِراية القصاص عند الجمهور
خلافاً لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها، وسِراية التعزير، وضربِ الرجل امرأته،
والمعلم الصبي، والمستأجر الدابة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما
الضمانَ في ذلك، واستثنى الشافعي ضربَ الدابة.
وقاعدةُ الباب إجماعاً ونزاعاً: أن سِراية الجناية مضمونة بالاتفاق، وسراية
الواجب مُهْدَرة بالاتفاق، وما بينهما ففيه النزاع. فأبو حنيفة أوجب ضمانَه مطلقاً،
وأحمد ومالك أهدرا ضمانه، وفرق الشافعي بين المُقَدَّر، فأهدر ضمانه، وبين
غير المقدر فأوجب ضمانه. فأبو حنيفة نظر إلى أن الإِذن في الفعل إنما وقع
مشروطاً بالسلامة، وأحمد ومالك نظرا إلى أن الإذن أسقط الضمان، والشافعي
نظر إلى أن المقدَّر لا يمكن النقصان منه، فهو بمنزلة النص، وأما غير المقدر
كالتعزيرات، والتأديبات، فاجتهادية، فإذا تَلِفَ بها، ضمن، لأنه في مَظِنَّةِ
العُدوان.
١٢٨

فصل
القسم الثاني
القسم الثاني: متطِّبٌ جاهِل باشرت يدُه من يطبه، فتلف به، فهذا إن علم
المجنيُّ عليه أنه جاهل لا عِلم له، وأذِنَ له في طبه لم يضمن، ولا تُخالف هذه
الصورة ظاهرَ الحديث، فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غرَّ العليل، وأوهمه
أنه طبيب، وليس كذلك، وإن ظنَّ المريضُ أنه طبيب، وأذن له في طبه لأجل
معرفته، ضَمِنَ الطبيبُ ما جنت يده، وكذلك إن وصف له دواء يستعملُه، والعليلُ
يظن أنه وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به، ضمنه، والحديثُ ظاهر فيه أو صريح.
فصل
القسم الثالث: طبيب حاذِق، أذن له، وأعطى الصَّنعة حقها، لكنه أخطأت
يدُه، وتعدَّت إلى عضو صحيح فأتلفه، مثل: أن سبقت يدُ الخاتن إلى الكَمَرَةِ،
فهذا يضمَنُ، لأنها حِنايةُ خطأ، ثم إن كانت الثلث فما زاد، فهو على عاقلته، فإن
لم تكن عاقلةٌ، فهل تكون الدية في ماله، أو في بيت المال؟ على قولين، هما
روايتان عن أحمد. وقيل: إن كان الطبيب ذمياً، ففي ماله، وإن كان مسلماً، ففيه
الروايتان، فإن لم يكن بيتُ مال، أو تعذَّر تحميلُه، فهل تسقط الدية، أو تجب في
مال الجاني؟ فيه وجهان أشهرهما: سقوطها.
القسم الثالث
فصل
القسم الرابع: الطبيبُ الحاذق الماهر بصناعته، اجتهد فوصف للمريض
دواءً، فأخطأ في اجتهاده، فقتله، فهذا يُخرَّج على روايتين: إحداهما: أن ديةً
المريض في بيت المال. والثانية: أنها على عاقلة الطبيب، وقد نص عليهما الإِمامُ
أحمد في خطأ الإِمام والحاكم.
القسم الرابع
١٢٩
زاد المعاد ج ٤-م٥

فصل
القسم الخامس: طبيب حاذق، أعطى الصنعة حقها، فقطع سِلْعةٌ (١) من
رجل أو صبي، أو مجنون بغير إذنه، أو إذن وليه، أو ختن صبياً بغير إذن وليه
فَتَلِفَ، فقال أصحابنا: يضمن، لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه، وإن أذن له
البالغ، أو ولي الصبي والمجنون، لم يضمن، ويحتمِلُ أن لا يضمنَ مطلقاً لأنه
محسن، وما على المُحسنين من سبيل. وأيضاً فإنه إن كان متعدياً، فلا أثر لإذن
الولي في إسقاط الضمان، وإن لم يكن متعدياً، فلا وجه لضمانه. فإن قلت: هو
متعد عند عدم الإِذِن، غيرُ متعد عند الإِذن، قلت: العُدوان وعدمه إنما يرجع إلى
فعله هو، فلا أثر للإذن وعدمه فيه، وهذا موضع نظر .
فصل
والطبيبُ في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله، وهو الذي يُخَصُّ
باسم الطَّبائعي، وبمِرْوَدِهِ، وهو الكحال، وبِمبضَعه ومراهمه وهو الجرائحي،
وبمُوساه وهو الخاتِنِ، وبريشته وهو الفاصد، وبمَحاجمه ومِشْرَطِهِ وهو الحجّام،
وبخَلْعه ووَصْله ورِباطه وهو المجبِّر، وبمكواته وناره وهو الكواء، وبقِربته وهو
الحاقن، وسواء كان طبه لحيوان بهيم، أو إنسان، فاسمُ الطبيب يطلق لغة على
هؤلاء كلهم، كما تقدم، وتخصیصُ الناس له ببعض أنواع الأطباء عرف حادث،
کتخصيص لفظ الدابة بما یخصُّها به ◌ُلُّ قوم.
فصل
والطبيب الحاذق: هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمراً: أحدها: النظر
في نوع المرض من أي الأمراض هو؟
ما يراعيه الطبيب الحاذق
من الأمور
(١) السلعة: زيادة تحدث في البدن كالغدة تتحرك إذا حركت.
١٣٠
القسم الخامس
أقسام الأطباء المذكورة
سابقاً تتناول الطب عملاً
أو قولاً إنساناً أو حيواناً
واسم كل منهم

الثاني: النظر في سببه من أي شيء حدث، والعلة الفاعلةُ التي كانت سببً
حدوثه ما هي؟ .
الثالث: قوة المريض، وهل هي مقاومة للمرض، أو أضعفُ منه؟ فإن
كانت مقاومةً للمرض، مستظهرة عليه، تركها والمرض، ولم يُحرك بالدواء
ساكناً.
الرابع: مزاج البدن الطبيعي ما هو؟
الخامس: المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي.
السادس: سِن المريض.
السابع: عادته.
الثامن: الوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به .
التاسع: بلد المریض وتربته.
العاشر: حال الهواء في وقت المرض.
الحادي عشر: النظر في الدواء المضاد لتلك العلة.
الثاني عشر: النظر في قوة الدواء ودرجته، والموازنة بينها وبين قوة
المريض .
الثالث عشر: ألا يكون كل قصده إزالة تلك العلة فقط، بل إزالتُها على وجه أن يكون قصده إزالة
يأمن معه حدوث أصعب منها، فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث علة أخرى حدوث لصعب منها
أصعبَ منها، أبقاها على حالها، وتلطيفها هو الواجب، وهذا كمرض أفواه
العروق، فإنه متى عُولج بقطعه وحبسه خيف حدوث ما هو أصعب منه.
العلة على وجه يأمن معه
الرابع عشر: أن يُعالج بالأسهل فالأسهل، فلا ينتقِلُ من العلاج بالغذاء إلى
الدواء إلا عند تعذره، ولا ينتقِلُ إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط،
فمن حذق الطبيب علاجُه بالأغذية بدل الأدوية، وبالأدوية البسيطة بدل المركبة.
أن يعالج بالأسهل
فالأسهل
الخامس عشر: أن ينظر في العلة، هل هي مما يمكن علاجُها أو لا؟ فإن
١٣١

لم يُمكن علاجها، حفظ صِناعته وحُرمته، ولا يحمِلُه الطمع على علاج لا يفيد
شيئاً. وإن أمكن علاجها، نظر هل يمكن زوالُها أم لا؟ فإن علم أنه لا يمكن
زوالُها، نظر هل يمكن تخفيفُها وتقليلُها أم لا؟ فإن لم يكن تقليلُها، ورأى أن غاية
الإمكان إيقافُها وقطع زيادتها، قصد بالعلاج ذلك، وأعان القوة، وأضعف
المادة.
السادس عشر: ألاّ يتعرض للخلط قبل نُضجه باستفراغ، بل يقصد
إنضاجه، فإذا تمَّ نضجُه، بادر إلى استفراغه.
أن يكون له خبرة باعتلال
القلوب
السابع عشر: أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك
أصل عظيم في علاج الأبدان، فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر
مشهود، والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو
الطبيبَ الكاملَ، والذي لا خِبرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوالٍ
البدن نصفُ طبيب. وكُل طبيب لا يداوي العليل، بتفقد قلبه وصلاحه، وتقوية
روحه وقواه بالصدقة، وفعل الخير، والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة،
فليس بطبيب، بل متطبب قاصر. ومن أعظم علاجات المرض فعلُ الخير
والإِحسان والذكر والدعاء، والتضرع والابتهال إلى الله، والتوبة، ولهذه الأمور
تأثير في دفع العلل، وحصول الشفاء أعظم مِن الأدوية الطبيعية، ولكن بحسب
استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه.
الثامن عشر: التلطفُ بالمريض، والرِّفق به، كالتلطُّف بالصبي.
التاسع عشر: أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية، والعلاج
بالتخييل، فإن لِحذاق الأطباء في التخييل أموراً عجيبة لا يصل إليها الدواء،
فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين.
العشرون : - وهو ملاك أمر الطبيب - ، أن يجعل علاجَه وتدبيرَه دائراً
على ستة أركان: حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان،
١٣٢

وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمالُ أدنى المفسدتين لإزالة
أعظمهما، وتفويتُ أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول
الستة مدارُ العلاج، وكُلُّ طبيب لا تكون هذه أخِيَّته (١) التي يرجع إليها، فليس
بِطبيب، والله أعلم.
فصل
ولما كان للمرض أربعةُ أحوال: ابتداءٌ، وصُعود، وانتهاء، وانحطاط، مراعاة الطبيب لأحوال
المرض
تعيَّن على الطبيب مراعاةُ كل حال من أحوال المرض بما يُناسبها ويليق بها،
ويستعمِلُ في كل حال ما يجبُ استعمالُه فيها. فإذا رأى في ابتداء المرض أن
الطبيعة محتاجة إلى ما يُحرِّك الفضلات ويستفرِغُها لنضجها، بادر إليه، فإن فاته
تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك، أو لِضعف القوة وعدم
احتمالها للاستفراغ، أو لبرودة الفصل، أو لتفريط وقع، فينبغي أن يَحْذَرَ كُلَّ
الحَذرِ أن يفعل ذلك في صعود المرض، لأنه إن فعله، تحيَّرت الطبيعة لاشتغالها
بالدواء، وتخلت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلية، ومثاله: أن يجيء إلى
فارس مشغول بمواقعة عدوه، فيشغله عنه بأمر آخر، ولكن الواجب في هذه الحال
أن يُعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه.
فإذا انتهى المرض ووقف وسكن، أخذ في استفراغه، واستئصال أسبابه،
فإذا أخذ في الانحطاط، كان أولى بذلك. ومثالُ هذا مثال العدو إذا انتهت قوته،
وفرغ سِلاحُه، كان أخذُه سهلاً، فإذا ولَّى وأخذ في الهرب، كان أسهلَ أخذاً،
وحِدته وشوكتُه إنما هي في ابتدائه، وحال استفراغه، وسعة قوته، فهكذا الداء،
والدواء سواء.
فصل
وَمِن حِذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل، فلا يَعْدِلُ إلى من حذق الطبيب التدبير
بالأسهل
(١) الأخية بزنة أبيَّة: الحرمة والذمة، وعود وعروة تشد بها الدابة مثنية في الأرض.
١٣٣

الأصعب، ويتدرَّج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فوتَ القوة حينئذ،
فيجبُ أن يبتدىء بالأقوى، ولا يُقيم في المعالجة على حال واحدة فتألفُها
الطبيعة، ويقِلُّ انفعالُها عنه، ولا تَجْسُر على الأدوية القوية في الفصول القوية،
وقد تقدم أنه إذا أمكنه العِلاجُ بالغذاء، فلا يُعالج بالدواء، وإذا أشكل عليه
المرضُ أحارٌ هو أم بارد؟ فلا يقدم حتى يتبيَّن له، ولا يُجرِّبه بما يخاف عاقبته،
ولا بأس بتجرِبته بما لا يضرُّ أثرُه.
ما يفعله الطبيب إذا
اجتمعت أمراض
وإذا اجتمعت أمراض، بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال: إحداها:
أن يكون بُرء الآخر موقوفاً على بُرئه كالورم والقرحة، فإنه يبدأ بالورم.
الثانية: أن يكون أحدُها سبباً للآخر، كالسدة والحُمّى العفِنة، فإنه يبدأ
بإزالة السبب.
الثالثة: أن يكون أحدهما أهمَ من الآخر، كالحاد والمزمن، فيبدأ بالحاد،
ومع هذا فلا يغفُلُ عن الآخر. وإذا اجتمع المرض والعرض، بدأ بالمرض، إلا أن
يكون العرضُ أقوى كالقُولنج(١)، فيُسكن الوجع أولاً، ثم يُعالج السّدة، وإذا
أمكنه أن يعتاضَ عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم،
لم يستفرغه، وكُلّ صحة أراد حفظها، حفظها بالمثل أو الشبه، وإن أراد نقلها إلى
ما هو أفضلُ منها، نقلها بالضد.
فصل
في هديه وَّ في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده
الأصحاء إلى مجانبة أهلها
ثبت في ((صحيح مسلم)) مِن حديث جابر بن عبد الله، أنه كان في وَفْد ثقيف
(١) القولنج: مرض معوي مؤلم يعسر معه خروج الثفل والريح.
١٣٤

رجلٌ مجزوم، فأرسل إليه النبيُّ ◌َّمَ: (ارْجِعْ فَقَدْ بَايَعْنَاكَ))(١).
وروى البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً مِن حديث أبي هريرة، عن النبيِّ الَّله
أنه قال: ((فِرَّ مَن المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ»(٢) .
وفي ((سنن ابن ماجه)) من حديث ابن عباس، أن النَّبِيَّ ◌َّ قال: ((لاَ تُدِيمُوا
النَّظَرَ إِلَى المجذومين»(٣) .
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َلة: ((لا
يُورِدَنَّ مُمرِضٌ عَلَىْ مُصِحّ(٤).
ويُذكر عنه وَّهِ: ((كَلِّم المَجْذُومَ، وبَيْنَكَ وبَيْنَه قِيد رُمْحِ أو رُمْحَينِ))(٥) .
أخرجه مسلم (٢٢٣١) في السلام: باب اجتناب المجذوم ونحوه.
(١)
أخرجه البخاري ١٣٢/١٠ في الطب: باب الجذام، عن عفان، عن سَلِيم بن حيَّان،
(٢)
عن سعيد بن ميناء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صَلّم: ((لا عدوى
ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد)) قال الحافظ:
وعفان: هو ابن مسلم الصفار، وهو من شيوخ البخاري، لكن أكثر ما يخرج عنه
بواسطة، وهو من المعلقات التي لم يصلها في موضع آخر، وقد جزم أبو نعيم أنه
أخرجه عنه بلا رواية، وعلى طريقة ابن الصلاح يكون موصولاً، وقد وصله أبو نعيم
من طريق أبي داود الطيالسي، وأبي قتيبة مسلم بن قتيبة، كلاهما عن سليم بن حيان
شيخ عفان فيه، وأخرجه أيضاً من طريق عمرو بن مرزوق، عن سليم، لكن موقوفاً،
ولم يستخرجه الإسماعيلي، وقد وصله ابن خزيمة أيضاً.
(٣)
أخرجه ابن ماجه (٣٥٤٣) في الطب: باب الجذام، وأحمد رقم (٢٠٧٢) وسنده
قوي.
(٤) أخرجه البخاري ٢٠٦/١٠ في الطب: باب لا هامة، وباب لا عدوى، ومسلم
(٢٢٢١) في السلام: باب لا عدوى ولا طيرة، والْممرضُ: هو الذي له إبل
مرضى، والمصح: من له إبل صحاح.
(٥) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد ٧٨/١ من حديث على رضي الله عنه، وفي سنده
الفرج بن فضالة وهو ضعيف، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٠١/٥، وأعله =
١٣٥

ما هو الجذام
الجُذامِ: عِلة رديئة تحدثُ من انتشار المِرَّةِ السوداء في البدن كُلِّه، فيفسُد مزاجُ
الأعضاء وهيئتُها وشكلُها، ورُبما فسد في آخره اتصالُها حتى تتأكَّلَ الأعضاء
وتسقط، ويُسمى داءَ الأسد(١).
وفي هذه التسمية ثلاثةُ أقوال للأطباء: أحدها: أنها لِكثرة ما تعتري الأسد.
والثاني: لأن هذه العلة تُجهِّم وجهَ صاحبها وتجعلُه في سُحنَة الأسد.
سبب تسمية الجذام بداء
الأسد
والثالث: أنه يفترِسُ من يقربه، أو يدنو منه بدائه افتراس الأسد.
علة الابتعاد عن المجذوم
و المسلول
ولهذه العلة عند الأطباء من العلل المُعدية المتوارثة، ومقارب المجذوم،
وصاحب السل يَسْقَمُ برائحته، فالنبيُّ ◌َلَّ لِكمال شفقته على الأمة، ونُصحه لهم
نهاهم عن الأسباب التي تُعرضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم،
ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيُّؤْ واستعداد كامن لقبول هذا الداء، وقد تكون
الطبيعةُ سريعةَ الانفعال قابلةً للاكتساب من أبدان من تُجاورهُ وتُخالطه، فإنها
نقالة، وقد يكون خوفُها من ذلك ووهمُها مِن أكبر أسباب إصابة تلك العلة لها،
فإن الوهم فعَّال مستولٍ على القوى والطبائع، وقد تصِلُ رائحة العليل إلى
الصحيح فتُسقمه، وهذا معايَن في بعض الأمراض، والرائحة أحدُ أسباب
العدوی، ومع هذا كله فلا بد من وجود استعدادِ البدن وقبوله لذلك الداء، وقد
. بالفرج بن فضالة، وفي الباب عن الحسين بن علي عند أبي يعلى والطبراني، وفي
=
سند أبي يعلى الفرج بن فضالة، وفي سند الطبراني يحيى الحماني، وهو ضعيف.
(١) قال الدكتور الأزهري: هذا المرض سمي بداء الأسد، لأنه يحول وجه المريض بما
يجعله يشبه الأسد، لكثرة وجود أورام صغيرة وتجعدات في الوجه، وخطورة هذا
المرض في إتلاف الأعصاب المتطرفة، فيفقد المريض حساسية الأطراف أولاً، ثم
تتساقط الأصابع تدريجياً، وهو من الأمراض المعدية التي تجيء عدواها من التنفس
مع المخالطة الطويلة، ويعزل الآن جميع مرضى الجذام في مستعمرات خاصة لهم
لمنع انتشار المرض.
١٣٦

تزوَّج النبيُّ ◌َـّ امرأة، فلما أراد الدخولَ بها، وجد بكشحها بياضاً، فقال:
((الحَقي بِأهْلِكِ))(١) .
وقد ظن طائفة مِن الناس أن هذه الأحاديث معارضة بأحاديث أخر تُبطلها
وتُناقضها، فمنها: ما رواه الترمذي، مِن حديث جابر(٢)، أن رسول الله مثلَ: أخذ
بيد رجُل مجزوم، فأدخلها معه في القَصْعَةِ، وقال: ((كُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثِقَةً بِاللَّهِ،
وتَوَكُّلاً عَلَيْهِ))؛ ورواه ابن ماجه.
التوفيق بين الأحاديث
السابقة وبين نفي
العدوى والأكل مع
المجذوم
وبما ثبت في ((الصحيح))، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لا عَدوى
ولا طِيَرَة)) .
ونحن نقول: لا تعارُض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقع
التعارضُ، فإما أن يكون أحدُ الحديثين ليس مِن كلامه ◌َّ﴾. وقد غَلِطَ فيه بعضُ
الرواة مع كونه ثقةً ثبتاً، فالثقةُ يَغْلَطُ، أو يكونُ أحدُ الحديثين ناسخاً للآخر إذا كان
مما يَقْبَلُ النسخ، أو يكون التعارضُ في فهم السامع، لا في نفس كلامه ◌ِّ، فلا
بُد مِن وجه من هذه الوجوه الثلاثة.
وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان مِن كل وجه، ليس أحدُهما
ناسخاً للآخر، فهذا لا يُوجد أصلاً، ومعاذَ اللَّهِ أن يُوجَدَ في كلام الصادق
المصدوق الذي لا يخرج مِن بين شفتيه إلا الحقُّ، والآفةُ مِن التقصير في معرفة
المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القُصور في فهم مُرادِه ◌ِّ،
(١) أخرجه أحمد ٤٩٣/٣ من حديث كعب بن زيد أو زيد بن كعب، وفي سنده
جميل بن زائد الطائي ضعفه غير واحدكما في ((تعجيل المنفعة)).
(٢) في الأصل: من حديث عبد الله بن عمر، وهو خطأ، وهو في سنن الترمذي (١٨١٨)
في الأطعمة: باب ما جاء في الأكل مع المجذوم، وأبي داود (٣٩٢٥) في الطب:
باب الطيرة، وابن ماجه (٣٥٤٢) في الطب: باب الجذام، كلهم من حديث جابر بن
عبد الله، وفي سنده المفضل بن فضالة، وهو ضعيف، وقد عدوا هذا الحديث من
مناكيره، وسيأتي للمصنف تضعيفه.
١٣٧

وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معاً، ومن ها هنا وقع من الاختلاف
والفساد ما وقع، وبالله التوفيق.
التوفيق بينها من كلام
ابن قتيبة
قال ابن قتيبة في كتاب ((اختلاف الحديث)) له حكايةً عن أعداء الحديث
وأهله، قالوا: حديثان متناقضان رويتُم عن النبي وسلم أنه قال: ((لا عدوى ولا
طِيرة)). وقيل له: إن الثّقْبَةَ تقع بِمِشْفَرِ البَعيرِ، فيجرَبُ لذلك الإِبِلُ. قال: ((فما
أعدى الأول))(١)، ثم رويتُم («لا يُورد ذو عاهة على مُصحٍّ، وفِرَّ من المجذوم
فرارك من الأسَدِ))، وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الإِسلام، فأرسل إليه البيعة،
وأمره بالانصراف، ولم يأذن له، وقال: ((الشؤم في المرأة والدارِ والدَّابة))(٢).
قالُوا: وهذا كُلّه مختلف لا يُشبه بعضه بعضاً.
قال أبو محمد: ونحن نقول: إنه ليس في هذا اختلاف، ولكل معنى منها
(١) أخرجه أحمد ٣٢٧/٢ من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه مالك ٩٧٢/٢ والبخاري ١١٨/٩ في النكاح: باب ما يتقي من شؤم المرأة،
ومسلم (٢٢٢٥) في السلام: باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، والترمذي
(٢٨٢٥) من حديث عبد الله بن عمر، وأخرجه البخاري عنه بلفظ ((إن كان الشؤم في
شيء، ففي الدار والمرأة والفرس)) وأخرجه البخاري ١١٨/٩، ومالك ٩٧٢/٢،
ومسلم (٢٢٢٦) من حديث سهل بن سعد الساعدي بلفظ ((إن كان الشؤم في شيء،
ففي الفرس والمرأة والمسكن)) وأخرجه مسلم (٢٢٢٧) من حديث جابر بلفظ ((إن
كان في شيء، ففي الرَّبْع والخادم والفرس)) قال ابن الجوزي: ومعنى الحديث: إن
خيف من شيء أن يكونَ سبباً لما يخاف شره ويتشاءم به، فهذه الأشياء لا على
السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأسباب تأثيراً،
وقال الخطابي: لما كان الإنسان في غالب أحواله لا يستغني عن دار يسكنها،
وزوجة يعاشرها، وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو من عارض مكروه، أضيف اليمن
والشؤم إلى هذه الأشياء إضافة محل وظرف، وإن كانا صادرين عن قضاء الله
سبحانه.
وقال عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر: سمعت من يفسر هذا الحديث يقول:
شؤم المرأة: إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس: إذا لم يغز عليه، وشؤم الدار:
جار السوء، وانظر ((فتح الباري)) ٤٥/٦، ٤٨.
١٣٨

وقتٌ وموضع، فإذا وضع موضعه زال الاختلاف.
والعدوى جنسان: أحدهما: عدوى الجُذام، فإن المجذوم تشتدُّ رائحتُه
حتى يُسْقِمَ من أطال مجالسته ومحادثته، وكذلك المرأةُ تكونُ تحتَ المجذوم،
فتُضاجِعُه في شعار واحد، فيُوصِل إليها الأذى، وربما جُذِمَت، وكذلك ولدُه
يَنْزِعُون في الكِبر إليه، وكذلك من كان به سِلٌّ وَدِقٌّ ونُقْبٌ. والأطباء تأمر أن لا
يُجالس المسلول ولا المجذُوم، ولا يُريدون بذلك معنى العدوى، وإنما يُريدون
به معنى تغير الرائحة، وأنها قد تُسْقِمُ من أطال اشتمامَها، والأطباء أبعدُ الناس عن
الإِيمان بيُّمن وشُؤم، وكذلك النُّقبةُ تكون بالبعير - وهو جَرَبٌ رطب - فإذا خالط
الإِبل أو حاكَّها، وأَوَى في مباركها، وصل إليها بالماء الذي يَسيل منه، وبالنَّطف
نحو ما به، فهذا هو المعنى الذي قال فيه النبيُّ ◌َّ: ((لا يُورَدُ ذُو عاهة على
مُصِح))، كره أن يُخالط المعيوه الصحيحَ، لئلا يناله مِن نَطَفه وحِكّته نحو مما به.
قال: وأما الجنسُ الآخرُ مِن العدوى، فهو الطاعونُ ينزلُ ببلد، فيخرج منه
خوفَ العدوى، وقد قال ◌َله: ((إذَا وَقَعَ بِبَلَدٍ، وأَنْتُم به، فلا تَخْرُجُوا مِنْه، وإذَا
كَانَ بِبَلَدٍ، فَلاَ تَدْخُلُوه)). يريدُ بقوله: لا تخرجوا من البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون
أن الفِرارَ مِن قدر الله يُنجيكم من الله، ويُريد إذا كان ببلد، فلا تدخلوه، أي:
مقامُكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكنُ لقلوبكم، وأطيبُ لعيشكم، ومِن
ذلك المرأةُ تُعرف بالشؤم أو الدار، فينال الرجلَ مكروه أو جائحة، فيقول:
أعدتني بشؤمها، فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسولُ الله ◌ِّ: ((لا عَدْوَى))(١).
وقالت فرقة أخرى: بل الأمر باجتنابٍ المجذوم والفرار منه على
الاستحباب ، والاختيار، والإرشاد، وأما الأكل معه، ففعلُه لبيانِ الجواز، وأن
هذا ليس بحرام.
وقالت فرقة أخرى: بل الخطابُ بهذين الخطابين جزئي لا كلي، فكل
(١) تأويل مختلف الحديث ١٠٢، ١٠٤.
١٣٩

واحد خاطبه النبيُّ نَّهَ بما يليق بحاله، فبعضُ الناس يكون قويَّ الإِيمان، قويَّ
التوكل تدفع قوةُ توكُّلِه قُوَّةَ العدوى، كما تدفع قوةُ الطبيعة قوةَ العِلة فتُبطلها،
وبعضُ الناس لا يقوى على ذلك، فخاطبه بالاحتياط والأخذ بالتحفظ، وكذلك
هو ◌َّ فعل الحالتين معاً، لتقتدي به الأمة فيهما، فيأخذ من قوي من أمته بطريقة
التوكل والقوة والثقة بالله، ويأخذ مَن ضعف منهم بطريقة التحفظ والاحتياط،
وهما طريقان صحيحان. أحدهما: للمؤمن القوي، والآخر للمؤمن الضعيف،
فتكون لكل واحد من الطائفتين حُجة وقدوة بحسب حالهم وما يناسبهم، وهذا
كما أنه ◌َّ كوى، وأثنى على تارِك الكي، وقرن تركَه بالتوكل، وتَرَكَ الطِّيرة،
ولهذا نظائرٌ كثيرة، وهذه طريقة لطيفة حسنة جداً من أعطاها حقَّها، ورزق فقه
نفسه فيها، أزالت عنه تعارضاً كثيراً يظنه بالسُّنةِ الصحيحة .
وذهبت فرقة أخرى إلى أن الأمر بالفرار منه، ومجانبته لأمر طبيعي، وهو
انتقالُ الداء منه بواسطة الملامسة والمخالطة والرائحة إلى الصحيح، وهذا يكون
مع تكرير المخالطة والملامسة له، وأما أكلُه معه مقداراً يسيراً من الزمان لمصلحة
راجحة، فلا بأس به، ولا تحصُل العدوى مِن مرَّةٍ واحدة ولحظة واحدة، فنهى
سداً للذريعة، وحِمايةً للصحة، وخالطه مخالطةً ما للحاجة والمصلحة، فلا
تعارض بين الأمرین.
وقالت طائفة أخرى: يجوز أن يكونَ هذا المجذومُ الذي أكل معه به من
الجُذام أمر يسير لا يُعدي مثله، وليس الجَذْمى كُلُّهم سواء، ولا العدوى حاصلة
من جميعهم، بل منهم من لا تضرُّ مخالطته، ولا تُعدي، وهو من أصابه من ذلك
شيء يسير، ثم وقف واستمر على حاله، ولم يُعْدِ بقيةَ جسمه، فهو أن لا يعديَ
غیرَه أولى وأحری.
وقالت فرقة أخرى: إن الجاهلية كانت تعتقد أن الأمراض المعدية تُعدي
بطبعها من غير إضافة إلى الله سبحانه، فأبطل النبيُّ نََّ اعتقادَهم ذلك، وأكل مع
المجذوم ليبين لهم أن الله سبحانه هو الذي يُمرض ويَشفي، ونهى عن القرب منه
١٤٠