النص المفهرس

صفحات 101-120

جزئياً خاصاً، فيقع من الخطأ، وخلاف الصواب ما يقع، والله أعلم.
فصل
في هديه ◌َِّ في علاج الخَدَرَان الكلي الذي يَجْمُدُ معه البدنُ
ذكر أبو عبيد في ((غريب الحديث)) من حديث أبي عثمان النَّهدي: أن قوماً
مرُّوا بشجرة فأكلُوا منها، فكأنما مرَّت بهم ريح، فأجمدتهم، فقال النبيُّ ◌َّ:
((قرُّسُوا الماءَ في الشِّنَان، وصُبُّوا عليهم فيما بين الأَذانين))، ثم قال أبو عبيد:
قرسوا: يعني بردوا. وقول الناس: قد قَرَس البردُ، إنما هو من هذا بالسين ليس
بالصاد. والشّنان: الأسقية والقِرب الخُلقان، يُقال للسُّقاء: شَن، وللقربة: شَنَّة.
وإنما ذكر الشِّنان دون الجُدُدِ لأنها أشَدُ تبريداً للماء. وقوله: ((بين الأذانين))، يعني
أذان الفجر والإقامة، فسمى الإقامة أذاناً، انتهى كلامه.
قال بعضُ الأطباء: وهذا العلاجُ مِن النبيِّ ◌َ من أفضلِ علاج هذا الداء إذا
كان وقوعُه بالحجاز، وهي بلاد حارة يابسة، والحارُ الغريزي ضعيف في بواطن
سكانها، وصبُ الماء البارد عليهم في الوقت المذكور، - وهو أَبردُ أوقات
اليوم - يوجب جمع الحار الغريزي المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه، فيقوي
القوة الدافعة، ويجتمعُ من أقطار البدن إلى باطنه الذي هو محلُّ ذاك الداء،
ويستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور، فيدفعه بإذن الله عزَّ وجلَّ، ولو
أن بقراط، أو جالينوس، أو غيرهما، وصف هذا الدواء لهذا الداء، لخضَعَت له
الأطباء، وعَجِبُوا من كمال معرفته.
فصل
في هديه ◌َّ في إصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب،
وإرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها
في (الصحيحين)) من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ◌ِ﴾ قال: ((إذا وَقَعَ
الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فامْقُلُوه، فإنَّ في أَحَدِ جِنَاحيْهِ داءً، وفي الآخرِ
١٠١

شِفَاءَ))(١).
وفي ((سنن ابن ماجه)) عن أبي سعيد الخُدري، أن رسول الله مََّ قال: ((أَحَدُ
جَناحَي الدُّبابِ سَمٌّ، والآخَرُ شِفَاءٌ، فإذا وَقَعَ في الطَّعَامِ، فامْقُلُوه، فإِنَّه يُقَدِّمُ
السُّمَّ، ويُؤْخِّرُ الشِّفَاءَ)»(٢).
إذا مات الذباب في مائع
لا ينجسه
هذا الحديث فيه أمران: أمر فقهي، وأمر طبي، فأما الفقهي، فهو دليلٌ
ظاهر الدلالة جداً على أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع، فإنه لا يُنجِّسه، وهذا
قول جمهور العلماء، ولا يُعرف في السلف مخالف في ذلك. ووجهُ الاستدلالِ به
أن النبي ◌َّ﴾ أمر بمَقْلِهِ، وهو غمسُه في الطعام، ومعلومٌ أنه يموت من ذلك، ولا
سيما إذا كان الطعامُ حاراً. فلو كان يُنجسه لكان أمراً بإفساد الطعام، وهو ◌َّ إنما
أمر بإصلاحه، ثم عُدِّيَ هذا الحكمُ إلى كل ما لانفس له سائلة، كالنحلة والزنبور،
والعنكبوت وأشباهِ ذلك، إذ الحكم يعُُّ بعُموم علته، وينتفي لانتفاء سببه، فلما
كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقوداً فيما لا
دم له سائل انتفى الحكمُ بالتنجيس لانتفاء علته.
ثم قال من لم يحكُم بنجاسة عظم الميتة: إذا كان هذا ثابتاً في الحيوان
الكامل مع ما فيه مِن الرُّطوبات، والفضلات، وعدم الصلابة، فثبوته في العظم
الذي هو أبعدُ عن الرطوبات والفضلات، واحتقان الدم أولى، وهذا في غاية
القوة، فالمصیرُ إلیه أولى.
وأول من حفظ عنه في الإِسلام أنه تكلم بهذه اللفظة، فقال: ما لا نفسَ له
(١) أخرجه البخاري ٢١٣/١٠ في الطب: باب إذا وقع الذباب في الإناء، وأبو داود
(٣٨٤٤) في الطب: باب في الذباب يقع في الطعام، وابن ماجه (٣٥٠٥) في
الطب: باب يقع الذباب في الإِناء، ولم يخرجه مسلم في ((صحيحه)) كما ذكر
المصنف .
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٥٠٤) وإسناده صحيح.

سائلة؛ إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء - والنفس في اللغة: يعبر بها عن
الدم، ومنه نَفَست المرأة - بفتح النون - إذا حاضت، ونُفست ــ بضمها ــ إذا
ولدت.
وأما المعنى الطبي، فقال أبو عبيد: معنى امقلوه: اغمسوه ليخرج الشفاء فائدة غمس الذباب
منه، كما خرج الداء، يقال للرجلين: هما يتماقلان، إذا تغاطًا في الماء.
واعلم أن في الذباب عندهم قوةً سُمِّيَّةً يدل عليها الورم، والحِكة العارضة
عن لسعه، وهي بمنزلة السّلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه، اتقاه بسلاحه، فأمر
النبيُّ ◌َّ أن يُقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء،
فيُغمس كُلُّه في الماء والطعام، فيقابل المادة السُّمية المادة النافعة، فيزول
ضررُها، وهذا طِب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو خارجٌ من مشكاة
النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفَّق يخضع لهذا العلاج، ويُقِرُّ لمن
جاء به بأنه أكملُ الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى
البشرية .
وقد ذكر غيرُ واحد من الأطباء أن لسع الزنبور والعقرب إذا دُلِكَ موضعه
بالذُّباب نفع منه نفعاً بيناً، وسكنه، وما ذاك إلا للمادة التي فيه من الشفاء، وإذا
دُلِكَ به الورمُ الذي يخرج في شعر العين المسمى شَعْرَة بعد قطع رؤوس الذباب،
أبرأه.
فصل
في هديه وَّ في علاج البَثرة
ذكر ابن السُّني في كتابه عن بعض أزواج النبي ◌َّ قالت: دخل عليَّ
رسول الله وَلّ وقد خرج في أصبعي بَثْرَةٌ، فقال: ((عِنْدَكِ ذَرِيرةٌ؟ قلت: نعم. قال:
(ضَعيها عَلَيْهَا)) وقُولي: اللَّهُمَّ مُصَغِّرَ الكَبيرِ، ومُكَبِّرَ الصَغِيرِ، صَغِّرْ ما
١٠٣

بي))(١).
الذريرة: دواء هندي يُتخذ من قَصب الذَّريرة، وهي حارة يابسة تنفعُ مِن
أورام المعدة والكَبدِ والاستسقاء، وتُقوي القلب لطيبها، وفي ((الصحيحين)) عن
عائشة أنها قالت: طيبتُ رسولَ الله ◌ََّ بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلحِلِّ
والإِخِرَام(٢).
والبَثرة: خراج صغير يكون عن مادة حارة تدفعها الطبيعة، فتسترق مكاناً
من الجسد تخرج منه، فهي محتاجة إلى ما يُنضجها ويُخرجها، والذريرةُ أحدُ ما
يفعل بها ذلك، فإن فيها إنضاجاً وإخراجاً مع طيب رائحتها، مع أن فيها تبريداً
للنارية التي في تلك المادة، وكذلك قال صاحب ((القانون)): إنه لا أفضل لِحرق
النار مِن الذريرة بدُهنِ الورد والخل.
فصل
في هديه وَّ في علاج الأورام، والخُرَجات التي تبرأ
بالبَطِّ والبَزْلِ
يذكر عن علي أنه قال: دخلتُ مع رسول الله ◌َّ على رجل يعودُه بظهره
(١) أخرجه ابن السني (٦٤٠) ص ٢٣٧، ووقع له في سنده وهم، وأخرجه أحمد
٣٧٠/٥ من حديث روح ثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي
حسن حدثتني مريم ابنة إياس بن البكير صاحب النبي ◌َلّر، عن بعض أزواج
النبي قل ... وقال الحافظ في ((أمالي الأذكار)، فيما نقله عنه ابن علان ٤٩/٤:
حديث صحيح أخرجه النسائي في ((اليوم والليلة))، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح
الإسناد، وهو كما قال، فإن رواته من أحمد إلى منتهاه من رواة ((الصحيحين)) إلا
مريم بنت إياس بن البكير صاحب رسول الله، وقد اختلف في صحبتها، وأبوها
وأعمامها من كبار الصحابة، ولأخيها محمد رؤية.
(٢)
أخرجه البخاري ٣١٣/١٠ في اللباس: باب الذريرة، ومسلم (١١٨٩) في الحج:
باب الطيب عند الإحرام، وأحمد ٦/ ٢٠٠ و٢٤٤.
١٠٤

ورم، فقالوا: يا رسولَ الله! بهذه مِدَّةٌ. قال: ((بُطُوا عنه))، قال علي: فما برحتُ
حتى بُطَتْ، والنبي ◌َّ شاهد(١).
ويذكر عن أبي هريرة، أن النبي ◌َ له أمر طبيباً أن يبط بطن رجل أَجْوَى
البطن، فقيل: يا رسول الله: هل ينفع الطب؟ قال: ((الَّذي أنْزل الداء، أنزل
الشِّفَاءَ، فِيمَا شَاءِ» .
الورم: مادة في حجم العضو لفضل مادة غيرِ طبيعية تنصبُ إليه، ويُوجد
في أجناس الأمراض كُلِّها، والموادُ التي تكون عنها من الأخلاط الأربعة،
والمائية، والريح، وإذا اجتمع الورم سمي خُرَاجاً، وكُلُّ ورم حار يؤول أمره إلى
أحد ثلاثة أشياء: إما تحلل، وإما جمع مِدَّة، وإما استحالة إلى الصَّلابة. فإن
كانت القوة قوية، استولت على مادة الورم وحللته، وهي أصلحُ الحالات التي
يؤول حالُ الورم إليها، وإن كانت دون ذلك، أنضجت المادة، وأحالتها مِدَّةً
بيضاء، وفتحت لها مكاناً أسالتها منه. وإن نقصَت عن ذلك أحالت المادة مِدَّة غير
مستحكمة النُّضج، وعجزت عن فتح مكان في العضو تدفعُها منه، فيُخاف على
العضو الفساد بطُول لبثها فيه، فيحتاجُ حينئذ إلى إعانة الطبيب بالبط، أو غيره
لإخراج تلك المادة الرديئة المفسدة للعضو.
وفي البط فائدتان: إحداهما: إخراج المادة الرديئة المفسدة.
والثانية: منع اجتماع مادة أخرى إليها تقويها(٢).
وأما قوله في الحديث الثاني: ((إنه أمر طبيباً أن يبُطَّ بطنَ رجل أجوى
(١) أخرجه أبو يعلى وفي سنده أبو الربيع السمان وهو ضعيف. ((مجمع الزوائد))
٩٩/٥.
(٢) قال الدكتور الأزهري: هذا وصف دقيق للخراج، واحتمالات طرق تخلص الجسم
منه، والخراج: هو التهاب أي جزء من أجزاء الجسم مع تكون مادة صديدية
بداخله، وأهم علاج له هو فتحه بعملية جراحية، لإخراج المادة الصديدية.
١٠٥

البطن))، فالجَوى يُقال على معان منها: الماءُ المنتن الذي يكون في البطن يحدُث
عنه الاستسقاء.
وقد اختلف الأطباء في بزله لخروج هذه المادة، فمنعته طائفة منهم
لخطره، وبعد السلامة معه، وجوزته طائفة أخرى، وقالت: لا علاج له سواه،
وهذا عندهم إنما هو في الاستسقاء الزِّقي، فإنه كما تقدم ثلاثة أنواع: طَبْلي، وهو
الذي ينتفخ معه البطن بمادة ريحية إذا ضربت عليه سمع له صوتٌ كصوت الطبل،
ولحمي: وهو الذي يربُو معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو مع الدم في
الأعضاء، وهو أصعبُ من الأول، وزقي: وهو الذي يجتمع معه في البطن
الأسفل مادة رديئة يُسمع لها عند الحركة خضخضة كخضخضة الماء في الزِّق،
وهو أردأ أنواعه عند الأكثرين من الأطباء. وقالت طائفة: أردأ أنواعه اللحمي
لعموم الآفة به.
ومن جملة علاج الزِّقي إخراج ذلك بالبزل، ويكون ذلك بمنزلة فصد
العروق لإخراج الدم الفاسد، لكنه خطر كما تقدم، وإن ثبت هذا الحديث، فهو
دليل على جواز بزله، والله أعلم.
فصل
في هديه ◌َّ في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم
روى ابن ماجه ((في سننه)) من حديث أبي سعيد الخُدري، قال: قال
رسولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إذا دَخَلْتُمْ عَلى المَرِيضِ، فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ، فإن ذُلِكَ لا يَرُدُّ
شَيْئاً، وهُوَ يُطَيِّبُ نَّفْسَ المَرِيضِ)»(١).
وفي هذا الحديثُ نوعٌ شريف جداً من أشرف أنواع العلاج، وهو الإِرشاد
(١) أخرجه ابن ماجه (١٤٣٨) في الجنائز: باب ما جاء في عيادة المريض، والترمذي
(٢٠٨٧) وفي سنده موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، هو منكر الحديث.
١٠٦

إلى ما يُطيِّب نفسَ العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعةُ، وتنتعِشُ به القوة،
وينبعِثُ به الحار الغريزي، فيتساعدُ على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غايةُ تأثیر
الطبيب .
وتفريح نفس المريض، وتطييبُ قلبه، وإدخالُ ما يسُرُّه عليه، له تأثير
عجيب في شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقُوى تقوى بذلك، فتُسَاعِدُ الطبيعة
على دفع المؤذي، وقد شاهد الناس كثيراً من المرضى تنتعِشُ قواه بعيادة من
يُحبونه، ويُعظِّمونه، ورؤيتهم لهم، ولُطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم، وهذا أحدٌ
فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم، فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد: نوع يرجع
إلى المريض، ونوع يعود على العائد، ونوع يعود على أهل المريض، ونوع يعود
على العامة .
وقد تقدم في هديه بل أنه كان يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجده
ويسأله عما يشتهيه، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له،
ويصف له ما ينفعه في علته، وربما توضأ وصبّ على المريض من وَضوئه، وربما
كان يقولُ للمريض: ((لا بأس طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله)) (١)، وهذا من كمال اللطف،
وحسن العلاج والتدبير.
فصل
في هديه ◌َّر في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية
والأغذية دون ما لم تعتده
هذا أصل عظيم من أصول العِلاج، وأنفع شيء فيه، وإذا أخطأه الطبيبُ،
أضرَّ المريضَ من حيث يظن أنه ينفعه، ولا يَعْدِلُ عنه إلى ما يجده من الأدوية في
كتب الطب إلا طبيب جاهل، فإن ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب
(١) أخرجه البخاري ١٠٣/١٠ من حديث ابن عباس.
١٠٧

استعدادها وقبولها، وهؤلاء أهل البوادي والأكارون وغيرُهم لا ينجَعُ فيهم شراب
اللينوفر والورد الطري ولا المغلي، ولا يُؤثر في طباعهم شيئاً، بل عامة أدوية أهلِ
الحضر وأهل الرفاهية لا تجدي علهم، والتجربة شاهدة بذلك، ومن تأمل ما
ذكرناه من العلاج النبوي، رآه كُلَّه موافقاً لعادة العليل وأرضه، وما نشأ عليه. فهذا
أصلٌ عظيم من أصول العلاج يجب الاعتناءُ به، وقد صرح به أفاضلُ أهل الطب
حتى قال طبيب العرب بل أطبُّهم الحارث بن كَلَدَة، وكان فيهم كابقراط في قومه :
الحِمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعَوِّدُوا كُلَّ بَدَنٍ ما اعْتَادَ. وفي لفظ
عنه: الأزم دَوَاءٌ، والأزم: الإمساك عن الأكل يعني به الجوع، وهو من أكبر
الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية كلها بحيث إنه أفضل في عِلاجها من
المستفرغات إذا لم يخف من كثرة الامتلاء، وهيجان الأخلاط، وحِذَّتها أو
غليانها .
وقوله: المعدةُ بيتُ الداء. المعدة: عضو عصبي مجوف كالقَرْعَةِ في
شكلها، مركب من ثلاث طبقات، مؤلفة من شظايا دقيقةٍ عصبية تُسمى الليف،
ويُحيط بها لحم، وليفُ إحدى الطبقات بالطول، والأخرى بالعرض، والثالثة
بالورب، وفمُ المعدة أكثر عصباً، وقعرُها أكثر لحماً، وفي باطنها خَمْل، وهي
محصورة في وسط البطن، وأميلُ إلى الجانب الأيمن قليلاً، خُلِقَت على هذه
الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه، وهي بيتُ الداء، وكانت محلاً
للهضم الأول، وفيها يَنْضَجُ الغذاء وينحدِرُ منها بعد ذلك إلى الكَبِد والأمعاء،
ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوةُ الهاضمة عن تمام هضمها، إما لكثرة
الغذاء، أو الرداءته، أو لسوء ترتيبٍ في استعماله، أو لمجموع ذلك، وهذه
الأشياءُ بعضها مما لا يتخلَّص الإنسان منه غالباً، فتكون المعدة بيت الداء لذلك،
وكأنه يُشير بذلك إلى الحثِّ على تقليل الغذاء، ومنع النفس مِن اتباع الشهوات،
والتحرُّزِ عن الفضلات.
وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان، ولذلك يُقال: العادة طبع ثان، وهي
١٠٨

قوة عظيمة في البدن، حتى إن أمراً واحداً إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات،
كان مختلف النسبة إليها. وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى مثال
ذلك أبدان ثلاثة حارةُ المزاج في سن الشباب، أحدها: عُوِّدَ تناول الأشياء
الحارة؛ والثاني: عُوِّدَ تناول الأشياء الباردة، والثالث: عُوِّد تناول الأشياء
المتوسطة، فإن الأول متى تناول عسلاً لم يضر به، والثاني: متى تناوله، أضرَ به،
والثالث: يضربه قليلاً، فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة، ومعالجة الأمراض،
ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية
والأدوية وغير ذلك.
فصل
في هديه ◌َّ في تغذية المريض بألطفٍ ما اعتاده مِن الأغذية
في ((الصحيحين)) من حديث عُروة عن عائشة، أنها كانت إذا مات الميتُ
من أهلها، واجتمع لذلك النِساء، ثم تفرَّقن إلى أهلهن، أمرت بِيُرْمة من تلبينة
فطُبِخَت، وصنعت ثريداً ثم صبت التلبينة عليه، ثم قالت: كلوا منها، فإني
سمعتُ رسول اللهِنَّ يقول: ((التَّلْبِيْنَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤادِ المَرِيضِ تَذْهَبُ ببعضٍ
الحُزْنِ))(١) .
وفي ((السنن)) من حديث عائشة أيضاً، قالت: قال رسولُ الله ◌َّه: ((عَلَيْكُم
بِالبَغِيضِ التَّفِعِ التَّلْبِينِ))، قالت: وكان رسولُ الله ◌ََّ إذا اشتكى أحدٌ من أهله
لم تزل البُرمة على النار حتى ينتهي أحد طرفيه. يعني يبرأ أو يموت(٢).
وعنها: كان رسول الله ◌َّ إذا قيل له: إن فلاناً وَجِعٌ لايَطْعَمُ الطَّعَام، قال:
(١) أخرجه البخاري ٤٧٩/٩ في الأطعمة: باب التلبينة، ومسلم (٢٢١٦) في السلام:
باب التلبينة مجمة لفؤاد المريض.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٦) وأحمد ٢٤٢/٦، والحاكم ٢٠٥/٤ وفي سنده جهالة.
١٠٩

عَلَيْكُمْ بِالتَّلْبِنَةِ فحسُّوهُ إِيَّها))، ويقول: ((والَّذِي نَفسي بيدِه إنَّها تَغْسِلُ بَطْنَ أحَدِكُم
كَمَا تَغْسِلُ إِحْدَاكُنَّ وَجْهَهَا مِنَ الوَسَخْ))(١).
التلبين وفوائده
التلبين: هو الحِساء الرقيقُ الذي هو في قوام اللبن، ومنه اشتق اسمه، قال
الهروي: سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها، وهذا الغذاءُ هو النافع
للعليل، وهو الرقيقُ النضيج لا الغليظ النِّيء، وإذا شئتَ أن تعرِفَ فضل التلبينة،
فاعرف فضل ماءِ الشعير، بل هي ماءُ الشعير لهم، فإنها حِساء متَّخذ من دقيق
الشعير بنُخالته، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يُطبخ صحاحاً، والتلبينة تُطبخ
منه مطحوناً، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن، وقد تقدم أن
للعادات تأثيراً في الانتفاع بالأدوية والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء
الشعير منه مطحوناً لا صِحاحاً، وهو أكثرُ تغذية، وأقوى فعلاً، وأعظمُ جلاءً،
وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحاً ليكون أرق وألطف، فلا يثقل على طبيعة
المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها، وثقل ماء الشعير المطحون
عليها. والمقصود: أن ماء الشعير مطبوخاً صحاحاً ينفُذُ سريعاً، ويجلُو جلاءً
ظاهراً، ويُغذي غذاءً لطيفاً. وإذا شرب حاراً كان جلاؤه أقوى، ونفوذُه أسرع،
وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر، وتلميسُه لسطوح المعدة أو فق.
علة ذهاب التلبينة
ببعض الحزن
وقوله ◌َّل فيها: ((مجمة لفؤاد المريض)) يروى بوجهين. بفتح الميم
والجيم، وبضم الميم، وكسر الجيم، والأول: أشهر، ومعناه: أنها مُريحة له،
أي: تُريحه وتُسكنه من الإِجمام، وهو الراحة. وقوله: ((تذهب ببعض الحزن)»،
هذا - والله أعلم - لأن الغم والحزن يُرِّدان المزاج، ويُضعفان الحرارة الغريزية
لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها، وهذا الحساءُ يقوي
الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها، فتزيلُ أكثر ما عرض له من الغم والحزن.
وقد يقال - وهو أقرب -: إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من
(١) أخرجه أحمد ٧٩/٦ وفي سنده جهالة.
١١٠

جنس خواص الأغذية المفرِحَة، فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية، والله أعلم.
وقد يقال: إن قُوى الحزين تضعُفُ باستيلاء اليُيس على أعضائه، وعلى
مَعِدته خاصة لتقليل الغذاء، وهذا الحِساء يرطبها، ويقويها، ويغذِّيها، ويفعل مثل
ذلك بفؤاد المريض، لكن المريضَ كثيراً ما يجتمع في معدته خَلْطٌّ مراري، أو
بلغمي، أو صَديدي، وهذا الحِساء يجلُو ذلك عن المعدة ويَسْرُوه، ويَحْدُره،
ويُميعُه، ويُعدِّل كيفيتَه، ويكسِرُ سَوْرَته، فيُريحها ولا سيما لمن عادتُه الاغتذاءُ
بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالبَ قوتهم، وكانت
الحنطةُ عزيزةً عندهم. والله أعلم.
فصل
في هديه وَّر في علاج السُّمِّ الذي أصابه بخيبرَ من اليهود
ذكر عبدُالرازاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن
مالك: أن امرأة يهودية أهدت إلى النبيِّ وَّ شاةً مصليَّةً بخيبر، فقال: ((ما هذه))؟
قالت: هدية، وحَذِرَت أن تَقُولَ: مِن الصدقة، فلا يأكلُ منها، فأكل النبيُّ ◌َِّ،
وأكَلَ الصحابةُ، ثم قال: ((أمْسِكُوا))، ثم قال للمرأة: ((هَلْ سَمَمْتِ هذه الشَّاة)»؟
قالت: مَنْ أخبرك بهذا؟ قال: ((هُذا العَظْمُ لِسَاقِها))، وهو في يده؟ قالت: نعم.
قال: ((لمَ))؟ قالت: أردتُ إن كنت كاذباً أن يستريحَ منك النَّاسُ، وإن كنت نبياً،
لم يَضرَّك، قال: فاحتجم النبيُّ ◌َّل ثلاثةً على الكاهل، وأمَر أصحابه أن
يحتجِمُوا، فاحتجموا، فمات بعضهُم(١).
(١) رجاله ثقات، وهو في ((المصنف)) (١٩٨١٤)، وأخرج البخاري في ((صحيحه))
١٩٥/٦، و٢٠٨/١٠ من حديث أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر، أهديت
لرسول الله ◌َّ شاة فيها سم، فقال رسول الله وَّةُ: ((اجمعوا لي كل من كان ها هنا
من اليهود، فجمعوا له)). وفيه ثم قال لهم: ((هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم
عنه؟)) فقالوا: نعم، فقال: ((هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟)) فقالوا: نعم، فقال : =
١١١

وفي طريق أخرى: واحتجم رسولُ الله ◌ََّ على كَاهِلِهِ مِنْ أجْلِ الَّذِي أَكَلَ
مِن الشاة، حجمَه أبُو هند بالقرن والشَّفرة، وهو مولى لبني بياضَة من الأنصار،
وبقي بعد ذلك ثلاثَ سنين حتى كان وجعُه الذي تُوفي فيه، فقال: ((ما زِلْتُ أَجدُ
مِن الْأُكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ مِنَ الشَّاةِ يَوْمَ خَيْبَرِ حَتَّى كَانَ هُذَا أَوَانَ انْقِطاعِ الأَبْهِ مِني»
فتوفي رسول الله مَ لّ شهيداً، قاله موسى بن عقبة(١).
معالجة الشُّمِّ تكونُ بالاستفراغات، وبالأدوية التي تُعارض فعل السم
وتبطله، إما بكيفياتها، وإما بخواصها، فمن عَدِمَ الدواء، فليبادر إلى الاستفراغ
الكلي(٢) وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حاراً، والزمان حاراً، فإن القوة
يعالج السم
بالاستفراغات وبالأدوية
المبطلة لفعل السم
((ما حملكم على ذلك))؟ فقالوا: أردنا إن كنت كذَّاباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً
لم يضرك، وانظر الدارمي ٣٢/١ و٣٣.
(١) ذكر الحافظ في ((الفتح)) ٩٩/٨ أن موسى بن عقبة أخرجه في ((المغازي)) عن
الزهري، لكنه أرسله، وأخرجه البخاري ٩٩/٨ تعليقاً: عن يونس بن يزيد الأيلي،
عن الزهري، قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صَلّ يقول في مرضه
الذي مات فيه ((يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان
وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)) قال الحافظ: وقد وصله البزار والحاكم
والإسماعيلي من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بهذا الإسناد، وأخرج أحمد ١٨/٦
من حديث الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أمه، أن أم
مبشر دَخَلْت على رسول الله ◌ََّ في وجعه الذي قبض فيه، فقالت: بأبي وأمي يا
رسول الله ما تتهم بنفسك، فإني لا أتهم إلا الطعام الذي أكل معك بخيبر، وكان
ابنها مات قبل النبي ◌َ﴿، وقال: ((وأنا لا أتهم غيره، هذا أوان انقطاع أبهري)). يعني
عرق الوريد، وأخرجه عبد الرزاق (١٩٨١٥) من حديث معمر عن الزهري، عن ابن
كعب بن مالك أن أم مبشر ... وأخرجه الحاكم ٢١٩/٣ من حديث معمر عن الزهري،
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، عن أم مبشر ... وصححه،
ووافقه الذهبي.
(٢) التسمم الغذائي أو بالسموم أهم أعراضه القيء المتكرر، وأهم طرق علاجه هو غسيل
المعدة من المادة السمية، ومن السهل القيام بذلك بتناول كميات كبيرة من الماء الدافىء
المذاب به بعض ملح الطعام واستفراغه ثانياً، وهذه العملية تتكرر عدة مرات حتى يعود=
١١٢

السمية تسري إلى الدم، فتنبعِثُ في العروق والمجاري حتى تصِلَ إلى القلب،
فيكون الهلاكُ، فالدمُ هو المنفذ الموصل للسم إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر
المسمُومُ، وأخرج الدمَ، خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته، فإن كان
استفراغاً تاماً لم يضرَّه السم، بل إما أن يذهب، وإما أن يضعف فتقوى عليه
الطبيعة، فتبطل فعله أو تضعفه.
استشهاده * بالسم
ولما احتجم النبي ◌ََّ، احتجم في الكاهل، وهو أقربُ المواضع التي
يمكن فيها الحجامة إلى القلب، فخرجت المادةُ السمية مع الدم لا خروجاً كلياً،
بل بقي أثرها مع ضعفه لما يُريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كُلِّها له،
فلما أراد الله إكرامَه بالشهادة، ظهر تأثيرُ ذلك الأثر الكامِن من السم لِيقضي الله
أمراً كان مفعولاً، وظهر سِرُّ قوله تعالى لأعدائه من اليهود: ﴿أَوَ كُلَّمَا جَاءَكُم
رَسُولٌ بِما لا تَهْوِى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُون﴾ [البقرة:
٨٧]، فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع منه، وتحقق، وجاء بلفظ :
(تقتلون)) بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه، والله أعلم.
فصل
في هديه ◌َّر في علاج السِّحر الذي سحرته الیهُود به
قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا: لا يجوزُ هُذا عليه، وظنوه نقصاً
وعيباً، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه مل من الأسقام
والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كأصابته بالسُّم لا فرق بينهما،
وقد ثبت في «الصحيحين)) عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: سُحِرَ
الماء كما هو وبذلك تكون المعدة أصبحت خالية من المادة السمية، ويعطى بعد ذلك
=
مسهلا لإخراج ما تسرب من المادة السمية من الشرج.
١١٣

رسول الله وَّهُ حتَّى إنْ كان لَيُخَيَّلُ إليه أَنَّه يأتي نِساءَه، وَلمْ يأْتِهِنَّ، وذلك أشدُّ ما
يكون مِن السحر(١).
قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل
يجوز عليه وَّة، كأنواع الأمراض مما لا يُنكر، ولا يَقْدَحُ في نبوته، وأما كونه
يُخيَّل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء
من صدقة، لقيام الدليل والإِجماع على عصمته من هذا، وإنَّما هذا فيما يجوز
طُرُؤُه عليه في أمر دنياه التي لم يُبعث لسببها، ولا فُضِّل مِن أجلها، وهو فيها
عُرضة للآفات كسائر البشر، فغيرُ بعيد أنه يُخيَّلَ إِليه مِن أمورها ما لا حقيقةَ له،
ثم ينجلي عنه كما كان.
علاج السحر
والمقصود: ذکر هديه في علاج هذا المرض، وقد رُوي عنه فيه نوعان:
استخراج السحر وإبطاله
أحدهما ۔۔ وهو أبلغهما - : استخراجه وإبطاله، کما صح عنه ټ أنه سأل
ربه سبحانه في ذُلك، فدل عليه، فاستخرجه مِن بئر، فكان في مِشْطٍ ومُشَاطة،
وجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَر (٢)، فلما استخرجه، ذهب ما به، حتى كأنما أُنْشِطَ مِن عِقال(٣)،
فهذا من أبلغِ ما يُعالج به المطبوبُ، وهذا بمنزلة إزالةِ المادة الخبيثة وقلعها مِن
الجسد بالاستفراغ.
والنوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السِّحر، فإن
للسحر تأثيراً في الطبيعة، وهيجان أخلاطها، وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في
الاستفراغ فى المحل الذي
يصل إليه أذى السحر
(١) أخرجه البخاري ١٩٩/١٠ في الطب: باب هل يستخرج السحر، ومسلم (٢١٨٩)
في السلام: باب السحر.
(٢) هو من تمام حديث عائشة المتقدم، والمشط معروف، والمشاطة: هي الشعر الذي
يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه، والجف: وعاء طلع النخل، وهو الغشاء
الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، ولذا قيده في الحديث بقوله ((طلعة
ذکر))
(٣) انظر ((الفتح)) ٢٠٠/١٠.
١١٤

عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو، نفع جداً.
وقد ذكر أبو عبيد في كتاب ((غريب الحديث)) له بإسناده، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن النبي ◌َّل احتجم على رأسه بِقَرْنٍ حين طُبَّ(١). قال
أبو عبيد: معنى طبَّ: أي سحر.
وقد أشكل هذا على من قل علمه، وقال: ما للحجامة والسحر، وما
الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء، ولو وجد هذا القائل أبقراط، أو ابن سينا، أو
غيرهما قد نص على هذا العلاج، لتلقاه بالقبولِ والتسليم، وقال: قد نصَّ عليه
من لا يُشك في معرفته وفضله.
فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به ◌َّ انتهت إلى رأسه إلى إحدى قُواه
التي فيه بحيث كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، وهذا تصرف من الساحر
في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه،
فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية .
والسحر: هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة، وانفعال القُوى الطبيعية
عنها، وهو أشدَّ ما يكون من السحر، ولا سيما في الموضع الذي انتهى السِحرُ
إليه، واستعمالُ الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعالُه بالسحر مِن أنفع
المعالجة إذا استُعْمِلَتْ على القانُونِ الذي ينبغي.
قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تُسْتَفْرَغَ يجب أن تُستفرغ مِن المواضع
التي هي إليها أميلُ بالأشياء التي تصلُح لاستفراغها.
وقالت طائفة من الناس: إن رسولَ اللهِوَ لَ لما أُصيب بهذا الداءِ، وكان
يُخيَّل إِليهِ أنه فعل الشيء ولم يفعله، ظنَّ أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها مالت
إلى جهة الدماغ، وغلبت على البطن المقدَّم منه، فأزالت مِزاجه عن الحالة
(١) لا يصح.
١١٥

الطبيعية له، وكان استعمالُ الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية، وأنفع المعالجة،
فاحتجم، وكان ذلك قبل أن يُوحى إليه أن ذلك من السحر، فلما جاءه الوحيُّ من
الله تعالى، وأخبره أنه قد سُحِرَ، عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراجُ السحر
وإبطالُه، فسأل الله سبحانه، فدلَّه على مكانه، فاستخرجه، فقام كأنما أُنْشِطَ مِن
عِقال، وكان غايةُ هذا السحر فيه إنما هو في جسده، وظاهِر جوارحه، لا على
عقِله وقلبِهِ، ولذلك لم يكن يعتقدُ صحة ما يُخيّل إليه من إتيان النساء، بل يعلم
أنه خيال لا حقيقة له، ومثلُ هذا قد يحدُثُ من بعض الأمراض، والله أعلم.
فصل
علاج السحر بالأذكار
والايات
ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويتُه النافعة بالذات،
فإنه مِن تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفعُ تأثيرها يكون بما يُعارِضها
ويُقاومها من الأذكار، والآيات، والدعواتِ التي تُبْطِلُ فعلها وتأثيرها، وكلما
كانت أقوى وأشدّ، كانت أبلغَ في النُّشْرةِ(١)، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل
واحدٍ منهما عُدَّتُه وسلاحُه، فأيُّهما غلب الآخر، قهره، وكان الحكم له، فالقلبُ
إذا كان ممتلئاً من الله مغموراً بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار
والتعوذات ورد لا يُخِلُّ به يُطابق فيه قلبه لسانه، كانَ هذا مِن أعظم الأسباب التي
تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يُصيبه.
وعِند السحرة: أن سِحرهم إنما يَتِمُّ تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعِلة،
والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسُّفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في
النساء، والصبيان، والجُهال، وأهل البوادي، ومن ضَعُف حظه من الدين
(١) النشرة - بالضم -: ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مساً من
الجن، سميت نشرة، لأنه ينشّر بها عنه ما ضاره من الداء، أي: يكشف ويزال.
١١٦

والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيبَ له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوُّذات
النبوية .
وبالجملة: فسلطانُ تأثيرِه في القُلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلُها
إلى السُّفليات، قالوا: والمسحورُ هو الذي يُعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقاً
بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه مِن الميل والالتفات،
والأرواح الخبيثة إنما تتسلطُ على أرواح تلقاها مستعِدَّة لتسلُّطها عليها بميلها إلى
ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة
التي تُحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدة معها، وفيها ميل إلى ما يُناسبها، فتتسلط
عليها، ويتمكَّن تأثيرُها فيها بالسحر وغيره، والله أعلم.
فصل
في هديه مَثّ في الاستفراغ بالقيء
روى الترمذي في «جامعه» عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، أن
النبي ◌َّ قاء، فتوضَّأ فلقيتُ ثوبانَ في مسجد دمشق، فذكرتُ له ذلك، فقال:
صَدَقَ، أَنَا صَبَيْتُ له وَضُوءَه. قال الترمذي: وهذا أصح شيء في الباب(١) .
القيء: أحد الاستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ، وهي
الإسهال، والقيء، وإخراج الدم، وخروج الأبخرة والعرق، وقد جاءت بها
السنة .
أصول الاستفراغ
(١) أخرجه أحمد ٤٤٣/٦، والترمذي (٨٧) وأبو داود (٤٣٨١) والدار قطني ١/ ٥٧
و ٢٣٨، والطحاوي ٣٤٧/١، ٣٤٨، والحاكم ٤٢٦/١، وكلهم رووه بلفظ («قاء
فأفطر)) إلا الترمذي، فإنه جاء فيه ((قاء فتوضأ)) وعند أحمد في رواية ٤٤٩/٦ عن
أبي الدرداء قال: استقاء رسول الله ي ثة. فأفطر، فأتي بماء فتوضأ)) وصححه الحاكم
وابن مندة والترمذي.
١١٧

فأما الإسهال: فقد مرَّ في حديث ((خير ما تداويتم به المشِيُّ)) وفي حديث
((السنا)).
وأما إخراج الدم، فقد تقدم في أحاديث الحجامة.
وأما استفراغ الأبخرة، فنذكره عقيبَ هذا الفصل إن شاء الله .
وأما الاستفراغ بالعرق، فلا يكون غالباً بالقصد، بل بدفع الطَّبيعة له إلى
ظاهر الجسد، فيُصادف المسام مفتَّحة، فيخرج منها.
أنواع القيء
والقيء استفراغٌ مِن أعلا المعدة، والحُقنة مِن أسفلها، والدواء من أعلاها
وأسفلها، والقيء: نوعان: نوع بالغلبة والهَيجان، ونوتٌ بالاستدعاء والطلب.
فأما الأول: فلا يَسُوغُ حبسُه ودفعه إلا إذا أفرط وخيف منه التلفُ. فيقطع بالأشياء
التي تُمسكه. وأما الثاني: فأنفعُه عند الحاجة إذا رُوعي زمانُه وشروطه التي
تذكر .
أسباب القيء
وأسباب القيء عشرة.
أحدها: غلبة المِرَّة الصفراء، وطُفؤُها على رأس المعدة، فتطلب الصعودَ.
الثاني: من غلبة بلغم لَزِجٍ قد تحرَّك في المعدة، واحتاج إلى الخروح.
الثالث: أن يكون مِن ضعف المعدة في ذاتها، فلا تَهْضم الطعامَ، فتقذفه
إلى جهة فوق.
الرابع: أن يخالطها خلط رديء ينصبُ إليها، فيسيء هضمَها، ويُضعف
فعلها .
الخامس: أن يكون مِن زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله
المعدة، فتعجز عن إمساكه، فتطلب دفعه وقذفه.
السادس: أن يكون مِن عدم موافقة المأكول والمشروب لها، وکراهتها له،
فتطلب دفعه وقذفه.
١١٨

السابع: أن يحصُل فيها ما يُثوِّر الطعام بكيفيته وطبيعته، فتقذف به.
الثامن: القَرَف، وهو مُوجب غثيان النفس وتهوعها.
التاسع: من الأعراض النفسانية، كالهمّ الشديد، والغم، والحزن، وغلبة الأعراض النفسانية من
اشتغال الطبيعة والقوى الطبيعية به، واهتمامها بوروده عن تدبير البدن، وإصلاح
أسباب القيء
الغِذاء، وإنضاجه، وهضمه، فتقذِفُه المعدة، وقد يكون لأجل تحرُّك الأخلاط
عند تخبُّط النفس، فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه، ويؤثر في
کیفیته .
العاشر: نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ، فيغلبه هو القيء مِن غير استدعاء،
فإن الطبيعة نقالة.
إخبار أحد الأطباء
المصنف بقصتين عن نقل
وأخبرني بعض حُذَّاق الأطباء، قال: كان لي ابْن أخت حَذِق في الكحْل،
فجلس كحالاً، فكان إذا فتح عينَ الرجل، ورأى الرمد وكخَّله، رَمِدَ هو، وتكرر المرض برؤية المريض
ذلك منه، فترك الجلوسَ. قلتُ له: فما سببُ ذلك؟ قال: نقلُ الطبيعة، فإنها
نقالة، قال: وأعرِفُ آخر، کان رأی خُراجاً في موضع من جسم رجل یحُّه،
فحك هو ذلك الموضع، فخرجت فيه خُراجة. قلتُ: وكل هذا لا بد فيه من
استعداد الطبيعة، وتكون المادة ساكنة فيها غير متحركة، فتتحرك لِسبب من هذه
الأسباب، فهذه أسبابٌ لتحرك المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض.
فصل
ولما كانت الأخلاط في البلاد الحارة، والأزمنة الحارة تَرِقُّ وتنجذب إلى
فوق، كان القيء فيها أنفع. ولما كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلظ،
ويصعب جذبها إلى فوق، كان استفراغها، بالإسهال أنفع .
أنفع الأمكنة والأزمنة
للقيء والإسهال
وإزالة الأخلاط ودفعها تكون بالجذب والاستفراغ، والجذبُ يكون من
أبعد الطرق، والاستفراغُ مِن أقربها، والفرق بينهما أن المادة إذا كانت عاملة في
كيفية إزالة الأخلاط
ودفعها
١١٩

الانصباب أو الترقي لم تستقر بعد، فهي محتاجة إلى الجذب، فإن كانت
متصاعدة جذبت من أسفل، وإن كانت منصَبَّة جذبَتْ مِن فوق، وأما إذا استقرت
في موضعها، استفرغت مِن أقرب الطرق إليها، فمتى أضرت المادة بالأعضاء
العليا، اجتذبت من أسفل، ومتى أضرت بالأعضاء السفلى، اجتذبت من فوق،
ومتى استقرت، استفرغت من أقرب مكان إليها، ولهذا احتجم النبيُّ ◌َّ على
كاهله تارة، وفي رأسه أخرى، وعلى ظهر قدمه تارة، فكان يستفرغُ مادة الدم
المؤذي من أقرب مكان إليه. والله أعلم.
فصل
والقيء يُنَقِّي المعدةَ ويُقوِّيها، ويُحِدُّ البصر، ويزيل ثقل الرأس، وينفع
قروح الكُلَى، والمثانة، والأمراض المزمنةَ كالجذام والاستسقاء، والفالج
والرعشة، وينفع اليرقان.
فوائد القيء
وقت القيء
ويبنغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور،
ضرر الإكثار من القيء ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول، وينقي الفضلات التي انصبت بسببه، والإكثار
منه يضر المعدة، ويجعلها قابلة للفضول، ويضر بالأسنان والبصر والسمع، وربما
صَدَعَ عرقاً، ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق، أو ضعف في الصدر، أو
دقيق الرقبة، أو مستعد لنفث الدم، أو عسر الإجابة له .
من یجب علیه اجتنابه
عضار القيء بعد امتلاء
المعدة
وأما ما يفعله كثير ممن يسيء التدبير، وهو أن يمتلىء من الطعام، ثم
يقذِفه، ففيه آفات عديدة، منها: أنه يُعَجِّلُ الهرم، ويُوقع في أمراض رديئة،
ويجعل القيء له عادة. والقيء مع اليُبوسة، وضعف الأحشاء، وهُزال المَرَاقِ (١).
أو ضعفِ المُستقيء خطر ...
(١) مراق البطن: ما لان منه.
١٢٠