النص المفهرس

صفحات 21-40

دونه فعدم الانفعال يكون أولى، فلو لم يكن في البدن جزء مسخن بالطبع لما
انفعل عن البرد، ولا تألم به. قالوا: وأدلتكم إنما تُبْطِلُ قولَ من يقول: الأجزاء
النارية باقية في هذه المركبات على حالها، وطبيعتها النارية، ونحن لا نقول
بذلك، بل نقول: إن صورتها النوعية تفسد عند الامتزاج.
قال الآخرون: لم لا يجوز أن يقال: إن الأرض والماء والهواء إذا الرد على حجج المثبتين
اختلطت، فالحرارةُ المنضجة الطابخة لها هي حرارةُ الشمس وسائر الكواكب، ثم
ذلك المركَّب عند كمال نضجه مستعد لقبول الهيئة التركيبية بواسطة السخونة نباتاً
كان أو حيواناً أو معدناً، وما المانع أن تلك السخونة والحرارة التي في المركبات
هي بسبب خواص وقوى يُحدِثها الله تعالى عند ذلك الامتزاج لا من أجزاء نارية
بالفعل؟ ولا سبيل لكم إلى إبطال هذا الإِمكان البتة، وقد اعترف جماعة من
فضلاء الأطباء بذلك.
وأما حديث إحساس البدن بالبرد، فنقول: هذا يدل على أن في البدن
حرارة وتسخيناً، ومن ينكر ذلك؟ لكن ما الدليل على انحصار المسخن في النار،
فإنه وإن كان كل نار مسخناً، فإن لهذه القضية لا تنعكس كلية، بل عكسها الصادق
بعض المسخن نار .
وأما قولكم بفساد صورة النار النوعية، فأكثر الأطباء على بقاء صورتها
النوعية، والقول بفسادها قول فاسد قد اعترف بفساده أفضلُ متأخريكم في كتابه
المسمى بالشفا (١)، وبرهن على بقاء الأركان أجمع على طبائعها في المركبات.
وبالله التوفيق.
(١) هو للشيخ الرئيس أبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا يعد في الفلاسفة الأذكياء
المكثرين من التصنيف، وله انحرافات وشطحات نأى بها عن صراط الإِسلام السوي
لا يرضى عنها أهل الاستقامة من العلماء ومنهم المؤلف، ولذا عرض به بقوله:
(متأخريكم)) وللمؤلف وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية نقدات لاذعة لانحرافاته،
نثراها في مؤلفاتهما الكثيرة. توفي سنة ٤٢٨ هـ.
٢١

فصل
أنواع علاجه
وكان علاجُه ◌َّ للمرض ثلاثة أنواع ...
أحدها: بالأدوية الطبيعية .
والثاني: بالأدوية الإلهية.
والثالث: بالمركب من الأمرين.
ونحن نذكر الأنواع الثلاثة من هديه يسير، فنبدأ بذكر الأدوية الطبيعية التي
وصفها واستعملها، ثم نذكر الأدوية الإلهية، ثم المركبة.
وهذا إنما نُشير إليه إشارة، فإن رسولَ اللهِوَ ﴿ إنما بُعِثَ هادياً، وداعياً إلى
اللَّهِ، وإلى جنته، ومعرفاً بالله، ومبيناً للأمة مواقع رضاه وآمراً لهم بها، ومواقعَ
سخطه وناهياً لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم،
وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها،
وأسباب ذلك.
وأما طب الأبدان: فجاء من تكميل شريعته، ومقصوداً لغيره، بحيث إنما
يُستعمل عند الحاجة إليه، فإذا قدر على الاستغناء عنه، كان صرفُ الهمم والقوى
إلى علاج القلوب والأرواح، وحفظ صحتها، ودفع أسقامها، وحِميتها مما
يُفسِدُها هو المقصودُ بالقصد الأول، وإصلاحُ البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع،
وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جداً، وهي مضرة زائلة تعقبها المنفعة
الدائمة التامة، وبالله التوفيق.
٢٢

ذكر القسم الأول وهو العلاج بالأدوية الطبيعية
فصل
في هديه في علاج الحمَّى
ثبت في ((الصحيحين)): عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيَّ بَّه قال: ((إنَّما
الحُمَّى أو شِدَّةُ الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم، فَأَبْرِدُوها بِالمَاءِ»(١).
وقد أشكل هذا الحديثُ على كثير مِن جهلة الأطباء، ورأوه منافياً لدواء خطابه : ﴿ نوعان عام
الحمى وعلاجها، ونحن نبيِّنُ بحول الله وقوته وجهه وفقهه، فنقول: خطاب
لأهل الأرض وخاص
ببعضهم
النبي ◌َّ نوعان: عام لأهل الأرض، وخاص ببعضهم، فالأول: كعامة خطابه،
والثاني: كقوله: ((لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطِ، ولاَ بَوْلٍ، ولا تَسْتَذْبِرُؤُهَا، ولُكِنْ
شَرِّقوا، أَوْ غَرِّبُوا))(٢) فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق والمغرب ولا العراق،
(١) أخرجه البخاري ١٤٦/١٠ في الطب: باب الحمى من فيح جهنم، ومسلم (٢٢٠٩)
في السلام: باب لكل داء دواء، وقال بعض الأطباء: كل حالات الحميات عند
اشتداد الحرارة تعالج بالماء بطريقتين، الأولى من الخارج على هيئة مكمدات باردة
أو مثلجة لغرض إنزال درجة الحرارة، والثانية: تعاطي الماء بالفم بكثرة أثناء
الحميات يساعد جميع أعضاء الجسم خصوصاً الكليتين على النهوض بوظائفها
الحيوية للجسم.
(٢) أخرجه البخاري ٤١٨/١ في القبلة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق،
ومسلم (٢٦٤) في الطهارة: باب الاستطابة من حديث أبي أيوب، قال البغوي في
(شرح السنة)) ٣٥٩/١ بتحقيقنا وقوله: ((شرقوا أو غربوا)): هذا خطاب لأهل المدينة
ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو
المغرب، فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال.
٢٣

ولكن لأهل المدينة وما على سَمْتِها، كالشام وغيرها. وكذلك قوله: «مَا بَيْنَ
المَشْرقِ والمَغْرِبِ قِبْلَة))(١) .
حديث الحمى خاص بأهل
الحجاز
وإذا عُرِفَ هذا، فخطابه في هذا الحديث خاصٌّ بأهل الحجاز، وما
والاهم، إذ كان أكثرُ الحُمَّيات التي تعرض لهم من نوع الحُمَّى اليومية العرضية
الحادثة عن شِدة حرارة الشمس، وهذه ينفعُها الماء البارِدُ شُرباً واغتسالاً، فإن
الحمَّى حرارةٌ غريبة تشتعل في القلب، وتنبث منه بتوسط الروح والدم في
الشرايين والعروق إلى جميع البدن، فتشتعل فيه اشتعالاً يضر بالأفعال الطبيعية،
وهي تنقسم إلى قسمين: عرضية: وهي الحادثة إما عن الورم، أو الحركة، أو
إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك.
أسباب الحمى
ومرضية: وهي ثلاثةُ أنواع، وهي لا تكون إلا في مادة أُولى، ثم منها
يسخن جميع البدن. فإن كان مبدأ تعلقها بالروح سميت حُمَّى يوم، لأنها في
الغالب تزول في يوم، ونهايتها ثلاثة أيام، وإن كان مبدأُ تعلقها بالأخلاط سميت
عفنية، وهي أربعة أصناف: صفراوية، وسوداوية، وبلغمية، ودموية. وإن كان
مبدأ تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية، سميت حمَّى دِق، وتحت هذه الأنواع
أصناف كثيرة.
وقد ينتفع البدن بالحمَّى انتفاعاً عظيماً لا يبلغه الدواء، وكثيراً ما يكون
حمَّى يوم، وحمَّى العفن سبباً لانضاج مواد غليظة لم تكن تنضِجُ بدونها، وسبباً
لتفتح سُدَدٍ لم يكن تصل إليها الأدوية المفتحة.
برىء الحمى كثيراً من
الأمراض
وأما الرمدُ الحديث والمتقادِمِ، فإنها تُبرىء أكثرَ أنواعه بُرءاً عجيباً سريعاً،
حديث صحيح بطرقه أخرجه الترمذي (٣٤٤) وابن ماجه (١٠١١) والحاكم
(١)
٢٠٥/١، ٢٠٦ والبيهقي ٩/٢ من حديث أبي هريرة، وروى مالك في ((الموطأ))
٢٠١/١ عن نافع أن عمر بن الخطاب قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجه
قبل البيت».
٢٤

وتنفع مِن الفالج، واللَّقْوَة (١)، والتشتُّج الامتلائي، وكثيراً من الأمراض الحادثة
عن الفضول الغليظة .
تأكيد هذا القول للمصنف
من قبل بعض الأطباء
وقال لي بعض فضلاء الأطباء: إن كثيراً من الأمراض نستبشر فيها بالحمَّى،
كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمَّى فيه أنفَع مِن شرب الدواء بكثير،
فإنها تُنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضُرُّ بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها
الدواء متهيئة للخروج بنضاجها، فأخرجها، فكانت سبباً للشفاء (٢).
وإذا عرف هذا، فيجوز أن يكون مرادُ الحديثِ من أقسام الحُمَّيات
العرضية، فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد، وسقي الماء البارد
المثلوج، ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر، فإنها مجردُ كيفية حارة
متعلقة بالروح، فيكفي في زوالها مجردُ وصول كيفية باردة تسكنها، وتخمد لهبها
من غير حاجة إلى استفراغ مادة، أو انتظار نضج.
ويجوز أن يُراد به جميع أنواع الحميات، وقد اعترف فاضل الأطباء
جالينوس (٣): بأن الماء البارد ينفع فيها، قال في المقالة العاشرة من كتاب ((حيلة
البرء)»: ولو أن رجلاً شاباً حسنَ اللحم، خِصب البدن في وقت القيظ، وفي وقت
منتهى الحمَّى، وليس في أحشائه ورم، استحم بماء بارد أو سبح فيه، لانتفعَ
بذلك. قال: ونحن نأمر بذلك لا توقف.
اعتراف جالينوس بان
الماء البارد ينفع في
الحمى
(١) اللقوه: داء يكون في الوجه يعوج منه الشدق.
(٢) قال الدكتور عادل الأزهري: إن بعض الأمراض الزمنة - مثل مرض الروماتزم
المفصلي الزمن، الذي تتصلب فيه المفاصل، وتصبح غير قادرة على التحرك، أو
مرض الزهري الزمن في الجهاز العصبي ــ تتحسن كثيراً بارتفاع درجة حرارة
الجسم، أي: في حالات الحميات، ولذلك من ضمن طرق العلاج الطبي - في مثل
هذه الحالات - الحمى الصناعية، أي: إحداث حالة حمى في المريض بحقنه بمواد
معينة.
(٣) طبيب يوناني له اكتشافات رائعة في التشريح، وهو من أكبر مراجع أطباء العرب
توفي سنة ٢٠١ م.
٢٥

قول الرازي
وقال الرازي(١) في كتابه الكبير: إذا كانت القوة قوية، والحمَّى، حادَّة
جداً، والنضج بيِّن ولا ورم في الجوف، ولا فتق، ينفع الماء البارد شرباً، وإن
كان العليل خِصب البدن والزمان حارٌّ، وكان معتاداً لاستعمال الماء البارد من
خارج، فليؤذن فيه .
وقوله: ((الحمَّى من فيح جهنم))، هو شدة لهبها، وانتشارُها، ونظيره:
قوله: «شدة الحر مِن فیح جهنم)»، وفيه وجهان.
معنى: ((الحمى من فيح
جهنم)»
أحدهما: أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتُقْت مِن جهنم ليستَدِلَّ بها العبادُ
عليها، ويعتبروا بها، ثم إن الله سبحانه قدَّر ظهورها بأسبابٍ تقتضيها، كما أن
الروحَ والفرح والسرور واللذة مِن نعيم الجنة أظهرها الله في هذه الدار عِبرة
ودلالة، وقدَّر ظهورها بأسباب توجبها .
والثاني: أن يكون المراد التشبيه، فشبه شدة الحمَّى ولهبها بفيح جهنم،
وشبه شدة الحر به أيضاً تنبيهاً للنفوس على شدة عذاب النار، وأن هذه الحرارة
العظيمة مشبهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها .
معنى: «فابردوها)»
وقوله: ((فأبردوها))، روي بوجهين: بقطع الهمزة وفتحها، رباعي: من
أبرد الشيء: إذا صيره بارداً، مثل أسخنه: إذا صيره سخناً.
والثاني: بهمزة الوصل مضمومة من برد الشيء يبرُدُهُ، وهو أفصح لغة
واستعمالاً، والرباعي لغة رديئة عندهم قال:
إذا وَجَدْتُ لَهِيبَ الحُبِّ في كَبِدِي أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ القَوْمِ أَبْتَرِدُ
(١) هو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي من أشهر أطباء العرب، ولد في الري، ولقب
جالينوس العرب، وطبيب المسلمين له مؤلفات كثيرة منها ((الحاوي في صناعة
الطب)) في مقدار ثلاثين مجلداً، و((الجدري والحصبة)) توفي سنة ٣١١ هـ مترجم
في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٣٢/٩، و((عيون الأنباء)) ٣٠٩/١، ٣٢١، و«شذرات
الذهب)) ٢٦٣/٢ و((وفيات الأعيان)) ١٠٣/٢، ١٠٤.
٢٦

هَبْنِي بَرِدْتُ ببرد الماء ظَاهِرَه
فَمِنْ لِنَارِ عَلِي الأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ (١)
معنى: ((بالماء»
وقوله: ((بالماء))، فيه قولان. أحدهما: أنه كل ماء وهو الصحيح.
والثاني: أنه ماء زمزم، واحتج أصحابُ هذا القول بما رواه البخاري في
((صحيحه)) عن أبي جمرة نصْر بن عمران الضُّبَعِي، قال: كنتُ أجالس ابنَ عباس
بمكة، فأخذتني الحُمَّى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسولَ الله ◌ِ ﴾ قال:
((إنَّ الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم فأبْرِدُوها بالمَاءِ، أو قال: بماءٍ زَمْزَمَ»(٢). وراوي هذا
قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمراً لأهل مكة بماء زمزم، إذ هو متيسر عندهم،
ولغيرهم بما عندهم من الماء.
ثم اختلف من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء، أو
استعماله؟ على قولين. والصحيح أنه استعمال، وأظن أن الذي حمل من قال:
المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمَّى، ولم يفهم وجهه
مع أن لقوله وجهاً حسناً، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أحمد لهيب
العطش عن الظمآن بالماء البارد، أخمد الله لهيب الحمَّى عنه جزاءً وفاقاً، ولكن
هذا يُؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به فاستعماله.
وقد ذكر أبو نعيم وغيره من حديث أنس يرفعه: ((إذا حُمَّ أَحَدُكُم، فَلْيَرُشَّ
عَلَيْهِ المَاءَ البَارِدَ ثَلاثَ لَيَالٍ مِنَ السَّحَرَ))(٣).
(١) البيتان لعروة بن أذينة في ((الشعر والشعراء)): ٥٨٠ و((زهر الآداب)) ١٦٧/١،
و ((وفيات الأعيان)) ٢/ ٣٩٤.
(٢) أخرجه البخاري ٢٣٨/٦ في بدء الخلق: باب صفة النار. والفيح: سطوع الحر
وفورانه.
(٣) وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٠٠/٤ وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا،
وقال الحافظ في ((الفتح)): سنده قوي، وأورده الضياء المقدسي في ((المختارة))،
وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٩٤/٥ للطبراني وقال: رجاله ثقات.
٢٧

وفي ((سنن ابن ماجه)) عن أبي هريرة يرفعه: ((الحُمَّى كِيرٌ مِن كيرِ جَهَنَّم،
فَنَخُوها عَنْكُمْ بِالماءِ البَارِدِ)) (١) .
وفي ((المسند)) وغيره، من حديث الحسن، عن سمرة يرفعه: ((الحُمَّى قِطْعَةٌ
مِنَ النَّارِ، فَأَبْرِدُوها عنْكُمْ بِالمَاءِ البَارد»، وكان رسولُ الله ◌ََّ إذا حُمَّ دعا بقِربة من
ماء، فأفرغها على رأسه فاغتسل(٢) .
وفي ((السنن)): من حديث أبي هريرة قال: ذُكرَت الحُمَّى عندَ
رسول الله ◌َّه، فسبها رجل، فقال رسول الله ◌َّ: ((لا تَسُبَّها فإنَّها تَنْفِي الدُّنُوب،
كَما تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ)»(٣) .
لما كانت الحمَّى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة، وتناول الأغذية والأدوية
النافعة، وفي ذلك إعانة على تنقية البدن، ونفي أخبائه وفضوله، وتصفيته من
مواده الرديئة، وتفعل فيه كما تفعل النار في الحديد في نفي خبثه، وتصفية
جوهره، كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تُصَفِّي جوهر الحديد، وهذا القدرُ هو
المعلوم عند أطباء الأبدان.
وأما تصفيتها القلب من وسخه ودرنه، وإخراجها خبائثه، فأمر يعلمه أطباءُ
القلوب، ويجدونه كما أخبرهم به نبيُّهم رسول الله مِّ، ولكن مرض القلب إذا
الحمى تنفع البدن والقلب
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٧٥) ورجاله ثقات، وقال البوصيري في ((زوائده)): إسناده
صحیح، ورجاله ثقات.
(٢) لم نجده في المسند، وقد أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٩٤/٥، ونسبه للطبراني
والبزار، وقال: فيه إسماعيل بن مسلم وهو متروك.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٤٦٩) وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف، لكن أخرج
مسلم في (صحيحه)) (٤٥٧٥) من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله دخل
على أم السائب، أو أم المسيب، فقال: مالك يا أمَّ السائب أو يا أم المسيب
تزفزفين؟ (ترعدين) قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: ((لا تسبي الحمى، فإنها
تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد)».
٢٨

صار مأيوساً من برئه، لم ينفع فيه هذا العلاج.
فالحمَّى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة فسبه ظلم وعُدوان،
وذكرت مرة وأنا محمومٌ قول بعض الشعراء یسُّها :
· تَبَّالَهَا مِنْ زَائِرٍ ومُوَدِّعَ
زَارَتْ مُكَفِّرَةُ الذُّنُوبِ وَوَدَّعَتْ
مَاذَا تُرِيدُ فَقلتُ أَنْ لا تَرْجِعِي
قَالَتْ وقَدْ عَزَمَتْ عَلىْ تَرْحَالِها
فقلت: تباً له إذ سب ما نھی رسولُ الله چے عن سبه، ولو قال:
أَهْلاً بِها مِنْ زَائِرٍ ومُوَدِّعِ
زَارَتْ مُكَفِّرَةُ الذُّنُوبِ لِصَبِّها
مَاذا تُريدُ فقلت: أن لا تُفْلِعي
قالَتْ وقَدْ عَزَمَتْ عَلىُ تَرْحَالِها
لكان أولى به، ولأقلعت عنه، فأقلعت عني سريعاً. وقد روي في أثر لا
أعرف حاله ((حُمَّى يَوْمٍ كَفَّارَةُ سَنَةٍ»(١)، وفيه قولان أحدُهما: أن الحمَّى تدخل في
کل الأعضاء والمفاصل، وعدتها ثلاثمائة وستون مَفْصِلاً، فتكفر عنه - بعدد كل
مفصل - ذنوبَ يوم. والثاني: أنها تؤثر في البدن تأثيراً لا يزول بالكلية إلى سنة،
كما قيلَ في قوله ◌ََّ: ((مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمَا))(٢) : إن أثر
الخمر يبقى في جوف العبد، وعروقه، وأعضائه أربعين يوماً والله أعلم.
قال أبو هريرة: ما من مرض يُصيبني أحبُّ إليَّ من الحمَّى، لأنها تدخل في
(١) قال في ((المقاصد)): رواه القضاعي في ((مسنده)) عن ابن مسعود مرفوعاً في حديث
بلفظ ((وحمى ليلة تكفر خطايا سنة مجرَّمة)) وله شاهد رواه ابن أبي الدنيا عن أبي
الدرداء موقوفا بلفظ ((حمى ليلة كفارة سنة))، ورواه تمام في ((فوائده)) عن أبي هريرة
مرفوعاً وانظر تمام كلامه فيه.
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد (٦٧٧٣) وابن ماجه (٣٣٧٧) من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ١٤٦/٤، ووافقه الذهبي،
وأخرجه أحمد (٤٩١٧) والترمذي (١٨٦٣) من حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد
١٧١/٥ من حديث أبي ذر.
٢٩

كل عضو مني، وإن الله سبحانه يُعطي كل عضو حظه من الأجر.
وقد روى الترمذي في ((جامعه)) من حديث رافع بن خديج يرفعه: ((إذا
أصَابَتْ أَحَدَكُمُ الحُمَّى - وإنَّ الحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ - فَلْيُطْفِتْها بِالمَاءِ الْبَارِدِ
ويستقبل نهراً جَارِياً، فليستقبل جَرْيَةَ المَاءِ بَعْدَ الفَجْرِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ،
وليقل: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَك، وصَدِّقْ رَسُولَك، وينغمِس فيه ثَلاَثَ غَمَسَات
ثلاثَةَ أيام، فإن بَرِىءَ، والإِنفي خمس، فإن لم يبرأ في خمس، فسبع، فإن لم يبرأ
في سبع فتسع، فإنها لا تكاد تُجاوز تسعاً بإذن الله))(١).
قلت: وهو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحارة على الشرائط التي
تقدَّمت، فإن الماء في ذلك الوقت أبردُ ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور
القوى في ذلك الوقت لما أفادها النوم، والسكون، وبرد الهواء، فتجتمع فيه قوة
القوى، وقوة الدواء، وهو الماء البارد على حرارة الحمَّى العرضية، أو الغِبِّ
الخالصة، أعني التي لا ورم معها، ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد
الفاسدة، فيُطفئها بإذن الله، لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث، وهي
الأيام التي يقع فيها بُحران الأمراض الحادة كثيراً، سيما في البلاد المذكورة لرقة
أخلاط سكانها، وسُرعة انفعالهم عن الدواء النافع .
فصل
في هديه في علاج استطلاق البطن
علاجه بالعسل
في ((الصحيحين)): من حديث أبي المتوكّل، عن أبي سعيد الخدري، أن
رجلاً أتى النبيَّ ◌َّهَ، فقال: إن أخي يشتكي بطنَه: وفي روايةٍ: استطلق بطنُه،
فقال: ((اسْقِهِ عَسَلاً)، فذهب ثم رجع، فقال: قد سقيتُه، فلم يُغْنِ عنه شيئاً. وفي
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٨٥) وأحمد ٢٨١/٥ من حديث ثوبان وليس من حديث رافع
ابن خديج كما قال المؤلف، وفي سنده مجهول.
٣٠

لفظ: فلم يَزْدْه إلا استطلاقاً مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقولُ له: ((اسْقِهِ عَسَلاً))،
فقال له في الثالثة أو الرابعة: صَدَقَ الله، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ))(١).
وفي ((صحيح مسلم)) في لفظ له: ((إن أخي عَرِبَ بطنه))، أي فسد هضمُه،
واعتَلَّت مَعِدَتُه، والاسم العَرَب بفتح الراء، والذَّرَب أيضاً.
منافع العسل
والعسل فيه منافعُ عظيمة، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء
وغيرها، محلل للرطوبات أكلاً وطِلاءً، نافع للمشايخ وأصحابِ البلغم، ومن
كان مزاجه بارداً رطباً، وهو مُغذٍ ملين للطبيعة، حافِظ لقوى المعاجين ولما
استودِعَ فيه، مذهبٌ لكيفيات الأدوية الكريهة، منقِّ للكبد والصدر، مُدِرٌّ للبول،
موافِقٌ للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شُرِبَ حاراً بدُهن الورد، نفع من نهش
الهوام وشرب الأفيون، وإن شُرِبَ وحدَه ممزوجاً بماء نفع من عضة الكلبِ
الكَلِبِ، وأكل الفُطُرِ(٢) القتال، وإذا جُعِل فيه اللحمُ الطريُّ، حَفِظَ طَراوته ثلاثةَ
أشهر، وكذلك إن جُعِل فيه القِثَّاء، والخيارُ، والقرحُ، والباذنجان، ويحفظ كثيراً
من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويُسمى الحافظَ الأمين. وإذا لطخ به
البدن المقمل والشعر، قتل قَملَه وصِئبانَه، وطوَّل الشعرَ، وحسنه، ونعَّمه، وإن
اكتحل به، جلا ظُلمة البصر، وإن استُنَّ به، بيَّضَ الأسنان وصقَلَها، وحَفِظَ
صحتها، وصحة اللَّةِ، ويفتح أفواهَ العُروقِ، ويُدِرُّ الطَّمث، ولعقُه على الريق
يُذهب البلغم، ويَغْسِل خَمْلَ المعدة، ويدفعُ الفضلات عنها، ويسخنها تسخيناً
معتدلاً، ويفتح سُدَدَها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقلُّ ضرراً
لسُدَد الكبد والطحال من كل حلو.
وهو مع هذا كله مأمونُ الغائلة، قليلُ المضار، مُضِرٍّ بالعرض للصفراويين،
(١) أخرجه البخاري ١١٩/١٠ في الطب: باب الدواء بالعسل، وقول الله تعالى (فيه
شفاء للناس) ومسلم (٢٢١٧) في السلام: باب التداوي بالعسل.
(٢) الفطر بضمتين: نوع من الكمأة قتال.
٣١

ودفعها بالخل ونحوه، فیعودُ حينئذ نافعاً له جداً.
وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع
الحلوى، وطِلاء مع الأطلية، ومُفرِّح مع المفرِّحات، فما خُلِقَ لنا شيءٌ في معناه
أفضلَ منه، ولا مثله، ولا قريباً منه، ولم يكن معوّلُ القدماء إلا عليه، وأكثرُ كتب
القدماء لا ذِكر فيها للسكر البتة، ولا يعرفونه، فإنه حديثُ العهد حدث قريباً،
وكان النبي ◌َّ يشربه بالماء على الريق، وفي ذلك سِرٌّ بديع في حفظ الصحة لا
يُدركه إلا الفطن الفاضل، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر هديه في حفظ
الصحة.
وفي ((سنن ابن ماجه)) مرفوعاً من حديث أبي هريرة ((مَنْ لَعِقَ العَسَلِ ثَلاثَ
غدَوَاتٍ كُلَّ شَهْرٍ، لَمْ يُصِبْهِ عَظِيمٌ مِنَ البَلاءِ» (١)، وفي أثر آخر: ((عَلَيْكُم
بالشِّفَاءَيْنِ: العَسَلِ والقُرآنِ(٢)» فجمع بين الطب البشري والإِلهي، وبين طب
الأبدان، وطب الأرواح، وبين الدواء الأرضي والدواء السمائي.
إذا عُرِفَ هذا، فهذا الذي وصف له النبيُّ ◌ََّ العسَل، كان استطلاقُ
بطنه عن تُخَمَةِ أصابته عن امتلاء، فأمره بشُرب العسل لدفع الفُضول
المجتمعة في نواحي المَعِدَة والأمعاء، فإن العسلَ فيه جِلاء، ودفع للفضول،
وكان قد أصاب المعدة أخلاط لَزِجَةٌ، تمنع استقرارَ الغذاء فيها للزوجتها، فإن
المعدة لها خَمْلٌ كخمل القطيفة، فإذا علقت بها الأخلاطُ اللزجة، أفسدتها
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٠) في الطب: باب العسل، وفي سنده الزبير بن سعيد
الهاشمي وهو لين الحديث، وعبد الحميد بن سالم وهو مجهول، ولم يسمعه من أبي
هريرة.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٢) والحاكم ٢٠٠/٤ من حديث أبي إسحاق، عن أبي
الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، وصححه، ووافقه الذهبي وهو كما قالا إلا أن
غير واحد من الثقات، وقفه على ابن مسعود، وصحح وقفه عليه البيهقي في ((دلائل
النبوة».
٣٢

وأفسدت الغِذاء، فدواؤها بما يجلُوها من تلك الأخلاط، والعسل جلاء،
والعسل مِن أحسن ما عُولج به هذا الداء، لا سيما إن مزج بالماء الحار.
وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع، وهو أن الدواء يجب أن يكون فائدة تكرار سفي العسل
له مقدار، وكمية بحسب حال الداءِ، إن قصر عنه، لم يُزله بالكلية، وإن
جاوزه. أوهى القُوى، فأحدث ضرراً آخر، فلما أمره أن يسقيَه العسل، سقاه
مقداراً لا يفي بمقاومة الداءِ، ولا يبلُغ الغرضَ، فلما أخبره، علم أن الذي
سقاه لا يبلُغ مقدار الحاجة، فلما تكرر تردادُه إلى النبيِ وََّ، أكَّد عليه
المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء، فلما تكررت الشرباتُ بحسب مادة
الداء، بَرَأ، بإذن الله، واعتبار مقادير الأدوية، وكيفياتها، ومقدار قوة المرض
مرض من أكبر قواعد الطب.
وفي قوله ◌ََّ: ((صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ))، إشارة إلى تحقيق نفع
هذا الدواء، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكَذِب
البطن، وكثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة.
معنى: ((صدق الله وكذب
بطن أخيك»
وليس ◌ِبُّهُ بَّ كطِبِّ الأطباء، فإن طب النبي ◌َّ متيقن قطعي إلهي،
صادر عن الوحي، ومشكاة النبوة، وكمالِ العقل. وطِبُّ غيره، أكثره حَدْس
وظنون، وتجارِب، ولا يُنْكَرُ عدمُ انتفاع كثير من المرضى بطِب النبوة، فإنه
إنما ينتفعُ به من تلقَّاه بالقبول، واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإِيمان
والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور - إن لم يتلقَ هذا
التلقي - لم يحصل به شفاءُ الصُّدور مِن أدوائِها، بل لا يزيدُ المنافقين إلا
رجساً إلى رجسهم، ومرضاً إلى مرضهم، وأين يقعُ طب الأبدان منه، فطِب
النبوةٍ لا يُناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شِفاء القرآن لا يُناسب إلا الأرواح
الطيبة والقلوب الحية، فإعراضُ الناس عن طِب النبوة كإعراضهم عن
الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك لقصور في الدواء،
ولكن لخُبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله، والله الموفق.
٣٣
زاد المعاد ج ٤-م٢

فصل
وقد اختلف الناس في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونها شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ
أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلْنَّاس﴾ [النحل: ٦٩]، هل الضميرُ في ((فيه)) راجع إلى الشراب،
أو راجع إلى القرآن؟ على قولين: الصحيح: رجوعُه إلى الشراب وهو قول ابنٍ
مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأكثرين، فإنه هو المذكور، والكلامُ
سِيق لأجله، ولا ذِكر للقرآن في الآية، وهذا الحديثُ الصحيح وهو قوله: ((صَدَقَ
اللَّهُ)» کالصريح فیه، والله تعالى أعلم.
بيان أن العسل فيه شفاء
للناس
فصل
في هديه في الطَّاعون، وعلاجه، والاحتراز منه
في ((الصحيحين)) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أنه سمعه
يسألُ أسامة بنَ زيد: ماذا سمِعْتَ مِن رسول الله ◌َ ل ◌ٍ في الطاعون؟ فقال أسامة:
قال رسول الله ◌ٍَّ: ((الطَّاعُونُ رْزٌ أُرْسِلَ على طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَعَلى مَنْ
كَانَ قَبْلَكُم، فإذا سَمِعْتُم بِهِ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخِلُوا عَلَيْهِ، وإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُم بِها،
فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْها فِرَاراً مِنْه))(١).
وفي ((الصحيحين)) أيضاً: عن حفصة بنت سيرين، قالت: قال أنسُ بن
مالك: قال رسول الله صَلّ: ((الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِم)) (٢).
(١) أخرجه البخاري ٣٧٧/٦ في الأنبياء: باب ما ذكر عن بين إسرائيل، ومسلم
(٢٢١٨) في السلام: باب الطاعون والطيرة. وهذا هو المتبع حتى الآن في الوقاية
من الطاعون، فإذا أصيبت بلدة بهذا المرض، عمل حولها الحجر الصحي، فيمنع
أي شخص من الخروج منها، ويمنع دخول أي شخص إليها ما عدا الأطباء ومن
يعاونهم، وبذلك يمنع المرض من الانتشار خارج هذه البلدة.
(٢) أخرجه البخاري ١٦٢/١٠ في الطب: باب ما يذكر في الطاعون، ومسلم . =
٣٤

ما هو الطاعون؟
الطاعون - من حيث اللغة - : نوع من الوباء، قاله صاحب ((الصحاح))،
وهو عند أهل الطب: ورم رديء قتال يخرج معه تلُّب شديد مؤلم جداً يتجاوز
المقدار في ذلك، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر، أو أكمد، ويؤول
أمره إلى التقرح سريعاً. وفي الأكثر، يحدث في ثلاثة مواضعَ: في الإِبْطِ، وخلفَ
الأذن، والأرنبة، وفي اللحوم الرخوة (١).
وفي أثر عن عائشة أنها قالت للنَّبي ◌َّ: الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟
قال: ((غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ يَخْرُجُ في المَراقُّ والإِبْطِ))(٢) .
قال الأطباء: إذا وقع الخَرَّاجُ في اللحوم الرخوة، والمغابن، وخلف الأذن
والأرنبة، وكان من جنس فاسد، سُمِّي طاعوناً، وسيبُه دم رديء مائل إلى العُفونة
والفساد، مستحيل إلى جوهر سُمِّيٍّ، يفسِدُ العضوَ ويُغيِّرِ ما يليه، وربما رَشَحَ دَماً
وصديداً ويُؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء والخفقان والغَشي، وهذا
الاسم وإن كان يَعُمُّ كُلَّ ورم يؤدي إلى القلب كيفية رديئة حتى يصيرَ لذلك قتالاً،
فإنه يختصُّ به الحادث في اللحم الغُددي، لأنه لرداءته لا يقبلُه من الأعضاء إلا ما
كان أضعفَ بالطبع، وأردؤُه ما حدث في الإِبِط وخلفَ الأذن لقربهما من الأعضاء
التي هي أرأس، وأسلمه الأحمر، ثم الأصفر. والذي إلى السواد، فلا يفلت منه
أحدٌ.
ولما كان الطاعون يكثر في الوباء، وفي البلاد الوبيئة، عبر عنه بالوباء، كما
قال الخليل: الوباء: الطاعون. وقيل: هو كل مرض يعم، والتحقيق أن بين الوباء
=
(١٩٦١) في الإمارة: باب بيان الشهداء.
(١) قال الدكتور عادل الأزهري: مرض الطاعون تجيء عدواه من البراغيث المحملة
بالميكروب من الفئران، وغالباً ما يلدغ البرغوث الساق ثم الذراع ثم الوجه، وهذا
يفسر وجود الطاعون الدملي في الأوردة أو تحت الابط أو الرقبة كما ذكر.
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ١٤٥ و ٢٥٥، وسنده حسن.
٣٥

والطاعون عموماً وخصوصاً، فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعوناً، وكذلك
الأمراض العامة أعم من الطاعون، فإنه واحد منها، والطواعين خراجات وقروح
وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها.
آثار الطاعون
قلت: هذه القروح، والأورام، والجراحات، هي آثار الطاعون، وليست
نفسَه، ولكن الأطباء لما لم تُدرك منه إلا الأثر الظاهر، جعلوه نفسَ الطاعون.
والطاعون يعبر به عن ثلاثة أمور:
أحدها: هذا الأثر الظاهر، وهو الذي ذكره الأطباء.
والثاني: الموت الحادث عنه، وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله:
(«الطاعونُ شهادةٌ لكل مسلم)).
والثالث: السبب الفاعل لهذا الداء، وقد ورد في الحديث الصحيح: ((أنه
بقية رجز أُرسِلَ على بني إسرائيل (١)))، وورد فيه («أنه وخْزُ الجِن(٢))، وجاء أنه
دعوة نبي .
بيان ما المجن من تأثير
في الطاعون _ وكيفية
دفعه
وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها، كما ليس عندهم ما يدل
عليها، والرسل تخبر بالأمور الغائبة، وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون
ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح، فإن تأثيرَ الأرواح في الطبيعة
وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا مَن هو أجهل الناس بالأرواح وتأثيراتها،
وانفعال الأجسام وطبائعها عنها، واللَّهُ سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفاً في
أجسام بني آدم عند حدوث الوباء، وفسادِ الهواء، كما يجعل لها تصرفاً عند بعضٍ
المواد الرديئة التي تُحدث للنفوس هيئة رديئة، ولا سيما عند هيجان الدم، والمِرَّة
السوداء، وعند هَيجان المَني، فإن الأرواح الشيطانية تتمكن مِن فعلها بصاحب
أخرجه البخاري ٣٧٧/٦ في الأنبياء، ومسلم (٢٢١٨) من حديث أسامة بن زيد.
(١)
(٢)
أخرجه أحمد ٣٩٥/٤ و٤١٣ و٤١٧، والطبراني في ((المعجم الصغير)) ص ٧١،
وسنده صحيح، وصححه الحاكم ٥٠/١، ووافقه الذهبي.
٣٦

هذه العوارض ما لا تتمكّن من غيره، ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب
من الذكر، والدعاء، والابتهال والتضرع، والصدقة، وقراءة القرآن، فإنه يستنزل
بذلك من الأرواح الملكية ما يقهَرُ هذه الأرواح الخبيثَة، ويُبطل شرها ويدفع
تأثيرها، وقد جربنا نحنُ وغيرُنا هذا مراراً لا يُحصيها إلا الله، ورأينا لاستنزالِ هذه
الأرواح الطيبة واستجلابٍ قُربها تأثيراً عظيماً في تقوية الطبيعة، ودفع المواد
الرديئة، وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها، ولا يكاد ينخرم، فمن وفقه الله،
بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه، وهي له من
أنفع الدواء، وإذا أراد الله عز وجل إنفاذَ قضائه وقدره، أغفل قلبَ العبد عن
معرفتها وتصوُّرِها وإرادتها، فلا يشعر بها، ولا يُريدها، ليقضي الله فيه أمراً كان
مفعولاً .
وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله تعالى إيضاحاً وبياناً عند الكلام على التداوي
بالرُّقى، والعُوذ النبوية، والأذكار، والدعوات، وفعل الخيرات، ونبين أن نسبة
طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي، كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم، كما
اعترف به حذاقهم وأئمتهم، ونبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شيء انفعالاً عن
الأرواح، وأن قوى العوذ، والرقى، والدعوات، فوقَ قوى الأدوية، حتى إنها
تُبطل قوى السموم القاتلة.
والمقصود: أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام، والعلة الفاعلة فساد الهواء جزء من
للطاعون، فإن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباءِ وفساده، يكون
لاستحالة جوهره إلى الرداءة، لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه، كالعفونة،
والنتن والسُّمية في أي وقت كان من أوقات السنة، وإن كان أكثر حدوثه في أواخر
الصيف، وفي الخريف غالباً لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في
فصل الصيف، وعدم تحللها في آخره، وفي الخريف لبرد الجو، وردغة الأبخرة
والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف. فتنحصر، فتسخن، وتعفن،
فتحدث الأمراض العفنة، ولا سيما إذا صادفت البدن مستعداً، قابلاً رهِلاً، قليل
أسباب الطاعون وبيان
حاله في الفصول
٣٧

الحركة، كثيرَ المواد، فهذا لا يكاد يُفْلِت من العطب.
وأصحُّ الفصول فيه فصلُ الربيع. قال بقراط(١): إن في الخريف أشد ما
تكون من الأمراض، وأقتل، وأما الربيعُ، فأصحُّ الأوقات كلها وأقلُها موتاً، وقد
جرت عادةُ الصيادلة، ومجهزي الموتى أنهم يستدينونَ، ويتسلَّفون في الربيع
والصيف على فصل الخريف، فهو ربيعُهم، وهُمْ أشوقُ شيء إليه، وأفرحُ
بقدومه، وقد رُوي في حديث: ((إذا طَلَعَ النَّجْمُ ارْتَفَعَتِ العَاهَةُ عَنْ كُلِّ بَلَدٍ))(٢).
وفسر بطلوع الثريا، وفسر بطلوع النبات زمن الربيع، ومنه ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ
يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٧]، فإن كمالَ طلوعه وتمامَه یکون في فصل الربيع، وهو
الفصلُ الذي ترتفع فيه الآفات.
وأما التُّريا، فالأمراض تكثر وقتَ طلوعها مع الفجر وسقوطها.
قال التميمي في كتاب ((مادة البقاء)): أشدُّ أوقات السنة فساداً، وأعظمُها
بلية على الأجساد وقتان، أحدهما: وقت سقوط الثريا للمغيب عند طلوع الفجر.
(١) هو من أشهر أطباء اليونان القدماء جعل للأمراض مصدرين: الهواء والغذاء وقد
ترجمت بعض مصنفاته إلى العربية منها ((تقدمة المعرفة)) و((طبيعة الإنسان)) توفي سنة
٣٧٧ قبل الميلاد.
(٢) أخرجه محمد بن الحسن في الآثار ص ١٥١، والطبراني في ((الصغير)) ص ٢٠، وأبو
نعيم في ((تاريخ أصبهان)) ١٢١/١ عن أبي حنيفة، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعاً
بلفظ ((إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد)) وإسناده صحيح، والنجم: الثريا،
وفي (جامع المسانيد)) ١٤/٢ أبو حنيفة عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَير: ((لا تباع الثمار حتى تطلع الثريا)) وأخرج الشافعي ١٦٧/٢، وأحمد
(٥٠١٢) و(٥١٣٥) عن عبد الله بن عمر أن النبي ◌ّ* نهى عن بيع الثمار حتى تذهب
العاهة. قال عثمان بن عبد الله بن سراقة راويه عن ابن عمر: قلت: متى ذلك،
قال: طلوع الثريا، وفي البخاري ٣٣٠/٤ عن أبي الزناد: وأخبرني خارجة بن زيد
أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا، فيتبين الأصفر من
الأحمر، وهو في ((الموطأ)) ٦١٩/٢ بلفظ ((أنه كان لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريا))
وهذه النصوص تؤيد القول الثالث في تفسير معنى الحديث.
٣٨

والثاني: وقت طلوعها من المشرِق قبل طلوع الشمس على العالم، بمنزلة من
منازل القمر، وهو وقت تصرُّم فصل الربيع وانقضائه، غير أن الفسادَ الكائن عند
طلوعها أقلُّ ضرراً من الفساد الكائن عند سقوطها.
وقال أبو محمد بن قتيبة: يُقال: ما طلعت الثريا، ولا نأت إلا بعَاهة في
النَّاس والإِبِل، وغروبُها أعوَهُ(١) من طلوعها.
وفي الحديث قول ثالث - ولعله أولى الأقوال به - أن المراد بالنجم:
الثريا، وبالعاهة: الآفة التي تلحق الزروع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل
الربيع، فحصل الأمن عليها عند طلوع الثريا في الوقت المذكور، ولذلك نهی
عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدُوَ صلاحها. والمقصود: الكلام على هديه
عند وقوع الطاعون.
فصل
النهي عن الدخول إلى
أرض الطاعون والخروج
منها
وقد جمع النبيُّ رَ﴿ للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها،
ونهيهِ عن الخروج منها بعد وقوعه كمالَ التحرز منه، فإن في الدخول في الأرض
التي هو بها تعرضاً للبلاء، وموافاةً له في محل سلطانه، وإعانةً للإِنسان على
نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنُّب الدخول إلى أرضه من بابِ الحِمية
التي أرشد الله سبحانه إليها، وهي حمية عن الأمكنة، والأهوية المؤذية.
وأما نهيه عن الخروج من بلده، ففيه معنیان :
معنى النهي عن الخروج
من البلد
أحدُهما: حمل النفوس على الثقة بالله، والتوكل عليه، والصبرِ على
أقضیته، والرِّضی بها .
والثاني: ما قاله أئمة الطب: أنه يجب على كل محترز مِن الوباء أن يُخْرِجَ
يجب على المطعون
السكون والدعة وهو
منافِ للسفر
(١) اعوه أشد عاهة وإصابة من: عاه الشيء: إذا أصابته عاهة.
٣٩

عن بدنه الرطوبات الفضلية، ويُقلل الغذاء، ويميل إلى التدبير المجفف من كل
وجه إلا الرياضةَ والحمام، فإنهما مما يجب أن يُحذرا، لأن البدن لا يخلو غالباً
مِن فضل رديء كامن فيه، فتثيرهُ الرياضة والحمام، ويخلطانه بالكيموس (١)
الجيد، وذلك يجلب علة عظيمة، بل يجب عند وقوع الطاعون السكون والذَّعة،
وتسكين هيجان الأخلاط، ولا يمكن الخروجُ من أرض الوباء والسفر منها إلا
بحركة شديدة، وهي مضرة جداً، هذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين، فظهر
المعنى الطبي من الحديث النبوي، وما فيه مِن علاج القلب والبدن
وصلاحِهما (٢).
فإن قيل: ففي قول النبي ◌َ: ((لا تخرجوا فراراً منه))، ما يُبطل أن يكونَ
أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه، وأنه لا يمنع الخروجَ لعارض، ولا يحبس مسافراً
عن سفره؟ قيل: لم يقل أحدٌ طبيبٌ ولا غيرُه، إن الناس يتركون حركاتِهم عند
الطواعين، ويصيرون بمنزلة الجمادات، وإنما ينبغي فيه التقلُّل من الحركة بحسب
الإمكان، والفارُّ منه لا موجب لحركته إلا مجرد الفِرار منه، ودعتُه وسكونُه أنفع
لقلبه وبدنه، وأقربُ إلى توكله على الله تعالى، واستسلامه لقضائه. وأما من لا
يستغني عن الحركة، كالصناع، والأُجراء، والمسافرين، والبُرُد، وغيرهم، فلا
يقال لهم: اتركوا حركاتِكم جملة، وإن أُمِرُوا أن يتركوا منها ما لا حاجة لهم إليه،
كحركة المسافر فارّاً منه والله تعالى أعلم.
حكم المنع من الدخول
وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عِدة حِكم:
أحدها: تجنب الأسباب المؤذية، والبعدُ منها.
الثاني: الأخذُ بالعافية التي هي مادةُ المعاشِ والمعاد.
الثالث: أن لا يستنشِقوا الهواءَ الذي قد عَفِنَ وفَسَد فيمرضون.
(١) الكيموس: الخلط أو الحالة التي يكون عليها الطعام بعد فعل المعدة، والكلمة
يونانية .
(٢) وفيه معنى آخر: وهو التحرز من نقل عدوى المرض الوبيء.
٤٠