النص المفهرس

صفحات 561-580

وقاتل من لم يدخُلْ في دينه منهم حتى أقروا بالصغار والجزية، فَبُهِتَ الكافِرُ،
ونهض مِن فوره.
والمقصود: أن رسولَ اللهِ﴾. لم يزل في جِدالِ الكفار على اختلاف
مِللهم ونِحَلِهم إلى أن تُوفي، وكذلك أصحابُه من بعده، وقد أمره الله سبحانه
بجدالهم بالتي هي أحسن في السورة المكية والمدنية، وأمره أن يدعوَهم بعد
ظهور الحُجَّةِ إلى المُباهلة، وبهذا قام الدينُ، وإنما جعل السيفُ ناصِراً
للحجة، وأعدلُ السيوفِ سيفٌ ينصُرُ حُجَجَ اللّهِ وبيناتِه، وهو سيفُ رسوله
وأمته.
فصل
. ومنها: أن من عظّم مخلوقاً فوقَ منزلته التي يستحِقُّها، بحيثُ أخرجه عن
منزلة العبودية المحضة، فقد أشرك بالله، وعبد مع الله غيره، وذلك مخالفٌ
لجميع دعوة الرسل. وأما قوله: إنه لم كتب إلى نجران باسم إله إبراهيم
وإسحاق ويعقوب، فلا أظن ذلك محفوظاً، وقد كتب إلى هرقل: ((بِسْم اللّهِ
الرَّحْمنِ الرَّحِيم)) وهذه كانت سنّتَه في كُتبه إلى الملوك، كما سيأتي إن شاء الله
تعالى، وقد وقع في هذه الرواية هذا، وقال ذُلك قبل أن ينزِل عليه: ﴿طَسْ تِلْك
آيَاتُ القُرْآنِ وكِتَابٍ مُبِين﴾ [النمل: ١] وذلك غلط على غلط، فإن هذه السورةَ
مکیّة باتفاق، و کتابه إلى نجران بعد مرجعه من تبوك.
من عظم مخلوقاً بحيث
أخرجه عن منزلة
العبودية المحضة فقد
أشرك
وفيها: جواز إهانةِ رسل الكفار، وتركِ كلامهم إذا ظهر منهم التعاظمُ جواز إهانة رسل الكفار
والتكبر، فإن رسول الله ◌َلٍ لم يُكلم الرسل، ولم يُرُدَّ السلام عليهم حتى لبسوا
ثياب سفرهم، وألقوا حُللهم وحُلاهم.
ومنها: أن السنة في مجادلة أهلِ الباطل إذا قامت عليهم حجةُ اللَّهِ، ولم
يرجعوا، بل أصرُّوا على العناد أن يدعوَهم إلى المباهلة، وقد أمر الله سبحانه
بذلك رسوله، ولم يقل: إنَّ ذلك ليس لأمتك مِن بعدك، ودعا إليه ابنُ عمِّه
عبدُ الله بن عباس لمن أنكر عليه بعضَ مسائل الفروع، ولم يُنكر عليه الصحابة،
المباهلة سنة فيمن أصر
على العناد من أهل
الباطل
٥٦١

ودعا إليه الأوزاعي سفيان الثوري في مسألة رفع اليدين، ولم ينكر عليه ذلك،
وهذا من تمام الحجة .
جواز صلح أهل الكتاب
على ما يريد الإمام من
ومنها: جواز صلح أهل الكتاب على ما يريد الإِمام من الأموال ومِن الثياب
الأموال والثيابُ وغيرها وغيرها، ويجري ذلك مجرى ضرب الجزية عليهم، فلا يحتاج إلى أن يُفرد كل
واحد منهم بجزية، بل يكون ذلك المالُ جزيةً عليهم يقتسِمُونها كما أحبوا، ولما
بعث معاذاً إلى اليمن أمره أن يأخد من كل حالم ديناراً، أو عَذْله معافرياً. والفرق
بين الموضعين أن أهلَ نجران لم يكن فيهم مسلم، وكانوا أهل صلح، وأما اليمن
فكانت دار الإِسلام، وكان فيهم يهود، فأمره أن يضرِبَ الجزية على كل واحد
منهم، والفقهاء يخصون الجزية بهذا القسم دون الأول، وكلاهما جزية، فإنه مال
مأخوذ من الكفار على وجه الصغار في كل عام.
ومنها: جواز ثبوت الحلل في الذمة، كما تثبت في الدية أيضاً، وعلى هذا
يجوز ثبوتُها في الذمة بعقد السلم وبالضَّمان وبالتَّلَفِ، كما تثبت فيها بعقد
الصداق والخلع .
جواز ثبوت الحلل في
الذمة
ومنها: أنه يجوز معاوضتُهم على ما صالحوا عليه من المال بغيره من
أموالهم بحسابه.
ومنها: اشتراطُ الإِمام على الكفار أن يُؤووا رُسُلَه ويُكرموهم، ويُضيفوهم
أياماً معدودة.
جواز اشتراط الإمام على
الكفار عارية ما يحتاج
المسلمون إليه
ومنها: جوازُ اشتراطه عليهم عارية ما يحتاج المسلمون إليه مِن سلاح، أو
متاع، أو حيوان، وأن تلك العارية مضمونة، لكن هل هي مضمونة بالشرط أو
بالشرع؟ هذا محتمل، وقد تقدم الكلام عليه في غزوة حنين، وقد صرح ها هنا
بأنها مضمونة بالرد، ولم يتعرض لضمان التلف.
ومنها: أن الإِمامَ لا يُقِرُّ أهل الكتاب على المعاملات الربوية، لأنها حرام
في دينهم، وهذا كما لا يُقِرُّهم على السّكر، ولا على اللُّواط والزنى، بل يحدُّهم
علی ذلك.
لا يقر أهل الكتاب على
الربا و السكر وغيرهما
٥٦٢

ومنها: أنه لا يجوزُ أن يُؤخذ رجلٌ من الكفار بظلم آخر، كما لا يجوز ذلك
في حق المسلمين، وكلاهما ظلم.
ومنها: أن عقدَ العهد والذِّمَّة مشروطٌ بنصح أهل العهد والذمة وإصلاحهم،
فإذا غشُّوا المسلمين وأفسدوا في دينهم، فلا عهد لهم ولا ذمة، وبهذا أفتينا نحن
وغيرُنا في انتقاض عهدهم لما حرقوا الحريق العظيمَ في دمشق حتى سرى إلى
الجامع، وبانتقاض عهد من واطأهم وأعانهم بوجه ما، بل ومن علم ذُلك، ولم
يرفعه إلى ولي الأمر، فإن هذا مِن أعظم الغش والضرر بالإِسلام والمسلمين ..
لا عهد لهم ولا ذمة إذا
غشوا المسلمين وأفسدوا
في دينهم
ومنها: بعثُ الإِمام الرجل إلى أهل الهُدنة في مصلحة الإِسلام، وأنه ينبغي
أن يكون أميناً، وهو الذي لا غرض له ولا هوى، وإنما مرادُه مجردُ مرضاة الله
ورسوله، لا يشوبُها بغيرها، فهذا هو الأمين حقُّ الأمين، كحال أبي عبيدة بن
الجراح.
بـ الإمام الرجل الأمين
العـ إلى أهل الهدنة في
مملحة الإسلام
ومنها: مناظرةُ أهل الكتاب وجوابُهم عما سألوه عنه، فإن أشكل على
المسؤول، سأل أهل العلم.
ومنها: أن الكلام عند الإطلاق يُحمل على ظاهره حتى يقومَ دليلٌ على يحمل الكلام عند الإطلاق
خلافه، وإلا لم يُشكل على المغيرة قوله تعالى: (يا أختِ هَارُونَ)، هذا وليس في
على ظاهره
الآية ما يدل على أنه هارون بن عمران حتى يلزم الإِشكال، بل المورد ضمَّ إلى
هذا أنه هارون بن عمران، ولم يكتف بذلك حتى ضم إليه أنه أخو موسى بن
عمران، ومعلوم أنه لا يدل اللفظ على شيء من ذلك، فإيرادُه إيراد فاسد، وهو
إما من سوء الفهم، أو فساد القصد.
وأما قول ابن إسحاق: إن النبي ◌ُّل بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه
إلى أهل نجرانَ ليجمع صدقاتِهم، ويقدّم عليه بجزيتهم، فقد يظن أنه كلامٌ
متناقضٌ، لأن الصدقةَ والجزية لا تجتمعان، وأشكلُ منه ما ذكره هو وغیرُه أن
النبي ◌َل بعث خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر
إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعُوَهم إلى الإِسلام قبل أن يُقاتِلَهم
بيان أن أهل نجران
صنفان نصارى وأميون
وقصة بعث خالد إليهم
٥٦٣

ثلاثاً، فإن استجابُوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد حتى قَدِمَ
عليهم، فبعث الركاب يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، فأسلم
الناسُ، ودخلوا فيما دعوا إليه؛ فأقام فيهم خالد يُعلِّمهم الإِسلامَ، وكتب بذلك
إلى رسولِ الله وَّةَ، فكتب إليه رسولُ الله ◌َّ أن يُقبل، ويُقبل إليه بوفدهم، وقد
تقدّم أنهم وفدُوا على رسول الله تَّةَ، فصالحهم على ألفي حلة، وكتب لهم كتاب
أمن وأن لا يغيروا عن دينهم، ولا يُحشروا، ولا يُعشروا. وجواب هذا: أن أهل
نجران كانوا صنفين: نصارى وأميين، فصالح النصارى على ما تقدّم، وأما
الأميون منهم، فبعث إليهم خالد بن الوليد، فأسلموا وقَدِمَ وفدُهم على النبيِّ
وهم الذي قال لهم رسولُ الله ◌َّةَ: ((بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ في الجَاهِلِيَّةِ؟»،
قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحداً بظلم. قال: ((صدقتم))، وأمَّر عليهم.
قيس بن الحصين، وهؤلاء هم بنو الحارث بن كعب. فقوله: بعث علياً إلى أهل
نجران ليأتيه بصدقاتهم أو جزيتهم، أراد به الطائفتين من أهل نجران، صدقات من
أسلم منهم، وجزية النصارى.
فصل
في قدوم رسول فَرْوَةَ بنِ عمرو الجُذَامي ملك عرب الروم
رسولاً
جَ اللّه
قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول الله
بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروةُ عاملاً للروم على من يليهم من
العرب، وكان منزِلُهُ مَعانَ وما حوله من أرض الشام، فلما بلغ الرومُ ذلك من
إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، فلما اجتمعت الرومُ لصلبه على
ماء لهم يقال له: عفراء، بفلسطين، قال:
أَلاَ هَلْ أَتَىْ سَلْمِى بِأَنَّ حَلِيلِها عَلَى مَاءِ عَفْرَا فَوْقَ إِحْدَى الرَّواحِلِ (١)
(١) الحليل: الزوج، والرواحل في الأصل: الإبل، ويريد بإحدى الرواحل: الخشبة التي
صلبوه عليها .
٥٦٤

مُشَذَّبَةً أَطْرَافُها بالمَنَاجِلِ
عَلَى نَاقَةٍ لم يَضْرِبِ الفَحْل أمَّها .
قال ابن إسحاق: وزعم الزهري أنهم لما قدَّموه، ليقتُلوه قال:
سِلْمٌّ لِرَبِيٍّ أَعْظُمِي ومَقَامي
بَلِّغْ سَرَاةَ المُسْلِمِينَ بِأَنَّنِي
ثم ضربوا عنقه، وصلبوه على ذلك الماء يرحمه الله تعالى(١) .
فصل
في قدوم وفد بني سعد بن بكر على رسول الله ولا﴾.
قال ابن إسحاق: حدّثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كُريب مولى ابن
عباس، عن ابن عباس، قال: بعثتْ بنو سعد بن بكر ضِمَام بن ثَعلبة وافداً إلى
رسولِ الله ◌َّةَ، فَقَدِمَ عليه، فأناخ بعيرَه على باب المسجد، فعقله، ثم دخلَ على
رسولِ الله ◌َُّ وهو في المسجد جالس في أصحابه، فقال: أيُّكم ابنُ عَبْدِ
المُطَّلِب؟ فقال رسولُ الله ◌َّه: ((أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِب))، فقال: محمد؟ فقال:
(نعم)، فقال: يا ابنَ عبد المطلب! إني سائِلُك ومُغْلِظٌ عليك في المسألة، فلا
تجِدَن في نفسك. فقال: ((لاَ أَجِدُ فِي نَفْسِي فَسَلْ عَمَّا بدا لك)) فقال: أَنْشُدُكَ اللَّهَ
إلّهك وإله أهلك، وإله مَنْ كَان قبلك، وإله مَنْ هو كائِنٌ بعدك، اللَّهُ بعثَك إلينا
رسولاً؟ قال: ((اللَّهُمَّ نعم))، قال: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إلَهكَ، وإله مَنْ كَان قبلك، وإلّهَ
من هو كائِنٌ بعدك، آللَّهُ أمَرَك أن نعبُدَه لا نُشْرِكُ به شيئاً، وأن نخلعَ هذه الأندَادَ
التي كان آباؤنا يعبدون؟ فقال رسولُ الله ◌َّ: ((اللَّهُمَّ نعم))، ثم جعل يذكُر فرائِضَ
الإِسلام فريضةً فريضةً: الصلاةَ، والزكَاةَ، والصيامَ، والحَج، وفرائضَ الإِسلام
كُلَّها، يَنشُدُه عند كُلِّ فريضة كما نشده في الَّتي قبلها حتى إذا فرغ قال: فإني أشهدُ
أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، وسأؤدي هذه الفرائضَ،
وأجتنبُ ما نهيتني عنه، لا أزيدُ ولا أنقُصُ، ثم انصرف راجعاً إلى بعيره، فقال
(١) ابن هشام ٢/ ٥٩٢.
٥٦٥

رسول اللهِ وَّه حين ولىَّ: ((إنْ يَصْدُقْ ذُو العَقِيصَتَيْنِ، يَدْخُلِ الجَنَّة)) وكان ضِمام
رجلاً جلداً أشعرَ ذا غديرتين، ثم أتى بعيره، فأطلق عِقاله، ثم خرجَ حتَّى قَدِمَ
على قومه، فاجتمعوا عليه، وكان أوَّلَ ما تكلم به أن قال: بئستِ اللاتُ والعُزَّى،
فقالُوا: مَهْ يا ضِمام، اتق البرصَ، والجنونَ، والجُذام. قال: ويلَكم، إنهما ما
يَضُران ولا ينفَعانِ، إن الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم
فيه، وإني أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإني قد جئتُكُم مِن
عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضِرتِه رجلٌ
ولا امرأة إلا مسلماً.
قال ابن إسحاق: فما سمعنا بوافد قوم أفضل مِن ضِمام بن ثعلبة (١)،
والقصة في ((الصحيحين) من حديث أنس بنحو هذه(٢) .
وذكر الحج في هذه القصة يدل على أن قدوم ضمام كان بعد فرض الحج،
وهذا بعيد، فالظاهر أن هذه اللفظة مدرجة من كلام بعض الرواة (٣) والله أعلم.
فصل
في قدوم طارق بن عبد الله وقومه على رسول الله وله
روينا في ذلك لأبي بكر البيهقي، عن جامع بن شداد، قال: حدّثني رجل
يُقال له: طارق بن عبد الله. قال: إني لقائم بسوق المجاز، إذ أقبل رجل عليه
(١) ذكره ابن هشام ٥٧٣/٢، ٥٧٥، وابن سعد ٢٩٩/١، وأخرجه أحمد (٢٣٨٢)
والحاكم ٥٤/٣، وأخرجه أبو داود (٤٨٧) من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد
بن إسحاق، حدثني سلمة بن كهيل، ومحمد بن الوليد بن نفيع عن كريب عن ابن
عباس بنحوه ... وسنده قوي.
(٢) أخرجه البخاري ١٤٠،١٣٨/١ في العلم: باب ما جاء في العلم وقول الله تعالى
(وقل رب زدني علماً) ومسلم (١٢) في الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام
والإحسان.
(٣) ويرى الحافظ في ((الفتح)) ١/ ١٤٠ أن هذه اللفظة ثابتة، وليست مدرجة فراجعه.
٥٦٦

جُبة له وهو يقول: ((يا أيُّها الناس، قولُوا: لا إله إلا اللَّهُ تُفْلِحُوا))، ورجل يتبعُه
يرميه بالحِجارة يقول: يا أيُّها الناسُ! لا تُصدِّقوه فإنه كذاب، فقلتُ: مَنْ هُذَا؟
فقالوا: هذا غلام من بني هاشم الذي يزعمُ أنه رسولُ الله، قال: قلتُ: من هذا
الذي يفعل به هذا؟ قالوا: هذا عمُّه عبد العُزَّى، قال: فلما أسلم الناسُ،
وهاجرُوا، خَرجنا من الرَّبِذَةِ نُريدُ المدينةَ نمتارُ مِن تمرها، فلما دنونا مِن حيطانها
ونخلها، قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثياباً غيرَ هذه، فإذا رجل في طِمرين له، فسلّم
وقال: مِن أين أقبلَ القومُ؟ قلنا: من الرَّبَدَةِ. قال: وأين تُريدون؟ قلنا: نُريدُ هذِهِ
المدِينةَ، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نمتارُ من تمرها. قال: ومعنا ظعينةٌ لنا،
ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعُون جملكم هذا؟ قالوا: نعم بكذا وكذا
صاعاً من تمر، قال: فما استوضعنا مما قلنا شيئاً، فأخذ بخطام الجمل، فانطلق،
فلما توارَى عنا بحيطان المدينة ونخلها، قلنا: ما صنعنا، والله ما بِعنا جملنا ممن
نعرف، ولا أخذنا له ثمناً، قال: تقولُ المرأة التي معنا: واللَّهِ لقد رأيتُ رجلاً كأن
وجهه شِقَةُ القمر ليلَةَ البدر أنا ضامنة لثمن جملكم.
وفي رواية ابن إسحاق قالت الظعينة: فلا تَلاوموا، فلقد رأيتُ وجه رجل لا
يغدِرُ بكم، ما رأيتُ شيئاً أشبَهَ بالقمر ليلة البدر من وجهه، فبينما هم كذلك إذ
أقبل رجلٌ فقال: أنا رسولُ رسولِ الله ◌ِّ إليكم، هذا تمرُّكم، فكُلوا، واشبعوا،
واكتالُوا، واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة،
فدخلنا المسجد، فإذا هو قائم على المنبر يخطبُ الناس، فأدركنا من خطبته وهو
يقول: ((تَصَدَّقُوا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ خَيْرٌ لَكُمْ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلِىْ، أُمَّكَ
وأَبَاكَ وأُخْتَكَ وأَخَاك وأَدْنَاكَ أَذْنَاكَ» إذ أقبل رجل من بني يربوع، أو قال: من
الأنصار، فقال: يا رسول الله! لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية، فقال: ((إنَّ أُمّاً لا
تَجْنِي عَلَى وَلَدِ)» ثلاث مرات(١).
(١) وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢/ ٦١١ وسنده قابل للتحسين وصححه ووافقه
الذهبي.
٥٦٧

فصل
في قدوم وفد نُجيب(١)
وقَدِمَ عليهَِِّ وفد تُجيب، وهم من السَّكُونِ (٢) ثلاثة عشر رجلاً قد ساقوا
معهم صدقات أموالهم التى فرض الله عليهم، فُسَر رسول الله ◌ََّ بهم، وأكرم
منزلهم، وقالوا: يا رسول الله! سقنا إليك حق الله في أموالنا، فقال
رسول الله ◌َّ: ((رُدُّوها فَاقْسِمُوها على فُقَرَائِكُم)) قالوا: يا رسول الله! ما قدمنا
عليك إلا بما فَضَل عن فقرائنا، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله! ما وفَدَ مِن العرب
بمثل مَا وفد به هذا الحي من تُجيب، فقال رسول اللّه ◌َيّ: ((إنَّ الهُدَى بِيَدِ اللّهِ
عَزَّ وجَلَّ، فَمَنْ أَرادَ بِهِ خَيْراً شَرَحَ صَدْرَهُ للإِيمَان))، وسألوا رسول الله ◌َل أشياء،
فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله آل﴾ بهم
رغبة، وأمر بلالاً أن يُحسن ضِيافتهم، فأقاموا أياماً، ولم يُطيلوا اللَبْث، فقيل
لهم: ما يُعجبكم؟ فقالوا: نرجِعُ إلى من وراءنا فنخبِرُهم برؤيتنا رسولَ الله ◌َِّ
وكلامِنا إياه، وما ردَّ علينا، ثم جاؤوا إلى رسول الله ◌ٌَّ: يُودِّعُونه، فأرسل إليهم
بلالاً، فأجازهم بأرفع ما كان يُجيزُ به الوفودَ. قال: ((هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟)) قالوا:
نعم. غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثُنا سناً، قال: ((أرسلوه إلينا))، فلما رجعوا
إلى رحالهم، قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله يَ ﴿ه، فاقضٍ حاجتَك منه، فإنا قد
قضينا حوائجنا منه وودعناه، فأقبل الغلامُ حتى أتى رسولَ الله م . فقال: يا
رسول الله! إني امرؤ مِن بني أَبْدَى، يقول: مِن الرهط الذين أتوك آنفاً، فقضيتَ
حوائِجَهم، فاقضِ حاجتي يا رسول الله. قال: ((وما حاجتُك؟)) قالَ: إنَّ حاجتي
ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا قَدِمُوا راغبين في الإِسلام، وساقُوا ما ساقوا
من صدقاتهم، وإني واللهِ ما أَعمَلني من بلادي إلا أن تسألَ الله عزَّ وجلَّ أن يغفر
(١) بضم التاء وفتحها: بطن من كنده.
(٢) والسكون - بفتح السين وضم الكاف ــ بطن من كندة باليمن.
٥٦٨

لي ويرحمني، وأن يجعل غِناي في قلبي، فقال رسولُ الله ◌َّه وأقبل إلى الغلام:
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وارْحَمْهُ، واجْعَلْ غناهُ في قَلْبِهِ)»، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل
من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافَوْا رسولَ الله ◌ِّم في الموسم
بِمِنى سنة عشر، فقالوا: نحن بنو أبذى، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((ما فَعَلَ الغُلامُ
الَّذِي أتاني مَعَكُمْ؟)) قالوا: يا رسولَ الله! ما رأينا مثله قطُّ، ولا حُدِّثنا بأقنعَ منه بما
رزقه الله، لو أن الناسَ اقتسموا الدنيا ما نظر نحوَها ولا التفتَ إليها، فقال
رسولُ اللهِ وََّ: ((الحَمْدُ للَّهِ إني لأرْجُو أَنْ يَمُوتَ جَمِيعاً)، فقال رجل منهم: أو
ليس يموتُ الرجلُ جميعاً يا رسولَ الله؟ فقال رسول الله بَّه: ((تَشَعَبُ أَهْوَاؤه
وهُمُومُه في أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا، فَلَعَلَّ أَجَلَهُ أَنْ يُدْرِكَهُ في بَعْضٍ تِلْكَ الأَوْدِيَةِ فلا يُبالي اللَّهُ
عَزَّ وجَلَّ في أَيِّها هَلَك))، قالوا: فعاش ذلك الغلامُ فينا على أفضلِ حال، وأزهده
في الدنيا، وأقنعه بما رُزِقَ، فلما توفي رسول الله،ِّه ورجعَ مَنْ رجع من أهل
اليمن عن الإِسلام، قام في قومه، فذكرهم اللَّهَ والإِسلام، فلم يرجع منهم أحد،
وجعل أبو بكر الصديق يَذْكُره ويسأل عنه حتى بلغَه حالُه، وما قام به، فكتب إلى
زیاد بن لبید یوصیه به خیراً (١).
فصل
في قدوم وفد بني سَعد هُذَيْم مِن قُضاعة
قال الواقدي، عن أبي النعمان، عن أبيه من بني سعد هُذيم: قدمتُ على
رسول الله وَ﴿ وافداً في نَفَرِ من قومي، وقد أوطأ رسولُ الله بِّالبلادَ غلبةً، وأداخَ
العرب، والناسُ صِنفَانِ: إما داخل في الإِسلام راغبٌ فيه، وإما خائفٌ من
السيف، فنزلنا ناحيةً من المدينة، ثم خرجنا نؤُمُّ المسجدَ حتى انتهينا إلى بابه،
فنجدُ رسول الله بيَّ ◌َ يُصلي على جنازة في المسجد، فقُمنا ناحيةً، ولم ندخل مع
الناس في صلاتهم حتى نلقى رسولَ الله ◌َ ﴿ونبايعَه، ثم انصرف رسولُ الله ◌َه
(١) انظر ((شرح المواهب)) ٥٠/٤، ٥١، وابن سيد الناس ٢٤٦/٢، ٢٤٨، وابن سعد
٣٢٣/١.
٥٦٩

فنظر إلينا، فدعا بنا، فقال: ((مَنْ أَنْتُم؟)) فقلنا: من بني سعد هُذيم، فقال:
((أمسِلِمُونَ أَنْتُمْ؟)) قلنا: نعم. قال: ((فَهَلاَّ صَلَّتُم عَلَىْ أَخِيكُمْ؟)) قلنا: يا
رسول الله! ظننا أنَّ ذلك لا يجوز لنا حتى نُبايعَك، فقال رسولُ الله ◌ََّ: ((أَيْنَمَا
أَسْلَمْتُمْ فَأَنْتُم مُسْلِمُون))، قالوا: فأسلمنا وبايعنا رسولَ الله ميّ على الإِسلام، ثم
انصرفنا إلى رحالنا قد خلفنا عليها أصغرَنا، فبعث رسولُ اللهِ بَّ في طلبنا، فَأَتِيَ
بنا إليه، فتقدَّم صاحبُنا إليه، فبايعه على الإِسلام، فقُلنا: يا رسولَ الله! إنه أصغرُنا
وإنه خادِمُنا، فقال: ((أَصْغَرُ القَوْمِ خَادِمُهُم، بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، قال: فكان واللهِ
خيرنَا، وأقرأنا للقرآن لدعاء رسول الله بَّ له، ثم أمَّره رسولُ الله ◌ِّ علينا، فكان
يَؤُمُّنا، ولما أردنا الانصراف، أمر بلالاً فأجازنا بأواقٍ من فضة لكل رجل منا،
فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم اللَّهُ الإِسلامَ(١) .
فصل
في قدوم وفد بني فَزَارة
قال أبو الربيع بن سالم (٢) في كتاب ((الاكتفاء)): ولما رجَع رسولُ الله ◌ِّ
مِن تبوك، قَدِمَ عليه وفدُ بني فَزارة بضعة عشر رجلاً، فيهم خارجةُ بنُ حِصن،
والحُرُّ بن قيس ابن أخي عيينة بنِ حصن، وهو أصغرُهم، فنزلوا في دار رملة بنت
الحارث، وجاؤوا رسول اللّه يَّ مقرِّينَ بالإِسلام وهم مُسِنتُونَ على رِكاب
عِجافٍ(٣)، فسألهم رسولُ الله ◌َِّ عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسولَ الله!
(١) وانظر (شرح المواهب)) ٥١/٤، و((سيرة ابن سيد الناس)) ٢٤٨/٢، ٢٤٩، وابن
سعد ٣٢٩/١.
(٢) هو الإمام الحافظ الأديب المؤرخ الثقة محدث الأندلس أبو الربيع سليمان بن موسى
الحميري الكلاعي البلنسي ولد سنة ٥٦٥ وتوفي سنة ٦٣٤هـ شهيداً، وكتابه
(الاكتفاء)) أحد تصانيفه يقع في أربع مجلدات، واسمه الكامل ((الاكتفاء في مغازي
المصطفى والثلاثة الخلفاء)».
(٣) مستتون: مجدبون، وعجاف: بالغة في الهزال، جمع أعجف على غير قياس حملاً
على نظيره، وهو (ضعاف)) أو على ضده، وهو (سمان)) والقياس: عجف كأحمر =
٥٧٠

أسنَتْ بلادُنا، وَهَلَكَتْ مواشينا، وأجدب جنابُنا، وغَرَثَ (١) عيالنا، فادعُ لنا ربك
يُغيثُنا، واشفعْ لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربُّك إليك، فقال رسول الله وَّ:
((سُبْحانَ الله وَيْلَكَ هُذا إِنَّمَا شَفَعْتُ إلى رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَمَنِ الَّذِي يَشْفَعُ رَبُّنا إليه؟
لا إله إلاَّ هُوْ العَظِيمُ، وَسِعَ كُرْسِيُّه السمَّاواتِ والأرْضَ، فَهِي تَئِطُّ مِنْ عَظَمَتِهِ
وجَلاَلِهِ كَما يَتِطُّ الرَّحْلُ الجَدِيدِ)) وقال رسولُ الله ◌َِّ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لِيَضْحَكُ
مِنْ شَغَفِكُمْ وأَزْلِكُمْ، وقُرْبٍ غِيَائِكُمْ))، فقال الأعرابي: يا رسولَ الله! ويضحكُ
ربّنا عز وجل؟ قال: ((نعم))، فقال الأعرابي: لَنْ نَعْدَم مِنْ رَبِّ يضحَكُ خيراً،
فضحِكَ النبيُّ ◌ََّ من قوله، وصَعِدَ المنبر، فتكلم بكلمات، وكان لا يرفع يديه
في شيء من الدعاء إلا رفع الاستسقاء، فرفع يديه حتى رؤي بياضُ إبطيه، وكان
مما حُفِظَ من دعائه («اللَّهُمَّ اسْقِ بَلادَكَ وبَهَائِمَكَ، وانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وأحيْ بَلَدَكَ
الَمِّيت، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْئاً مُغيثاً مَريئاً مَرِيعاً طَبَقاً واسعاً عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ نَافِعاً غَيْرَ
ضَارِّ، اللَّهُمَّ سُقْيا رَحْمَةٍ لا سُقْيَا عَذَابٍ، ولا هَدْمٍ، ولا غَرَقٍ، ولا مَحْق، اللَّهُمَّ
اسْقِنا الغيثَ وانْصُرنا على الأَعْدَاء)» (٢).
وحمر .
(١) غرث: جاع.
(٢) انظر ابن سيد الناس ٢٤٩/٢، ٢٥٠، و((شرح المواهب)) ٥٤،٥٢/٤، وابن سعد
٢٩٧/١. وقوله ((تئط))، أي: تصوت، وقوله (من شغفكم)) بفتح الشين والفاء: اسم
من الإشغاف، والمراد به أقصر ما وجدوه من الضيق، وضبطه بعضهم بالفاء
والقاف، أي: خوفكم، وقوله: وأزلكم، بفتح الهمزة وإسكان الزاي، أي:
ضيقكم، وأخرج أبو داود(١١٧٦) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
قال: كان رسول الله ◌َّله إذا استسقى، قال: ((اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر
رحمتك، وأحي بلدك الميت)) وسنده حسن، وروى أبو داود (١١٦٩) والحاكم
٣٢٧/١، والبيهقي ٣٥٣/٣، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله داخل﴾.
يُواكي (يتحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء) فقال: ((اللهم اسقنا غيئاً مغيئاً
مريئاً مريعاً، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل)) وسنده صحيح، وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي.
٥٧١

فصل
في قدوم وفد بني أسد
وقَدِمِ عليه ◌ِِّ وفدُ بني أسد عشرةُ رهط، فيهم وابصة بن معبد، وطلحةُ بن
خُويلد ورسولُ الله ◌َيَ جالسٌ مع أصحابه في المسجد، فتكلَّمُوا، فقال
متكلِّمهم: يا رسولَ الله! إنا شهدنا أن الله وحده لا شريكَ له، وأنك عبدُه
ورسوله، وجئناك يا رسولَ اللَّهِ، ولم تَبْعَثْ إلينا بعثاً، ونحن لمن وراءنا. قال
محمد بن كعب القرظي: فأنزل الله على رسوله: ﴿يَمْنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلمُوا قُلْ
لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُم للإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
[الحجرات: ١٧] وكان مما سألوا رسولَ الله ◌َه عنه يومئذ العِيَافَةُ والكَهَانَةُ
وضربُ الحَصى، فنهاهم رسول الله وي عن ذلك كله، فقالوا: يا رسول الله! إن
لهذه أُمُورٌ كنا نفعلها في الجاهلية، أرأيتَ خصلةَ بقيت؟ قال: ((وما هِيَ؟)) قالوا:
الخَطُّ. قال: ((عُلِّمَهُ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَمَنْ صَادَفَ مِثْلَ عِلْمِهِ عَلِمَ)) (١).
(١) انظر ابن سيد الناس ٢٥٠/٢، و(شرح المواهب)) ٥٦،٥٥/٤، وابن سعد ٢٩٢/١،
والعيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، والكهانة: تعاطي خبر
الكائنات في المستقبل، والخط: خط الرمل، وأخرج مسلم (٥٣٧) وأحمد ٤٤٧/٥
والنسائي ١٦/٣، وأبو داود (٩٣٠) عن معاوية بن الحكم الشُّلمي قال: قلت يا
رسول الله أمور كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: ((فلا تأتوا الكهان)»،
قال: قلت، كنا نتطير، قال: ((ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم)) قلت:
ومنا رجال يخطون، قال: ((كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)) ومعنى
قوله ((من وافقه خطه فذاك)): أن من وافق خطه، فهو مباح، ولكن لا طريق لنا إلى
العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، لأن الإباحة تكون بتيقن بالموافقة، ولا سبيل
إليها، ولذا اتفق العلماء على النهي عن هذا الصنيع، وعدوه حراماً، صرح بذلك
غير واحد من الأئمة.
٥٧٢

فصل
في قدوم وَفِدٍ بَهْراء(١)
ذكر الواقدي عن كريمةَ بنتِ المقداد قالت: سمعت أمي ضُباعة بنت
الزبير بن عبد المطلب تقول: قَدِمَ وفدُ بهراءَ مِن اليمن على رسولِ الله -ٍ وهم
ثلاثةَ عشرَ رجلاً، فأقبلُوا يقودُون رواحلِهم حتى انتهوا إلى باب المقداد، ونحنُ
في منازلنا ببني حُدَيلة، فخرج إليهم المقدادُ، فرحب بهم، فأنزلهم، وجاءهم
بِجِفْنَةٍ مِنْ حَيَس قد كنَّا هيأناها قبل أن يَحِلُّوا لنجلس عليها، فحملها المقدادُ،
وكان كريماً على الطعام، فأكلُوا منها حتى نَهِلُوا، ورُدَّتْ إلينا القَصْعةُ، وفيها
أُكَلٌّ، فجمعنا تلك الأُكَل في قصعةٍ صغيرة، ثم بعثنا بها إلى رسولِ الله ◌ِّ مع
سِدرة مولاتي، فوجدتْه في بيت أمِّ سلمة، فقال رسولُ الله ◌َّةٍ: ((ضُباعة أرسلَتْ
بهذا؟)) قالت سدرة: نعم يا رسولَ الله، قال: ((ضَعِي)) ثم قال: ((ما فعل ضيفُ أبي
معبد؟)) قلتُ: عندنا، قالت: فأصابَ منها رسولُ الله ◌َ: أكلاً هو ومَن معه في
البيت حتى نَهِلُوا، وأكلت معهم سِدْرَةُ، ثم قال: ((اذْهَبِي بِمَا بَقِيَ إلى ضَيْفِكُم)»،
قالت سِدرة: فرجعت بما بقي في القصعة إلى مولاتي، قالت: فأكل منها الضيفُ
ما أقاموا، نردّدها عليهم، وما تَغيضُ حتى جعل القومُ، يقولون: يا أبا معبد! إنك
لتَنْهَلُنَا مِن أحبِّ الطعام إلينا ما كنا نَقْدِرُ على مثل هذا إلا في الحين، وقد ذُكِرَ لنا
أن الطعامَ ببلادكم، إنما هو العُلقَةُ أو نحوه، ونحن عندك في الشِّبَعِ، فأخبرهم أبو
معبد بخبر رسولِ الله ◌َّةٍ أنه أكل منها أكلاً، وردّها، فهذه بركةُ أصابع
رسول الله ◌َةٍ، فجعل القومُ يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقيناً، وذلكَ
الذي أراد رسولُ الله ◌َّةٍ، فتعلّموا الفرائضَ، وأقاموا أياماً، ثم جاؤوا
رسولَ الله ◌َ يُودِّعونه، وأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهليهم (٢).
(١) بفتح الباء وإسكان الهاء: قبيلة من قضاعة، والنسبة إليها بهراني على غير قياس.
(٢) انظر ابن سيد الناس ٢٥١/٢، و((شرح المواهب)) ٥٦/٤، وابن سعد ٣٣١/١، وكل
ما يتبلغ به من العيش، فهو عُلقة.
٥٧٣

فصل
في قدوم وفد عُذرة
وقَدِمَ على رسول الله بِّ وفد عُذرة في صفر سنة تسع اثنا عشرَ رجلاً، فيهم
جمرة بن النعمان، فقال رسول الله وَّ: ((مَن القَوْم))؟ فقال متكلِّمهم: من لا
تُنكِرُه، نحن بنو عُذرة إخوة قُصَي لأُمه، نحنُ الذين عضدوا قُصياً، وأزاحوا مِن
بطن مكةَ خُزاعة وبني بكر، ولنا قَراباتٌ وأرحام، قال رسول الله ◌َيّر: مرحباً بكم
وأهلاً، مَا أعَرفَني بكم، فأسلموا، وبشَّرهم رسولُ الله ◌ِّ بفتح الشام، وهرب
هِرقل إلى ممتنع مِن بلاده، ونهاهم رسولُ الله ◌َّ عن سؤال الكاهنة، وعن
الذبائح التي كانوا يذبحونها، وأخبرهم أن ليس عليهم إلا الأضحية، فأقاموا أياماً
بدار رملة، ثم انصرفُوا وقد أُجيزوا(١).
فصل
في قدوم وفد بَلِيّ (٢)
.(٢)
وقَدِمَ علیه وفد بَلِيٍّ في ربيع الأول من سنة تسع، فأنزلهم رويفع بن ثابت
البَلَوي عنده، وقَدِمَ بهم على رسول الله بَّ، وقال: هؤلاء قومي، فقال له
رسولُ الله ◌َّة: ((مَرْحباً بِكَ وَبِقَوْمِكَ))، فأسلموا، وقال لهم رسول الله وَّ:
(الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَداكمْ لِلإِسْلاَمِ، فَكُلُّ مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الإِسْلامِ، فَهُوَ في
النَّارِ))، فقال له أبو الضُّبَيْب شيخُ الوفد: يا رسول الله! إِنَّ لي رغبة في الضيافة،
فهل لي في ذُلِكَ أْر؟ قال: ((نَعَمْ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَنَعْتَه إِلَى غَنِيٍّ أو فَقِيرٍ، فَهُوَ
صَدَقَةٌ))، قال: يا رسول الله! ما وقتُ الضِّيافة؟ قال: ((ثَلاَثَة أيامٍ، فما كَانَ بَعْدَ
(١) انظر ابن سيد الناس ٢٥٢،٢٥١/٢، و ((شرح المواهب)) ٥٧،٥٦/٤، وابن سعد
٣٣١/١.
(٢) بفتح الباء وكسر اللام وياء مشددة، والنسبة إليها: بلوي نسبة إلى بلي بن عمر بن
الحاف بن قضاعة، وانظر ((شرح المواهب)) ٥٧/٤، وابن سيد الناس ٢٥٢/٢، وابن
سعد ٣٣٠/١.
٥٧٤

ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، ولا يَحِلُّ لِلْضَّيْفِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَكَ فَيُحْرِجَك))، قال: يا رسولَ الله
أرأيتَ الضَّالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض؟ قال: هِيَ لَكَ أَوْ لَأَخِيكَ أَوْ
لِلذِّئبِ))، قال: فالبعير؟ قال: ((مَالكَ ولَهُ، دعه حَتَّى يَجِدَهُ صَاحِبُه))، قال رویفع:
ثم قاموا فرجعُوا إلى منزلي، فإذا رسولُ الله ◌ََّ يأتي منزلي يحمِلُ تمراً، فقال:
(اسْتَعِنْ بهذا التَّمر))، وكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثاً، ثم ودَّعُوا
رسول الله ◌َّة، وأجازهم، ورجعوا إلى بلادهم.
فصل
حق الضيف
في هذه القصةِ مِن الفقه: إن للضيف حقاً على مَن نزل به، وهو ثلاثُ
مراتب: حقٌّواجب، وتمامٌ مستحب، وصدقةٌ من الصدقات. فالحقُّ الواجب يَومٌ
وليلة، وقد ذكر النبيُّ ◌َيّ المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من
حديث أبي شريح الخُزاعي، أن رسول الله ◌َّ قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ
الآخِرِ، فَلْيُكُرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَه»، قالوا: ومَا جَائزته يا رسول الله؟ قال: يَوْمُه
ولَيْلَتُه، والضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَراءَ ذُلِكَ، فَهُوَ صَدَقَة، ولا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ
عِنْدَه حَتَّی یُخْرِجَه))(١).
وفيه: جوازُ التقاط الغنم، وأن الشاة إذا لم يأتِ صاحبُها، فهي ملك
الملتقطِ، واستدل بهذا بعضُ أصحابنا على أن الشاةَ ونحوها مما يجوزُ التقاطه
يُخيَّرُ الملتقط بين أكله في الحال، وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين تركِه
والإنفاق عليه من ماله، وهل يَرجِعُ به؟ على وجهين، لأنه ◌َّ جعلها له، إلا أن
يظهر صاحبُها، وإذا كانت له، خُيِّرَ بين هذه الثلاثة، فإذا ظهر صاحبها، دفعها إليه
أو قيمتها، وأما متقدمو أصحاب أحمد، فعلى خلاف هذا. قال أبو الحسين: لا
يتصرَّفُ فيها قبلَ الحول رواية واحدة، قال: وإن قلنا: يأخُذُ ما لا يستقِلُّ بنفسه
جواز التقاط الغنم
(١) أخرجه البخاري ٣٧٣/١٠ في الأدب: باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ
جاره، وباب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه، وفي الرقاق: باب حفظ اللسان،
ومسلم (٤٨) ١٣٥٢/٣، وأبو داود (٣٧٤٨).
٥٧٥

كالغنم، فإنه لا يتصرَّف بأكل ولا غيره رواية واحدة، وكذلك قال ابن عقيل.
ونص أحمد في رواية أبي طالب في الشاة: يُعرِّفُها سنة، فإن جاء صاحبها ردها
إليه، وكذلك قال الشريفان: لا يملك الشاةَ قبل الحول روايةَ واحدة. وقال أبو
بكر: وضالةُ الغنم إذا أخذها يُعرِّفُها سنة، وهو الواجب، فإذا مضت السنةُ ولم
يَعْرِفْ صاحِبَها، كانت له، والأولُ أفقهُ وأقربُ إلى مصلحة الملتقِطِ والمالك، إذ
قد يكون تعريفُها سنة مستلزماً لتغريم مالكها أضعافَ قيمتها إن قلنا: يرجِعُ عليه
بنفقتها، وإن قلنا: لا يرجِعُ، استلزمَ تغريم الملتقط ذلك، وإن قيل: يدعُها ولا
يلتقِطُها، كانت للذئب وتَلَفَتْ، والشارع لا يأمر بضياع المال.
فإن قيل: فهذا الذي رجحتموه مخالف لنصوص أحمد وأقوالِ أصحابه،
والدليل أيضاً.
أما مخالفة نصوص أحمد، فمما تقدم حكايته في رواية أبي طالب، ونص
أيضاً في روايته في مضطرٍ وجد شاة مذبوحة وشاة ميتة، قال: يأكُلُ من الميتة،
ولا يأكل من المذبوحة، الميتةُ أُحِلَّت، والمذبوحةُ لها صاحب قد ذبحها، يُريد أن
يعرفها، ويطلبَ صاحبَها، فإذا أوجب إبقاءَ المذبوحة على حالها، فإبقاءُ الشاة
الحيةِ بطريق الأولى، وأما مخالفةُ كلام الأصحاب فقد تقدم، وأما مخالفةُ
الدليل، ففي حديث عبد الله بن عمرو: يا رسولَ الله! كيف ترى في ضالة الغنم؟
فقال: ((هي لَكَ أَوْ لَأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّعْبِ احْبِسْ عَلى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ)). وفي لفظ: ((رُدَّ
عَلى أَخِيكَ ضَالَتُه)) (١)، وهذا يمنع البيع والذبح.
قيل: ليس في نص أَحمد أكثرُ من التعريف، ومن يقول: إنه مخيّرٌ بين أكلِها
وبيعِها وحفظها، لا يقول بسقوط التعريف، بل يُعرفها مع ذلك، وقد عرف شِيتَها
وعلامَتها، فإن ظهر صاحبُها أعطاه القيمة. فقول أحمد: يعرفها أعم من تعريفها
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ في المصادر التي بين أيدينا، وقد أخرجه بمعناه
أحمد (٦٦٨٣) و (٦٧٤٦) و (٦٨٩١) وأبو عبيد في ((الأموال)) (٨٥٨) وأبو داود
(١٧١٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسنده حسن.
٥٧٦

وهي باقية، أو تعريفها وهي مضمونة في الذمة لمصلحة صاحبها وملتقطها، ولا
سيما إذا التقطها في السفر، فإن في إيجاب تعريفها سنةً من الحرج والمشقة ما
لا يرضى به الشارعُ، وفي تركها مِن تعريضها للإضاعة والهلاك ما يُنافي أمره
بأخذها، وإخبارَه أنه إن لم يأخذها كانت للذئب، فيتعينُ ولا بد: إما بيعُها وحِفظُ
ثمنها، وإما أكلُها وضمانُ قيمتها أو مثلها .
وأما مخالفة الأصحاب، فالذي اختار التخيير من أكبر أئمة الأصحاب،
ومن يُقاس بشيوخ المذهب الكبار الأجلاء، وهو أبو محمد المقدسي قدس الله
روحه، ولقد أحسن في اختياره التخيير كُلَّ الإِحسان.
وأما مخالفة الدليل، فأين في الدليل الشرعي المنع من التصرف في الشاة
الملتقطة في المفازة وفي السفر بالبيع والأكل، وإيجابٍ تعريفها والإِنفاقِ عليها
سنة مع الرجوع بالإنفاق، أو مع عدمه؟ هذا ما لا تأتي به شريعةٌ فضلاً أن يقوم
عليه دليل، وقوله ◌َّ: ((اخْبِسْ عَلى أَخيكَ ضَالَّتُّه)) صريح في أن المراد به أن
لا يستأثِرَ بها دونه، ويُزيل حقه، فإذا كان بيعها وحفظ ثمنها خيراً له من تعريفها
سنة، والإِنفاقِ عليها، وتغريم صاحبها أضعافَ قيمتها، كان حبسُها وردُّها عليه
هو بالتخيير الذي يكون له فيه الحظ، والحديثُ يقتضيه بفحواه وقوته، وهذا
ظاهر، وبالله التوفيق.
ومنها: أن البعيرَ لا يجوز التقاطُه، اللهم إلا أن يكون فَلُوَّاً صغيراً لا يمتنعُ
من الذئب ونحوه، فحكمه حكم الشاة بتنبيه النص ودلالته.
لا يجوز التقاط البعير إلا
أن يكون فلواً صغيراً
فصل
في قدوم وفد ذي مُرة(١)
وقَدِمَ على رسول الله ◌ِّ وفد ذي مُرة ثلاثة عشر رجلاً رأسُهم الحارث بن
عوف، فقالوا: يا رسول الله! إنا قومُّك وعشيرتُك، نحن قوم من بني لؤي بنِ
(١) ابن سعد ٢٩٧/١، ٢٩٨.
٥٧٧
زاد المعاد ج ٣ -م١٩

غالب، فتبسم رسول الله ◌ٍَّ، وقال للحارث: أين تركت أهلَك؟ قال: بِسلاح وما
والاها. قال: وكيف البلادُ؟ قال: والله إنا لمُسْنِتُونَ، ما في المال مخ، فادعُ الله
لنا. فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((اللَّهُمَّ اسْقِهِمُ الغيْثَ)) فأقاموا أياماً، ثم أرادوا الانصراف
إلى بلادهم، فجاؤوا رسول الله يَّ مُوَدِّعين له، فأمر بلالاً أن يُجيزهم، فأجازهم
بعشر أواق فضة، وفضل الحارث بن عوف أعطاه اثنتي عشرة أوقية، ورجعوا إلى
بلادهم، فوجُدوا البلاد مطيرة، فسألوا: متى مُطِرْتُم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا
رسول الله مل﴾ فيه، وأخصبتْ بعد ذلك بلادهم.
فصل
في قدوم وفد خَوْلان
وقَدِمَ عليهَِّ في شهر شعبان سنة عشر وفدُ خولان، وهم عشرة، فقالوا:
يا رسول الله! نحن على مَن وَرَاءَنَا مِن قومنا، ونحن مؤمنون بالله عز وجل،
ومصدِّقون برسوله، وقد ضربنا إليك آباطَ الإِبِل، وركبنا حُزُونَ الأرض وسهولَها،
والمنة لله ولِرسوله علينا، وقدمنا زائرين لك، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ
مِنْ مَسيرِكُم إليَّ فَإِنَّ لَكُم بِكُلِّ خَطْوَةٍ خَطَاهَا بَعِيرُ أَحَدِكُمْ حَسَنَة، وأما قولُكم:
زائِرِينَ لك، فإنه مَنْ زَارَني بالمَدِينَةِ، كَانَ في جوارِي يَوْمَ القِيَامَةِ)»، قالوا: يَا
رسول الله! هذا السفرُ الذي لا تَوَى عَلَيْهِ، ثم قال رسولُ الله ◌َِّ: (مَا فَعَلَ عَم
أَنَسِ(١))) . - وهو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه - قالوا: أبْشِرْ، بدّلنا اللَّهُ به
ما جئت به، وقد بقيت منا بقایا ۔ مِن شیخ کبیرٍ وعجوز كبيرة - متمسِّكون به،
ولو قدمنا عليه، لهدمناه إن شاء الله، فقد كنا منه في غُرور وفِتنة. فقال لهم
رسول الله ◌َّةِ: ((ومَا أَعْظَمَ مَا رَأَيْتُم مِنْ فِتْنَتِهِ؟)) قالوا: لقد رأيتنا أَسْتَنْنَا حَتَّى أكلنا
الرِّمة؛ فجمعنا ما قَدَرْنا عليه، وابتعنا به مائة ثور، ونحرناها ((لعم أنس)) قرباناً في
غَداةٍ واحدةٍ، وتركناها تَردُها السباع، ونحن أحوَجُ إليها من السباع، فجاءنا الغيثُ
(١) في كتاب ((الأصنام)) عميانس بكسر العين وضم النون.
٥٧٨

مِن ساعتنا، ولقد رأينا العُشْبَ يُواري الرجالَ، ويقول قائِلُنا: أنعم علينا ((عم
أنس)) وذكروا لرسول الله ◌َّ ما كانوا يَقسِمُون لصنمهم هذا من أنعامهم
وحُروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءاً له، وجزءاً لله بزعمهم، قالوا: كنا
نزرعُ الزرعَ، فنجعلُ له وسطَه، فنسميه له، ونسمي زرعاً آخر حجرة لله، فإذا
مالت الريحُ فالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح، فالذي جعلناه
لعم أنس، لم نجعله لله، فذكر لهم رسولُ الله أن الله أنزل عليَّ في ذلك:
﴿وَجَعَلُوا اللَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِن الحَرْثِ والأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ [الأنعام: ١٣٦] قالوا: وكنا
نتحاكم إليه فيتكلم، فقال رسولُ اللهِ وََّ: ((تِلْكَ الشَّيَاطِينُ تُكَلِّمُكُم))، وسألوه عن
فرائض الدين، فأخبرهم، وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداءِ الأمانةِ، وحُسنِ الجوار
لمن جاورُوا، وأن لا يظلِمُوا أحداً. قال: ((فإن الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ))، ثم
ودعوه بعد أيام، وأجازهم، فرجعُوا إلى قومهم، فلم يَحُلُّوا عقدة حتى هدموا
(عم أنس)) (١).
فصل
في قدوم وفد محارب
وقَدِمَ على رسولِ الله ◌ِيَّر وفدُ محارب عامَ حجَّة الوداع، وهم كانوا أغلظَ
العرب، وأفظَّهم على رسولِ الله ◌ََّ في تلك المواسم أيامَ عَرْضِهِ نَفْسَهُ على
القبائل يدعوهم إلى الله، فجاء رسولَ الله ◌َّر منهم عشرة نائبين عمن وراءَهم مِن
قومهم، فأسلموا، وكان بِلالٌ يأتيهم بِغَداء وَعشاء إلى أن جلسُوا مع رسولِ الله ◌ِكَل
يوماً من الظهر إلى العصر، فعرف رجلاً منهم، فأمدَّه النظر، فلما رآه المحاربي
يُدِيمُ النظرَ إليه، قال: كأنك يا رسولَ الله توهمني؟ قال: ((لقد رأيتُك))، قال
المحاربيُّ: أي واللَّهِ، لقد رأيتني وكلمتني، وكلمُتك بأقبح الكلام، ورددتُك
بأقبح الرد بعُكاظ، وأنت تطُوفُ على الناس، فقال رسولُ الله ◌ِّليّ: (نعم))، ثم قال
(١) انظر ابن سيد الناس ٢٥٣/٢، ٢٥٤، و((شرح المواهب)) ٥٨/٤، ٥٩، وابن سعد
٣٢٤/١.
٥٧٩

المحاربيُّ: يا رسولَ الله! ما كان في أصحابي أشدُّ عليكَ يومئذ، ولا أبعدُ عن
الإِسلام مني، فأحمد الله الذي أبقاني حتى صدقتُ بك، ولقد مات أولئك النفرُ
الذين كانوا معي على دينهم، فقال رسول الله : ((إِنَّ هُذِهِ القُلُوبَ بَيَدِ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ) فقال المحاربيُّ: يا رسولَ اللَّهِ! استغفر لي مِن مراجعتي إيَّك، فقال
رسولُ اللَّهِ بِّهِ: ((إنَّ الإِسَلاَمَ يَجُبُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْكُفْرِ))، ثم انصرفُوا إلى
أهليهم(١) .
فصل
في قدوم وفد صُدَاء في سنة ثمان
وقَدِمَ عليه ◌ِِّ وفد صُدَاء، وذلك أنه لما انصرف من الجِعْرَانَةِ، بعث بعوثاً،
وهيأ بعثاً، استعمل عليه قيسَ بنَ سعد بن عبادة، وعقد له لواءً أبيض، ودفع إليه
رايةً سوداء، وعسكر بناحية قناة في أربعمائةٍ مِن المسلمين، وأمره أن يطأ ناحيةً
من اليمن كان فيها صُداء، فقدم على رسول الله ◌َّه رجل منهم، وعلم بالجيش،
فأتى رسولَ الله ◌َّ فقال: يا رسولَ اللّهِ! جئتُك وافداً على من ورائي فاردُدِ
الجيشَ، وأنا لك بقومي، فردَّ رسول الله ◌َّ قِيسَ بن سعد من صَدْرِ قَنَاة، وخرج
الصُّدائي إلى قومه، فقدِم على رسولِ الله ◌َ ل خمسة عشر رجلاً منهم، فقال
سعدُ بن عُبادة: يا رسول الله! دعهم ينزِلوا عليَّ، فنزلُوا عليه، فحيَّاهم وأكرمهم،
وكساهم، ثم راح بهم إلى رسول الله ◌َّه، فبايعُوه على الإِسلام، فقالوا: نحنُ لك
على مَن وراءنا من قومنا، فرجعوا إلى قومهم، ففشا فيهم الإِسلام، فوافى
رسولَ الله ◌َّ﴿ه منهم مائةُ رجل في حجة الوداع، ذكر هذا الواقدي عن بعض بني
المُصْطَلِقِ، وذكر من حديث زياد بن الحارث الصُّدائي، أنه الذي قَدِمَ على
رسول الله ◌َّ، فقال له: اردُدِ الجيشَ وأنا لك بقومي، فردَّهم، قال: وقدم وفدُ
قومي عليه، فقال لي: ((يا أخا صُداءٍ، إِنَّكَ لَمُطَاعٌ فِي قَوْمِكَ؟)) قالَ: قلتُ: بل يا
(١) انظر ابن سيد الناس ٢٥٤/٢، و((شرح المواهب)) ٥٩/٤، وابن سعد ٢٩٩/١.
٥٨٠