النص المفهرس
صفحات 521-540
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، نزلت عامَ الوفود أواخرَ سنة تسع. فصل في قدوم وفود العرب وغيرهم على النبي ◌َّ: وفد ثقيف فَقَدِم عليه وفدُ ثقيف، وقد تقدَّم مع سياق غزوة الطائف. قال موسى بن عقبة: وأقام أبو بكر للناس حجَّهم، وقدم عروةُ بن مسعود الثقفيُّ على رسول الله ێ، فاستأذن رسولَ الله ﴾ ليرجع إلى قومه، فذكر نحوَ ما تقدم، وقال: فقدم وفدهم، وفيهم: كنانة بن عبد ياليل، وهو رأسُهم يومئذ، وفيهم: عُثمان بنُ أبي العاص، وهو أصغرُ الوفد، فقال المغيرةُ بن شعبة: يا رسولَ اللهَ بََّ أنزل قومِي عليَّ فأكرمهم، فإني حديثُ الجرح فيهم، فقال رسول الله ◌َ ﴾: ((لا أَمْنَعُكَ أَنْ تُكْرِمَ قَوْمَكَ، ولكِنْ أَنْزِلْهُمْ حَيْثُ يَسْمَعُونَ القُرآن))، وكان من جُرح المغيرة في قومه أنه كان أجيراً لثقيفٍ، وأنهم أقبلوا مِن مُضَرَ حتى إذا كانوا ببعض الطريق، عدا عليهم وهُمْ نيام، فقتلهم، ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول اللّهِ بِ﴿، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((أَمَّا الإِسْلاَمُ فَتَقْبَلُ، وأَمَّا المَالُ فَلاَ، فإنَّا لا نَغْدِرُ))، وأبى أن يُخَمِّسَ ما معه، وأنزل رسولُ الله ◌ِيلَل وفدَ ثقيف في المسجد، وبنى لهم خِياماً لكي يسمعوا القرآن، ويَروا الناسَ إذا صَلَّوْا، وكان رسولُ الله إذا خطب لا يذكرُ نفسه، فلما سمعه وفدُ ثقيف، قالوا: يأمُّرنا أن نشهد أنه رسول الله، ولا يشهدُ به في خُطبته، فلما بلغه قولُهم، قال: فإني أول من شهد أني رسولُ الله . وكانوا يغدُون إلى رسول الله ◌َّكُلَّ يوم، ويخلِّفُونَ عثمان بن أبي العاص على رحالهم، لأنه أصغرُهم، فكان عثمان كلما رجع الوفد إليه وقالوا بالهاجرة، عمد إلى رسول الله ◌َّ، فسأله عن الدين، واستقرأه القرآن، فاختلف إليه عثمان مراراً حتى فَقُه في الدين وعلم، وكان إذا وجدَ رسولَ الله ◌َ﴾ نائماً، عَمَدَ إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك رسولَ الله ◌ِلة وأحبه، فمكث الوفد يختلفون إلى رسولِ الله ◌َ وهو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا، فقال كنانة بنُ عبدِ ياليل: هل أنتَ مقاضينا حتى نرجِعَ إلى قومنا؟ قال : ٥٢١ ((نعم، إن أنتم أقررتُم بالإِسلام أُقاضيكم، وإلا فلا قضية، ولا صُلْحَ بيني وبينكم)). قال: أفرأيت الزنى، فإنا قوم نغترِبُ، ولا بد لنا منه؟ قال: ((هُوَ عَلَيْكُم حَرَامٌ فَإِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنِى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢]، قالوا: أفرأيتَ الرِّبا فإنه أموالُنا كلها؟ قال: ((لَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُم إن الله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرَّبَا إِنْ كُنْتُم مُؤمِنِين﴾ [البقرة: ٢٧٨]. قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ قال: ((إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا، وقرأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فارتفع القومُ، فخلا بعضُهم ببعض، فقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوماً كيوم مكة، انطلِقُوا نُكاتبه على ما سألناه، فأَتَوْا رسولَ الله ◌َّ فقالوا: نعم لك ما سألتَ، أرأيت الرَّبَّة ماذا نصنعُ فيها؟ قال: ((اهدِمُوها)). قالوا: هيهاتَ لو تعلمُ الرَّبَّةُ أنك تُريد هدمها، لقتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: ويحَك يا ابنَ عبد ياليل، ما أجهلَك، إنما الربة حجر. فقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، وقالوا لِرسول الله ◌َ﴾: تَوَلَّ أنت هدمها، فأما نحن، فإنا لا نهدِمُها أبداً. قال: ((فسَأَبَعَثُ إِلَيْكُمْ مَنْ يَكْفِيكُم هَذْمَها)) فَكاتبوه، فقال كنانة بنُ عبد ياليل: ائذن لنا قبلَ رسولِك، ثم ابعثْ في آثارنا، فإنا أعلمُ بقومنا، فَأَذِنَ لهم رسول الله ◌َِّ، وأكرمهم وحبَاهم، وقالوا: يا رسولَ الله! أمِّر علينا رجلاً يؤمنا مِن قومنا، فأمَّر عليهم عثمانَ بن أبي العاصِ لِما رأى مِن حرصه على الإِسلام، وكان قد تعلم سوراً مِن القرآن قبل أن يخرج، فقال كِنانة بن عبد ياليل: أنا أعلمُ الناس بثقيف، فاكتموهُمُ القضية، وخوِّفُوهم بالحرب والقتال، وأخبروهم أن محمداً سألنا أموراً أبيناها عليه، سألنا أن نَهْدِم اللاتَ والعُزى، وأن نُحَرِّمَ الخمرَ والزنى، وأن نُبْطِلَ أموالنا في الربا. فخرجت ثقيفٌ حين دنا منهم الوفدُ يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العَنَق، وقطروا الإِبِل، وتغشَّوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزِنُوا وكربوا، وَلم يرجعوا بخير، فقال بعضهم لبعض: ما جاء وفدُكم بخير، ولا رجعوا به، وترجَّل ٥٢٢ الوفد، وقصدُوا اللاتَ، ونزلوا عندها - واللات وثن كان بين ظهراني الطائف، يُستر ويُهدى له الهدي كما يُهدى لبيت اللَّهِ الحرام - فقال ناسٌ من ثقيف حين نزل الوفدُ إليها: إنَّهم لا عهد لهم برؤيتها، ثم رجع كُلُّ رجل منهم إلى أهله، وجاء کلاّ منهم خَاصَّتُه مِن ثقیف، فسألوهم ماذا جئتُم به وماذا رجعتم به؟ قالوا: أتينا رجلاً فظاً غليظاً يأخُذ مِن أمره ما يشاءُ، قد ظهر بالسيفِ، وداخ له العرب، ودان له الناس، فعرض علينا أموراً شداداً: هدمَ اللات والعُزى، وتركَ الأموال في الربا إلا رؤوس أموالكم، وحرم الخمر والزنى، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبداً. فقال الوفدُ: أصلحوا السلاح، وتهيؤوا للقتال، وتعبَّؤوا له، ورُمُّوا حِصنكم. فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة يُريدون القِتال، ثم ألقى اللَّهُ عز وجل في قلوبهم الرعبَ، وقالوا: والله ما لنا به طاقة، وقد داخ له العرب كُلُّها، فارجعُوا إليه، فأعطُوه ما سأل، وصالِحُوه عليه. فلما رأى الوفد أنهم قد رغبوا، واختاروا الأمان على الخوف والحرب، قال الوفد: فإنا قد قاضيناه، وأعطيناه ما أحببنا، وشرطنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس، وأوفاهم، وأرحمهم، وأصدقهم، وقد بُورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، وفيما قاضيناه عليه، فاقبلوا عافية الله، فقالت ثقيف: فلِم كتمتمُونا هذا الحديث، وغممتُمونَا أشدَّ الغم؟ قالوا: أردنا أن ينزِعَ الله مِن قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم، ومكثوا أياماً. ثم قدم عليهم رُسُلُ رسول الله ◌َّ قد أمر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرةُ بن شعبة، فلما قَدِمُوا، عَمَدُوا إلى اللات ليهدموها، واستكَفَّتْ ثقيف كُلُّها، الرِّجالُ والنساءُ والصبيانُ، حتى خرج العواتِقِ مِن الحِجال لا ترى عامةُ ثقيف أنها مهدومة يظنُّون أنها ممتنعة، فقام المغيرةُ بنُ شعبة، فأخذ الكِرْزِين(١)، وقال لأصحابه: والله لأُضحكنَّكم من ثقيف، فضرب بالكرزين، ثم سقط يركُض، فارتجَّ أهلُ الطائف بضجَّةٍ واحدة، وقالوا: أبعد اللَّهُ المغيرة، قتلته الرَّبَّة، وفرحوا حين رأوه ساقطاً، وقالوا: من شاء منكم، فليقرب، وليجتهد، على هدمها، فوالله لا تُستطاع، (١) الكرزين: الفأس لها حد. ٥٢٣ فوثب المغيرة بن شعبة، فقال: قبَّحكم الله يا معشر ثقيف، إنما هي لَكَاع حِجَارة وَمَدَر، فاقبلوا عافيةَ اللَّهِ واعبدوه، ثم ضرب البابَ فكسره، ثم علا سورَها، وعلا الرجالُ معه، فما زالوا يهدِمُونها حجراً حجراً حتّى سؤَّوْها بالأرض، وجعل صاحب المفتاح يقول: ليغضبن الأساس، فليخْسِفَنَّ بهم، فلما سمع ذلك المغيرة، قال لِخالد: دعني أحفر أساسها، فحفره حتى أخرجوا تُرابها، وانتزعوا حُليها ولباسها، فبُهِتَتْ ثقيف، فقالت عجوز منهم: أسلمها الرُّضَّاعُ، وتركوا المِصَاعَ (١) . وأقبل الوفدُ حتى دخلوا على رسول الله مج﴾ بحُليها وكِسوتها، فقسمه رسولُ الله ◌َّ من يومه، وحمد الله على نصرة نبيه وإعزاز دينه، وقد تقدّم أنه أعطاه لأبي سفيان بن حرب، لهذا لفظ موسى بن عقبة. وزعم ابن إسحاق أن النبي قل﴾ قدم من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف. وروينا في ((سنن أبي داود)) عن جابر قال: اشترطَتْ ثقيفٌ عَلَى النَّبِي ◌َ أَلَّ صَدَقَة عليها ولا جِهَادَ، فقال النبي ◌َِّ بَعْدَ ذُلِكَ: ((سَيَتَصَدَّقُون ويُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا»(٢) . وروينا في ((سنن أبي داود الطيالسي))، عن عثمان بن أبي العاص، أن النبي ◌َّل ، أمره أن يجعلَ مَسْجِدَ الطائفِ حیث کانت طاغیتُهم. وفي ((المغازي)) لمعتمِر بن سليمان قال: سمعتُ عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي يُحدِّث عن عثمان بن عبد الله، عن عمه عمرو بن أوس، عن عثمان بن أبي العاص، قال: استعملني رسولُ اللهِنَّه وأنا أصغرُ السِّنَّة الذين وفدُوا عليه من (١) الرضاع: اللئام، والمصاع: الجلاد والمضاربة بالسيف. (٢) أخرجه أبو داود(٣٠٢٥) وأحمد ٢١٨/٤ في الخراج والإمارة: باب ما جاء في خبر الطائف، وسنده حسن. ٥٢٤ ثقيف، وذلك أني كنتُ قرأتُ سورة البقرة، فقلت: يا رسولَ الله! إن القرآن يتفلَّتُ مِّني، فوضع يده على صدري وقال: ((يا شَيْطَانُ اخْرُجْ مِنْ صَدْرِ عُثْمان)) فما نسيتُ شيئاً بعده أريد حفظه (١). وفي ((صحيح مسلم)) عن عثمان بن أبي العاص، قلتُ: يا رسول الله! إن الشيطانَ قد حَالَ بيني وبَيْنَ صلاتي وقراءتي قال: ((ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزِبَ، فإذا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذْ باللّهِ مِنْهُ، واتْفِلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلاثَا))(٢)، ففعلتُ، فأذهبَه اللَّهُ عنِّي. فصل وفي قصة هذا الوفد مِن الفقه، أن الرجلَ من أهل الحرب إذا غَدَر بقومه، وأخذ أموالَهم، ثم قدِم مسلماً، لم يتعرَّض له الإِمامُ، ولا لما أخذه مِن المال، ولا يضمنُ ما أتلفه قبلَ مجيئه من نفس ولا مال، كما لم يتعرض النبيُّ ◌َّ لما أخذه المغيرةُ من أموال الثقفيين، ولا ضَمِنَ ما أتلفه عليهم، وقال: ((أما الإِسلام فأقبلُ، وأما المال، فلست منه في شيء)). إذا قدم الحربي مسلماً لا يضمن ما أخذه أو فعله قبل إسلامه ومنها: جوازُ إنزال المشرك في المسجد، ولا سيما إذا كان يرجو جواز إنزال المشرك في إسلامه، وتمكينه من سماع القرآن، ومشاهدة أهل الإِسلام، وعبادتهم. المسجد ومنها: حسنُ سياسة الوفد، وتلطفهم حتى تمكَّنوا من إبلاغ ثقيف ما قدموا به فتصوَّروا لهم بصُورة المنكر لِما يكرهونه، الموافق لهم فيما يَهْوَوْنه حتى ركنوا إليهم، واطمأنوا، فلما علموا أنه ليس لهم بُد من الدخول في دعوة الإِسلام أذعنوا، فأعلمهم الوفدُ أنهم بذلك قد جاؤوهم، ولو فاجؤوهم به من أول وهلة لما أقرُّوا به، ولا أذعنوا، وهذا مِن أحسن حسن سياسته الوفد (١) عبد الله بن عبد الرحمن ضعفه غير واحد، وقال في ((التقريب)): صدوق يخطىء ویھم، وباقي رجاله ثقات. (٢) أخرجه مسلم (٢٢٠٣) في السلام: باب التعوذ من شيطان الوسوسة. ٥٢٥ الدعوة، وتمامِ التبليغ، ولا يتأتَّى مع ألبَّاءِ الناس وعُقلاتهم. ومنها: أن المستحق لإمرة القوم وإمامتِهم أفضلُهم وأعلمُهم بكتاب الله، وأفقهُهم في دينه. هدم مواضع الشرك ومنها: هدمُ مواضع الشرك التي تُتخذ بيوتاً للطواغيت، وهدمُها أحبُّ إلى الله ورسوله، وأنفعُ للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير، ولهذا حالُ المشاهد المبنية على القبور التي تُعبد مِن دون الله، ويُشرك بأربابها مع الله، لا يَحِلُّ إبقاؤها في الإِسلام، ويجب هدمُها، ولا يَصحُّ وقفُها، ولا الوقفُ عليها، وللإِمام أن يقطِعَها وأوقافها لجند الإِسلام، ويستعينَ بها على مصالح المسلمين، وكذلك ما فيها من الآلات، والمتاع، والنذور التي تُساق إليها، يُضاهَى بها الهدايا التي تُساق إلى البيت الحرام، للإِمام أخذُها كلها، وصرفها في مصالح المسلمينَ، كما أخذ النبيِ ﴿ أموال بيوت هذه الطواغيت، وصرفها في مصالح الإِسلام، وكان يفعل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد، سواء من النذور لها، والتبرِك بها، والتمسح بها، وتقبيلها، واستلامها، لهذا كان شركَ القوم بها، ولم يكونوا يعتقدون أنها خَلَقَتِ السَّماواتِ والأرضَ، بل كان شِركُهم بها كشركِ أهلِ الشرك من أرباب المشاهد بعينه . استحباب اتخاذ المساجد مكان بيوت الطواغيت ومنها: استحبابُ اتخاذِ المساجد مكانَ بيوت الطواغيت، فيُعبد اللَّهُ وحدَه، لا يشرك به شيئاً في الأمكنة التي كان يُشْرَكُ به فيها، وهكذا الواجبُ في مثل هذه المشاهد أن تُهدَمَ، وتُجعلَ مساجِدَ إن احتاج إليها المسلمون، وإلا أقطعها الإِمامُ هي وأوقافُها للمقاتلة وغيرهم. التعوذ من الشيطان ومنها: أن العبدَ إذا تعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم، وتَفَلَ عن يساره، لم يضُرَّه ذلك، ولا يقطعُ صلاته، بل هذا مِن تمامها وكمالها، والله أعلم. ٥٢٦ فصل الوقود قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسولُ الله ◌َيّ مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضَرَبَتْ إليه وفُود العرب مِن كل وجه، فدخلوا في دين الله أفواجاً یضرِبون إلیه مِن کل وجه. فصل وقد تقدّم ذكر وفد بني تميم ووفد طيء. ذكر وفد بني عامر، ودعاء النبيِّ لَّل على عامر بن الطُّفيل، وكفاية الله شره وشر أَرْبَد بن قیس بعد أن عصم منهما نبيه. وفد بني عامر روينا في كتاب ((الدلائل)) للبيهقي، عن يزيد بن عبد الله أبي العلاء، قال: وفد أبي في وفد بني عامر إلى النبي ◌ََّ، فقالوا: أنت سيدُنا، وذُو الطَّول علينا، فقال: ((مَهْ مَهْ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانَ، السَّيِّدُ الله))(١). (١) وأخرجه أحمد في ((المسند)) ٢٥/٤، وأبو داود (٤٨٠٦) من حديث مطرف بن عبد الله، عن أبيه وسنده صحيح، ولفظ أبي داود((قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله رَّة، فقلنا: أنت سيدنا، فقال: ((السيد الله تبارك وتعالى)) قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: ((قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان)) قال الخطابي: قوله: ((السيد الله)) يريد السؤدد حقيقة لله عز وجل، وأن الخلق كُلَّهم عبيد له، وإنما منعهم - فيما نرى - أن يدعوه سيداً مع قوله((أنا سيد ولد آدم)» وقوله لبني الخزرج: ((قوموا إلى سيدكم)) يريد سعد بن معاذ - من أجل أنهم قوم حديثو عهد بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا، وكان لهم رؤساء يعظمونهم وينقادون لأمرهم، ويسمونهم السادات، فعلمهم النبي مَلّ الثناء عليه، وأرشدهم إلى الأدب في ذلك فقال: قولوا بقولكم. يريد: قولوا بقول أهل دينكم وملتكم، وادعوني نبياً ورسولاً، كما سماني الله عز وجل في كتابه، فقال (يا أيها النبي) (يا أيها الرسول) ولا تسموني سيداً، كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم ولا تجعلوني مثلهم، فإني لست كأحدهم، إذ كانوا يسودونكم بأسباب الدنيا، وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة فسموني نبياً ورسولاً، وقوله (بعض قولكم)) فيه حذف = ٥٢٧ روينا عن ابن إسحاق، قال: لما قَدِمَ على رسولِ اللهِ نَّهِ وفدُ بني عامر فيهم عامرُ بن الطفيل، وأرْبَدُ بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر، وجبَّار بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء النفر رؤوساءَ القوم وشياطينهم، فقدم عدُوُّ الله عامرُ بنُ الطُّفيل على رسول الله ◌َّ وهُوَ یرید الغدرَ به، فقال له قومُه: یا عامر! إن الناسَ قد أسلموا، فقال: واللَّهِ لقد كنتُ آليتُ ألاَّ أنتهيَ حتَّى تتبع العرب عَقِبيَ، وأنا أتبعُ عَقِبَ هذا الفتى مِن قريش! ثم قال لأَرْبَد: إذا قَدِمنا على الرجل، فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلتُ ذُلك، فاعْلُهُ بالسَّيفِ. فلما قَدِمُوا على رسول الله ◌َّ، قال عامر: يا محمد! خالني(١). قال: ((لا والله حتى تُؤْمِنَ بالله وحدَه)). قال: يا محمد! خالِني. قال: ((حتى تؤمن بالله وحده لا شريك لهٍ»، فلما أبى عليه رسولُ الله ◌ِّهِ، قال له: أما والله لأملأنها عليكَ خيلاً ورِجالاً. فلما ولَّى، قال رسولُ الله ◌َِّ: ((اللَّهُمَّ اكْفِي عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْل))، فلما خرجوا مِن عند رسولِ الله ◌َّ، قال عامر لأَرْبَد: ويحك يا أربد، أين ما كُنْتُ أَمَرْتُك به؟ واللَّهِ ما كان على وجه الأرض أخوفُ عندي على نفِسي منك، وايمُ اللَّهِ لا أخافُك بعد اليوم أبداً. قال: لا أبالك، لا تَعْجَلْ عليَّ، فوالله ما هممتُ بالذي أمرتني به، إلا دخلتَ بيني وبين الرجل، أفأضرِبُك بالسيف؟. ثم خرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطُّفيل الطاعونَ في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سَلول، ثم === واختصار، ومعناه: دعوا بعض قولكم واتركوه يريد بذلك الاقتصار في المقال قال الشاعر. فبعضَ القول عاذلتي فإني سيكفيني التجارب وانتسابي وقوله: ولا يستجرينكم الشيطان، معناه: لا يتخذنكم جرياً، أي: رسولاً ووكيلاً، قال ابن الأثير: يريد تكلموا بما يحضركم من القول ولا تتكلفوه، كأنكم وكلاء الشيطان ورسله تنطقون عن لسانه. (١) خالتي بالتخفيف: تفرد لي خالياً حتى أتحدث معك، وبتشديد اللام: اتخذني خليلاً وصاحباً من المخالة وهي الصداقة. ٥٢٨ خرج أصحابُه حين رأوه حتى قَدِمُوا أرض بني عامر، أتاهم قومُهم فقالوا: ما وراءك يا أربَد؟ فقال: لقد دعاني إلى عبادة شيء لوددتُ أنه عندي فأرمِيَه بنبلي هذه حتی أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو بیومین معه جمل يتبعه، فأرسل الله علیه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما، وكان أربد أخا لبيد بن ربيعة لأمه، فبكى ورثاه(١). وفي ((صحيح البخاري)) أن عامِرَ بنَ الطُّفيل أتى النبي ◌َـَ، فقال: أخيِّرُك بَيْنَ ثَلاثِ خِصال: يكونُ لك أهلُ السهلِ، ولي أهلُ المدر، أو أكونُ خليفَتَك من بعدك، أو أغزوك بغَطَفَان بألف أشقر، وألف شقراء، فطُعِنَ في بيت امرأة فقال: أُغُدَّة كَغُدَّةِ البكر في بيت امرأة من بني فلان ائتوني بفرسي، فركِبَ، فمات على ظهر فرسه(٢). فصل في قدوم وفد عبد القيس في (الصحيحين)) مِن حديث ابنِ عباس: أن وفدَ عبد القيس قَدِمُوا على النبي ◌ََّ، فقال: ((مِمَّنِ القَوْمُ؟)) فقالوا: مِن رَبيعة. فقال: ((مَرْحَباً بِالوَقْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى)). فقالوا: يا رسول اللَّهِ! إن بيننا وبينك هذا الحيَّ مِنْ كفار مُضَرَ، وإنا لا نَصِلُ إليك إلا في شهرٍ حرام، فمُرنا بأَمْرٍ فَصْلٍ نأخذُ به ونأمر به مَن وراءنا، وندخُل به الجنة، فقال: ((آمُرُكُم بَأَرْبَع، وأَنْهَاكُم عَنْ أَرْبِعَ: آمُرُكُم بِالإِمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، أَتَدْرُونَ مَا الإِيمان بالله؟ شَهادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وإِيتَاء الزَّكَاةِ، وصَوْم رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعطُوا الخُمْسَ مِنَ المَغْنَم. وأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع: عَنُ الدُّبَّاءِ، والحَنْتَم، والنَِّير، والمُزَفَّتِ، فَاحْفَظُوهُنَّ وادْعُوا (١) ابن هشام ٥٦٨/٢، ٥٦٩. (٢) أخرجه البخاري ٧/ ٢٩٧ في المغازي: باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، وأحمد ٢١٠/٣ من حديث أنس بن مالك. ٥٢٩ : إِلَيْهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ (١). زاد مسلم: قالوا: يا رسول الله، ما عِلمُكَ بِالنقير؟ قال: بلى جِذع تَنْقُرُونَهُ، ثمَّ تُلْقُونَ فيه مِن الثَّمْرِ، ثُمَّ تَصُبُّونَ عَلَيْهِ المَاءَ حَتَّى يَغْلِيَ، فإِذا سَكَنَ، شَرِبْتُمُوهُ، فعسىْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَضْرِبَ ابْنَ عَمِّهِ بالسَّيفِ، وفي القوم رجل به ضربة كذلك. قال: وكنت أخبؤُها حياء من رسول الله وَّ قالوا: ففيم نشرَبُ يا رسول الله؟ قال: ((اشْرَبُوا فِي أَسْقِيَةِ الأَدَمِ التي يُلاثُ عَلَى أَفْوَاهِها)). قالوا: يا رسولَ الله! إن أرضَنَا كثيرةُ الجِرذان لا تبقى فيها أسقية الأدم، قال: ((وإن أكلها الجِرْذَانُ)) مرتين أو ثلاثاً، ثم قال رسول الله وَّ لأشج عبد القيس ((إنَّ فِيكَ خَضْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما الله: الحِلْمُ والأَنَاءُ). قال ابن إسحاق: قَدِمَ على رسول الله بَّ الجارود بن بشر بن المعلّى وكان نصرانياً، فجاء رسولَ الله ◌َّ في وفد عبد القيس، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إني على دينٍ، وإني تاركٌ دِيني لِدِينك، فتضمنُ لي بما فيه؟ قال: ((نعم أَنَا ضَامِنٌ لِذلِك، إِنَّ الَّذِي أَدْعُوكَ إِلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ))، فأسلم وأسلم أصحابه، ثم قال: يا رسولَ الله! احملنا. فقال: ((واللَّهِ مَا عِنِدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ)) فقال: يا رسولَ الله! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بلادِنا ضَوَالَّ من ضوالِّ الناس، أفنتبلغُ عليها؟ قال: ((لا، تِلْكَ حَرَقُ النَّارِ))(٢). (١) أخرجه البخاري ١/ ١٢٠، ١٢٥ في الإيمان: باب أداء الخمس من الإيمان، ومسلم (١٧) في الإيمان: باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ◌َّ وشرائع الدين. وقوله عن الدباء: هو القرع، والحنتم: الجرار الخضر، والنقير: جذع ينقر وسطه ليتخذ منه وعاء، والمزفت: ما طلي بالزفت، والمراد: النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية خاصة لأنه يسرع إليها الإِسكار، فربما يشرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر، ففي ((صحيح مسلم)) ٣/ ١٥٨٤ (٩٧٧) عن بريدة مرفوعاً: ((كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً) وسيذكره المصنف قريباً. (٢) ابن هشام ٥٧٥/٢، وأخرج أحمد ٨٠/٥ والدارمي ٢٦٦/٢، والترمذي (١٨٨٢) عن الجارود العبدي يرفعه إلى النبي ◌َّر قال: ((ضالة المسلم حرق النار فلا تقربنها)) وإسناده صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٢٥٠٢) من حديث عبد الله بن الشخير، وسنده صحيح، = ٥٣٠ فصل ففي هذه القصة: أن الإِيمانَ باللهِ هو مجموعُ لهذه الخصالِ مِن القول والعمل، كما على ذلك أصحابُ رسول الله ◌َِّ والتابعون، وتابعوهم كُلُّهم، ذكره الشافعي في ((المبسوط))، وعلى ذلك ما يُقارب مائة دليل مِن الكتاب والسنة. الإيمان بالله يتضمن خصالًا أخرى من قول وفعل عدم عد الحج في هذه وفيها: أنه لم يَعُدَّ الحجَّ في هذِهِ الخصال، وكان قدومُهم في سنة تسع، وهذا أحدُ ما يُحتج به على أن الحج لم يكن فُرِضَ بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان فُرِضَ لعدَّه من الإِيمان، كما عدَّ الصوم والصلاة والزكاة. الخصال دليل على عدم فرضيته في ذلك الوقت وفيها: أنه لا يُكره أن يُقال: رمضان للشهر خلافاً لمن كره ذلك، وقال: لا ٥ قول: رمضان لا يُقال: إلا شهر رمضان. للشهر وفي (الصحيحين)): مَن صَامَ رمضان إيمَاناً واحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه)»(١) . وفيها: وجوبُ أداءِ الخُمس من الغنيمة، وأنه من الإِيمان. وفيها: النهيُ عن الانتباذ في لهذه الأوعية، وهل تحريمُه باقٍ أو منسوخ؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد. والأكثرون على نسخه بحديث بريدة الذي رواه مسلم وقال فيه: ((وَكُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنِ الأَوْعِيَّةِ فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ، ولا تَشْرَبُوا مُشْكِراً)(٢). ومن قال: بإِحكام أحاديث النهي، وأنها غير منسوخة، قال: هي أحاديث تكادُ تبلغ التواتر في تعدّدها وكثرة طُرقها، وحديثُ الإباحة فرد، فلا يبلُغْ مقاومتها، وسر المسألة أن النَّهي عن الأوعية المذكورة من باب سدِّ الذرائع، النهي عن الانتباذ في الأوعية المذكورة وبيان الاختلاف في ذلك وصححه ابن حبان (١١٧١) والبوصيري في ((الزوائد)) وقوله: حرق النار، قال ثعلب: = حرق النار: لهبها، معناه: إذا أخذها إنسان ليتملكها، أدته إلى النار. (١) أخرجه البخاري ٨٦/١ في الإيمان: باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان، ومسلم (٧٦٠) في صلاة المسافرين: باب الترغيب في قيام رمضان، وهو التروايح. (٢) تقدم تخريجه. ٥٣١ إذ الشرابُ يُسرع إليه الإِسِكارُ فيها. وقيل: بل النهي عنها لصلابتها، وأن الشراب يُسكر فيها، ولا يُعلم به بخلاف الظروف غير المزفتة، فإن الشرابَ متى غلا فيها وأسكر، انشقت، فيُعلم، بأنه مسكر، فعلى هذه العلة يكون الانتباذ في الحجارة، والصُّفر أولى بالتحريم، وعلى الأول لا يحرم، إذ لا يُسِرِعُ الإِسكار إليه فيها، كإسراعه في الأربعة المذكورة، وعلى كلا العلتين، فهو من باب سدِّ الذريعة، كالنهي أولاً عن زيارة القبور سداً لذريعة الشركِ، فلما استقر التوحيدُ في نفوسهم، وقويَ عندهم، إذِن في زيارتها، غير أن لا يقولوا هُجراً. وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية إنه فطمهم عن المسكر وأوعيته، وسدّ الذريعة إليه إذ كانوا حديثي عهد بشربه، فلما استقر تحريمه عندهم، واطمأنت إلیه نفوسُھم، أباح لهم الأوعية كُلَّها غير أن لا يشربوا مسكراً، فهذا فِقه المسألة وسِرُّها. وفيها: مدح صفتي الحِلم والأناة، وأن الله يحبهما، وضِدهما الطيشُ والعَجَلة، وهما خُلُقَانِ مذمومانٍ مفسدان للأخلاق والأعمال. مدح الحلم والأناة قد يحصل الخُلُق بالتخلق وفيه دليل على أن الله يُحِبُّ من عبده ما جبله عليه من خصال الخير، كالذكاء، والشجاعة، والحِلم. الله خالق أفعال العباد وأخلاقهم وفيه دليل على أن الخُلُقَ قد يحصل بالتخلُّق والتكلف، لقوله في هذا الحديث: ((خُلْقَيْنِ تَخَلَّقْتُ بِهِمَا، أَوْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِما؟))، فقال: ((بَلْ جُبِلْتَ عَلَيْهِمَا))(١) . وفيه دليل على أنه سُبحانه خالقُ أفعالِ العباد وأخلاقِهِم، كما هو خالقُ ذَوَاتِهِم وصفاتِهِم، فالعبدُ كُلُّه مخلوق ذاته وصفاتُه وأفعالُه، ومن أخرج أفعالَه عن خلق الله، فقد جعل فيه خالقاً مع الله، ولهذا شبه السَّلَفُ القَدَرِيَّة النفاة بالمجوس، وقالوا: هم مجوسُ هذه الأمة، صح ذلك عن ابن عباس. (١) أخرج هذه الزيادة أحمد ٢٠٦،٢٠٥/٤، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٨٤) عن الأشج، وسندها صحيح. ٥٣٢ وفيه إثباتُ الجَبْلِ لا الجَبْرِ اللَّهِ تعالى، وأنه يَجْبِل عبده على ما يريد، كما إثبات الجبل له والفرق جبل الأشجَّ على الحِلم والأناة، وهما فِعلان ناشئان عن خُلقين في النفس، فهو بينه وبين الجبر سبحانه الذي جبل العبدَ على أخلاقه وأفعاله، ولهذا قال الأوزاعي، وغيرُه من أئمة السلف: نقول: إن الله جبلَ العبادَ على أعمالهم، ولا نقول: جَبَرَهم عليها. وهذا من كمال علم الأئمة، ودقيقِ نظرهم، فإن الجبر أن يُحْمَل العبد على خلاف مراده، كجبر البكر الصغيرة على النكاح، وجبرِ الحاكم من عليه الحق على أدائه، والله سبحانه أقدرُ من أن يجبر عبده بهذا المعنى، ولكنه يجبُلُه على أن يفعل ما يشاء الرب بإرادة عبده واختياره ومشيئته، فهذا لون، والجبر لون. لا يجوز للرجل أن ينتفع بالضالة التي لا يجوز التقاطها وفيها: أن الرجلَ لا يجوزُ له أن ينتفع بالضالة التي لا يجوز التقاطُها، كالاِبِل، فإن النبي ◌َّ لم يجَوِّزْ للجارود ركوب الإبل الضالة، وقال: ((ضالّةٌ المُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ))، وذلك لأنه إنما أمر بتركها، وأن لا يلتقطها حفظاً على ربِّها حتى يَجِدَها إذا طلبها، فلو جوَّز له ركوبَها والانتفاعَ بها، لأفضى إلى أن لا يقدر عليها ربُّها، وأيضاً تطمع فيها النفوس، وتتملكها، فمنع الشارع من ذلك. فصل في قدوم وفد بني حنيفة قال ابن إسحاق: قَدِمَ على رسول الله بَّل وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمةُ الكذاب، وكان منزلُهم في دار امرأة من الأنصار من بني النجار، فأتوا بمسيِلمَةَ إلى رسول الله ◌َُّ يُسْتَرُ بالثياب، ورسولُ الله ◌َّ جالس مع أصحابه، في يده عَسِيبٌ من سَعَفِ النخل، فلما انتهى إلى رسول الله ◌َّل وهم يسترونه بالثياب، كلَّمه وسأله، فقال له رسول الله ◌َالَ: ((لَوْ سَأَلتني هذا العَسِيبَ الَّذِي في يدي مَا أَعْطَیُك)» . قال ابن إسحاق: فقال لي شيخ من أهلِ اليمامة من بني حنيفة: إن حديثه كان على غير لهذا، زعم أن وفد بني حنيفة أتَوْا رسول الله بَثّ، وخلَّفُوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا، ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول الله! إنا قد خلفنا صاحباً ٥٣٣ لنا في رحالنا وركابنا يحفظُها لنا، فأمر له رسولُ اللَّهِ فَلَه بما أمر به للقوم، وقال: أما إنه ليس بِشَرَّكُم مكاناً، يعني حِفظَه ضيعَة أصحابِهِ، وذلك الذي يريد رسول الله ◌َليم . ثم انصرفُوا وجاؤوه بالذي أعطاه، فلما قدموا اليمامة، ارتدَّ عدوُّ اللّهِ وتنبأ، وقال: إني أُشْرِكْتُ في الأمر معه، ألم يَقُلْ لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشرِّكم مكاناً، وما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه، ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم اللَّهُ على الحُبلى، أخرج منها نسمة تسعى، ومن بين صِفَاقٍ وَحَشا. ووضع عنهم الصلاةَ، وأحل لهم الخمر والزنى، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله وَي أنه نبيّ، فأصفقت معه بنو حنيفة على ذُلك(١) . قال ابن إسحاق: وقد كان كتب لرسول الله وسلم: مِن مسيلمة رسول الله إلى محمَّد رسولِ الله، أما بعد: فإني أُشْرِكْتُ في الأمر معك، وإن لنا نِصفَ الأمر، ولقريشٍ نصفَ الأمر، وليس قريش قوماً يَعْدِلُون فقدِم عليه رسولُه بهذا الكتاب، فكتب إليه رسولُ الله ◌َّهِ: ((بسم الله الرحمن الرحيم: مِنْ محمّدٍ رسولِ الله، إلى مُسَيْلِمَة الكذاب، سلام على من اتّبع الهُدى. أما بعد: فإن الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين)) وكان ذلك في آخرِ سنة عشر. قال ابن إسحاق: فحدثني سعدُ بن طارق، عن سلمة بن نُعيم بن مسعود، عن أبيه، قال: سمعتُ رسول اللّهِ وَ﴾ حين جاءه رَسُولاً مسيلمة الكذاب بكتابه يقولُ لهما: ((وأَنْتُمَا تَقُولاَنِ بِمِثْلِ مَا يَقُولُ؟» قالا: نعم. فقال: ((أمَا واللَّهِ لَوْلاَ أَنَّ الرُّسُلَ لاَ تُقْتَلُ، لَضَرَبْتُ أَعْنَافَكُما))(٢) . (١) ابن هشام ٥٧٦/٢، ٥٧٧، وابن سعد٣١٦/١. والصفاق: ما رقّ من البطن، وقوله: فأصفقت، أي: اجتمعت. (٢) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد ٣/ ٤٨٧، وأبو داود (٢٧٦١). ٥٣٤ وروينا في ((مسند أبي داود الطيالسي)) عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: جاء ابنُ النَّوَّاحة وابنُ أُثَال رَسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسولِ اللهِ الَّة، فقال لهما رسولُ الله ◌َّهُ: ((تشهدَانِ أَنِّي رَسُول الله؟)) فقالا: نشهد أن مسيلِمَةَ رسولُ الله. فقال رسولُ اللهِ وَّةَ: ((آمَنْتُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وَلَوْ كُنْتُ قَاتِلاَ رَسُولاً لَقَتَلْتُكُما)). قال عبد الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تُقُتل(١). وفي ((صحيح البخاري)) عن أبي رجاء العُطَارِدي، قال: لما بُعِثَ النبيُّ ◌َّةِ، فَسَمِعْنَا به، لحقنا بمسيلمة الكذاب، فلحقنا بالنار، وكنا نعبُدُ الحجرَ في الجاهلية، فإذا وجدنا حجراً هو أحسنُ منه، ألقينا ذلك وأخذناه، فإذا لم نجد حجراً، جمعنا جُثْوَةً من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه، ثم طُفنا به، وكنا إذا دخل رجب، قلنا: جاء مُنْصِلُ الأسنة، فلا نَدَعُ رُمحاً فيه حديدة، ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناها وألقيناها(٢). قلت: وفي ((الصحيحين)) من حديث نافع بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قَدِمَ مسيلمةُ الكذابُ على عهد رسولِ اللَّهِ بِ ﴿َ المدينةَ، فجعل يقولُ: إن جعل لي محمدٌ الأمرَ مِن بعده، تبعتُه، وقَدِمَها في بشرِ كثيرٍ من قومه، فأقبل النبيُّ لََّ ومعه ثابتُ بنُ قيس بن شَمَّاس، وفي يدِ النبيِّ ◌َ* قِطعةُ جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: ((إن سَأَلْتَنِي هذِهِ القِطعَةَ مَا أَعْطَيْئُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ، لِيَعْقِرَنَّك اللَّهُ، وإنِّي أُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فيهِ ما أُرِيتُ، وهذا ثابت بن قيس يُجيبك عني)) ثم انصرف. قال ابنُ عباس: فسألتُ عن قول النبي ◌ََّ: ((إِنك الَّذِي أُريتُ فيه ما أُرِيتُ)) فأخبرني أبو هريرة، أنّ النبي ◌َ قال: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب، فَأَهَمَّني شأْنُهُما، فأُوحِيَ إليَّ في المَنامِ أَن انْفُخْهُما فَنَفَخْتُهُما فَطَارَا، فَأَوَلْتُهُما (١) أخرجه الطيالسي ٢٣٨/١، وهو في سنن أبي داود (٢٧٧٢) ورجاله ثقات، ويشهد له الحدیث السابق. (٢) أخرجه البخاري ٧١/٨ في المغازي: باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال. ٥٣٥ كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي، فَهُذانِ هُما، أَحَدُهُمَا العَنْسِي صَاحِبُ صَنْعَاءَ، والآخَرُ مُسَيْلِمةُ الكَذَّابُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ (١). وهذا أصح من حديث ابن إسحاق المتقدم. وفي ((الصحيحين)) مِن حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذا أُتْيتُ بِخَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوْحي إليَّ أن انفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا، فَأَوَلْتُهُمَا الكِذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا، صَاحِبَ صَنَعَاءَ وصَاحِبَ الْيَمَامَةِ))(٢). فصل في فقه هذه القصة 1 فيها: جوازُ مكاتبةِ الإِمام لأهل الردة إذا كان لهم شوكة، ويكتب لهم ولإخوانهم من الكفار: سلام على من اتبع الهدى. ومنها: أن الرسول لا يُقتل ولو كان مرتداً، لهذه السنة. ومنها: إن للإِمام أن يأتيَ بنفسه إلى من قدم يُريد لقاءه من الكفار. ومنها: إن الإِمام ينبغي له أن يستعينَ برجل من أهل العلم يُجيب عنه أهلَ الاعتراض والعِناد. ومنها: توكيلُ العالمِ لبعض أصحابه أن يتكلّم عنه، ويُجيب عنه. ومنها: إن هذا الحديثَ من أكبر فضائل الصِّديق، فإن النبي ◌َّ نفخ السِّوارين بروحه فطارا، وكان الصِّديق هو ذلك الرُّوح الذي نفخ مسيلمة وأطاره. تأويل رؤيا للنبي 94 بان الصديق يحبط أمر مسيلمة قال الشاعر : فَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْهَا إِلَيْكَ فَأَحْيِهَا بِرِوُحِكَ واقْتَتْهُ لَهَا قِيْتَةٌ قَدْرَاً (٣) (١) أخرجه البخاري ٧٠/٨، ومسلم (٢٢٧٣) في الرؤيا: باب رؤيا النبي (٢) أخرجه البخاري ٧٠/٨، و٣٦٩،٣٦٨/١٢، ومسلم (٢٢٧٤). (٣) البيت لذي الرمة في (ديوانه)) ١٤٢٩/٣، ١٤٣٠، وَقوله: ارفعها، أي: ارفع النار، = ٥٣٦ ومن ها هنا دلَّ لباس الحلي للرجل على نكَدٍ يلحقه وهمّ يناله، وأنبأني أبو تأويل رؤيا لباس الحلي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نِعمة بن سرور المقدسي للرجل وذكر قصص عبرها الشهاب العابر شيخ المصنف المعروف بالشهاب العابِر (١). قال: قال لي رجل: رأيتُ في رجلي خِلخالاً، فقلتُ له: تتخلخل رجلك بألم، وكان كذلك. ١٠٫٫٠٠ وقال لي آخر: رأيت كأن في أنفي حلقةَ ذهبٍ، وفيها حب مليح أحمر، فقلت له: يقع بك رعاف شديد، فجرى كذلك. وقال آخر: رأيت كُلاباً معلقاً في شفتي، قلت: يقع بك ألم يحتاج إلى الفصد في شفتك، فجری کذلك. وقال لي آخر: رأيت في يدي سِواراً والناس يُبصرونه، فقلتُ له: سوء يُبصره الناس في يدك، فعن قليل طلع في يده طلوع. ورأى ذلك آخر لم يكن يُصره الناس، فقلت له: تتزوجُ امرأةً حسنة، وتكون رقيقة. قلتُ: عبر له السِّوار بالمرأة لما أخفاه، وستره عن الناس، ووصفها بالحسن لحسن منظر الذهب وبهجته، وبالرقة لشكل السوار. والحلية للرجل تنصرف على وجوه. فربما دلّت على تزويج العُزَّاب لكونها من آلات التزويج، وربما دلَّت على الإِماء والسراري، وعلى الغناء، وعلى البنات، وعلى الخدم، وعلى الجهاز، وذلك بحسب حال الرائي وما يليق به . قال أبو العباس العابر: وقال لي رجل: رأيت كأن في يدي سواراً منفوخاً لا يراه الناس، فقلت له: عندك امرأة بها مرضُ الاستسقاء، فتأمل كيف عبَّر له = وقوله: أحيها بروحك أي: أحبها بنفخك. (١) ولد في ١٣ شعبان بنابلس سنة ٦٢٨ هـ وسمع بها من عمه تقي الدين يوسف، ومن الصاحب محيي الدين بن الجوزي، وسمع من سبط السلفي، ورحل إلى مصر ودمشق والاسكندرية، وتفقه في المذهب الحنبلي، قال الذهبي: فقيه إمام عالم لا يُدرك شأوه في علم التعبير، وله مصنف كبير في هذا العلم سماه ((البدر المنير)) توفي في ١٩ ذي القعدة سنة ٦٩٧هـ في دمشق، ودفن بتربة أبي الطيب بباب الصغير، وهو مترجم في ((شذرات الذهب)) ٤٣٧/٥، و((البداية)) ٣٥٣/١٣. ٥٣٧ السوار بالمرأة، ثم حكم عليها بالمرض لصُفرة السوار، وأنه مرض الاستسقاء الذي ینتفخ معه البطن . قال: وقال لي آخر: رأيتُ في يدي خلخالاً وقد أمسكه آخر، وأنا ممسك له، وأصيحُ عليه وأقول: اترك خلخالي، فتركه، فقلتُ له: فكان الخلخالُ في يدك أملس؟ فقال: بل كان خشناً تألمتُ منه مرةً بعد مرةً، وفيه شراريف، فقلته له: أمك وخالك شريفان، ولستَ بشريف، واسمُك عبد القاهر، وخالك لسانه نجس رديء يتكلم في عرضك، ويأخد مما في يدك، قال: نعم، قلت: ثم إنه يقع في يد ظالم متعد، ويحتمي بك، فتشدُ منه، وتقولُ: خلِّ خالي، فجرى ذلك عن قليل. قلت: تأمل أَخْذَه الخال من لفظ ((الخلخال))، ثم عاد إلى اللفظ بتمامه حتى أخذ منه، خل خالي، وأخذ شرفه من شراريف الخلخال، ودلّ على شرف أمه، إذ هي شقيقة خاله، وحكم عليه بأنه ليس بشريف، إذ شرفات الخال الدالة على الشرف اشتقاقاً هي في أمر خارج عن ذاته. واستدل على أن لسانَ خاله لسان رديء يتكلم في عرضه بالألم الذي حصل له بخشونة الخلخال مرة بعد مرة، فهي خشونةُ لسان خاله في حقه. واستدل على أخذ خاله ما في يديه بتأذيه به، ويأخذه من يديه في النوم بخشونته. واستدل بإمساك الأجنبي للخلخال، ومجاذبة الرائي على وقوع الخال في يد ظالم متعد يطلب منه ما ليس له. واستدل بصياحه على المجاذب له، وقوله: خل خالي على أنه يعين خاله على ظالمه، وبشد منه. واستدل على قهره لذلك المجاذب له، وأنه القاهر، يده عليه على أنه اسمه عبد القاهر، وهذه كانت حالَ شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعتُ عليهِ عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءةُ هذا العلم عليه لصغر السن واخترام المنية له رحمه الله تعالی. تعریف بالشهاب العابر فصل في قدوم وفد طبىء على النبي قال ابن إسحاق: وقدِم على رسولِ الله ◌ِّ وفد طيىء، وفيهم زيدُ الخيل، ٥٣٨ وهو سيِّدُهم، فلما انتَهَوْا إليه، كلَّمهم، وعرض عليهم الإِسلام، فأسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله بَّهُ: ((ما ذُكِرَ لي رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمَّ جَاءَني إلاَّ رَأَيْتُهُ دُونَ ما يُقَالُ فيه إلاَّ زَيْدَ الخَيْلِ: فَإِنَّه لَمْ يَبْلُغْ كُلَّ ما فِيهِ))، ثم سماه: زيد الخير، وقطع له فيداً (١) وأرضين معه، وكتب له بذلك، فخرج من عند رسولِ الله وََّ راجعاً إلى قومه، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((إِنْ يُنْجَ زَيْدٌ مِنْ حُمَّى المَدينَةِ))(٢)، فإنَّهُ قال: وقد سماها رسولُ الله ◌ِ﴾ باسم غير الحمى وغير أمِّ مَلْدَم، فلم يُثبته (٣). فلما انتهى إلى ماء مِن مياه نجد يقال له: فَرْدَة، أصابته الحُمَّى بها، فمات، فلما أحس بالموت أنشد: وَأَتْرَكُ فِي بَيْتٍ بِفَرْدَةَ مُنجِد أَمُرْتَحِلٌ قَوْمِي المَشَارِقَ غُدْوَةً عَوَائِدُمَنْ لَمْ يُبْرَ مِنْهُنَّ يَجْهَدِ (٤) ألارُبَّ يَوْمِ لَوْ مَرِضْتُ لَعَادَني قال ابن عبد البر: وقيل: مات في آخر خلافة عمر رضي الله عنه، وله ابنان: مُكْنِف، وحُريث، أسلما، وصحبا رسول الله مَّة، وشهدا قِتال أهل الردة مع خالد بن الوليد. فصل في قدوم وفد كندة على رسول الله ◌َي (٥) قال ابن إسحاق: حدّثني الزهري، قال: قدم الأشعثُ بنُ قيس على رسول الله رَّ في ثمانين أو ستين راكباً من كِندة، فدخلُوا عليه محلّ مسجده قد (١) فيد: اسم مكان بشرقي سلمى أحد جبال طيىء، وهو الذي ينسب إليه حمى فيد. (٢) جواب ((إن)) محذوف تقديره فإنه لا يعاب بسوء. (٣) قال السهيلي: الاسم الذي ذهب عن الراوي من أسماء الحمى هو أم كلبة، ذكر لي أن أبا عُبيدة ذكره في ((مقاتل الفرسان)) ولم أره. (٤) ابن هشام ٢/ ٥٧٧، ٥٧٨، و((شرح المواهب)) ٢٥/٤، ٢٧، وإبن سعد ٣٢١/١. ومنجد، أي: بنجد، ويُبرى، أي: يبريه السفر ويجهده. (٥) ابن هشام ٥٨٥/٢، وابن سعد ٣٢٨/١. ٥٣٩ رَجَّلُوا جُمَمَهم، وتسلَّحوا، ولبسوا جِبَابَ الحِبَرَاتِ مكفَّفة بالحرير، فلما دخلوا، قال رسول الله ﴿: ((أَوَلَمْ تُسْلِموا؟)) قالوا: بلى. قال: ((فَما بالُ هذا الحَرير في أَغْنَافِكُمْ؟)). فشقُّوهُ، ونزعوه، وألقَوْه، ثم قال الأشعث: يا رسول الله! نحنُ بنو آكلِ المُرار، وأنت ابنُ آكلِ المرار، فضحك رسولُ الله ◌َِّ، ثم قال: ((ناسِبُوا بهذا النَّسَبِ رَبِيعَةَ بن الحارث، والعَبَّاس بن عَبْد المُطَّلب)). قال الزهري وابن إسحاق: كانا تاجرين، وكانا إذا سارا في أرض العرب، فسئلا من أنتمًا؟ قالا: نحن بنو آكِلِ المرار، يتعزَّزون بذلك في العرب، ويدفعون به عن أنفسهم، لأن بني آكلِ المرار من كندة كانوا ملوكاً. قال رسول الله (نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بن ◌ِنَانَة لا نَقْفُو أُمَنا، ولا ننْتَفِي مِنْ أَبِينَا)». وفي ((المسند)) من حديث حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة، عن مسلم بن هيضم، عن الأشعث بن قيس، قال: قدمنا على رسول الله ثَ ◌ّهَ وَفْدَ كِندة، ولا يَرون إلا أني أفضلُهم، قلتُ: يا رسول الله! ألستُم منا؟ قال: ((لا، نَحْنُ بَنُو النَّضْر بن كِنَانَة، لا نَقْفُو أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مَنْ أبينا)»، وكان الأشعث يقول: لا أوتى برجل نفى رجلاً مِن قريش من النضر بن كنانة إلا جلدتُه الحد (١). وفي هذا من الفقه، أن من كان من ولد النَّضر بن كنانة، فهو من قريش. ولد النضر من قريش وفيه: جوازُ إتلاف المالِ المحرَّم استعمالُه، كثياب الحرير على الرجال، وأن ذلك لیس بإضاعة. جواز إتلاف المال المحرم استعماله والمرار: هو شجر من شجر البوادي، وآكل المرار: هو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن كندة، وللنبي ◌َّ جدة مِن كندة مذكورة، وهي أم كلاب بن مرة، وإياها أراد الأشعث. من آكل المرار؟ (١) أخرجه أحمد ٢١١/٥، و٢١٢، وابن ماجه (٢٦١٢) وإسناده قوي، وصححه البوصيري في ((الزوائد)» .. ٥٤٠