النص المفهرس
صفحات 481-500
أهلُه - فحرقاه وهدماه، فتفَرَّقوا عنه، فأنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧]، إلى آخر القصة (١). وذكر ابن إسحاق الذين بنوه، وهم إثنا عشر رجلاً، منهم: ثعلبةُ بن حاطب. وذكر عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿والَّذِينَ انَّخذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وكُفراً﴾، هم أناس من الأنصار ابتَنَوْا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابنُوا مسجدكم، واستمِدُّوا ما استطعتم مِن قوة ومِن سلاح، فإني ذاهبٌ إلى قيصرَ ملكِ الروم، فآتي بجند من الروم، فأُخْرِجُ محمداً وأصحابه، فلما فرغوا مِن مسجدهم، أتوا النبي مي﴾ فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو بالبركة، فأنزلَ الله عز وجل: ﴿لا تَقُمْ فيه أبداً لمَسْجِدٌ أَسِّسَ على التَّقْوَى مِنْ أَوَلِ يَوْمٍ﴾ يعني مسجد قباء: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيه﴾ [التوبة: ١٠٨] إلى قوله: ﴿فانهارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمْ﴾ [التوبة: ١٠٩] يعني قواعده، ﴿لا يزالُ بنيانُهمُ الذي بَنَّوْا رِيبةً في قلوبهم﴾ يعني: الشكَ ﴿إلا أن تقطَّع قلوبهم﴾ يعني بالموت (٢). فصل فلما دنا رسول اللّهِ مِ﴾ من المدينة، خرج الناس لتلقيه، وخرج النساءُ استقبال الناس له * (١) ابن هشام ٥٢٩/٢، ٥٣٠. (٢) عبد الله بن صالح: هو كاتب الليث ضعيف، وعلي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس. وقال ابن جرير في تفسير هذه الآية ٣٣/١١: يقول تعالى ذكره: لا يزال بنيان هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً ريبة، يقول: لا يزال مسجدهم الذي بنوه ريبة في قلوبهم يعني شكاً ونفاقاً في قلوبهم، يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين (إلا أن تقطع قلوبهم) يعني: إلا أن تتصدع قلوبهم، فيموتوا والله عليم بما عليه هؤلاء المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار من شكهم في دينهم، وما قصدوا في بنائهموه وأرادوه، وما إليه صائر أمرهم في الآخرة، وفي الحياة ما عاشوا، وبغير ذلك من أمرهم وأمر غيرهم؛ حكيم في تدبيره إياهم، وتدبير جميع خلقه . زاد المعاد ج ٣ -م١٦ ٤٨١ والصبيان والولائد يقلن : مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَاللَّهِ دَاعِي وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا موضع ثنيات الوداع وغلط من قال إن الشعر أنشد عدد قدومه من مكة وبعضُ الرواة يَهِمُ في هذا ويقولُ: إنما كان ذلك عند مقدَمِه إلى المدينة من مكةَ، وهو وهم ظاهر، لأن ثنياتِ الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادِمُ من مكة إلى المدينة، ولا يمرُّ بها إلا إذا توجه إلى الشام، فلما أشرف على المدينة، قال: ((هذِهِ طَابَةُ، وَهْذَا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبِّنَا ونُحِبُّه))(١). فلما دَخَلَ قال العباسُ: يا رسول الله! ائذن لي أمتدِحك. فقال رسول الله ◌َّ: ((قل: لا يَقْضُضِ اللَّهُ فَاكَ» فقال: سماعه * مدح العباس له مُسْتَوْدَعِ حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ(٢) مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظُّلَاَلِ وَفِي أَنْتَ وَلا مُضْغَةٌ وَلاَ عَلَقُ ثُمَّ هَبَطْتَ البِلاَدَ لاَ بَشَرٌ أَلْجَمَ نَسْراً وَأَهْلَه الغَرَقُ(٣) بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ إِذَا مَضَى عَالَمٌ بَدَا طَبَقُ(٤) تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إِلَى رَحِمٍ خِنْدِفَ عَلْيَاتَحْتَها النُّطُقُ(٥) حَتَّى احْتَوى بَيُّكَ المُهَيْمِنُ مِن (١) متفق عليه من حديث أنس. (٢) قال ابن الأثير: أي: في الجنة حيث خصف آدم وحواء عليهما من ورق الجنة، ومن قبلها أي: من قبل النزول إلى الأرض، والخصف: الضم والجمع. (٣) نسر: أحد الأصنام التي عبدها قوم نوح، ذكر ابن جرير الطبري أن نسراً ووداً ويعوق ويغوث كانوا أبناء سواع بن شيئ بن آدم، فلما هلك صورت صورته لدينه وما عهدوه في دعائه من الإجابة، فلما مات أولاده، صورت صورهم كذلك لتذكر أفعالهم الصالحة، فلم يزالوا حتى خلفت الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة وعبدوها. (٤) الصالب: الصلب، وقوله: إذا مضى عالم بدا طبق، أي: إذا مضى قرن بدا قرن، وقيل للقرن طبق، لأنهم طبق للأرض، ثم ينقرضون ويأتي طبق آخر. (٥) النطق: جمع نطاق، وهي أعراض من جبال بعضها فوق بعض، أي: نواح وأوساط = ٤٨٢ أرض وَضَاءَتْ بِنْورِكَ الأَفُقُ وَأَنْتَ لَمَّا وُلِذْتَ أَشْرَقَتِ الـ فَتَحْنُ في ذُلِكَ الضیاءِ وَفي الْـ سنورِ وَسُبْلَ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ (١) فصل اعتذار المخلفين ولما دخل رسولُ الله ◌َّ المدينة، بدأ بالمسجد فصلَّى فيه ركعتين، ثم جلس للنَّاس، فجاءه المخلَّفون، فطفِقُوا يعتذِرون إليه، ويحلِفُون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسولُ الله ◌ٍَّ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، وَوَكَل سَرائِرَهم إلى الله، وجاءه كعبُ بن مالك، فلما سلَّم عليه، تبسم تبشِّمَ المُغْضَبِ، ثم قال له: تعال. قال: فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ((ما خَلَّفَكَ، ألم تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهرَك؟)) فقلتُ: بَلَى إني واللهِ لو جلستُ عندَ غيرِك مِن أهل الدنيا، لرأيتُ أن أخرُجَ مِن سخطه بعُذرٍ، ولقد أُعطِيتُ جدلاً، ولكني واللهِ لقد عَلِمْتُ إن حدثتُك اليومَ حديثَ كذب تَرضى به عليَّ، ليوشِكَنَّ اللَّهُ أَن يُسْخِطَك عَليَّ، ولئن حدَّثْتُكَ حَديثَ صِدقٍ، تَجِدُ عليَّ فیه، إِّي الأرجُو فيه عفوَ اللَّهِ عني، والله ما كان لي مِن عذر، والله ما كنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسرَ مِني حين تخلفتُ عنك. فقال رسول الله وٍَّ: ((أما هذا فَقَدْ صَدَقَ، فقُم حتى يقضيَ اللَّهُ فيك)). فقمتُ. وثار رِجالٌ من بني سلمة، فاتبعوني يُؤُنِّوني، فقالوا لي: واللَّهِ ما علمناكَ كنت أذنبتَ ذنباً قبلَ هذا، ولقد عَجَزْتَ ألا تكونَ اعتذرتَ اعتذار كعب بن مالك ورفيقيه منها، شبهت بالنطق التي تشد بها أوساط الناس ضربه مثلاً في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته، وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال، وأراد ببيته: شرفه، والمهيمن نعته: أي: احتوى شرفك الشاهد على فضلك أعلى مكان من نسب خندف، وهو في الأصل: المشي بهرولة، ثم جعل علماً على امرأة إلياس بن مضر، وهي ليلى القضاعية لما خرجت تهرول خلف بنيها الثلاثة: عمرو، وعامر، وعمر حين ندَّ لهم إبل، فطلبوها، فأبطؤوا عليها، ثم ضرب مثلاً للنسب العالي في كل شيء، لأنها کانت ذات نسب. (١) ((المستدرك)) ٣٢٧/٣ وأخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) فيما ذكره الحافظ ابن كثير ٥١/٤. ٨٣؛ إلى رسول الله ◌َ﴾ بما اعتذر إليه المخلَّفون، فقد كان كافيَك ذنبك استغفارُ رسولِ اللهِ﴾ لك. قال: فوالله ما زالوا يُؤنبوني حتى أردتُ أن أرجع، فأكذِبَ نفسي، ثم قلتُ لهم: هل لقي هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم رَجُلانِ قالا مِثْلَ ما قلتَ. فقيل لهما مثلَ ما قيل لك، فقلتُ: من هما؟ قالوا: مُرارة بنُ الربيع العامري، وهِلالُ بنُ أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالِحين شهدا بدراً فيهما أسوةٌ، فمضيتُ حين ذكروهما لي . ونهى رسولُ الله ◌ِّ المسلمين عن كلامِنا أَيُّها الثَّلاثَةُ(١) مِن بين مَنْ تخلَّف عنه، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وتغيَّروا لنا، حتى تنكرت لي الأرضُ، فما هي بالتي أَعرِفُ، فلبثنا على ذلك خمسينَ ليلةً، فأما صاحباي، فاستكانا وقعدا في بيوتِهما يَبكيانِ، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنتُ أخرج، فأشهدُ الصلاةَ مع المسلمين، وأطوفُ في الأسواق، ولا يُكلمني أحد، وَآتَي رسول الله ◌َّ ، فأسَلِّمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه، فأسارِقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي، أقبل إليّ، وإذا التفتُّ نحوه، أعرضَ عني، حتى إذا طالَ عليَّ ذلك من جفوة المسلمين، مشيتُ حتى تسوَّرت(٢) جدار حائط أبي قتادة، وهو ابنُ عمي، وأحبُ الناس إليَّ، فسلمتُ عليه، فواللَّهِ ما ردَّ عليَّ السلامَ، فقلت: يا أبا قتادة! أنشدُك باللّهِ، هل تعلَمُني أُحِبُّ الله ورسولَه ◌َ﴿؟ فسكت، فعُدت، فناشدتُه، فسكت، فعُدت فناشدتُه، فقال: اللَّهُ ورَسُولُه أعلمُ، ففاضت عيناي، وتولّيتُ حتّى تسورتُ الجِدَار. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نَبَطِي(٣) من أنباطِ الشام ممن قَدِمَ بالطعامِ (١) هو مبني على الضم في محل نصب على الاختصاص، أي: متخصصين بذلك دون بقية الناس. (٢) أي: علوت سور بستانه. (٣) النبطي: الفلاح سمي به، لأنه يستنبط الماء، أي: يستخرجه. ٤٨٤ يَبيعه بالمدينة يقولُ: مَنْ يدُلُّ على كعبِ بْنِ مالك، فطفِقَ الناسُ يُشِيرون لهُ حتَّى إذا جاءني، دفع إليَّ كتاباً من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعدُ: فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نُواسِك فَقُلْتُ لما قرأتها: وهذا أيضاً مِن البلاء، فتيممتُ بها التنور، فسجرتُها، حتى إذا مضت أربعون ليلةً مِن الخمسين، إذا رسولُ رسولِ الله ◌َُّ يأتيني، فقال: إن رسولَ الله ◌َ﴿ يأمُرُك أن تعتزِلَ امرأتَك، فقلتُ: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا ولكن اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلتُ لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يَقْضِيَ اللَّهُ في هذا الأمر، فجاءت امرأةُ هلال بن أمية، فقالت: يا رسول الله! إن هلالَ بنَ أُمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدُمه قال: لا ولكن لا يقرَبُك، قالت: إنه واللهِ ما بِه حركة إلى شيء، واللَّهِ ما زال يبكي منذ كان مِن أمره ما كان إلى يومه هذا، قال كعب: فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسولَ الله ◌َّ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدُمه، فقلت: والله لا أستأذِنُ فيها رسولَ الله ◌َّ، وما يُدريني ما يقولُ اللهِنَّه إذا استأذنتُه فيها، وأنا رجل شاب، ولثبت بعد ذلك عشرَ ليالٍ حتى كَمُلَت لنا خمسون ليلةً من حين نهى رسول الله _ عن كلامنا، فلما صليت صلاةَ الفجر صُبْحَ خمسين ليلةً على سطح بيت من بيوتنا، بينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرضُ بما رحُبت، سمعتُ صوتَ صارخ أوفى على جبل سَلْعٍ بأعلى صوتِهِ: يا كعبَ بنَ مالك! أبشر، فخررتُ ساجداً، فعرفتُ أن قد جاء فرجٌ مِن اللَّهِ، وآذن رسول الله ◌َّ بتوبة الله علينا حين صلَّى الفجر، فذهب الناسُ يُبشروننَا، وذهب قِبَلَ صاحبي مبشرون، وركضَ إليَّ رجل فرساً، وسعى ساع مِن أسلمَ، فأوفى على ذِرْوة الجبل، وكان الصوتُ أسرعَ مِن الفرس، فلما جاءني الذي سمعتُ صوته يبشرني، نزعتُ له ثوبيَّ فكسوتُه إياهما ببشراه، واللَّهِ ما أملك غيرهما، واستعرتُ ثوبين، فلبستُهما، فانطلقتُ إلى رسول الله ◌َّهَ، فتلقاني الناسُ فوجاً ٤٨٥ فوجاً يُهنؤوني بالتوبة يقولون: لِيِهْنِكَ توبةُ الله عليك. قال كعب: حتى دخلتُ يُهروِلُ حتى صافحني وهنَّني، واللهِ ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولست أنساها لِطلحة، فلما سلَّمتُ على رسول اللّه ◌َّةِ، قال وهو يَبْرُقُ وجههُ من السرور: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمِ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)). قال: قلتُ: أمِن عندك يا رسولَ الله، أم مِن عند الله؟ قال: ((لاَ بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»، وكان رسولُ الله ◌ََّ إذا سُرَّ استنار وجههُ حتى كأنه قِطعةُ قمر، وكنا نعرفُ ذُلك منه، فلما جلستُ بين يديه، قلت: يا رسول الله! إن مِن توبتي أن أنخلع مِن مالي صدقة إلى الله، وإلى رسوله، فقال: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، قلت: فإني أُمْسِكُ سهمي الذي بخيبر. فقلتُ: يا رسول الله! إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألاَّ أحدث إلا صدقاً ما بقيتُ، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله بَّ إلى يومي هذا ما أبلاني، والله ما تعمدتُ بعد ذلك إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيتُ، فَأَنَزلَ الله تعالى على رسوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلى النَّبيِّ والمُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فوالله ما أنعم الله عليَّ نعمة قَطُّ بعد أن هداني للإِسلام، أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ اللَّه ◌ِ لَه أن لا أكون كذبته فأهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فإن الله قال للذين كذَبُوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد قال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِم﴾ [التوبة: ٩٥] إلى قوله: ﴿فِإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ القوْمِ الفَاسِقِين﴾ [التوبة: ٩٦]. قال كعب: وكان تخلُّفنا أيُّها الثَّلاثَةُ عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسولُ الله ◌َّ حين حلفوا له، فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجأ أمرَنا حتى قضى اللَّهُ فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِين خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفُه إيَّانا، وإرجاؤه أمرنا عمن ٤٨٦ حلف له، واعتذر إليه فقبل منه(١). رواية أخرى وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدَّثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ [التوبة: ١٠٢] قال: كانوا عشرةَ رهط تخلَّفوا عن رسول الله ◌َّ في غزوة تبوك، فلما حضر رسولُ الله ◌َّ أوثقَ سبعةٌ منهم أنفسَهم بسوارِي المسجد، وكان يمُرُّ النبيُّ نَّه إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال: ((مَنْ هؤلاء المُوثِقُون أَنْفسَهُم بالسوارِي؟)) قالوا: هذا أبو لُبابة وأصحابٌ له تخلَّفوا عنك يا رسولَ الله أو ثقُوا أنفسَهم حتى يُطلِقَهُم النبي ◌َّ ويعذرهم. قال: ((وَأَنَا أُقْسِمُ باللَّهِ لا أُطْلِقُهُمْ وَلاَ أَعْذِرُهم حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي وَتَخَلَّفُوا عَنْ الغَزْو مَعَ المُسِلِمِينَ))، فلما بلغهم ذلك، قالوا: ونحن لا نُطْلِقُ أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيّاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعسى من الله واجب ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. فلما نزلت، أرسل إليهم النبي ◌َّر، فأطلقهم، وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله! لهذه أموالنا، فتصدَّق بها عنا، واستغفر لنا، قال: ((ما أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ أَمْوَالَكُم)» فأنزل الله: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِم﴾ [التوبة: (١) أخرجه البخاري ٨٦/٨، ٩٣ في المغازي: باب حديث كعب بن مالك، ومسلم (٢٧٦٩) في التوبة: باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه. وقد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد كثيرة، منها جواز الحلف من غير استحلاف، وتورية المقصد إذا دعت إليه ضرورة، والتأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسَّف عليه، ورد الغيبة، وهجران أهل البدعة، واستحباب صلاة القادم من سفر، ودخوله المسجد أولاً، والحكم بالظاهر، وقبول المعاذير، وفضيلة الصدق، وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب، واستحباب التبشير عند تجدد النعمة، واندفاع الكربة، وتخصيص اليمين بالنية، ومصافحة القادم، والقيام له، واستحباب سجدة الشكر. ٤٨٧ ١٠٣]، يقول: استغفر لهم، ﴿إِنَّ صَلَاَنَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ فأخذ منهم الصدقة، واستغفر لهم، وكان ثلاثة نفر لم يُوثقوا أنفسهم بالسواري، فأُرجئوا لا يَدرونَ أيُعذبون أم يُتاب عليهم؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبيِّ والمُهاجِرِينَ والأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلىَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التِّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ تابعَه عطية بن سعد(١). فصل في الإِشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد جواز القتال في الأشهر الحرم فمنها: جوازُ القتال في الشهر الحرام إن كان خروجُه في رجب محفوظاً على ما قاله ابن إسحاق ولكن ها هنا أمر آخر، وهو أن أهل الكتاب لم يكونوا يُحرِّمون الشهرَ الحرام، بخلاف العرب، فإنها كانت تُحرمه، وقد تقدم أن في نسخ تحريم القتال فيه قولين، وذكرنا حجج الفريقين. إذا استنفر الإمام الجيش لزمهم النفير ومنها: تصريحُ الإِمام للرعية، وإعلامُهم بالأمر الذي يضرُّهم سترهُ وإخفاؤُه، ليتأهبوا له، ويُعِدُّوا له عُدته، وجوازُ ستر غيره عنهم والكناية عنه للمصلحة . ومنها: أن الإِمام إذا استنفر الجيش، لزمهم النفيرُ، ولم يجز لأحد التخلفُ إلا بإذنه، ولا يشترطُ في وجوب النفير تعيينُ كلِّ واحد منهم بعينه، بل متى استنفر الجيش، لزم كُلَّ واحد منهم الخروجُ معه، وهذا أحدُ المواضع الثلاثة التي يصير فيها الجهاد فرض عين. والثاني: إذا حضر العدوُّ البلد. والثالث: إذا حضر بين الصفين. ومنها: وجوبُ الجهاد بالمال، كما يجبُ بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهي الصوابُ الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيقُ الأمر وجوب الجهاد بالمال (١) إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن صالح، وعلي بن أبي طلحة روايته عن ابن عباس مرسلة . ٤٨٨ بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينُه، بل جاء مقدَّماً على الجهاد بالنفس في كُلِّ موضع، إلا موضعاً واحداً، وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكدُ من الجهاد بالنفس، ولا ريبَ أنه أحدُ الجهادين، كما قال النبي ◌ََّ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فَقَدْ غَزَا)»(١)، فيجب على القادر عليه، كما يجب على القادر بالبدن، ولا يَتِمُّ الجهادُ بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعدد والعُدد، فإن لم يقدر أن يكثر العَدد، وجب عليه أن يمد بالمال والعُدة، وإذا وجب الحجُّ بالمال على العاجز بالبدن، فوجوبُ الجهاد بالمال أولى وأحرى. ومنها: ما برز به عُثمانُ بن عفان من النفقةِ العظيمة في هذه الغزوة، وسبق به الناس، فقال النبي ◌ََّ: ((غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا عُثْمَانُ ما أَسْرَرْت، ومَا أَعْلَنْتَ، ومَا أَخْفَيْتَ، وما أَبْدَيْتَ)). ثم قال: ((ما ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ اليَوْم))، وكان قد أنفق ألفَ دينار، وثلاثمائة بعير بعُدتها وأحلاسها وأقتابِها . نفقة عثمان العظيمة ومنها: أن العاجزَ بماله لا يُعذرُ حتى يَبْذُلَ جهده، ويتحقَّقَ عجزُهُ، فإن الله سبحانه إنما نفى الحرجَ عن هؤلاء العاجزين بعد أن أَتَوْا رسولَ الله ◌َّ ليحملهم، فقال: ﴿لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾، فرجعوا يبكون لما فاتهم من الجهاد، فهذا العاجز الذي لا حرج عليه . لا يعذر العاجز بمائه حتى يبذل جهده ومنها: استخلافُ الإِمام - إذا سافر - رجلاً من الرعية على الضعفاء، والمعذورين، والنساء، والذرية، ويكون نائبه مِن المجاهدين، لأنه من أكبر العون لهم. وكان رسولُ الله ◌َّ يستخلف ابنَ أمِّ مكتوم، فاستخلفه بضعَ عشرة مرة، وأما في غزوة تبوك، فالمعروفُ عند أهل الأثر أنه استخلف عليّ بن أبي خلف النبي علياً على أهله خاصة ومحمد بن مسلمة الأنصاري على المدينة استخلاف الإمام إذا سافر رجلاً من الرعية على من بقي طالب، كما في ((الصحيحين)) عن سعد بن أبي وقاص، قال: خلَّفَ رسولُ الله ◌ِه. علياً رضي الله عنه في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله! تُخَلِّفُني مَعَ النساءِ (١) أخرجه البخاري ٣٧/٦ في الجهاد: باب فضل من جهز غازياً، ومسلم (١٨٩٥) في الإمارة: باب فضل إعانة الغازي، والنسائي ٤٦/٦، والترمذي (١٦٢٨) من حديث زيد بن خالد الجهني. ٤٨٩ والصبيان، فقال: ((أَمَا تَرْضَىْ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ يَعْدِي)»(١)، ولكن هذه كانت خلافةً خاصة على أهله ◌َّه، وأما الاستخلافُ العام، فكان لمحمد بن مسلمة الأنصاري، ويدل على هذا أن المنافقين لما أرجفُوا به، وقالوا: خلَّفه استثقالاً، أخذ سلاحه ثم لحق بالنبي ◌َّةَ، فأخبره، فقال: ((كَذَبُوا ولكِنْ خَلَّفْتُكَ لِما تَرَكْتُ وَرائِي، فَارْجِعْ فَأَخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ». ومنها: جواز الخَرْصِ للرُّطَبِ على رؤوس النخل، وأنه من الشرع، والعمل بقول الخارص، وقد تقدم في غزاة خيبر، وأن الإِمامَ يجوز أن يخرِصَ بنفسه، كما خرصَ رسول الله # حديقة المرأة. جواز الخرص للرطب على رؤوس النخل لا يجوز الشرب ولا الطبخ ولا العجن ومنها: أن الماء الذي بآبار ثمود، لا يجوز شُربه، ولا الطبخُ منه، ولا ولا الطهارة من آبار ثمود العجينُ به، ولا الطهارةُ به، ويجوز أن يُسقى البهائم إلا ما كان من بئر الناقة. وكانت معلومةً باقية إلى زمن رسول الله ◌َّةِ، ثم استمر عِلْمُ الناس بها قرناً بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا يرِدُ الركوبُ بئراً غيرها، وهي مطويَّةٌ محكمة البناء، واسعة الأرجاء، آثار العتق عليها بادية، لا تشتبِه بغيرها. ومنها: أن من مرَّ بديار المغضوب عليهم والمعذبين، لم ينبغ له أن يدخُلَها، ولا يُقيم بها، بل يُسرع السير، ويتقنّع بثوبه حتى يُجاوزَها، ولا يدخل عليهم إلا باكياً معتبراً. الإسراع والبكاء حين المرور بديار المغضوب علهيم ومن هذا إسراع النبي ◌َّ السير في وادي مُحَسِّر بين مِنى وعَرفة، فإنه المكانُ الذي أهلك الله فيه الفیلَ وأصحابه. جواز الجمع بين الصلاتين في السفر ... ومنها: أن النبي ◌ََّ كان يجمعُ بين الصلاتين في السفر، وقد جاء جمعُ التقديم في هذه القصة في حديث معاذ، كما تقدّم، وذكرنا علة الحديث. ومن أنكره، ولم يجىء جمع التقديم عنه في سفرٍ إلا هذا، وصح عنه جمعُ (١) أخرجه البخاري ٨٦/٨ في المغازي: باب غزوة تبوك، ومسلم (٢٤٠٤) في فضائل الصحابة: باب فضائل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. ٤٩٠ التقديمِ بعرفة قبل دخوله إلى عرفة، فإنه جَمَعَ بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فقيل: ذلك لأجل النسك، كما قال أبو حينفة. وقيل: لأجل السفر الطويل، كما قاله الشافعي وأحمد. وقيل: لأجل الشغل، وهو اشتغالُه بالوقوف، واتصالُه إلى غروب الشمس. قال أحمد: يجمع للشغل، وهو قول جماعة من السلف والخلف، وقد تقدّم. جواز التيمم بالرمل ومنها: جوازُ التيمم بالرمل، فإن النبي ◌َّه وأصحابَه، قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك، ولم يحملوا معهم تراباً بلا شك، وتلك مفاوز مُعْطِشة شكوا فيها العطشَ إلى رسول الله وَلَه، وقطعاً كانوا يتيممون بالأرض التي هم فيها نازلون، هذا كُلُّه مما لا شك فيه مع قوله ◌َّ: ((فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْ رَجُلاً مِنْ أُمَتِي الصَّلاةُ، فَعِندَهُ مَسْجِدُه وَطَهُورُ)(١). ومنها: أنه مَّ أقام بتبوك عشرين يوماً يَقْصُر الصلاة، ولم يقل للأمّة: لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثرَ من ذلك، ولكن اتفقت إقامتُه هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواءٌ طالت أو قصرت إذا كان غيرَ مستوطن، ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع. ترجيح المصنف قصر الصلاة في السفر دون تحديد مدة الإقامة وقد اختلف السلفُ والخلف في ذلك اختلافاً كثيراً، ففي ((صحيح البخاري)) عن ابن عباس، قال: أقامَ رسولُ الله ◌َّه في بعض أسفاره تسعَ عشرةَ يَصلي ركعتين، فنحن إذا أقمْنا تِسْعَ عشرةَ نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا(٢)، وظاهرُ كلام أحمد أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمنَ الفتح، فإنه قال: أقام رسولُ اللَّهِ ◌َيَّ بمكة ثمان عشرة زمنَ الفتح، لأنه أراد حُنيناً، ولم يكن ثَمَّ أجمعَ المُقَام، وهذه إقامته التي رواها ابنُ عباس. وقال غيرُه: بل أراد ابنُ عباس مقامه بتبوك، كما قال جابر بن عبد الله: أقام (١) أخرجه أحمد ٢٤٨/٥ من حديث أبي أمامة، وسنده حسن. (٢) أخرجه البخاري ٤٦٣/٢ في تقصير الصلاة: باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر. ٤٩١ النبيُّ وَّ بتبوك عشرينَ يوماً يقصُر الصلاة، رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١). وقال عبد الرحمن بن المسور بن مَخْرَمَة: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصُرُها سعد ونُتِمُّها (٢). وقال نافع: أقام ابنُ عمر بأذَربِيجَانَ ستةَ أشهر يُصلي ركعتين (٣)، وقد حال الثلجُ بينه وبين الدخول. وقال حفصُ بن عُبيد الله: أقام أنسُ بنُ مالك بالشام سنتين يُصلي صلاةً المسافر (٤). (١) أخرجه أحمد ٢٩٥/٣، وهو في ((المصنف)) (٤٣٣٥) وسنن البيهقي ١٥٢/٢، ورجاله ثقات. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٥٠) ورجاله ثقات. (٣) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٣٣٩) من حديث عبد الله بن عمر، عن نافع أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، قال: وكان يقول: إذا أزمعت إقامة، فأتم، وأخرجه البيهقي ١٥٢/٣ من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، قال: أريح علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة، قال ابن عمر: وكنا نصلي ركعتين. وإسناده صحيح، وصححه الحافظ في ((التلخيص)) ٤٧/٢، ولأحمد (٥٥٥٢) من طريق ثمامة بن شراحيل، قال: خرجت إلى ابن عمر، فقلت: ما صلاة المسافر، فقال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثة، قلت: أرأيت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وماذو المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه، ونبيع فيه، ونمكث عشرين ليلة، أو خمس عشرة ليلة، قال: يا أيها الرجل كنت بأذربيجان لا أدري قال: أربعة أو شهر أو شهرين، فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين، ورأيت نبي الله يليه يصليهما ركعتين ركعتين، ثم نزع هذه الآية (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) حتى فرغ من الآية، وإسناده قوي، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٨/٢، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، وأذربيجان: إقليم من بلاد إيران على الحدود الشمالية الغربية. (٤) أخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٣٥٤) من طريق يحيى بن أبي كثير عن جعفر بن عبد الله أن أنس بن مالك أقام بالشام شهرين مع عبد الملك بن مروان يصلي ركعتين ركعتين، وأخرج ابن أبي شيبة ٥١٧ عن عبد الأعلى، عن يونس، عن ٤٩٢ وقال أنس: أقام أصحابُ رسولِ اللهِ بَّهَ بِرَامَهُرْمُزَ سَبعة أشهر يقصُرون الصلاة(١). وقال الحسن: أقمتُ مع عبد الرحمن بن سمرة بكابُل سنتينِ يقصرُ الصلاة ولا يجمع (٢). وقال إبراهيم: كانوا يُقيمون بالري السنة، وأكثر من ذلك، وسجستان السنتين. فهذا هدي رسول الله ◌َّ وأصحابه كما ترى، وهو الصوابُ. مذاهب الناس في مدة الإقامة التي يجوز فيها القصر وأما مذاهبُ الناس، فقال الإمام أحمد: إذا نوى إقامةَ أربعة أيام، أتم، وإن نوى دونها، قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله ◌َّه وأصحابه لم يُجمعوا الإقامة البتة، بل كانوا يقُولون: اليوم نخرج، غداً نخرج. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسولَ الله ◌َّ فتح مكة، وهي ما هي، وأقام فيها يُؤسِّسُ قواعِدَ الإسلام، ويهدِمُ قواعِدَ الشرك، ويُمهِّد أمر ما حولها مِن العرب، ومعلوم قطعاً أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتَّى في يوم واحد، ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك، فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعاً، أنه كان بينه وبينهم عِدَّةٌ مراحل يحتاج قطعها إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يُوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصرُ الصلاة من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحللُ ويذوب في أربعة أيام، بحيث تنفتح الطُّرُق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامةُ الصحابة برامهرمز سبعة أشهر يقصُرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يُعلم أنه لا ينقضي في أربعة أيام. وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد الحسن، أن أنس بن مالك أقام بسابور سنة أو سنتين يصلي ركعتين، ثم يسلم، فيصلي ركعتين. وسابور: كورة بفارس مدينتها بندجان. (١) أخرجه البيهقي ١٥٢/٣. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٥٢). ٤٩٣ عدو، أو حبس سلطان، أو مرض، قصر، سواء غلب على ظنّه انقضاءُ الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطاً لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا عمل الصحابة. فقالُوا: شرط ذلك احتمالُ انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر، وهي ما دُون الأربعة الأيام، فيقال: من أين لكم هذا الشرط، والنبيُّ لما أقام زيادة على أربعة أيام يقصُر الصلاة بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئاً، ولم يُبين لهم أنه لم يَعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، وهو يعلمُ أنهم يقتدون به في صلاته، ويتأسَّوْنَ به في قصرها في مدة إقامته، فلم يقل لهم حرفاً واحداً: لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيان هذا مِن أهم المهمات، وكذلك اقتداءُ الصحابة به بعدَه، ولم يقولُوا لمن صلى معهم شيئاً من ذلك. وقال مالك والشافعي: إن نوى إقامةَ أكثرَ مِن أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها قصر . وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يوماً أتمَّ، وإن نوى دونها قصر، وهو مذهب الليث بن سعد، وروي عن ثلاثة من الصحابة: عمر، وابنه، وابن عباس. وقال سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعاً فصل أربعاً، وعنه، کقول أبي حنيفة. وقال عليُّ بن أبي طالب: إن أقامَ عشراً، أتم، وهو روايةٌ عن ابن عباس. وقال الحسن: يقصُر ما لم يقدَم مصراً. وقالت عائشةُ: يقصُر ما لم يضع الزاد والمزاد. والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول: اليوم أخرج، غداً أخرج، فإنه يقصر أبداً، إلا الشافعيّ في أحد قوليه، فإنه يقصُر عنده إلى سبعة عشر، أو ثمانية عشر يوماً، ولا يقصر بعدها، وقد قال ٤٩٤ ابن المنذر في ((إشرافه)): أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يُجمع إقامة وإن أتی علیه سنون. فصل ومنها: جوازُ، بلِ استحبابُ حنث الحالف في يمينه إذا رأى غيرَها خيراً منها، فيكفِّرُ عن يمينه؛ ويفعلُ الذي هو خير، وإن شاء قدَّم الكفارةَ على الحِنث، وإن شاء أخرها. وقد رُوي حديث أبي موسى هذا «إلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ أَخْيَرُ، وتحلَّلتها)) وفي لفظ: ((إلاَّ كَفِّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَخْيَرُ)) وفي لفظ: ((إلاَّ أَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِيني)) وكلُّ هذه الألفاظ في ((الصحيحين))(١)، وهي تقتضي عدم الترتيب. استحباب حنث الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيراً منها وفي السنن من حديث عبد الرحمن بن سمرة، عن النبي ◌َّةُ ((إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))(٢). وأصله في ((الصحيحين))، فذهب أحمد، ومالك، والشافعي إلى جواز تقديم الكفارة على الحِنث، واستثنى الشافعيُّ التكفيرَ بالصوم، فقال: لا يجوزُ التقدیمُ، ومنع أبو حنيفة تقديمَ الكفارة مطلقاً. هل يجوز تقديم الكفارة على الحنث فصل ومنها: انعقادُ الیمین في حال الغضب إذا لم يَخْرُج بصاحبه إلى حد لا يعلم معه ما يقول، وكذلك ينفُذ حكمه، وتَصِحُّ عقُودُه، فلو بلغ به الغضبُ إلى حد الإغلاق، لم تنعقِدْ يمينه ولا طلاقه، قال أحمد في رواية حنبل في حديث عائشة: انعقاد اليمين في حال الغضب إلا حين لإغلاق (١) أخرجه البخاري ٤٦٣/١١ في الأيمان: باب لا تحلفوا بآبائكم، ومسلم (١٦٤٩) في الأيمان: باب ندب من حلف يميناً فرأى خيراً منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه . (٢) أخرجه أبو داود (٣٢٧٨) والنسائي ١٠/٧، وأخرجه البخاري ٤٥٢/١١، ومسلم (١٦٥٢) وأبو داود (٣٢٧٧) والترمذي (١٥٢٩) والنسائي ١١/٧ بلفظ ((وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك)). ٤٩٥ سمعت رسول الله ◌ََّ يقول: ((لا طَلاَقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ)) (١) يريد الغضبَ (٢). فصل لا متعلق للجبرية بقوله لي: «ما أنا حملتكم ولكن انته حملكم» ومنها: قولُه ◌َل: ((ما أنا حملتُكم، ولكن اللّهَ حملكم))، قد يتعلق به الجبريُّ، ولا متعلق له به، وإنما هذا مثل قوله: ((واللّهِ لا أُعْطِي أَحَداً شَيْئاً، ولا أَمْنَعُ، وإنَّما أَنَا قَاسِمٌ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ)) (٣)، فإنه عبد الله ورسوله، إنما يتصرف بالأمر، فإذا أمره ربه بشيء، نفذه، فالله هو المعطي، والمانع، والحامل، والرسول منفذ لما أمر به. وأما قوله تعالى: ﴿ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧]، فالمرادُ به القبضةُ من الحصباء التي رمى بها وجوهَ المشركين، فوصلت إلى عُيون جميعهم، فأثبتَ اللّهُ سبحانه له الرميَ باعتبار النبذِ والإلقاء، فإنه فعله، ونفاه عنه باعتبار الإيصال إلى جميع المشركين، وهذا فعلٌ الرب تعالى لا تصِلُ إليه قدرةُ العبد، والرميُّ يطلق على الخَذف وهو مبدؤه، وعلی الإيصال، وهو نهایتُه . فصل ومنها: تركهُ قتل المنافقين، وقد بلغه عنهم الكفرُ الصريحُ، فاحتج به من قال: لا يُقْتَلُ الزنديق إذا أظهر التوبة، لأنهم حلفوا لرسول الله يمثل أنهم ما قالوا، وهذا إذا لم يكن إنكاراً، فهو توبة وإقلاع، وقد قال أصحابنا وغيرهم: ومَن شهد تركه لل# قتل المنافقين (١) أخرجه أحمد ٢٧٦/٦، وأبو داود (٢١٩٣) في الطلاق: باب في الطلاق على غلط، وابن ماجه (٢٠٤٦) في الطلاق: باب طلاق المكره والناسي، والحاكم ١٩٨/٢ من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي سنده محمد بن عبيد ابن أبي صالح، وهو ضعيف . وقال صاحب ((التنقيح)): والصواب أنه يعم الإكراه والغضب والجنون، وكل أمر (٢) انغلق على صاحبه علمه وقصده، مأخوذ من غلق الباب. (٣) أخرجه البخاري ٧/ ١٥٣ في المغازي: باب قوله تعالى (فأن الله خمسه) من حديث أبي هريرة ... ٤٩٦ عليه بالردة، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لم يكشف عن شيء عنه بعد، وقال بعض الفقهاء، إذا جحد الردة، كفاه جحدها. ومن لم يقبل توبة الزنديق، قال: هؤلاء لم تَقُمْ عليهم بينة، ورسول الله يَّهَ لا يحكُم عليهم بعلمه، والذي بلَّغ رسول الله ◌َّ عنهم قولَهم لم يبلغهم إياه نصابُ البينة، بل شهد به عليهم واحد فقط، كما شهد زيد بن أرقم وحدَه على عبد الله بن أبي، وكذلك غیرُه أيضاً، إنما شهد علیه واحد. وفي هذا الجواب نظر، فإن نفاق عبد الله بن أبي، وأقوالَه في النفاق كانت كثيرةً جداً، كالمتواترة عند النبي ◌َّه وأصحابه، وبعضهم أقرَّ بلسانه، وقال: ((إنما كنا نخوضُ ونلعب)) وقد واجهه بعضُ الخوارج في وجهه بقوله: إنَّك لم تَعْدِلْ. والنبي لم لما قيل له: ألا تقتلهم؟ لم يقل ما قامت عليهم بينةٌ، بل قال: ((لا : يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَه))(١) . فالجوابُ الصحيح إذن أنه كان في ترك قتلهم في حياة النبي ◌َّ مصلحة تركه قتل المنافقين تتضمن تأليف القلوب على رسول الله ويَّة، وجمع كلمة الناس عليه، وكان في لتأليف القلوب قتلهم تنفيرٌ، والإِسلام بعدُ في غربة، ورسولُ اللهِنَّ أحرصُ شيءٍ على تأليف الناس، وأتركُ شيء لما يُنَفِّرُهم عن الدخول في طاعته، وهذا أمر كان يختصُّ بحال حياته ◌ّ، وكذلك تركُ قتل من طعن عليه في حكمه بقوله في قصة الزبير وخصمه: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ(٢) . وفي قسمه بقوله: إنَّ هذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ. وقول الآخر له: (١) صحيح وقد تقدم. أخرج البخاري ١٩١/٨، ومسلم (٢٣٥٧) من حديث عروة قال: خاصم الزبير رجلاً (٢) من الأنصار في شِرَاج الحرة (مسايل الماء)، فقال النبي ◌َّه ((اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك)) فقالَ الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجه نبي الله ◌َّ، ثم قال: ((يا زبير اسقِ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)) (الجدار) فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ﴾ ٤٩٧ إنك لم تعدِل، فإنّ هذا محضُ حقه، له أن يستوفِيَه، وله أن يترُكَه، وليس للأمة بعده تركُ استيفاء حقِّه، بل يتعينُ عليهم استيفاؤه، ولا بُدَّ ولتقرير هذه المسائل موضع آخر، والغرضُ التنبيه والإِشارة. فصل إذا أحدث أحد من أهل الذمة حدثاً فيه ضرر على المسلمين انتقض عهده ومنها: أن أهلَ العهد والذِّمة إذا أحدث أحد منهم حدثاً فيه ضرر على الإِسلام، انتقضَ عهدهُ في ماله ونفسه، وأنه إذا لم يقدر عليه الإمام، فدمه وماله هدر، وهو لمن أخذه، كما قال في صلح أَهل أيلة: فمن أحدث منهم حدثاً، فإنه لا يحول مالُه دون نفسه، وهو لمن أخذه من الناس، وهذا لأنه بالأحداث صار محارباً، حكمه حكم أهل الحرب. فصل جواز الدفن ليلاً ومنها: جواز الدفن بالليل، كما دفن رسولُ الله ◌َّ هذا البجادين ليلاً. وقد سئل أحمد عنه، فقال: وما بأسٌ بذلك (١). وقال أبو بكر: دُفِنَ ليلاً، وعلي دفن فاطمة ليلاً. وقالت عائشة: سمعنا صوتَ المساحِي من آخِرِ الليل في دفن النبي ◌َُّ انتهى. ودفن عُثمان، وعائشةُ، وابنُ مسعود ليلاً. وفي الترمذي عن ابن عباس، أن النبي ◌ََّ دخل قبراً ليلاً، فأُسْرِجَ له سِراج، فأخذه من قبل القبلة، وقال: ((رحمك الله إن كُنْتَ لأوَّاهَاً تَلاَءَ لِلْقُرْآن)) (٢). قال الترمذي: حديث حسن. وفي البخاري: أن رسولَ الله ◌َّ سأل عن رجل فقال: ((مَنْ هذا؟)) قالُوا: (١) جاء في ((الإنصاف في مسائل الخلاف)) للمرداوي ٢/ ٥٤٧ عن أحمد: لا يفعله إلا لضرورة، وفي أخرى عنه: یکره. (٢) أخرجه الترمذي (١٠٥٧) وابن ماجه (١٥٢٠) من حديث ابن عباس، وتحسين الترمذي له لشاهده الحسن الذي أخرجه أبو داود (٣١٦٤) والحاكم ٣٦٨/١، والبيهقي ٥٣/٤ من حديث جابر بن عبد الله، وآخر من حديث أبي ذر بنحوه عند الحاكم بسند فيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. ٤٩٨ فُلانٌ دُفِنَ الْبَارِحَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ(١). فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في ((صحيحه)) أن النبيّ ◌َّ خطب يوماً، فذكر رجلاً مِن أصحابه قُبضَ فَكُفِّن فِي كَفَنَ غَيْرِ طَائِل، وَقُبِرَ لَيْلاً، فزجَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حتَّى يُصَلَّى عليه إلا أَنْ يُضطرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذلِكَ؟(٢) قال الإِمام أحمد: إليه أذهب. قيل: نقول بالحديثين بحمد اللَّهِ، ولا نرُدُّ أحدَهما بالآخر، فنكره الدفنَ بالليل، بل نزجُر عنه إلا لضرورة أو مصلحة راجحة، كميت مات مع المسافرين بالليل، ويتضرَّورن بالإِقامة به إلى النهار، وكما إذا خِيف على الميت الانفجارُ، ونحو ذلك من الأسباب المرجحة للدفن ليلاً. وبالله التوفيق. فصل ومنها: أن الإِمام إذا بعث سريةً، فغنِمَت غنيمة، أو أسرت أسيراً، أو فتحت حِصناً، كان ما حصل من ذلك لها بعد تخميسه، فإن النبي ◌َّ قسم ما صالح عليه أُكَيْدِر من فتح دُومة الجندل بين السرية الذين بعثهم مع خالد، وكانوا أربعمائة وعشرين فارساً، وكانت غنائِمهُم ألفي بعير وثمانمائة رأس، فأصاب كُلَّ رجل منهم خمسُ فرائض، وهذا بخلاف ما إذا أخرجت السريةُ من الجيش في حال الغزو، فأصابت ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابُوا يكون غنيمة للجميع بعد الخمس والنفل، وهذا کان هدیه إذا بعث الإمام سرية فغنمت كان ما حصل من ذلك لها بعد تخميسه فصل ومنها: قولُهُ مَّ: ((إنَّ بالمَدِينَةِ أَقْواماً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلا قَطَعْتُمْ وَادِياً إلاّ ثواب من حبسه العذر (١) أخرجه البخاري ١٦٦/٣ من حديث ابن عباس قال: صلى النبي يَّر على رجل بعدما دفن بليلة قام هو وأصحابه، وكان سأل عنه، فقال: من هذا؟ فقالوا: فلان، دفن البارحة، فصلوا عليه. (٢) أخرجه مسلم (٩٤٣) في الجنائز: باب في تحسين كفن الميت. ٤٩٩ كَانُوا مَعَكُم))، فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم، لا كما يظنه طائفة من الجهال أنهم معهم بأبدانهم، فهذا محال، لأنهم قالوا له: وهم بالمدينة؟ قال: ((وهم بالمدينة حَبَسَهُمُ العُذْرُ))، وكانوا معه بأرواحهم، وبدار الهجرة بأشباحهم، وهذا مِن الجهاد بالقلب، وهو أحد مراتبه الأربع، وهي القلب، واللسان، والمال، والبدن. وفي الحديث: ((جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ وَأَمْوَالِكُم)) (١). فصل تحريق أمكنة المعصية وهدمها ومنها: تحريقُ أمكنة المعصية التي يُعصى اللَّهُ ورسولُه فيها وهدمُها، كما حرقَ رسول الله ◌َ﴿ مسجد الضِّرار، وأمر بهدمه، وهو مسجدٌ يُصلى فيه، ويذكر اسمُ الله فيه، لما كان بناؤه ضِراراً وتفريقاً بين المؤمنينَ، ومأوى للمنافقين، وكُلُّ مكان هذا شأنه، فواجب على الإِمام تعطيلُه، إما بهدم وتحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وُضِعَ له. وإذا كان هذا شأنَ مسجد الضِّرارِ، فمشاهِدُ الشِّرْكِ التي تدعو سدنتُها إلى اتخاذ مَنْ فيها أنداداً من دون الله أحقُّ بالهدمِ وأوجب، وكذلك محالُّ المعاصي والفسوق، كالحاناتِ، وبُيوت الخمارين، وأرباب المنكرات. وقد حرق عمرُ بن الخطاب قريةً بكمالها يُباع فيها الخمر، وحرق حانوت رُويشد الثقفي وسماه فويسقاً، وحرق قصرَ سعد عليه لما احتجب فيه عن الرعية، وهمَّ رسول الله وَّ بتحريق بيوت تَاركي حضور الجماعة والجمعة (٢) (١) أخرجه أبو داود (٢٥٠٤) والدارمي ٣١٣/٢، وأحمد ١٢٤/٣ و١٥٣، والنسائي ٧/٦ وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٦١٨) والحاكم ٨١/٢، ووافقه الذهبي. (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ١٢٩/١، ١٣٠ في صلاة الجماعة: باب فضل صلاة الجماعة، والبخاري ١٠٨،١٠٤/٢ في الجماعة: باب وجوب صلاة الجماعة، ومسلم (٦٥١) في المساجد ومواضع الصلاة: باب فضل صلاة الجماعة من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه ◌َ﴾ قال: ((والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم أمر رجلاً يؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ... )) وقوله: ((وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك)) لم يرد في ((الموطأ)) و ((الصحيحين)) وإنما هو = ٥٠٠