النص المفهرس
صفحات 461-480
مِنَ الناس، وجِذْبٍ من البلاد، وحين طابت الثمارُ، والناس يُحبون المُقام في
ثمارهم وظلالهم، ويكرهون شُخوصهم على تلك الحال، وكان رسولُ الله ◌َُّ
قلَّما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها، وورَّى بغيرها، إلا ما كان مِن غزوة تبوك، لبعد
الشُّقة، وشِدة الزمان.
فقال رسول الله بَّه ذاتَ يوم، وهو في جَهَازه للجَدِّ بنِ قيس أحد بني
سلمة: (يا جَدُّ! هَلْ لَكَ العَامَ في جِلاَدِ بَنِي الأَصْفَرِ؟» فقال: يا رسولَ الله أو تأذنُ
لي ولا تَفْتِنِّي؟ فواللَّهِ لقد عرفَ قومي أنه ما مِن رَجُلٍ بأشدَّ عجباً بالنساء مني،
وإنِّي أخشى إن رأيتُ نساءَ بني الأصفر أن لا أصبِرَ، فأعرضَ عنه رسولُ اللَّهِ أَ
وقال: ((قَدْ أَذِنْتُ لَكَ))، ففيه نزلت الآية: ﴿ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائذَنْ لي ولا تَفْتِّيِ﴾
[التوبة: ٤٩].
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض : لا تنفِرُوا في الحَرِّ، فأنزل الله فيهم:
﴿وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ الآية [التوبة: ٨١].
ثُم إن رسول الله وَُّ جدَّ في سفره، وأمر الناسَ بالجَهَاز، وحضَّ أهلَ الغنى
على النفقة والحُملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبُوا، وأنفق
عثمانُ بن عفان في ذلك نفقةً عظيمة لم يُنفِقُ أحدٌ مِثلها.
قلت: كانت ثلاثمائة بعير بأحْلاسها وأقتابِها وعُدَّتها، وألفَ دينار عَيناً (١).
(١) أخرج أحمد ٦٣/٥، والترمذي (٣٧٠٢) من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله
عنهما قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي ◌َّ بألف دينار في ثوبه حين جهز
ـَّ، فجعل النبي ◌َّلا يقلبها بيده
النبي ◌َّ جيش العسرة، قال: فصبها في حجر النبي
ويقول: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)) وسنده حسن. وأخرج الترمذي (٣٧٠١)
من حديث عبد الرحمن بن خباب رضي الله عنه قال: شهدت رسول الله بَلّ وهو
يحث على تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله علي مائة
بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا
رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم حض على الجيش، فقام عثمان بن
عفان، فقال: علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت =
٤٦١
استحمال البكائين
النبيَّ ◌ِ﴾
وذكر ابنُ سعد قال: بلغ رسولَ الله ◌َّه، أن الرومَ قد جمعت جموعاً كثيرة
بالشام، وأن هِرَقْل قد رَزَق أصحابَه لسنة، وأجلبت معه لَخْمٌ، وجُذام، وعَامِلَة،
وغسان، وقدَّموا مُقدِّماتِهِم إلى البلقاء، وجاء البكَّاؤون وهم سبعة يستحمِلُون
رسولَ الله ◌َّ، فقال: لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فتولَّوْا وأعينُهم تفيضُ من الدمع
حزناً أن لا يجدوا ما يُنْفِقون. وهم سالمُ بن عُمير، وَعُلْبَةُ بنُ زيد، وأبو ليلى
المازني، وعمرو بن عَنَمَة، وسلمة بن صخر، والعِرباض بن سارية. وفي بعض
الروايات: وعبد الله بن مُغَفَّل: ومعقِلُ بن يسار، وبعضهم يقول: البكاؤون بنو
مُقَرِّن السبعة، وهم من مُزينة (١) . وابن إسحاق: يعدُّ فيهم عمرو بن الحُمام بن
الجموع.
وأرسل أبا موسى أصحابُه إلى رسولِ اللهِ لِيحمِلهم، فوافاه غضبان،
فقال: ((والله لا أحملكم، ولا أجدُ ما أحمِلُكم عليه))، ثم أتاه إيل، فأرسل إليهم،
ثم قال: ((مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُم، وإِنِّي وَاللَّهِ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ،
فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرَاً مِنْهَا، إلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الذي هُوَ خَيْرٌ)(٢) .
فصل
وقام عُلبة بن زيد فصلَّى من الليل وبكى، وقال: اللهم إنَّك قد أمرتَ
قصة علبة بن زيد
رسول الله ◌َي ينزل عن المنبر وهو يقول: ((ما على عثمان ما فعل بعد هذه، ما على
=
عثمان ما عمل بعد هذه)) وفي سنده فرقد أبو طلحة، وهو مجهول، وباقي رجاله
ثقات، وقال الحافظ في ((الإصابة)) ٤٥٥/٢: وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة
عن عثمان لما أن حصروه أنشد الصحابة في أشياء، منها تجهيزه جيش العسرة،
ومنها مبايعة النبي ◌َّلل عنه تحت الشجرة لما أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رومة
وغير ذلك.
(١)
(٢)
ابن سعد ١٦٥/٢.
أخرجه البخاري ٨٤/٨، ٨٥ في المغازي: باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، وفي
الأيمان: باب اليمين فيما لا يملك، وفي المعصية والغضب، ومسلم (١٦٤٩) في
الأيمان: باب ندب من حلف يميناً، فرأى غيرها خيراً منها أن يأتي الذي هو خير،
ويكفر عن يمينه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
٤٦٢
بالجهاد، ورغُّبتَ فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوَّى به مع رسولك، ولم تجعل في
يد رسولك ما يحمِلُني عليه، وإني أتصدَّق على كل مسلم بكل مَظْلِمَةٍ أصابني فيها
مِن مال، أو جسد، أو عرِض، ثم أصبح مع الناس، فقال النبي ◌َّهُ: ((أَيْن
المُتَصَدِّقُ هُذِهِ اللَّيْلَة)). فلم يقم أليه أحد، ثم قال: ((أَيْنَ المُتَصَدِّقُ، فَلْيَقُمْ فَقَام
إليه، فأخبرَه، فقال النبي ◌َُّ: ((أَبْشِرْ فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ
المتَقَبَّلَة)» (١).
وجاءَ المعذِّرُونَ من الأعراب لِيؤذن لهم، فلم يَعْذِرْهم. قال ابن سعد: المعذرون من الأعراب
وهم اثنان وثمانون رجلاً، وكان عبدُ اللَّهِ بنُ أبيّ بن سَلول قد عسكر على ثنية
الوَداع في خُلفائه مِن اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكره بأقلِّ
العسكرين. واستخلف رسولُ الله ◌َّ على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري.
وقال ابن هشام: سباع بن عُرْفُظَةَ، والأول أثبت.
تخلف جمع ابن أبي
وبعض الصحابة
فلما سار رسولُ اللهِ يَّة، تخلَّف عبدُ الله بن أبيّ ومَنْ كان معه، وتخلّف نفر
مِن المسلمين مِن غير شك ولا ارتياب، منهم: كعبُ بن مالك، وهِلال بن أُمية،
ومَّرَارَةُ بنُ الربيع، وأبو خيثمة السالمي، وأبو ذر، ثم لحقه أبو خيثمة، وأبو ذر،
وشهدها رسولُ الله ◌َّة في ثلاثين ألفاً مِن الناس، والخيلُ عشرة آلاف فرس،
وأقام بها عشرين ليلة يقصُر الصَّلاة، وهرقل يومئذ بحمص.
قال ابن إسحاق: ولما أراد رسولُ الله ◌ََّ الخروجَ، خلَّف عليَّ بنَ أبي
طالب على أهله، فأرْجَفَ به المنافقونَ، وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالاً وتخففاً
منه، فأخذ علي رضي الله عنه سِلاحه، ثم خرج حتى أتى رسولَ الله ◌َّ وهو نازل
بالجُرْفِ (٢)، فقال: يا نبيَّ الله! زعم المنافقون أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني
استخلاف على على
المدينة
(١) حديث صحيح ورد مسنداً موصولاً كما قال الحافظ في ((الإصابة)) ٤٩٣/٢ من
حديث مجمع بن حارثة، ومن حديث عمرو بن عوف وأبي عبس بن جبر، ومن
حديث علبة بن زيد نفسه، وقتيبة.
(٢) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة.
٤٦٣
وتخففتَ مني، فقال: ((كَذَبُوا ولكِنِّي خَلَّفْتُكَ لما تركْتُ وَرَائِي، فارْجِعْ فَاخْلُفْني
فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَفَلاَ تَرْضى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُون مِنْ مُوسى؟ إلا أَنَّهُ لا
نَبِيَّ بَعْدِي))(١) فرجع علي إلى المدينة .
لحاق أبي خيثمة به رَليت
ثُمَّ إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسولُ الله ◌َيَ أياماً إلى أهله في يوم حار،
فوجد امرأتين له في عريشينِ لهما في حائطه، قد رشَّت كُلُّ واحدة منهما عريشَها،
وبرَّدَتْ له ماء، وهيأت له فيه طعاماً، فلما دخل، قام على باب العريش، فنظر
إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسولُ اللهَِّ في الضُّحُ(٢) والرِّيح، والحر،
وأبو خيثمة في ظِلِّ بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم؟ ما هذا
،
بالنَّصَفِ، ثم قال: والله لا أدخل عريشَ واحدة منكما حتى ألحقَ برسولِ الله
فهيًّا لي زاداً، ففعلتا، ثم قدَّم ناضِحه، فارتحله، ثم خرج في طلب رسول اللّه ◌َال
حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عُميرُ بن وهب الجمحي في
الطريق يطلُب رسولَ الله ®، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة
لِعُمير بن وهب: إنّ لي ذنباً، فلا عليك أن تتخلَّف عني حتى آتيَ رسولَ الله ◌ِلَّ ،
ففعل حتى إذا دنا مِن رسولِ الله ◌ِ﴾. وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكبٌ على
الطريق مُقبل، فقال رسول الله ◌ِّ: ((كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ)) قالوا: يارسول الله! هو والله
أبو خيثمة. فلما أناخَ أقبل، فسلَّم على رسول الله ◌َّةٍ، فقال له رسولُ الله ◌َيٍّ :
((أَوْلِى لَكَ يَا أَبَا خَيْثَمَة)»، فأخبرَ رسولَ الله ◌َِّ خبرَه، فقال له رسول الله ◌َلَ خَيْراً
ودعا له بخير (٣).
(١) أخرج البخاري ٨٦/٨ ومسلم (٢٤٠٤) (٣١) من حديث سعد بن أبي وقاص أن
رسول الله﴾ خرج إلى تبوك، واستخلف علياً، فقال: اتخلفني في الصبيان والنساء؟
قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي.
(٢)
الضح: الشمس.
ابن هشام ٥٢٠/٢، ٥٢١ عن ابن إسحاق بلا سند، وفي حديث كعب بن مالك
(٣)
الطويل المخرج في البخاري ٨٦/٨، ٩٣، ومسلم (٢٧٦٩): فبينا هو على ذلك
رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقال رسول الله تَج: ((كن أبا خيثمة)) فإذا هو أبو=
٤٦٤
المرور بديار ثمود
والنهي عن شرب مائة
واستعماله للوضوء
والأكل
وقد كان رسول الله ◌َّ حين مرَّ بالحِجر بديار ثمود، قال: ((لا تَشْرَبُوا
مِنْ مَائِها شَيْئاً، وَلا تَتَوَضَّؤْوا مِنْهُ لِلصَّلاَةِ، وما كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوه
فَاعْلِفُوهُ الابِلَ، ولا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئاً، ولا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ منكم إلا ومعه صَاحِبٌ
له)»، ففعل النَّاسُ، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدُهما لحاجته،
وخرج الآخرُ في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته، فإنه خُنِقِ على
مذهبه، وأما الذي خرج في طلب بعيره، فاحتملته الريحُ حتى طرحته بجبلي
طىء، فأُخبرَ بذلك رسولُ اللهِ ﴿، فقال: ((ألمْ أَنْهَكُمْ أَنْ لا يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنْكُم
إِلَّ وَمَعَهُ صَاحِبُه))، ثم دعا للذي خُنِقَ على مذهبه فشُفي، وأما الآخر، فأهدته
طىء لرسول الله ◌َ﴾ حين قدم المدينة (١).
قلت: والذي في ((صحيح مسلم))، من حديث أبي حُميد: انطلقنا حتى
قَدِمْنَا تبوكَ، فقال رسولُ الله ◌ِِّ: ((سَتَهُبُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلا يَقُمْ
مِنْكُم أَحَدٌ، فَمِنْ كانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالُه)) فهَّت رِيحٌ شَدِيدَة، فقامَ رجل
فحملته الريحُ حتى ألقته بِجَبَلَيْ طَيِّىء(٢) .
قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرَّ رسول الله عَليه
بالحجر، سجَّى ثوبه على وجهه، واستحثَّ راحلته، ثم قال: ((لا تَدْخُلُوا
بُيُوتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم إِلاَّ وَأَنْتُمْ بَاكُونَ خَوْفاً أَنْ يُصِيبَكُم مَا أَصَابَهُمْ)(٣) .
قلت: في (الصحيحين)) من حديث ابن عمر، أن رسولَ الله ◌َّ قال:
((لا تَدْخُلُوا عَلَى هُؤُلاءِ القَوْمِ المُعَذَّبِينَ إِلَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فإنْ لم تَكُونُوا
خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون ...
=
ابن هشام ٥٢٠/٢ وقوله: خنق على مذهبه معناه: صرع في الموضع الذي يتغوط
(١)
فیه .
أخرجه مسلم ١٧٨٥/٤ (١١) (١٣٩٢) في الفضائل: باب في معجزات النبي الخلد.
(٢)
ابن هشام ٥٢٢/٢، وأخرجه أحمد (٥٢٢٤) و (٥٣٤٣) و (٥٤٠٤) و (٥٤٤١)
(٣)
و (٥٦٤٥) و(٥٧٠٥) و (٥٩٣٥) من حديث ابن عمر.
٤٦٥
بَاكِينَ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لاَ يُصِيبُكم مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ)) (١).
وفي ((صحيح البخاري)): أنه أمرهم بإلقاء العجين وطرحه (٢).
وفي ((صحيح مسلم)): أنه أمرهم أن يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وأن يُهرِيقُوا
المَاء، ويستقوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة (٣)، وقد رواه البخاريُّ أيضاً،
وقد حفظ راوٍيه ما لم يحفظه مَنْ روى الطرح.
وذكر البيهقيُّ أنه نادى فيهم: الصلاةَ جامعة، فلما اجتمعوا، قال:
((علامَ تدخُلون على قوم غَضِبَ اللَّهُ عليهم)) فناداه رجل فقال: نَعْجَبُ مِنهم یا
رسول الله! فقال: ((أَلاَ أُنْبِئُكُم بِما هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذُلِكَ؟ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُم
يُنَُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَمَا هُو كَائِنٌ بَعْدَكُم، اسْتَقِيمُوا وَسَدِّدُوا، فإنَّ الله
عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئاً، وَسَيَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ لا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِم
شيئاً) (٤).
فصل
قال ابن إسحاق: وأصبح الناسُ ولا ماء معهم، فَشَكَوْا ذلك إلى
رسول اللهِ وَلَهَ، فدعا رسولُ الله ◌َّهَ، فأرسلَ الله سُبحانه سحابةً، فأمطرت حتى
ارتوى الناسُ، واحتملُوا حاجتَهم من الماء (٥).
استسقاؤه (1
(١) أخرجه البخاري ٢٨٨/٨ في تفسير سورة الحجر: باب قوله (ولقد آتيناك سبعاً من
المثاني) ومسلم (٢٩٨٠) في الزهد: باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا.
(٢) أخرجه البخاري ٢٦٩/٦ في أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى (وإلى ثمود أخاهم
صالحاً).
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٨١) في الزهد: باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
(٤) وأخرجه أحمد في ((المسند)) ٢٣١/٤ من حديث أبي كبشة الأنماري، وفي سنده
عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وقد اختلط.
(٥) وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٤/٦، ١٩٥، من حديث ابن عباس وقال: رواه
البزار والطبراني في ((الأوسط)) ورجال البزار ثقات، وذكره ابن كثير ١٦/٤ من رواية
ابن وهب عن ابن عباس وجود إسناده.
٤٦٦
ثم إن رسولَ الله ◌َ﴿ سار حتى إذا كان ببعضِ الطريق، ضلَّت ناقتُه، فقال إخبار الله نبيه ◌ُ ◌ّ بمكان
ناقته
زيد بن اللُّصَيْتِ وكان منافقاً: أليس يزعُمُ أنه نبي، ويُخبركم عن خبر السماء،
وهو لا يدري أين ناقتُه؟ فقال رسولُ الله ◌َّمَ: ((إِنَّ رَجُلاً يَقُولُ، وذَكَرَ مَقَالَتَهُ وإِّي
والله لا أَعْلَمُ إِلَّ مَا عَلَّمني اللَّهُ، وقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْها، وهي في الوادي في شِعْبٍ
كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ حَبَسَتْها شَجَرَةٌ بِزِمَامِها، فانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُونِي بها)) فذهبوا فَأَتَوْهُ
بها (١٧).
وفي طريقه تلك خَرَصَ حديقة المرأة بعشرة أوسق (٢).
ثم مضى رسولُ الله ◌ٌَّ، فجعل يتخلَّف عنه الرجلُ فيقولون: تخلَّف فلان.
فيقول: ((دَعُوه فإنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ، فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُم، وإِنْ يَكُ غَيْرَ ذُلِكَ، فَقَد
أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ».
:لف بعضهم في
الطريق
وتلوَّم على أبي ذر بعيرُه، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه على ظهره، ثم خرج إبطاء بعير أبي ذر
يتبعُ أثر رسول الله ◌َّ ماشياً، ونزل رسولُ الله ◌َ في بعض منازله، فنظر ناظر مِن
المسلمين فقال: يا رسولَ الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحدَه، فقال
رسول الله ◌َ: ((كُنْ أَبَا ذَرٍ))، فلما تأمله القومُ، قالوا: يا رسول الله! والله هو أبو
ذر. فقال رسول الله ◌َّ﴾: ((رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍ يَمْشِي وَحْدَهُ، ويَمُوتُ وَحْدَهُ، ويُبْعَثُ
وَحْدَهُ(٣) .
قالَ ابن إسحاق: فحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي، عن محمد بن كعب موت أبي ذر وحده
(١) ابن هشام ٢/ ٥٢٣ عن ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن
لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل. ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه البخاري ٢٧٢/٣ في الزكاة: باب خرص الثمر، ومسلم (١٣٩٢) في
الفضائل: باب معجزات النبي. من حديث أبي حميد الساعدي.
(٣) أورده ابن كثير ١٤/٤ عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق حدثني بريدة بن
سفيان، عن محمد بن كعب القرظي عن ابن مسعود ... وبريدة بن سفيان الأسلمي
ليس بالقوي، ومع ذلك فقد حسنه ابن كثير، وأخرجه الحاكم ٥٠/٣، ٥١،
وصححه ووافقه الذهبي، ولكنه قال: فيه إرسال.
٤٦٧
القُرظي، عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمانُ أبا ذرٍ إلى الرَّبَذَةِ، وأصابه
بها قَدَرُه، لم يكن معه أحدٌ إلا امرأتُه وغلامُه، فأوصاهما: أن غسلاني وكفناني،
ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأوَّل ركب يمرُّ بكم فقولُوا: هذا أبو ذر صاحبُ
رسولِ الله وَّة، فأعينونا على دفنه، فلما مات، فعلا ذلك به، ثم وضعاه على
قارعة الطريق، وأقبل عبدُ الله بن مسعود في رهط معه من أهل العِراق عُمَّاراً فلم
يَرُعْهُمْ إلا بالجِنازة على ظهر الطَّريق قد كادت الإِبِلُ تَطَوُّها، وقام إليهم الغلام،
فقال: هذا أبو ذر صاحبُ رسول الله رَّ فأعينونا على دفنه، قال: فاستهلَّ عبدُ الله
يبكي ويقول: صدقَ رسولُ اللهِ وَّةُ («تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ
وَحْدَكَ)) ثم نزل هو وأصحابُه، فوارَوْه، ثم حَدَّثهم عبدُ الله بن مسعود حديثه، وما
قال له رسولُ اللهِ يَّة في مسيره إلى تبوك(١).
قلت: وفي هذه القصة نظر، فقد ذكر أبو حاتم بن حبان في ((صحيحه))
وغيره في قصة وفاته، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه، عن أم ذر،
قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاةُ، بَكَيْتُ، فقال: ما يُبكيك؟ فقلت: ما لي لا
أبكي، وأنت تموتُ بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوبٌ يسعُك كفَناً، ولا يدان
لي في تغييبك؟ قال: أبشري ولا تبكي، فإني سمعتُ رسول الله ◌َّ يقول لنفر أنا
فيهم: ((لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ منكم بِفلاةٍ مِنَ الأرضِ يَشْهَدُه عِصَابٌ من المُسْلمين)» وليس
أَحَدٌ من أولئِكَ النَّفَرِ إلا وقد مات في قريةٍ وجَماعةٍ، فأنا ذُلِكَ الرَّجُلُ، فواللهِ ما
كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، فأبصري الطريق. فقُلت: أنَّى وقد ذهب الحاجُ، وتقطعت
الطُّرُقُ؟! فقال: اذهبي فتبصَّري. قالت: فكنتُ أُسنِدُ إلى الكَثِيبِ أَتبصّر، ثم
أرجع فأمرِّضه، فبينا أنا وهو كذلك، إذ أنا برجال على رِحالهم كأنهم الرَّخَمُ تَخُبُ
بهم رواحِلُهم، قالت: فأشَرتُ إليهم، فأسرعوا إليَّ حَتى وقفُوا عليَّ فقالوا: يا أمةً
الله! مالك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يَموتُ تُكفنونه، قالوا: ومن هو؟ قلت: أبو
ذر. قالوا: صاحِبُ رسولِ اللهِ يَّة؟ قلت: نعم، ففدَّوْه بآبائهم وأمهاتهم،
(١) ابن هشام ٥٢٤/٢ وسنده ضعيف لضعف بريدة بن سفيان كما تقدم آنفاً.
٤٦٨
وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أَبَشِروا فإني سمعتُ رسولَ الله
يقول لنفر أنا فيهم: ((لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ منكم بِفَلَاةٍ مِن الأرضِ يَشْهَدُه ◌ِصَابَةٌ من
المؤمنين)) وَلَيْسَ مِنْ أُولِئِكَ النَّفَرِ رَجُلٌ إِلاَّ وقد هَلَكَ في جَمَاعَةٍ. والله ما كَذَبْتُ
وَلاَ كُذِبْتُ، إنه لو كان عندي ثوبٌ يسعُني كفناً لي أو لامرأتي، لم أَكُفَّن إلا في
ثوب هُوَ لي أو لها، فإني أنشُدُكُم الله أن لا يكفِّنَني رجل منكم كان أميراً، أو
عريفاً، أو بريداً، أو نقيباً، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارفَ بعضَ ما قال
إلا فتى من الأنصار قال: أنا يا عمُّ، أُكَفِّنُك في ردائي هذا، وفي ثوبين مِن عَييتي
من غزل أمي. قال: أَنتَ فكفِّني، فكفنه الأنصاري، وقاموا عليه، ودفنوه في نفر
کُلُّهم يمان(١) .
رجعنا إلى قصة تبوك، وقد كان رهطٌ من المنافقين، منهم: وديعة بن ثابت قصة رهط من المنافقين
أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل مِن أشجع حليف لبني سلمة يقال له:
مَخْشي بن حُمَيٌِّ، قال بعضهم لبعضٍ : أتحسبون جلاد بني الأصفر، كقتال العرب
بَعضِهم لبعض؟ والله لكأنَّا بكم غداً مقرَّنِين في الحِبال إرجافاً وترهيباً للمؤمنين.
فقال مَخْشِي بن حُمَيِّر: والله لودِدت أني أُقاضى على أن يُضرب كُلٌّ منا مائةً
جلدة، وإِنَّا ننفلِتُ أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه.
وقال رسولُ الله ◌َ﴿ لعمار بن ياسر: ((أَدْرِكُ القَوْمَ، فإنهم قد احْتَرَقُوا فَسَلْهُم
عَمَّا قالوا؟ فإن أنكروا، فَقُلْ: بل قُلْتُم: كذا وكذا)). فانطلق إليهم عمار، فقال لهم
ذلك، فأتوا رسولَ اللهِ مٌَّ يعتذِرُون إليه، فقال وديعة بن ثابت: كنا نخوضُ
ونلعبُ، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ ﴾ [التوبة:
٦٥] فقال مخشي بن حُميِّر: يا رسولَ الله! قعد بي اسمي واسمُ أبي، فكان الذي
عُفيَ عنه في هذه الآية، وتسمَّى عبد الرحمن، وسألَ الله أن يُقتل شهيداً لا يُعلم
بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم يوجد له أثر .
(١) أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٢٦٠) وسنده حسن، وانظر ((مجمع الزوائد))
٣٣١/٩، ٣٣٢.
٤٦٩
وذكر ابن عائذ في ((مغازيه))، أن رسول الله ﴿ نزل تبوكَ في زمان قلَّ ماؤُها
فيه، فاغترف رسولُ الله ◌ٍَّ غَرفةً بيده من ماء، فمضمض بها فاه، ثم بصقه فيها،
ففارت عينُها حتى امتلأت، فهي كذلك حتى الساعة.
نهيه # عن مس عين
تبوك حتى يأتي
قلت: في ((صحيح مسلم)) أنه قال قبل وصوله إليها: ((إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غداً إِنْ
شَاء اللَّهُ تَعَالِى عَيْنَ تَبُّوك، وإِنَّكُم لَنْ تَأْتُوها حَتَّى يُضْحِيَ النَّهارُ، فمن جَاءَها فلا
يَمَسِنَّ مِنْ مائِها شَيئاً حتى آتي). قال: فجئناها وقَدْ سَبَقَ إليها رَجُلانِ، والعين مِثْلُ
الشِّرَاكِ تَبِضُّ بشيء من ماءٍ، فسألهما رسولُ اللهِيَّةٍ، هل مَسَسْتُما مِن مائها شيئاً؟
قالا: نَعم، فسبَّهُمَا النبي ◌َِّ، وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثُمَّ غرفُوا مِن العين
قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء، وغسل رسول اللهچ فيه وجهه ويديه، ثم أعاده
فيها، فجرت العين بماء مُنهمِرٍ، حتى استقى النَّاسُ، ثم قال رسول اللّه ◌َديّ :
((يُوشِكُ يا مُعاذُ إن طالتْ بكَ حياةٌ أن ترى ما ها هنا قَدْ مُلِىء جِنَاناً)(١) .
فصل
الصلح مع صاحب أيلة
ولما انتهى رسول الله ◌َّه إلى تبوك، أتاه صاحبُ أَيْلَة، فصالحَه وأعطاه
الجزيةَ، وأتاه أهل جَرْبا، وأذْرُح، فأعطَوْه الجزيةَ، وكتب لهم رسولُ الله ◌ِيلة.
كتاباً، فهو عِندهم، وكتب لِصاحب أيلة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أَمَنَةٌ مِن
الله، ومحمد النبي رسول الله لِيُحَنَّةَ بن رُؤْبَةَ، وأهلٍ أَيْلَة، سُفنهم، وسيارتهم في
البرِّ والبحرِ، لهم ذِمةُ اللَّهِ، ومحمد النبي، ومَنْ كان معهم مِن أهل الشام، وأهل
اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً، فإنه لا يَحولُ مالُهُ دونَ نفسه، وإنَّه
لمن أخذه مِن الناس، وإنه لا يحِلُّ أن يمنعوا ماءً يردونه، ولا طريقاً يردونه من
بحر أو بر (٢) .
(١) أخرجه مسلم (٧٠٦) ٤/ ١٧٨٤ في الفضائل: باب في معجزات النبي له، وهو في
((الموطأ)) ١٤٣/١ وفيه أنه محلية جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
(٢) ابن هشام ٥٢٥/٢، ٥٢٦.
٤٧٠
فصل
في بعث رسول الله # خالد بن الوليد
إلى ◌ُكَيْدِرِ دُومة
قال ابن إسحاق: ثم إنَّ رسول الله وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أُكيدر
دُومة، وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل مِن كِندة، وكان نصرانياً، وكان ملكاً
عليها، فقال رسول الله ﴿له لخالد: ((إِنَّكَ ستَجِدُه يَصِيدُ البَقَرَ))، فخرجَ خالد حتى
إذا كان مِن حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مُقمرة صَافية، وهو على سطح له، ومعه
امرأته، فباتَتِ البقرُ تَحُكُ بِقُرونها بابَ القصر، فقالتْ له امرأتُه: هل رأيتَ مثل
هذا قطُّ؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل، فأمر
بفرسه، فأُسرِجَ له، وركب معه نفر مِن أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسان،
فركب وخرجُوا معه بمطاردهم، فلما خرجُوا، تلقَّتهم خيلُ رسول الله
فأخذته، وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قَباء مِن دِيباج مخوَّصٌ بالذهب، فاستلبه
خالد، فبعثَ به إلى رسول الله بََّ قبلَ قدومه عليه، ثم إن خالداً قدم بأُكَيْدر على
رسول الله وَّة، فحقن له دَمَه، وصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله، فرجع إلى
قريته (١).
وقال ابنُ سعد: بعث رسول الله تَ ﴿ خالداً في أربعمائة وعشرين فارساً،
فذكر نحو ما تقدم. قال: وأجار خالد أُكَيْدر من القتل حتى يأتيَ به
رسولَ الله ◌َّ﴾، على أن يفتح له دُومة الجندل، ففعلَ وصالحه على ألفي بعير،
وثمانمائة رأس، وأربعمائة درع، وأربعمائة رُمح، فعزل للنبيِّ لََّ صَفِيَّةُ خالِصاً،
ثم قسم الغنيمة، فأخرج الخمس، فكان للنبي ®، ثم قسم ما بقي في أصحابه،
فصار لِكل واحد منهم خمسُ فرائض.
وذكر ابنُ عائذ في هذا الخبر، أنَّ أكيدر قال عن البقر: والله ما رأيتها قط
(١) ابن هشام ٥٢٦/٢، وابن كثير ٣٠/٤، ٣١.
٤٧١
أتتنا إلا البارحة، ولقد كنتُ أُضْمِرُ لها اليومينِ والثلاثة، ولكن قدر الله.
قال موسى بن عُقبة: واجتمع أكَيدر، ويُحنة عند رسول الله ◌َّ ، فدعاهما
إلى الإِسلام، فأبيا، وأقرا بالجزية، فقاضاهما رسولُ الله ◌َيّ على قضية دُومة،
وعلى تَبوك، وعلى أَيلة، وعلى تيماء، وكتب لهما كتاباً.
الرجوع من تبوك
هل قصة النهي عن
الشرب من وادي المشقق
وعين تبوك قصة واحدة
رجعنا إلى قصة تبوك: قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله و ليه بتبوك بضعَ
عشرة ليلةً لم يُجاوزها، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة، وكان في الطريق ماء يخرج
من وَشَلِ يُروي الراكبَ والراكبين والثلاثة، بوادٍ يقال له: وادي المُشَفَّق، فقال
رسولُ اللهِّ: ((مَنْ سَبَقَنَا إلى ذُلِكَ المَاءِ، فَلاَ يَسْتَقِينَّ منه شَيْئاً حَتَّى نأتيه)) قال:
فسبقه إليه نفر من المنافقين، فاستَقَوْا، فلم ير فيه شيئاً، فقال: ((مَنْ سَبَقَنَا إِلى هذا
المَاءِ؟)) فقيل له: يا رسول الله! فلان وفلان. فقال: ((أَوَلَمْ أَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهُ
شَيْئاً حَتَّى آتْيَه))، ثم لَعَنَهم رسولُ الله ◌ِّ، ودعا عليهم، ثم نَزَلَ فوضع يده تحتَ
الوشل، فجعل يَصُبُّ في يده ما شاء الله أن يَصُبَّ، ثم نَضَحه به، ومسحه بيده،
ودعا رسولُ الله ◌ِ﴿ بما شاء الله أن يدعوَ به، فانخرق مِن الماءِ - كما يقول من
سمعه - ما إن له حِسّاً كحِسِّ الصواعِقِ، فشرب الناسُ، واستقوا حاجتهم منه،
فقال رسول الله ◌َّه: (لَئِنْ بَقِيتُمْ أَوْ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ لَيَسْمَعَنَّ بهذا الوَادي، وهُوَ
أَخْصَبُ مَا بین یَدَيْهِ وما خلفه)) .
قلت: ثبت في ((صحيح مسلم)) أن رسول الله ◌َ﴾ قال لهم: ((إِنَّكُم سَتَأْتُونَ
غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبوك، وإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوها حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ فَمَنْ جَاءَهَا فَلاَ
يَمسَّ مِنْ مَائِها شَيْئًا)) الحديث، وقد تقدم.
فإن كانت القصة واحدة، فالمحفوظُ حديث مسلم، وإن كانت قصتين،
فهو ممکن.
قصة دي البجادين
قال: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن عبدَ الله بن مسعود
كان يُحَدِّثُ، قال: قُمت مِن جوفِ الليل، وأنا معَ رسول الله ◌َّله في غزوة تبوكَ،
فرأيت شُعلةً من نار في ناحية العسكر، فاتَّبَعْتُها أَنظُرُ إليها، فإذا رسولُ الله ◌َِّ،
٤٧٢
وأبو بكر، وعمر، وإذا عبدُ الله ذو البِجادَيْنِ المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا
له، ورسولُ الله ◌َّة في حُفرته، وأبو بكر وعمر يُدليانه إليه، وهو يقول: ((أدنيا
إليَّ أخاكما))، فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه، قال: ((اللَّهُمَّ إِنِي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضِياً
عَنْهُ، فَارْضَ عَنْهُ)) قال يقولُ عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنتُ صاحِبَ الحُفرة (١).
وقال رسول الله وَّهُ مَرْجعَه مِن غزوة تبوك: ((إِنَّ بالمَدِينَةِ لأقْواماً ما سِرْتُم
مَسيراً، ولا قَطَعْتُمْ وادياً إِلَّ كَانُوا مَعَكُم))، قالوا: يا رسول الله! وهُمْ بالمدينة؟
قال: (نَعَمْ حَبَسَهُم العُذْرُ))(٢).
ثواب من حبسهم العذر
فصل
في خطبته متله بتبوك وصلاته
ذكر البيهقي في ((الدلائل))، والحاكم من حديث عُقبة بن عامر، قال:
خرجنا مع رسول الله {َّ في غزوة تبوك، فاسترقد رسولُ اللهِوَّ ليلة لمّا كان منها
عَلَى ليلة، فلم يستيقظ فيها حتَّى كانت الشمسُ قِيدَ رُمح قال: ((أَمْ أَقُلْ لَكَ يَا بِلالُ
أكْلاً لِنَا الفَجْرَ))، فقال: يا رسولَ اللهِ! ذهب بي من النومِ الذي ذَهَبَ بك، فانتقلَ
رسولُ اللهِ بََّ من ذلكَ المنزل غيرَ بعيد، ثم صلَّى، ثم ذهب بقيةَ يومه وليلته،
(١) ابن هشام ٥٢٧/٢، ٥٢٨ عن ابن إسحاق، ورجاله ثقات إلا أن محمد بن إبراهيم
لم يسمع من ابن مسعود ونسبه الحافظ في ((الإصابة)) ٣٣٠/٢ إلى البغوي وأعله
بالانقطاع. وقال: أخرجه ابن مندة من طريق سعيد بن الصلت، عن الأعمش، عن
أبي وائل، عن ابن مسعود ومن طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن
أبيه عن جده نحوه. وقال ابن هشام: إنما سمي ذا البجادين، لأنه كان ينازع إلى
الإِسلام، فيمنعه قومه من ذلك، ويضيقون عليه حتى تركوه في بجاد ليس عليه
غيره، والبجاد الكساء الغليظ الجافي، فهرب منهم إلى رسول الله بحَثَّ، فلما كان
قريباً منه، شق بجاده باثنين، فاتزر بواحد، واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله بِّه
فقيل له: ذو البجادين لذلك.
(٢) أخرجه البخاري ٩٦/٨ من حديث أنس بن مالك، وأخرجه مسلم (١٩١١) من
حديث جابر بن عبد الله.
٤٧٣
فأصبح بتبوكَ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أَهلُه، ثم قال: أَمَّا بَعْدُ: فإِنَّ أَصْدَقَ
الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وأَوْثَقُ الَعُرَى كَلِمَةُ التَّقْوَى، وَخَيْرُ المِلَل مِلَّهُ إِبراهيمَ، وخَيْرُ
السَّنَّنِ سُنَّهُ مُحَمَّدٍ، وأَشْرَفُ الحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَأَحَسَنُ القَصَصِ هذا القُرآنُ،
وَخَيْرُ الْأُمُورِ عَوَازِمُها، وَشَرُّ الْأُمُور مُحْدَثَاتُها، وأَحْسَنُ الهَدْي هَذْيُ الأَنْبِيَاءِ،
وأَشْرَفُ المُؤْتِ قَثْلُ الشّهَدَاءِ، وأَعْمَىْ العَمَىُ الصَّلاةُ بَعْدَ الهُدَى، وخَيْرُ الأَعْمَالِ
مَا نَفَعَ، وَخَيْرُ الهُدَى مَا أَتْبَعَ، وشرُّ الَعَمَى عَمَى القَلْبِ، والَيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ
السُّفْلَى، ومَا قَلَّ وكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وشَرُّ المَعْذِرَةِ حِينَ يَحْضُرُ المَوْت،
وشَرُّ النَّدَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، ومِنَ النَّاسِ مَنْ لاَ يَأْتِي الجُمُعَةَ إلا دُبُراً، ومِنْهُمْ مَنْ لاَ
يَذْكُرُ اللَّهُ إلا هُجْراً، ومنْ أَعْظَمِ الخَطَايَا اللِّسانُ الكَذَّابُ، وخَيْرُ الغِنِى غِنى
النّفْسِ، وَخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوِى، وَرَأْسُ الحُكْمِ مَخَافَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلٌّ، وخَيْرُ مَا وَقَرَ في
القُلوبِ اليَقِينُ، والارتيابُ مِنَ الْكُفْرِ، والنِّاحَةُ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّة، والغُلُولُ مِنْ
جُنَا جَهَنَّمَ، والسُّكْر كَيٍّ مِنَ النَّارِ، والشِّعْرُ مِنْ إِلِيسَ، والخَمْرُ جماعُ الإِثْمِ، وشَرُّ
المأْكَلِ مَالُ الْيَِّيم، والسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِي فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وإِنَّما
يَصِيرُ أَحَدُكُم إلى مَوْضِعِ أَرْبَعَةٍ أَذْرُعٍ، والأَمْرُ إِلى الآخِرَةِ، ومَلاكُ العَمَلِ خَوَاتِمُهُ،
وشرُّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِب، وكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وسِبَابُ المُؤْمِنِ فسوقٌ، وقِتَالُه
كُفْرٌ، وأَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، ومَنْ يَتألَّ عَلى اللَّهِ
يُكَذِّبْه، ومَنْ يَغْفِرْ يُغْفَرْ لَه، ومَنْ يَعْفُ، يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ، ومَنْ يَكْظِمِ الغَيْطَ يَأْجُرْهُ
اللَّهُ، ومَنْ يَصْبِرْ عَلَىْ الرَّزِيَّةِ يُعَوِّضه اللَّهُ، ومَنْ يَبْتَغِ السُّمْعَةَ، يُسَمِّعِ اللَّهُ به، ومَنْ
يَتَصَبََّ، يُضْعِفِ اللَّهُ لَهُ، ومَنْ يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْه الله) ثم استغفر ثلاثاً(١).
(١) أخرجه البيهقي من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد العزيز بن عمران،
حدثنا مصعب بن عبد الله عن منظور بن سيار، أخبرني أبي، سمعت عقبة بن عامر
الجهني .... وهذا إسناد ضعيف جداً، يعقوب بن محمد الزهري كثير الوهم
والرواية عن الضعفاء، وعبد العزيز بن عمران متروك احترقت كتبه، فحدث من
حفظه، فاشتد غلطه، ومنظور بن سيار لا يعرف، وكذا أبوه، وقال ابن كثير ٢٥/٤ :
وهذا حديث غريب، وفيه نكارة، وفي إسناده ضعف . .
٤٧٤
قصة رجل مر بين
يديه الشيخ وهو يصلي فدعا
بقطع أثره
وذكر أبو داود في ((سننه)) من حديث ابن وهب: أخبرني معاويةٌ، عن
سعيد بن غزوان، عن أبيه أنه نزلَ بتبوك، وهو حاج، فإذا رجلٌ مُفْعَدٌ، فسألتُه عن
أمره، قال: سأحدِّتُك حديثاً، فلا تُحَدِّثْ به ما سمعت أنِّي حيٌّ: إن رسول الله ◌ِّن
نزلَ بتبوكَ إلى نخلة، فقال: ((هذِهِ قِبْلَتُنا)»، ثم صلَّى إليها، قال: فأقبلتُ وأنا غلامٌ
أسعى، حتى مررتُ بينه وبينها، فقال: قطَع صلاتَنَا، قطعَ الله أَثَرَه، قال: فما
قُمتُ عليهما إلى يومي هذا(١).
ثم ساقه أبو داود من طريق وكيع، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مولى
ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نِمران، قال: رأيت رجلاً بتبوك مقعداً، فقال:
مررتُ بين يديْ رسول الله ◌َي﴿ على حمار وهو يصلي، فقال: ((اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَهُ»،
فما مشيتُ عليهما بعد (٢). وفي هذا الإِسناد والذي قبله ضعف.
فصل
في جمعه بين الصلاتين في غزوة تبوك
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن یزید بن أبي حبيب،
عن أبي الطفيلٍ، عن عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل، أن النبيَّ ◌َ﴾. كان في
غزوة تبوك إذا ارتحل قبلَ أن تَزِيغَ الشَّمسُ، أخّر الظُّهر حتى يجمعها إلى العصر،
فيُصَلِّيهما جميعاً، وإذا ارتحل قَبْلَ المغرب، أخَّرَ المغرب حتَّى يُصليها مع
العشاء، وإذا ارتحلَ بعد المغرب، عَجَّلَ العِشاء، فصلاها مع المغرب.
وقال الترمذي: إذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ، عَجَّلَ العَصْرَ إلى الظُّهْرِ وَصَلَّى
الظُّهْرَ والَعَصْرَ جَمِيعاً(٣)؛ وقال: حديثٌ حسن غريب. وقال أبو داود: هذا
(١) أخرجه أبو داود (٧٠٧) في الصلاة: باب ما يقطع الصلاة، ومعاوية هو ابن صالح
صدوق له أوهام، وسعيد بن غزوان مجهول.
(٢) أخرجه أبو داود (٧٠٥) وأحمد ٦٤/٤ و٣٧٦/٥ و٣٧٧، وسعيد بن عبد العزيز
اختلط بآخرة، ومولی یزید بن نمران مجهول.
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٢٠)، والترمذي (٥٥٣) كلاهما في الصلاة: باب الجمع بين =
٤٧٥
حديثٌ مُنكر، وليس في تقديمِ الوقتِ حديثٌ قائِم.
وقال أبو محمد بن حزم: لا يَعْلَمُ أحدٌ مِن أصحابِ الحديثِ ليزيد بنِ أبي
حبيب سماعاً مِن أبي الطُفَيْل ..
وقال الحاكم في حديث أبي الطفيل هذا: هو حديثٌ رواتُه أئمة ثقات، وهو
شاذ الإِسناد والمتن، لا نعرِف له علة نُعلله بها، فنظرنا فإذا الحديث موضوع،
وذكر عن البخاري: قلت لقُتيبة بن سعيد: مع من كتبتَ عن الليث حديثَ يزيد بن
أبي حبيب عن أبي الطُّفَيْل؟ قال: كتبتُه مع خالد المدائني، وكان خالد المدائني
يُدخل الأحاديث على الشيوخ. ورواه أبو داود أيضاً: حدثنا يزيد بن خالد بن
يزيد بن عَبد الله بن موهب الرَّملي، حدثنا مفضَّل بن فضالة، والليث بن سعد عن
هِشام بن سعد، عن أبي الزُّبير، عن أبي الطُّفيل، عن معاذ بن جبل، أن رسول
كان في غزوة تبوكَ إذا زاغَتِ الشَّمسُ قبل أن يرتَحِلَ جمعَ بين الظُّهر والعصر، وفي
المغرب مِثلَ ذلك: إن غابَتِ الشَّمسُ قبل أن يرتَحِلَ، جمع بينَ المغربِ والعِشاء،
وإن ارتحل قبل أن تَغِيبَ الشمسُ، أخَّر المغربَ حتَّى يَنْزِلَ لِلِعِشَاءِ، ثم يجمعَ
بينهما (١).
وهشام بن سعد: ضعيف عندهم، ضعفه الإِمام أحمد، وابنُ معين، وأبو
حاتم، وأبو زُرعة، ويحيى بن سعيد، وكان لا يُحدث عنه، وضعفه النسائيُّ
أيضاً، وقال أبو بكر البزار: لم أرَ أحداً توقّف عن حديث هشام بن سعد، ولا
اعتلَّ عليه بعلة تُوجب التوقف عنه. وقال أبو داود: حديث المفضل والليث
حدیث منکر .
الصلاتين وقد أعله غير واحد، وانظر بسط ذلك في ((الفتح)) ٤٨٠/٢، ٤٨١.
==
(١) أخرجه أبو داود (١٢٠٨) وهشام بن سعد مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من
أصحاب الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد، فلم يذكروا جمع التقديم في
روایتهم.
٤٧٦
فصل
في رجوع النبي ◌َّ من تبوك
وما همَّ المنافقون به من الكَيْدِ به وعصمة الله إياه
ذكر أبو الأسود في («مغازيه)) عن عروة قال: ورجع رسولُ اللّهِ مٍَّ قافلاً مِن
تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق، مكر برسولِ الله ◌ِّ ناسٌ من
المنافقين، فتآمرُوا أن يطرحُوه من رأسِ عَقَبَةٍ في الطريق، فلما بلغوا العقبة،
أرادوا أن يسلكُوها معه، فلما غشيَهم رسولُ الله ◌َّة، أخبر خبرهم، فقال: مَنْ
شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَأْخُذَ بِبَطْنِ الوَادِي، فَإِنَّه أَوْسَعُ لَكُمْ)) وأَخذ رسولُ الله ◌َةِ العَقَبَةِ،
وأخذ الناسُ ببطن الوادي إلا النفر الذين هَمُّوا بالمكر برسول الله ◌ِ، لما سمعوا
بذلك، استعدُّوا وتلثَّموا، وقد هَمُّوا بأمر عظيم، وأمر رسُولُ اللهِ صَّةٍ حُذيفةَ بنَ
اليمان، وعمار بن ياسر، فمشيا معه، وأمر عماراً أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر
حُذيفة أن يسوقها فبينا هُم يسيرون، إذ سمعوا وكزة القومِ مِن ورائهم قد غَشَوْه،
فَغَضِبَ رسولُ الله ◌َّةٍ، وأمر حُذيفة أن يردهم، وأبصرَ حذيفة غضبَ
رسول الله ◌َةٍ، فرجع ومعه مِحجن، واستقبل وجوهَ رواحلهم، فضربها ضرباً
بالمحجن، وأبصرَ القومَ، وهم متلئِّمون، ولا يشعرُ إلا أن ذلك فعل المسافر،
فأرعبهم اللَّهُ سبحانه حين أبصروا حُذيفة، وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه،
فأسرعُوا حتى خالطُوا الناسَ، وأقبل حُذيفة حتى أدرك رسول الله ◌ِ، فلما
أدركه، قال: ((اضْرِب الرَّاحِلَة يا حُذَيْفَة، وامْشٍ أنْتَ يا عَمَّارُ)) فأسرعوا حتى
استووا بِأَعْلاها، فخرجوا من العَقَبَةِ ينتظرون الناسَ، فقال النبي ◌َّ الحذيفَة:
(هَلْ عَرَفْتَ مِنْ هُؤُلاءِ الرَّهْطِ أَو الرَّكْبِ أَحَداً؟)) قال حُذيقة: عرفتُ راحِلة فلان
وفلان، وقال: كانت ظلمة الليل، وغشيتُهم، وهم متلئِّمون، فقال
رسول الله صحٍَّ: ((هل عَلِمْتُم ما كانَ شأن الرَّكْبِ وما أرادوا؟)) قالوا: لا والله يا
رسول الله! قال: ((فإنهم مَكَرُوا لِيَسِيرُوا مَعِي، حَتَّى إذا اطّلعتُ في العَقَبَةِ طَرحوني
منها))، قالوا: أولا تأمُرُ بهم يا رسول الله إذَاً، فنضرِبَ أعناقهم، قال: ((أكره أن
٤٧٧
يتحدَّث الناسُ ويقولوا: إن محمداً قد وضع يده في أصحابه، فسماهم لهما،
وقال: اكتماهم)) (١).
وقال ابن إسحاق في هذه القصة: إن الله قد أخبرني بأسمائهم، وأسماء
آبائهم، وسأخبِرُك بهم إن شاء الله غداً عند وجه الصبح، فانطلِقْ حتى إذا
أصبحت، فأجمعهم، فلما أصبح قال: ادع عبد الله بن أبي، وسعد بن أبي سرح،
وأبا خاطر الأعرابي، وعامراً، وأبا عامر، والجُلاس بن سويد بن الصامت، وهو
الذي قال: لا ننتهي حتى نرميَ محمداً مِن العَقَبَةِ الليلة، وإن كان محمد وأصحابُه
خيراً منا، إنا إذاً لغنم وهو الراعي ولا عقل لنا، وهو العاقِل، وأمره أن يدعُوَ
مجمع بن حارثة، ومليحاً التيمي، وهو الذي سرق طِيبَ الكعبة، وارتد عن
الإِسلام، وانطلق هارباً في الأرض، فلا يُذْرى أين ذهب، وأمره أن يدعوَ
حصن بن نمير الذي أغار على تمر الصدقة فسرقه، وقال له رسول الله تَّه:
((وَيْحَكَ ما حَمَلَكَ عَلَى هُذَا؟)) فقال: حملني عليه أني ظننتُ أن الله لا يُطلعك
عليه، فأما إذا أطلعك الله عليه، وعلمتَه، فأنا أشهد اليوم أنك رسُولُ الله، وإني لم
أُؤمن بك قطُّ قبل هذه الساعة، فأقال رسولُ الله ◌َّ عثرَته، وعفا عنه، وأمره أن
يدعو طُعيمة بن أبيرق، وعبد الله بن عيينة، وهو الذي قال لأصحابه: اسهُروا هذه
الليلة تسلمُوا الدهرَ كُلَّه، فوالله ما لكم أمر دون أن تقتلُوا هذا الرجل، فدعاه
(١) أخرجه أحمد ٤٥٣/٥ بنحوه من حديث يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع، عن
أبي الطفيل، ورجاله ثقات، ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم (٢٧٧٩)
(١١) حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جميع، حدثنا
أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين
الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم أخبره إذا
سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم، فقد كان القوم خمسة
عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم
الأشهاد، وعذر ثلاثة. قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله مَّة، ولا علمنا بما أراد
القوم، وقد كان في حرة فمشى، فقال: ((إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد)» فوجد
قوماً قد سبقوه، فلعنهم يومئذ.
٤٧٨
فقال: ((وَيْحَكَ مَا كَانَ يَنْفَعُكَ مِنْ قَتْلِي لَوْ أَنِّي قُتِلْتُ؟)) فقال عبد الله: فواللهِ يا
رسولَ الله لا نزالُ بخير ما أعطاك الله النصرَ على عدوّك، إنما نحن بالله وبِكَ،
فتركه رسولُ اللهِ يَّةٌ، وقال: ادعُ مُرَّة بن الربيع، وهو الذي قال: نقتل الواحد
الفرد، فيكون الناسُ عامةً بقتله مطمئنين، فدعاه رسولُ اللهِّ﴾. فقال: ((وَيْحَكَ مَا
حَمَلَكَ عَلى أَنْ تَقُولَ الذي قُلْت؟)) فقال: يا رسولَ الله! إن كنتُ قلتُ شيئاً من
ذلك إنك لعالم بهِ، وما قلتُ شيئاً من ذلك، فجمعهم رسولُ اللهچ وهم اثنا عشر
رجلاً الذين حاربُوا اللَّهَ ورسولَه وأرادوا قتله، فأخبرهم رسولُ الله ◌ٍَّ بقولهم،
ومنطقهم، وسرهم، وعلانيتهم، وأطلعَ اللَّهُ سبحانه نبيه على ذلك بعلمه، ومات
الاثنا عشر منافقين محاربين لله ولرسوله، وذلك قوله عز وجل: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ
يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] وكان أبو عامر رأسهم، وله بنوا مسجد الضرار، وهو الذي
كان يُقال له: الراهب، فسماه رسول الله يَّ: الفاسق، وهو أبو حنظلة غسيل
الملائكة، فأرسلوا إليه، فقدم عليهم، فلما قدِم عليهم، أخزاه الله وإيّاهم،
فانهارت تلك البقعة في نار جهنم.
فصل
قلت: وفي سياق ما ذكره ابن إسحاق وهم من وجوه:
بيان وهم ابن إسحاق في
روايته هذه
أحدُها: أن النبي ◌َّ أسرَّ إلى حُذيفة أسماء أولئك المنافقين، ولم يُطلع
عليهم أحداً غيره، وبذلك كان يُقال لحذيفة: إنه صاحِبُ السِّرِّ الذي لا يعلمهُ
غيرهُ(١)، ولم يكن عمر، ولا غيرهُ يعلمُ أسماءهم، وكان إذا مات الرجل وشُوا
فيه، يقول عمر: انظروا، فإن صلَّى عليه حذيفة، وإلا فهو منافق منهم.
الثاني: ما ذكرناه من قوله: فيهم عبد الله بن أبي، وهو وهم ظاهر، وقد
ذكر ابن إسحاق نفسه، أن عبد الله بن أبي تخلف في غزوة تبوك.
(١) في البخاري ٧٣/٧، و((المسند) ٤٤٩/٦ و٤٥١ أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس
فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، يعني حذيفة.
٤٧٩
الثالث: أن قوله: وسعد بن أبي سرح وهم أيضاً، وخطأ ظاهرٌ، فإن
سعد بن أبي سرح لم يُعرف له إسلام البتة، وإنما ابنُه عبد الله كان قد أسلم
وهاجر، ثم ارتدَّ ولَحِقَ بمكة، حتى استأمن له عثمان النبي ◌َّ عام الفتح، فأمنه
وأسلم، فَحَسُنَ إسلامُه، ولم يظهر منه بعد ذلك شيء يُنكر عليه، ولم يكن مع
هؤلاء الاثني عشر البتة، فما أدري ما هذا الخطأ الفاحش.
الرابع: قوله: وكان أبو عامر رأسَهم، وهذا وهم ظاهر لا يخفى على مَنْ
دونَ ابن إسحاق، بل هو نفسُه قد ذكر قِصة أبي عامر هذا في قصة الهجرة، عن
عاصم بن عمر بن قتادة، أن أبا عامر لما هاجر رسولُ الله ◌ٌَّ إلى المدينة، خرجَ
إلى مكة بِبضعَة عشرَ رجلاً، فلما افتتح رسولُ الله رَّ مكة، خرج إلى الطائف،
فلما أسلم أهلُ الطائف، خرج إلى الشام، فمات بها طريداً وحيداً غريباً، فأين
كان الفاسقُ وغزوة تبوك ذهاباً وإياباً .
فصل
في أمر مسجد الضرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه،
فهدمە چ﴾
وأقبل رسول الله وَّ مِنْ تبوك، حتى نزل بذي أَوَان، وبينها وبين المدينة
ساعة، وكان أصحابُ مسجد الضِّرار أَتَوْه وهو يتجهَّز إلى تبوك، فقالوا: يا
رسولَ الله! إنا قد بنينا مسجداً لِذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة الشاتية، وإنا
نُحِبُّ أن تأتيَنا فتصَلِّيَ لنا فيه، فقال: ((إِنِّي عَلى جَناحِ سَفَر، وحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ
قَدِمْنا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَتَيْنَاكُمْ فَصَلَّيْنَا لَكُم فيه))، فلما نزل بذي أوانَ جاءه خبرُ المسجد
من السماء، فدَعا مالك بن الدُّخشْم أخا بني سلمة بن عوف، ومَعن بن عدي
العجلاني، فقال: انطلقا إلى هذا المسجدِ الظالِمِ أهلُه، فاهدِماه، وحرِّقاه،
فخرجا مُسرعَين، حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهطُ مالك بن الدُّخشم،
فقال مالك لمعن: أنْظِرْني حتى أخرُج إليك بنارٍ مِن أهلي، ودخل إلى أهله،
فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه - وفيه
٤٨٠