النص المفهرس

صفحات 441-460

قضيتين: قضى أن العبدَ إذا خرجَ مِن دار الحرب قبل سيده أنه حر، فإن خرج
سيُّده بعده لم يُرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد، ثم خرج العبد، رُدَّ
على سيده.
وعن الشعبي، عن رجل مِن ثقيف، قال: سألنا رسولَ اللهِ نَّ أَن يَرُدَّ علينا
أبا بَكْرَة، وكان عبداً لنا أتى رسول الله ﴾ وهو محاصِر ثقيفاً، فأسلم، فأبى أن
يَرُدَّهُ علينا، فقال: ((هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ، ثمَّ طَلِيْقُ رَسُولِه))(١) فلم يرده علينا.
قال ابن المنذر: وهذا قول كل من يُحفظ عنه من أهل العلم.
فصل
ومنها: أن الإِمام إذا حاصر ◌ِصناً، ولم يُفتح عليه، ورأى مصلحةً
المسلمين في الرحيل عنه، لم يَلزمه مصابرتُه، وجاز له ترك مصابرته، وإنما تلزم
المصابرةُ إذا كان فيها مصلحة راجحة على مفسدتها .
فصل
ومنها: أنه أحرم من الجِعْرَانَةِ بعمرة، وكان داخلاً إلى مكة، وهذه هي
السنة لمن دخلها من طريق الطائف وما يليه، وأما ما يفعلُه كثير ممن لا علم
عندهم من الخروج من مكة إلى الجِعْرانة ليحرم منها بعمرة، ثم يرجع إليها، فهذا
لم يفعله رسولُ اللهِ يَّةَ، ولا أحدٌ من أصحابه البتة، ولا استحبَّه أحدٌ من أهل
العلم، وإنما يفعله عوام الناس، زعموا أنه اقتداء بالنبي ◌َّ وغلطوا، فإنه إنما
أحرم منها داخلاً إلى مكة، ولم يخرج منها إلى الجعرانة ليحرم منها، فهذا لون،
وسنته لون، وبالله التوفيق.
فصل
ومنها: استجابةُ الله لرسوله ◌َّة دعاءه لثقيف أن يهديَهم، ويأتي بهم، وقد
استجابة دعائه
بإسلام ثقيف
(١) وأخرجه أحمد ١٦٨/٤ و٣١٠، ورجاله ثقات.
٤٤١

حاربوه وقاتلوه، وقتلوا جماعةً من أصحابه، وقتلوا رسولَ رسوله الذي أرسله
إليهم يدعوهم إلى الله، ومع هذا كُلِّه فدعا لهم، ولم يدع عليهم، وهذا من كمال
رأفته، ورحمته، ونصيحته صلوات الله وسلامه عليه .
كمال محبة الصديق
له د
فصل
ومنها: كمالُ محبة الصِّدِّيق له، وقصدُه التقربَ إليه، والتحبب بكل ما
يمكنه، ولهذا ناشد المغيرة أن يدعه هو يُبشر النبي ◌َّل بقدوم وفد الطائف، ليكون
هو الذي بشَّره وفرَّحه بذلك، وهذا يدل على أنه يجوز للرجل أن يسأل أخاه أن
يؤثِرَهُ بقُربة من القُرب، وأنه يجوز للرجل أن يُؤثر بها أخاه، وقول من قال من
الفقهاء: لا يجوز الإِيثار بالقُرَب، لا يصح. وقد آثرتْ عائشةُ عمرَ بن الخطاب
بدفنه في بيتها جوار النبي ◌ََّ، وسألها عُمر ذلك، فلم تكره له السؤال، ولا لها
البذلَ، وعلى هذا، فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول، لم
يكره له السؤال، ولا لذلك البذل، ونظائره. ومن تأمل سيرةَ الصحابة، وجدهم
غيرَ كارهين لذلك، ولا ممتنعين منه، وهل هذا إلا كرمٌ وسخاء، وإيثارٌ على
النفس بما هو أعظمُ محبوباتها تفريحاً لأخيه المسلم، وتعظيماً لقدره، وإجابة له
إلى ما سأله، وترغيباً له في الخير، وقد يكون ثواب كل واحد من هذه الخصال
راجحاً على ثواب تلك القربة، فيكون المؤثر بها ممن تاجر، فبذل قربة، وأخذ
أضعافها، وعلى هذا فلا يمتنع أن يُؤثر صاحب الماء بمائه أن يتوضأ به ويتيمم هو
إذا كان لا بُد مِن تيمم أحدهما، فآثر أخاه، وحاز فضيلة الإِيثار، وفضيلة الطُّهر
بالتراب، ولا يمنع هذا كتاب ولا سنة، ولا مكارم أخلاق، وعلى هذا فإذا اشتد
العطش بجماعة، وعاينوا التلف ومع بعضهم ماء، فآثر على نفسه، واستسلم
للموت، كان ذلك جائزاً، ولم يقل: إنه قاتل لنفسه، ولا أنه فعل محرماً، بل هذا
غاية الجود والسخاء كما قال تعالى: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم ولَوْ كَانَ بهم
خَصَاصَةٍ﴾ [الحشر: ٩]، وقد جرى هذا بعينه لجماعة من الصحابة في فتوح
الشام، وعد ذلك من مناقبهم وفضائلهم، وهل إهداء القرب المجمع عليها
٤٤٢

والمتنازع فيها إلى الميتِ إلا إيثارٌ بثوابها، وهو عين الإيثار بالقرب، فأي فرق بين
أن يُؤثره بفعلها ليحرز ثوابَها، وبين أن يعمل، ثم يؤثره بثوابها، وبالله التوفيق.
فصل
ومنها: أنه لا يجوزُ إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القُدرة على هدمها
وإيطالها يوماً واحداً، فإنها شعائرُ الكفر والشرك، وهي أعظمُ المنكرات، فلا
يجوز الإِقِرارُ عليها مع القدرة البتة، وهذا حكمُ المشاهد التي بُنيت على القبور
التي اتخذت أوثاناً وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تُقصد للتعظيم
والتبرك، والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة
على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم
شركاً عندها، وبها، والله المستعان .
لا يجوز إبقاء مواضع
الشرك بعد القدرة على
هدمها
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق، وتميت
وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعلُه إخوانهم من المشركين اليوم عند
طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القُذَّة بالقُذَّة،
وأخذوا مأخذهم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس
لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة
بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست
الأعلام، واشتدت غربةُ الإِسلام، وقلَّ العُلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر،
واشتد البأسُ، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزالُ
طائفة مِن العِصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى
أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
فصل
ومنها: جواز صرف الإِمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت جواز صرف الأموال التي
في الجهاد ومصالح المسلمين، فيجوز للإِمام، بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه
في مواضع الشرك في
مصالح المسلمين
٤٤٣

الطواغيت التي تُساق إليها كلها، ويصرفها على الجند والمقاتلة، ومصالح
الإِسلام، كما أخذ النبيُّ مَ ◌ّ أموال اللات، وأعطاها لأبي سفيان يتألفه بها،
وقضى منها دين عروة والأسود، وكذلك يجب عليه أن يهدم هذه المشاهد التي
بُنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً، وله أن يقطعها للمقاتلة، أو يبيعها ويستعين
بأثمانها على مصالح المسلمين، وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها، فالوقف
عليها باطل، وهو مال ضائع، فيُصرف في مصالح المسلمين، فإن الوقف لا يصح
إلا في قربة وطاعة لله ورسوله، فلا يصِحُّ الوقف على مشهد، ولا قبر يُسرج عليه
ويُعظم، ويُنذر له، ويحج إليه، ويُعبد من دون الله، ويتخذ وثناً من دونه، وهذا
مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام، ومن اتبع سبيلهم.
فصل
وادي وچ حرم
ومنها: أن وادي وَجّ - وهو واد بالطائف - حرم يحرم صيدُه، وقطعُ
شجره، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، والجمهور قالوا: ليس في البقاع حرم إلا
مكة والمدينة، وأبو حنيفة خالفهم في حرم المدينة، وقال الشافعي - رحمه الله -
في أحد قوليه: وتجٌّ حرم يحرم صيده وشجره، واحتج لهذا القول بحديثين
أحدهما هذا الذي تقدم، والثاني: حديث عروة بن الزبير، عن أبيه الزبير، أن
النبي ◌ٍَّ قال: ((إِنَّ صَيْدَ وَجٌ وعِضَاهَه حَرَم مُحَرَّم الله)) رواه الإمام أحمد وأبو
داود(١). وهذا الحديث يعرف بمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة.
قال البخاري في «تاريخه)»: لا يتابع عليه.
قلت: وفي سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه والله أعلم.
(١) أخرجه أحمد (١٤١٦) وأبو داود (٢٠٣٢) وسنده ضعيف لضعف محمد بن
عبد الله بن إنسان الطائفي، والعضاه من الشجر: ما لا شوك له، ويقال للواحدة منه:
عِضَه على وزن ◌ِزه، ويقال: عضه وعضاه، كما قالوا: شفه وشفاه.
٤٤٤

فصل
بعث المصدقين لجلب
الصدقات
ولما قدم رسولُ الله ◌َِّ المدينة، ودخلت سنة تسع، بعث المُصدِّقين
يأخذون الصدقات من الأعراب. قال ابن سعد: ثم بعث رسول الله خلال
المُصَدِّقِين، قالوا: لما رأى رسول الله صَلِّ هلال المحرم سنة تسع، بعث
المُصَدِّقين يصدقون العرب، فبعث عيينة بن حصن إلى بني تميم، وبعث يزيد بن
الحُصين إلى أسلم وغِفار، وبعث عَبَّاد بن بشر الأشهلي إلى سليم ومُزينة، وبعث
رافع بن مكيث إلى جُهينة، وبعث عمرو بن العاص إلى بني فَزَارَة، وبعث
الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب، وبعث بشر بن سفيان إلى بني كعب، وبعث
ابن اللُّتْبِيّة الأزدي إلى بني ذبيان، وأمر رسول الله مَ﴾ المُصَدِّقين أن يأخذوا العفوَ
منهم، ويتوقَّوْا كرائم أموالهم(١). قيل: ولما قدم ابن اللُّتِيَّة حاسبه(٢). وكان في
هذا حجة على محاسبة العمال والأمناء، فإن ظهرت خيانتُهم عزلهم، وولَّى أميناً.
قال ابن إسحاق: وبعث المهاجر بنَ أبي أمية إلى صنعاء، فخرج عليه
العَنسي وهو بها، وبعث زياد بن لبيد إلى حضرموت، وبعث عديَّ بنَ حاتم إلى
طيء وبني أسد، وبعث مالك بن نُويرة على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقات
بني سعد على رجلين، فبعث الزِّبرقان بن بدر على ناحية، وقيس بن عاصم على
ناحية، وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث علياً - رضوان الله
(١) ابن سعد ١٦٠/٢.
(٢) أخرج البخاري ١٤٤/١٣، ١٤٦، ومسلم (١٨٣٢) من حديث أبي حميد الساعدي
قال: استعمل رسول الله صل رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما
قدم، قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام رسول الله مَ على المنبر، فحمد الله وأثنى
عليه، وقال: ((ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه
أو بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها
شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو
شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت مرتين)).
٤٤٥

عليه - إلى نجران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم (١).
فصل
في السرايا والبعوث في سنة تسع
سرية عيينة بن حصن
الفزاري إلى بني تميم
وفد بني تميم
ذكر سريةِ عُيينة بن حصن الفَزاري إلى بني تميم، وذلك في المحرم من هذه
السنة، بعثه إليهم في سرية لِيغزوهم في خمسين فارساً ليس فيهم مهاجري ولا
أنصاري، فكان يسيرُ الليل ويكمنُ النهار، فهجم عليهم في صحراء، وقد سرَّحوا
مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولَّوْا، فأخذ منهم أحد عشر رجلاً وإحدى وعشرين
امرأة وثلاثين صبيّاً، فساقهم إلى المدينة، فأُنْزِلُوا في دار رملة بنت الحارث فقدم
فيهم عدة من رؤسائهم عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم،
والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم،
ورياح بن الحارث، فلما رأوا نِساءهم وذراريَهم، بكوا إليهم، فَعَجِلُوا، فجاؤوا
إلى باب النبي ◌ّ، فنادوا: يا محمد اخرُج إلينا، فخرج رسولُ اللهَ وَّة، وأقام
بلالٌ الصلاة، وتعلَّقُوا برسول الله مَ لّ يكلمونه، فوقف معهم، ثم مضى فصلى
الظهرَ، ثم جلس في صحن المسجد، فقدموا عُطارد بن حاجب، فتكلم وخطب،
فأمر رسول الله وَّ ثابت بن قيس بن شماس، فأجابهم، وأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ
إِلَيْهِم لَكانَ خَيْراً لَهُمْ، واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤، ٥]، فرد عليهم
رسول الله ◌َّ الأسرى والسبيَ، فقام الزبرقان شاعر بني تميم فأنشد مفاخراً:
مِنَّا المُلُوكُ، وفينا تُنْصَبُ البِيَعُ
نحن الكِرامُ فَلا حَيٍّ يُعادِلُنا
عند النِّهابِ وفَضْلُ العَزِّيْتَبعُ
وكم قَسَرْنَا من الأحْيَاءِ كُلِّهِم
مِن الشِّواءِ إذا لم يُؤْنَس القَزَعُ(٢)
ونَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ القَحْطِ مُطْعِمُنَا
(١) ابن هشام ٢/ ٦٠٠.
(٢) القزع: السحاب الرقيق، يريد إذا لم تمطرهم السماء، وأجدبت أرضهم.
٤٤٦

بِمَا تَرَى النَّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمُ
فَتَنْحَرُ الْكُومَ عُبْطاًفِي أَرُومَتِنَا
فلاترانا إلى حيٍّ نُفاخِرُهم
فمَنْ يُفَاخِرُنَا في ذَاكَ نَعْرِفُه
إنا أَبَيْنَا وَلاَ يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ
مِنْ كُلِّأَرْضِ هُويَّاً ثُمَّ نَصْطَنِعُ(١)
للنازلين إذا ما أُنْزِلُوا شَبِعُوا(٢)
إلا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرَّأْسَ يُقْتَطَعُ
فَيَرْجِعُ القَوْمُ والأخْبَارُ تُسْتَمَعُ
إِنَّا كَذَلِكَ عَنْدَ الفَخْرِ نَرْتَفِعُ
فقام شاعر الإِسلام حسان بن ثابت، فأجابه على البديهة:
قَدْ بَيِّئُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَبَعُ
إِنَّ الذَّوائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ
تَقْوى الإِله وَكُلُّالخَيْرِ مُصْطَنَعُ
أَوْ حَاوَلُ وا النَّفْعَ في أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
إِنَّالخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا البِدَعُ
فَكُلُّسَبْقٍ لِأَذْنَى سَبْقِهِم تَبَعُ
عِنْدَالدِّفَاعِ ولا يُوهُونَ مَارَقَعُوا
أَوْ وَزَانُوا أَهْلَ مَجْدٍ بالنَّدِى مَتَعُوا(٣)
لاَ يَطْبَعُونَ وَلا يُرْدِيُهُمُ الطَّمَعُ(
وَلَا يَمَشُّهُمُ مِنْ مَطْمَعِ طَبَعُ (٥
كَمَا يَدِبُّ إلى الوَحْشِيَّةِ الذُّرُجُ (٦)
إذا الزَّعَانِفُ مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا
يَرْضَى بهاكُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ
قَوْمٌ إذا حَارَبُواضَرُ واعَدُوَّهُم
سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُخْدَثَةٍ
إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ
لاَيَرْقَعُ النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكْفُّهُمُ
إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمَاً فَازَ سَبْقُهُم
أَعِقَّةٌ ذُكِرَتْ في الوَحِيْ عِقَّتُهُمْ
لاَ يَبْخَلُونَ عَلَىْ جَارِ بِفَضْلِهِمُ
إِذَا نَصَبْنَا لِحَيِّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمْ
نَسْمُوا إِذا الحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا
(١) هوياً: سراعاً.
الكوم جمع كوماء: وهي العظيمة السنام من النوق، وعبطا، أي: من غير علة، وفي
(٢)
أرومتنا، أي: هذا الكرم مستأصل فينا.
(٣) متعوا: زادوا، يقال: متع النهار إذا ارتفعت شمسه.
(٤)
لا يطبعون: لا يتدنسون.
(٥)
الطبع: الدنس.
(٦) نصبنا: أظهرنا العداوة ولم نسرها، والذرع: ولد البقرة الوحشية.
٤٤٧

لاَ يَفْخَرُونَ إِذَانَالُوا عَدُوَّهُمُ
كَأَنَّهُمْ فِي الوَغَى وَالمَوْتُ مُكْتَنِعٌ
خُذْمِنْهُمُ مَا أَتَواعَفْوَاً إذا غضبُوا
فَإِنَّفِي حَرْبِهِمْ فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ
أَكْرِمْ بِقَوْمِ رَسُولُ اللَّهِشِيعَتُهُمْ
أَهْدَى لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُوَازِرُهُ
فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الأحْيَاءِ كُلِّهِم
وإِنْ أُصِيبُوا فَلا جَوْرٌ وَلاَهَلَعُ
أسْدٌ بِحلية في أرسَاغِها فَدَع(١)
وَلاَ يَكُنْ هَمِّكَ الأمْرَ الذِي مَنَعُوا
شَراًيُخَاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ والسَّلَعُ(٢
إذَا تَفَاوَتَتِ الأَهْوَاءُ والشِّيَعُ
فيما أَحَبَّلِسَانٌ حائِكٌ صَنَعُ
إِنْ جَدَّ بالنَّاسِ جِدُّ القَوْل أو شمعوا(٣)
فلما فرغ حسان، قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لَمُؤَتَّى(٤) له،
الخطيبُه أخطبُ مِن خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من
أصواتنا، ثم أسلموا، فأجازهم رسولُ الله رقميّ فأحسن جوائزهم.
فصل
قال ابن إسحاق: فلما قدم وفد بني تميم، دخلوا المسجد، ونادوا
رسول الله بَّر أن اخرج إلينا يا محمد، فَآذى ذلك رسولَ الله ◌َّ مِن صياحهم،
فخرج إليهم، فقالوا: جئنا لِنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال: ((نعم قد أذِنْتُ
لخطيبكم فليقم))، فقام عُطارد بن حاجب، فقال: الحمدُ لله الذي جعلنا ملوكاً،
الذي له الفضل علينا، والذي وهب لنا أموالاً عِظاماً نفعل فيها المعروفَ، وجعلنا
أعزَّ أهلِ المشرق وأكثره عدداً، وأيسرَه ◌ُدة، فمن مثلُنا في الناس؟ ألسنا رؤوس
الناس، وأُولي فضلهم، فمن فاخرنا، فليعُدّ مثل ما عَدَدْنَا، فلو شئنا لأكثرنا من
رواية ابن إسحاق لوفد
بني تميم
(١) مكتنع: وان، وحلية: مأسدة باليمن، والأرساغ جمع رسغ، وهو موضع القيد من
الرجل، وفدع: اعوجاج إلى ناحية.
(٢)
السلع: نبات مسموم.
شمعوا: هزلوا، وأصل الشمع: الطرب واللهو، ومنه جارية شموع إذا كانت كثيرة
(٣)
الطرب .
(٤) أي: موفق.
٤٤٨

الكلام، ولكن نستحيي من الإكثار لما أعطانا، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، أو
أمرٍ أفضل مِن أمرنا، ثم جلس، فقال رسول الله وَّ لثابت بن قيس بن شماس:
((قُمْ فَأَجِبْهُ))، فقام فقال: الحمد لله الذي السَّماواتُ والأرضُ خلقه، قضى فيهن
أمرَه، ووسع كرسيّه علمه، ولم يكن شيء قط إلا من فضله، ثم كان من فضله أن
جعلنا ملوكاً، واصطفى من خير خلقه رسولاً، أكرمَه نسباً، وأصدقَه حديثاً،
وأفضلَه حسباً، فأنزل عليهِ كتاباً، وائتمنه على خلقه، وكان خيرة الله مِن
العالمين، ثم دعا الناسَ إلى الإيمان بالله، فآمن به المهاجرون من قومه ذوي
رحمه، أكرم الناس أحساباً، وأحسنهم وجوهاً، وخير الناس فعلاً، ثم كان أوَّل
الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله ◌َّ نحن، فنحن أنصار الله،
ووزراءُ رسولِ اللهِ وََّ، نُقَاتِلُ الناسَ حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسولِه منع ماله
ودمه، ومن نكث جاهدناه في الله أبداً، وكان قتلُه علينا يسيراً، أقول هذا،
وأستغفر الله العظيم للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
ثم ذكر قيام الزبرقان وإنشاده، وجواب حسان له بالأبيات المتقدمة، فلما
فرغ حسان من قوله، قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل خطيبُه أخطبُ مِن
خطيبنا، وشاعِرُه أشعر من شاعرنا، وأقوالُهم أعلى من أقوالنا، ثم أجازهم
رسول الله ◌َّ فأحسن جوائزهم (١).
فصل
في ذكر سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم
وكانت في صفر سنة تسع. قال ابن سعد: قالُوا: بعث رسولُ الله قُطبة بن
عامر في عشرين رجلاً إلى حيٍّ مِن خثعم بناحية تَبَالة، وأمره أن يَشُنَّ الغارة،
فخرجوا على عشرة أبعِرة يعتقِبُونها، فأخذوا رجلاً، فسألوه، فاستعجم عليهم،
فجعل يصيحُ بالحاضرة ويحذِّرهم، فضربوا عنقه، ثم أقاموا حتى نام الحاضرة،
(١) ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٥٦٢، ٥٦٧.
٤٤٩
زاد المعاد ج ٣-م١٥

فشتُّوا عليهم الغارة، فاقتلوا قتالاً شديداً حتى كَثُر الجرحى في الفريقين جميعاً،
وقَتَل قُطبةُ بن عامر من قتل، وساقُوا النَّعم والنساءَ والشَّاءَ إلى المدينة، وفي
القصة: أنه اجتمع القوم وركبوا في آثارهم، فأرسل اللَّهُ سبحانه عليهم سيلاً
عظيماً حال بينهم وبين المسلمين، فساقُوا النعم والشاءَ والسبي، وهم ينظرون لا
يستطيعون أن يعبُرُوا إليهم حتى غابوا عنهم(١) .
فصل
ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب
في ربيع الأول سنة تسع
قالوا: بعث رسولُ الله ◌َّ جيشاً إلى بني كلاب، وعليهم الضحاك بن
سفيان بن عوف الطائي، ومعه الأَصْيَدُ بن سلمة، فلقوهم بالزُّجْ زُجٌّ لاوة،
فدعَوْهم إلى الإِسلام، فأَبَوْا، فقاتلوهم، فهزموهم، فلحق الأصيد أباه سلمة،
وسلمة على فرس له في غدير بالزج، فدعاه إلى الإِسلام، وأعطاهُ الأمان، فسبه
وسبَّ دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه،
ارتكز سلمة على الرمح في الماء، ثم استمسك حتى جاء أحدُهم فقتله، ولم يقتله
ابنه(٢).
فصل
ذكر سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة
سنة تسع في شهر ربيع الآخر
قالوا: فلما بلغ رسول اللّه يَِّ أن ناساً من الحبشة تراياهم أهلُ جدة، فبعث
إليهم علقمة بن مُجَزِّرٍ في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، وقد خاض إليهم
البحر، فهربُوا منه، فلما رجع تعجّل بعض القوم إلى أهليهم، فأذن لهم، فتعجّل
٠
((طبقات ابن سعد)) ٢/ ١٦٢.
(١)
(٢) ابن سعد ١٦٢/٢، ١٦٣.
٤٥٠

عبد الله بن حذافة السهمي، فأمَّره على من تعجَّل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا
ببعض الطريق، وأوقدوا ناراً يصطلُون عليها، فقال: عزمتُ عليكم إلا تواثبتم في
هذه النار، فقام بعضُ القوم، فتجهّزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا
إنما كُنتُ أضحكُ معكم، فذكروا ذلك لرسول الله بَّه فقال: ((مَنْ أَمَرَكُم بِمَعْصِيَّةٍ
فلا تُطِيعُوهُ))(١).
قلت: في ((الصحيحين)) عن علي بن أبي طالب قال: بعث رسول الله وَلام
سرية، واستَعملَ عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويُطيعوا،
فأغضبوه، فقال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا، فقال: أوقدوا ناراً، ثم قال: ألم
يأمْرَكُم رسولُ الله ◌ِّر أن تسمعوا لي؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها، فنظر بعضُهم
إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله بَّه من النار، فكانُوا كذلك حتى
سكن غضبُه، وطُفئت النار، فلما رجعوا، ذكروا ذلك لرسول الله وَّ فقال: ((لَوْ
دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدَا)) وقَالَ: لا طَاعَة في مَعْصِيَةِ الله، إنَّمَا الطَّاعَةُ في
المَعْرُوف)»(٢).
فهذا فيه أن الأمير كان من الأنصار، وأن رسول الله بَّ هو الذي أمره، وأن
الغضب حمله على ذلك.
وقد روى الإمام أحمد في ((مسنده)) عن ابن عباس، في قوله تعالى:
﴿أطيعوا اللَّهَ وأطيعُوا الرَّسُولَ وأُولي الأمْر مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٩٩]، قال: نزلت في
عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، بعثه رسول الله وَّل في سرية(٣)، فإما أن
(١) أخرجه أحمد ٦٧/٣ وابن ماجه (٢٨٦٣) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه
ابن حبان (١٥٥٢) والحاكم ٦٣٠/٣، ٦٣١ وانظر طبقات ابن سعد ١٦٣/٢، وابن
هشام ٢/ ٦٤٠، وشرح المواهب ٤٩/٣، ٥٠، والبخاري ٤٦/٧ في المغازي.
(٢) أخرجه البخاري ١٠٩/١٣ في الأحكام: باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن
معصية، ومسلم (١٨٤٠) في الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية،
وتحريمها في المعصية.
(٣) أخرجه أحمد (٣١٢٤) والبخاري ١٩١/٨ في التفسير: باب أطيعوا الله وأطيعوا =
٤٥١

يكونا واقعتين، أو يكون حديث عليّ هو المحفوظ والله أعلم.
فصل
في ذكر سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه
إلى صنم طىء ليهدمه في هذه السنة
قصة عدي بن حاتم
الطائي
قالوا: وبعث رسول الله - علي بن أبي طالب في مائة وخمسين رجلاً من
الأنصار على مائة بعير، وخمسين فرساً، ومعه راية سوداء، لواء أبيض إلى
الفُلس، وهو صنم طيىء ليهدمه، فشنوا الغارَة على محلة آل حاتم مع الفجر،
فهدموه، وملؤوا أيديَهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أختُ عدي بن
حاتم، وهرب عدي إلى الشام، ووجدوا في خزانته ثلاثة أسياف، وثلاثة أدراع،
فاستعمل على السبي أبو قتادة، وعلى الماشية والرََّّةِ عبد الله بن عتيك، وقسم
الغنائم في الطريق، وعزل الصفي لرسول الله ◌َيٍ، ولم يقسم على آل حاتم حتى
قَدِمَ بهم المدينة(١).
قال ابن إسحاق: قال عدي بن حاتم: ما كان رجل من العرب أشدَّ كراهية
لرسول الله ◌َّةٍ مني حين سمعتُ به ◌َّةٍ وكنت امرءاً شريفاً، وكنت نصرانياً، وكنت
أسير في قومي بالمرباع، وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكاً في قومي، فلما
سمعتُ برسول الله ◌ٍَّ، كرهتُه، فقلت لغلام عربي كان لي، وكان راعياً لإبلي: لا
أبالك اعدد لي من إبلي أجمالاً ذللاً سماناً فاحبسها قريباً مني، فإذا سمعتَ بجيش
لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذِنِّي، ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة، فقال: يا
عدي: ما كنتَ صانعاً إذا غشيتكَ خيلُ محمد، فاصنعه الآن، فإني قد رأيتُ
رايات، فسألت عنها فقالوا: هذه جيوشُ محمد قال: فقلت: فقرب إليَّ أجمالي،
فقربها، فاحتملتُ بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني مِن النصارى
الرسول، ومسلم (١٨٣٤) في الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.
=
(١) ابن سعد ١٦٤/٢.
٤٥٢

بالشام، وخلفتُ بنتاً لحاتم في الحاضرة، فلما قدمتُ الشام، أقمت بها،
وتحالفني خيلُ رسول الله ◌َِّ، فَتُصيبُ ابنة حاتم فيمن أصابت، فَقُدِمَ بها على
رسول الله ◌َ في سبايا من طيىء، وقد بلغ رسول الله ◌َّ هربي إلى الشام، فمرَّ
بها رسول الله ◌َّ فقالت: يا رسول الله، غاب الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز
كبيرة، ما بي من خدمة، فَمُنَّ عليَّ، مَنَّ اللَّهُ عليك، قال: ((من وافدك؟)) قالت:
عديُّ بن حاتم. قال: ((الذي فرَّ من الله ورسوله؟)) قالت: فمنّ عليَّ. قال: فلما
رجع ورجل إلى جنبه يرى أنه علي، قال: سليه الحملان، قالت: فسألتُه، فأمر
لها به. قال عدي: فأتتني أختي، فقالت: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلُها، ائته
راغباً أو راهباً، فقد أتاه فلان، فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال عدي:
فأتيتُه وهو جالس في المسجد، فقال القومُ: هذا عديُّ بنُ حاتم، وجئتُ بغير أمان
ولا كتاب، فلما دُفِعْتُ إليه، أخذ بيدي، وقد كان قبل ذلك قال: ((إني أرجو أن
يجعل الله يدَه في يدي))، قال: فقام لي، فلقيَتْهُ امرأة، ومعها صبي، فقالا: إن لنا
إليكَ حاجة، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره،
فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها، وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى
عليه، ثم قال: ((ما يُفِرُّكَ أَيُفِرُّكَ أن تقول: لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى
الله؟)) قال: قلت: لا. قال: ثم تكلم ساعة، ثم قال: ((إنما تَفِرُّ أن يقال: الله أكبر،
وهل تعلم شيئاً أكبرُ من الله؟)) قال: قلت: لا. قال: ((فإن اليهود مغضوبٌ علیھم،
وإن النصارى ضالون)) قال: فقلت: إني حنيف مسلم. قال: فرأيتُ وجهه ينبسِطُ
فرحاً. قال: ثم أمرني فأنزلتُ عند رجل من الأنصار، وجعلت أغشاه، آتيه طرفي
النهار، قال: فبينا أنا عنده، إذ جاء قوم في ثياب من الصوف من هذه النمار،
قال: فصلى وقام، فحث عليهم، ثم قال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْضَخوا منَ الفَضْلِ ولَوْ
بِصَاعِ، ولَوْ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَلَوْ بِقَبْضَةٍ، وَلَوْ بِبَعْضِ قَبْضَةٍ، يقي أحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرَّ
جَهَنَّمَ أَوَ النَّارَ وَلَوْ بِتَمْرَةِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدوا فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ، فَإِنَّ أَحَدَكُم
لاقي الله، وقائلٌ لَهُ ما أَقُولُ لَكُمْ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالاَ وَوَلَدَاً؟ فيقول: بَلَى،
٤٥٣

فيقول: أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ، فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وبَعْدَهُ وعَنْ يمينِهِ وعَنْ شِمَالِهِ، ثم لا
يَجِدُ شَيْئاً يقي به وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ، لِقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ
يَجدْ فَبكلمةٍ طُِّيةٍ، فإني لا أخافُ عَلَيْكُمْ الفَاقَة، فإنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُم ومُعْطيكم حَتَّى
تَسيرَ الظَّعِينةُ مَا بَيْنَ يَثْرِبَ والحيرة، وأكثر ما يُخَافُ عَلَى مَطِيَّتها السُّرّق(١)، قال:
(١) ابن هشام ٥٧٨/٢، ٥٨١، وأخرجه أحمد ٣٧٨/٤، والترمذي (٢٩٥٦) من حديث
سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم، وعباد بن حبيش وثقه ابن
حبان وباقي رجاله ثقات، وأخرجه أحمد ٢٥٧/٤ أيضاً من حديث هشام بن حسان
عن ابن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة عن رجل قال: قلت لعدي بن حاتم حديث
بلغني عنك أحب أن أسمعه منك، قال: نعم، لما بلغني خروج رسول الله ربيّة كرهت
خروجه كراهية شديدة، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفي رواية حتى قدمت على
قيصر - فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه، قال: فقلت: والله لو أتيت هذا
الرجل، فإن كان كاذباً، لم يضرني، وإن كان صادقاً علمت، قال: فقدمت، فأتيته، فلما
قدمت، قال الناس عدي بن حاتم عدي بن حاتم، قال: فدخلت على رسول اللهم ◌ِياه
فقال لي: ((يا عدي بن حاتم أسلم تسلم)) ثلاثاً، قال: قلت: إني على دين، قال: ((أنا
أعلم بدينك منك))، فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: ((نعم ألست من الركوسية وأنت
تأكل مِرباع قومك؟)) قلت: بلى، قال: ((فإن هذا لا يحل لك في دينك))، قال: فلم يعدُ
أن قالها فتواضعت لها، فقال: ((أما إني أعلم الذي يمنعك من الإِسلام، تقول إنما اتبعه
ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟)) قلت: لم أرها، وقد
سمعت بها، قال: ((فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من
الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز) قال:
قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: ((نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد».
قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن
فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله مَل# قد قالها،
ثم قال أحمد ٣٧٩/٤: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن
محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة عن رجل، قال حماد وهشام: عن محمد عن
أبي عبيدة ولم يذكر عن رجل قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى
جنبي ولا أسأله، قال: فأتيته فسألته، فقال: نعم، فذكر الحديث ... وأخرج البخاري
في («صحيحه)) ٦/ ٤٥٠ في المناقب: باب علامات النبوة في الإِسلام عن عدي بن حاتم
قال: بينا أنا عند النبي ◌َّه إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا إليه قطع =
٤٥٤

فجعلتُ أقول في نفسي: فأين لصوص طيىء.
فصل
ذكر قصة كعب بن زهير مع النبي
وكانت فيما بين رجوعه من الطائف، وغزوة تبوك.
قال ابن إسحاق(١): ولما قدم رسول الله عَل. من الطائف، كتب بُجير بن
زُهير إلى أخيه كعب يُخبره أن رسول الله ﴾ قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه
ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزِّبَعْرَى، وهُبيرة بن أبي وهب قد
هربوا في كلِّ وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة، فَطِرْ إلى رسول الله ◌َّر، فإنه
لا يقتل أحداً جاءه تائباً مسلماً، وإن أنت لم تفعل، فانج إلى نجائك، وکان کعب
قد قال:
فَهَلْ لَكَ فيماقُلْتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا
أَلاَ أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْراً رِسَالَةٌ
عَلَىْ أَيُّ شَيءٍ غَيْرِ ذُلِكَ دَلَّكَا
فَيِّنْ لَنَا إِنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفَاعِلٍ
-
السبيل، فقال: ((يا عدي هل رأيت الحيرة؟)) قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها، قال: ((فإن
=
طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا
الله، - قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دُغَّار (جمع داعر وهو الشاطر الخبيث المفسد)
طيء الذين قد سعروا البلاد - ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى)) قلت:
كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء
كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحداً يقبله منه، وليلقين الله أحدكم
يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فيقولن: ألم أبعث إليك رسولاً، فيبلغك؟
فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا
يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلاّ جهنم، قال عدي: سمعت النبي ◌َّ يقول:
((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة، فبكلمة طيبة)). قال عدي: فرأيت
الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز
كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ◌َّة: ((يخرج ملء
کفه».
(١) ابن هشام ٥٠١/٢، ٥١٥.
٤٥٥

عَلَيْهِ ولَمْ تُذْرِكْ عليهِ أَخَأَلَكَا
عَلَى خُلُق لَمْ تُلْفِ أُمَّاً ولا أباً
وَلاَ قَائِلٍ إِمَّا عَثَرْتَ لَعَاَلَكَا(١)
فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بآسِفٍ
فَأَنْهَلَكَ المَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا (٢)
سَقَاكَ بِهَا المَأْمُونُ كأساً رَويَّةً
قال: وبعث بها إلى بُجير، فلما أتت بُجيراً، كره أن يكتمها رسولَ الله وَّة،
فأنشده إياها، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((سَقَاكَ المَأْمُونُ، صَدَقَ وإِنَّهُ لَكَذُوبٌّ، أَنَا
المَأْمُونُ، ولما سمع ((على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه))، فقال: أجل. قال: لم
یلف علیه أباه ولا أمه، ثم قال بجیر لکعب:
تَلُومُ عليها بَاطِلاً وهي أَحْزَمُ
مَنْ مُبْلِغٌ كَعْباً فَهَلْ لَكَ في التِي
فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النَّجَاءُ وتَسْلَمُ
إِلى اللَّهِ لا الَعُزَّى ولا الَّلاتِ وَحْدَهُ
مِنَ النَّاسِ إلا طَاهِرُ القَلْبِ مُسْلِمُ
لَدَى يَوْمَ لا يَنْجُووليس بِمُفْلِتٍ
ودِينُ أبي سُلْمِى عَليَّ مُحَرَّمُ
فَدِينُ زُهَيْرٍ وهو لا شَيءَدِينُهُ
فلما بلغ كعباً الكتاب، ضاقت به الأرضُ، وأشفق على نفسه، وأرجف به
من كان في حاضِره من عدوه، فقال: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بُداً، قال
قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ربَّة، وذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه،
ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جُهينة، كما
ذُكِر لي، فغدا به إلى رسولِ اللهَ وَّلَ حين صلَّى الصبح، فصلى مع رسول الله وَّ،
ثم أشار إلى رسول الله وَّةَ، فقال: هذا رسولُ الله، فقم إليه فاستأمِنْه، فَذُكِرَ لي
أنه قام إلى رسول الله وَ لّ حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان
رسول الله وَّ لا يعرفُه، فقال: يا رسول الله! إِن كعب بن زهير قد جاء ليستأمِنَك
تائباً مسلماً، فهل أنتَ قابل منه إن أنا جئتُك به؟ قال رسول الله رَّةٍ: نعم. قال:
أنا یا رسول الله کعب بن زهير .
(١) لعاً لك: كلمة تقال للعاثر، وهي دعاء له للإقالة من عثرته.
(٢) كأساً رويَّة، أي مروية: والنَّهَل: الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني، والمأمون:
يعني النبي (٣ كانت قريش تسميه به.
٤٥٦

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنه وثب عليه رجل من
الأنصار، فقال: يا رسولَ الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال
رسول الله ◌َلِّ: ((دعه عنك، فقد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه)) قال: فغضب كعب
على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبُهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من
المهاجرين إلا بخير، فقال قصيدته اللامية التي يصف فيها محبوبته وناقته التي
أولها:
مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ(١)
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ
يَسْعَىْ الغُوَاةُ جَنَابَيْهَا وَقَوْلُهُمُ
وَقَالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْتُ أَمُلُهُ
فَقُلْتُ خَلُوا طَرِيقِي لاَ أَبَالَكُم
كُلُّابن أُنْثَى وإن طَالَتْ سَلاَمَتُه
نُجْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْ عَدَني
مَهْلاً هَدَاكَ الذي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الـ
لاَتَأْخُذَنِّي بِأَقْوَال الوُشَاةِ وَلَمْ
لَقَدْ أَقُومُ مَقَاماً لَوْيَقُومُ بِهِ
لَظَلَّتُرْعَدُ مِنْ خَوْفٍ بَوادِرُهْ
إِنَّكَ يَا ابْنَ أبي سُلْمَى لَمَقْتُولُ (٢)
لا أُلْهِيَنَّكَ إني عَنْكَ مَشْغُولُ (٣)
فَكُلُ ما قَدَّرَ الرَّحْمُنُ مَفْعُولُ
يَوْماً عَلَى آلَةِ حَذْبَاءَ مَحْمُول ◌ُ(٤)
والعَفْوُ عِنْدَرَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
ـقْرَانِ فِيهَا مَوَاعيظٌ وَتَفْصِيلُ(٥)
أُذْنِبْ ولو كَثُرَتْ فيَّ الأَقَاويلُ
أَرى وأَسْمَعُ مَالَوْ يَسْمَعُ الفيلُ
إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ تَنْويلُ(٦)
(١) متبول: أسقمه الحب أضناه، ومتيم: ذليل مستعبد، ولم يُقْدَ: لم يخلص من الأسر،
ومكبول: مقید.
(٢)
الغواة: المفسدون. جنابيها: حواليها. ومقتول: متوعد بالقتل.
أمله: أؤمل خيره، وأترجى إعانته في الملمات، وألهينك: أشغلنك، و((لا)) فيها
(٣)
نافية، والتوكيد قليل مع النفي.
(٤)
الآلة الحدباء: النعش الذي يحمل عليه الميت.
(٥) النافلة: الزيادة. وسمي القرآن نافلة، لأنه عطية زائدة على النبوة.
(٦)
التنويل: التأمين.
٤٥٧

حتَّى وَضَعْتُ يَمِيْنِي مَا أُنَازِعُهَا
فَلَهْوَ أَخْوفُ عندي إِذْأُكَلِّمُه
مِنْ ضَيْغَمِ بِضَراءِ الأَرْضِ مُخْدَرُهُ
يَغْدُوُ فِيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْن عَيْشُهُمَا
إِذا يُسَاورُ قِرْناَ لاَ يَحِلُّلَهُ
مِنْهُ تَظَلُّ سِبَاعُ الجَوِّنَافِرَةَ
وَلاَيَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُوِثِقَةٍ
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
في عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ
زَالُوافَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ ولاكُشُفٌ
في كَفِّذي نَقِماتٍ قَوْلُه القِيلُ(٤)
وقيلَ إِنَّكَ منسوب ومسؤول (٢)
في بَطْنِ عَثَّرَ غيلٌ دُونَه غيلُ(
لَحْمٌّ مِنَ النَّاس، مَعْفُورٌ خَرَادِيلٌ
(٤)
أَنْ يَتْرُكَ القِرْنَ إلاَّ وَهو مَفْلُولُ(٥)
وَلاَ تَمَشَّى بِوَادِيهِ الأَرَاجِيلُ(٦)
مضرَّج البَزِّ والدُّرْسَانِ مَأْكُولُ(٧)
مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ
بِبَطْنِ مَكَّةَ لما أَسْلَمُوا زُولُوا (٨)
عَنْدَ اللِّقَاءِ وَلا مِيلٌ مَعَازِيلُ (٩)
(١) النقمات: بفتح فكسر، جمع نقمة، والمراد به النبي سلا لأنه كان ينتقم من الكفار،
وقوله القيل: المراد أن قوله معتد به لكونه نافذاً ماضياً.
(٢) منسوب: أي إلى أمور صدرت منك، ومسؤول، أي: عن سببها.
(٣) الضيغم: الأسد. وضراء الأرض: الأرض التي فيها شجر. والمخدر: غابة الأسد،
وعثَّر: مكان مشهور بكثرة السباع. والغيل: الشجر الكثير الملتف. وغيل دونه
غيل: أي أجمة تقربها أجمة أخرى، فتكون أسدها أشد توحشاً وأقوى ضراوة.
(٤) يغدو: يخرج في أول النهار يتطلب صيداً لشبليه. ويُلْحِم: يطعمها اللحم.
والضرغام: الأسد، معفور: ملقى في العفر وهو التراب، وخراديل: قطع صغار.
(٥) يساور: يواثب، القرن: المقاوم في الشجاعة، والمفلول: المكسور المهزوم.
(٦) الجو: اسم موضع. ونافرة بعيدة، والأراجيل: الجماعات من الرجال وهو جمع
الجمع .
(٧) البَزُّ: السلاح، الدرسان: أخلاق الثياب. ومأكول، أي طعام لذلك الأسد.
(٨) زولوا: فعل أمر من زال التامة، أي تحولوا وانتقلوا من مكة إلى المدينة.
(٩) الأنكاس: جمع نكْس، وهو الرجل الضعيف، والكُشْفُ بضم فسكون وحرك للوزن
جمع أكشف، وهو الذي لا ترس معه، أو هم الشجعان الذين لا ينهزمون في
الحرب. والميل جمع أميل، وهو الذي لا سيف له أو هو الذي لا يحسن الركوب
فيميل عن السرج، والمعازيل: الذين لا سلاح معهم، واحدهم: مِعْزَال.
٤٥٨

م(١ )
ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُودُ الشَّابِيلُ
يَمْشُونَ مَشْيَ الجِمال الزُّهْرِ يَعْصِمُهُم
شُُّ العَرَانِيْنِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ
منْ نَسْجِ دَاوُدَفي الهَيْجاسَرَابِيلٌ
كَأَنَّهَا حَلَقُالقَفْعَاءِ مَجدُولُ(٣)
بيضٌ سَوَابِغُ قَدْشُكَّتْ لِها حَلَقٌ
قَوْمَاً وَلَيْسُوا مَجَازِيعَاً إذانِلُوا
لَيْسُوا مَفَارِيحَ إِنْ نَالَتْرِمَاُهُمُ
لاَيَقَعِ الطَّعْنُ إلاّفي نُحُورِهِمُ
وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ المَوْتِ تَهْلِيلٌ(٤)
قال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: ((إذا عرد
السودُ التنابيل)) وإنما عنى معشر الأنصار لِما كان صاحبنا صنع به ما صنع، وخص
المهاجرين بمدحته، غضبت عليه الأنصارُ، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار في
قصيدته التي يقول فيها:
في مِقْنَبٍ مِنْ صَالحي الأنْصَارِ(٥)
مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الحَيَاةِ فَلاَ يَزَلْ
إنَّالخِيَارَهُمُ بَنُو الأُخْيارِ
وَرِثُوا المَكَارِمَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ
(١) الزُّهْر: البيض، يصفهم بامتداد القامة وعظم الخلق والرفق في المشي وبياض
البشرة، وذلك دليل على الوقار والسؤدد. ويعصمهم: يمنعهم. وعرّد: فرّ، وأعرض
عن قرنه وهرب عنه، والتنابيل: جمع تنبال، وهو القصير.
شم، جمع أشم: وهو الذي في قصبة أنفه علو مع استواء أعلاه، والعرانين: جمع
(٢)
عرنين، وهو الأنف، وصفهم بهذا الوصف إما على الحقيقة، لأن ارتفاع الأنف من
الصفات المحمودة في خلق الإنسان، وإما على المجاز، يريد ارتفاع أقدارهم،
وعلو شأنهم، واللبوس: ما يلبس من السلاح، ونسج داود: هي الدروع.
والسرابيل: جمع سربال، وهو القميص أو الدرع. ووصفها بأنها من نسج داود دليل
على مناعتها .
(٣) بيض: مجلوة صافية مصقولة. السوابغ: الطوال. وشُكَّت: أدخل بعضها في بعض،
والقفعاء: ضرب من الحسك، وهو نبات له شوك ينبسط على وجه الأرض تشبه به
حلق الدروع. ومجدول: محكم الصنعة.
(٤) وقوع الطعن في نحورهم: دليل على أنهم لا ينهزمون حتى يقع الطعن في ظهورهم،
وحياض الموت: موارد الحتف، يريد بها ساحات القتال، وتهليل: تأخر.
(٥) المقنب: الجماعة من الخيل، يريد به القوم على ظهور جيادهم.
٤٥٩

البَاذِلِينَ نُفُوسَهِمْ لِنَبِّهِمْ
وَالذَّائِدِينَ النَّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِم
لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعائُقٍ وَكِرارِ
وَالْبَائِعِينَ نُفُوسَهْمُ لِنَبِّهِمْ
بدِمَاءِ مَنْ عَلِقُوا مِنَ الكُفَّارِ
يَتَطَهَّرُونَ يَرَوْنَهُ نُسُكَاًلَهُمْ
أَصْبَحْتَ عِنْدَ مَعَاقِلِ الأعفَارِ (٢)
وَإِذَا حَلَلْتَ لِيَمْنَعُوكَ إِلَيْهِم
(٣)
لِلطارِقِينَ النَّازِلِينَ مَقَاري
قَوْمٌ إذا خَوَتِ النُّجُومُ فَإِنَّهُم
يَوْمَ الهِيَاجِ وسَطْوَةِ الجَبَّارِ
بِالمَشْرَفِيِّ وبِالقَنَا الخَطَّارِ (١)
وكعب بن زهير من فحول الشعراء، هو وأبوه، وابنه عقبة، وابن ابنه
العوام بن عقبة، ومما يُستحسن لكعب قوله :
سَعْيُ الفَتَى وهو مَخُبُوءٌ له القَدَرُ
لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ شَيءٍ لِأَعَجَبَتِي
فَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالهَمُ مُنْتَشِرُ
يَسْعَىِّ الفَتَى لُأُمُورٍ لَيْسَ يُدركُهَا
لاَ تَنْتَهِي العَيْنُ حَتَّى يَنْتَهِي الأَثَرُ
وَالمَرْءُ مَا عَاشِ مَمْدُودٌّلَهُ أَمَلٌ
ومما يستحسن له أيضاً قوله في النبي
لِلبُرْدِ كَالْبَدْرِ جُلِّي لَيْلَة الظُّلم
تُحْدِى بِهِ النَّاقَةُ الأَدْمَاءُ مُعْتَجِراً
مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ دِينٍ وَمِنْ كَرَمِ
ففي عِطافَيْهِ أو أَثْنَاءِبُرْدَتِهِ
فصل
في غزوة تبوك (٤)
وكانت في شهر رجَب سنَة تسع، قال ابن إسحاق: وكانت في زمن عُسْرَةٍ
(١) الخطَّار: المهتز.
(٢) المعاقل: جمع معقل، وهو الموضع الممتنع، والأعفار، جمع عَفْر وهو ولد
الوعل، ويضرب المثل بامتناع أولاد الوعول في قلل الجبال.
(٣) خوت النجوم: أي سقطت، ولم تمطر في نوئها، والطارقون الذين يأتون بالليل،
والمقاري: جمع مقراة، وهي الجفنة التي يصنع فيها الطعام للأضياف.
(٤) انظر ابن هشام ٥١٥/٢، ٥٣٧، وابن سعد ١٦٥/٢، ١٦٨، والطبري ١٤٢/٣،
وابن سيد الناس ٢١٥/٢، وابن كثير ٣/٤، ٦٨، و((شرح المواهب)) ٦٢/٣، ٨٩.
٤٦٠