النص المفهرس

صفحات 421-440

على رأسه، وقد أنزل الله عليه: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ [المائدة: ٦٧].
وكثير ممن لا تحقيق عنده، ولا رسوخ في العلم يستشكلُ هذا، ويتكايس
في الجواب تارة بأن هذا فعله تعليماً للأمة، وتارة بأن هذا كان قبل نزول الآية.
ووقعت في مصر مسألة سأل عنها بعضُ الأمراء، وقد ذُكِرَ له حديثٌ ذكره أبو
القاسم بن عساكر في ((تاريخه الكبير)) أن رسولَ الله -ٍ كان بعد أن أهدت له
اليهوديةُ الشاةَ المسمومةَ لا يأكل طعاماً قُدِّمَ له حتى يأكل منه من قدَّمه.
١
قالوا: وفي هذا أسوة للملوك في ذلك. فقال قائل: كيف يُجمع بين هذا
وبين قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فإذا كانَ الله سبحانه قد ضمن له
العِصْمَة، فهو يعلم أنه لا سبيلَ لبشر إليه .
وأجاب بعضُهم بأن هذا يدل على ضعف الحديث، وبعضُهم بأن هذا كان
قبلَ نزولِ الآية، فلما نزلت لم يكن لِيفعل ذلك بعدَها. ولو تأمل هؤلاء أن
ضمان الله له العِصمة، لا يُنافي تعاطيه لأسبابها، لأغناهم عن هذا التكلُّف، فإن
هذا الضمانَ له من ربه تبارك وتعالى لا يُناقِضُ احتراسَه مِن الناس، ولا يُنافيه،
كما أن إخبارَ الله سبحانه له بأنه يُظهر دينَه على الدِّين كُلِّه، ويُعليه، لا يُناقض أمره
بالقتال، وإعدادِ العُدة، والقوة، ورباط الخيل، والأخذ بالجد، والحذر،
والاحتراس من عدوه، ومحاربته بأنواع الحرب، والتورية، فكان إذا أراد الغزوة،
ورَّى بغيرها، وذلك لأن هذا إخبار من الله سبحانه عن عاقبة حاله ومآله بما
يتعاطاه من الأسباب التي جعلها الله مُفضية إلى ذلك، مقتضية له، وهو مَّ أعلمُ
بربّه، وأتبعُ لأمره من أن يعطِّل الأسبابَ التي جعلها الله له بحكمته موجبة لما
وعده به من النصر والظفر، إظهار دينه، وغلبته لعدوه، وهذا كما أنه سبحانه
ضمن له حياتَه حتَّى يبلغ رسالاتِه، ويظهر دينه، وهو يتعاطىء أسبابَ الحياة مِن
المأكل والمشرب، والملبس والمسكن، وهذا موضِعٌ يغلَطُ فيه كثير من الناس،
حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن ترك الدُّعاء، وزعم أنه لا فائدةَ فيه، لأن المسؤول إن
كان قد قُدِّر، ناله ولا بد، وإن لم يُقدَّر، لم ينله، فأي فائدة في الاشتغال بالدعاء؟
٤٢١

ثم تكايسَ في الجواب، بأن قال: الدعاءُ عبادة، فيقال لهذا الغالط: بقي عليك
قسم آخر - وهو الحقُّ - أنه قد قدَّر له مطلوبَه بسببٍ إن تعاطاه، حصل له
المطلوبُ، وإن عطل السبب، فاته المطلوب، والدعاء من أعظم الأسباب في
حصول المطلوب، وما مثل هذا الغالط إلا مثلُ من يقول: وإن كان الله قد قدَّر لي
الشبع، فأنا أشبع، أكلتُ أو لم آكل، إن لم يقدر لي الشبع، لم أشبع أكلتُ أو لم
آكل، فما فائدةُ الأكل؟ وأمثال هذه التُّرَّهات الباطلة المنافية لحكمة الله تعالى
وشرعه، وبالله التوفيق.
فصل
هل العارية مضمونة؟
وفيها: أن النبي ◌َّ شرط لصفوان في العارية الضمان، فقال: ((بَلْ عَارِيَّةٌ
مَضْمُونَةٌ)) فهل هذا إخبار عن شرعه في العارية، ووصف لها بوصفٍ شرعه الله
فيها، وأن حكمها الضمانُ كما يُضمن المغصوب، أو إخبار عن ضمانها بالأداء
بعينها، ومعناه: أني ضامن لك تأديّتَها، وأنها لا تذهب، بل أردها إليك بعينها؟
هذا مما اختلف فيه الفقهاء.
فقال الشافعي وأحمد بالأول، وأنها مضمونة بالتلف. وقال أبو حنيفة
ومالك بالثاني، وأنها مضمونة بالرد على تفصيل في مذهب مالك، وهو أن العين
إن كانت مما لا يُغاب عليه، كالحيوان والعَقار، لم تضمن بالتلف إلا أن يظهر
كَذِبه، وإن كانت مما يغاب عليه كالحلي ونحوه، ضمنت بالتلف إلا أن يأتيَ ببينة
تشهد على التلف، وسر مذهبه أن العارية أمانة غيرُ مضمونة كما قال أبو حنيفة،
إلا أنه لا يقبل قوله فيما يخالف الظاهر، فلذلك فرق بين ما يُغاب عليه، وما لا
یغاب علیه .
ومأخذ المسألة أن قوله ◌َّ لصفوان: ((بَلْ عَارِيَّة مَضْمُونَةٌ))، هل أراد به أنها
مضمونة بالرد أو بالتلف؟ أي: أضمنها إن تلفت، أو أضمن لك ردَّها، وهو
يحتمل الأمرين، وهو في ضمان الرد أظهرُ لثلاثة أوجه:
أحدها: أن في اللفظ الآخر: ((بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ))، فهذا يبينُ أن قوله:
٤٢٢

((مضمونة))، المراد به: المضمونة بالأداء.
الثاني: أنه لم يسأله عن تلفها، وإنما سأله هل تأخذها مني أخذَ غصب
تحولُ بيني وبينها؟ فقال: ((لا بل أخذ عارية أؤديها إليك)). ولو كان سأله عن تلفها
وقال: أخاف أن تذهب، لناسب أن يقول: أنا ضامن لها إن تلفت.
الثالث: أنه جعل الضمانَ صِفة لها نفسها، ولو كان ضمانَ تلف، لكان
الضمانُ لِبدلها، فلما وقع الضمانُ على ذاتها، دل على أنه ضمانُ أداء.
فإن قيل: ففي القصة أن بعض الدروع ضاع، فعرض عليه النبي ◌َّ أن
يضمنها، فقال: أنا اليوم في الإِسلام أرغبُ، قيل: هل عرض عليه أمراً واجباً أو
أمراً جائزاً مستحباً الأولى فعلُه، وهو من مكارم الأخلاق والشيم، ومن محاسن
الشريعة؟ وقد يترجح الثاني بأنه عرض عليه الضمان، ولو كان الضمان واجباً، لم
يعرضه عليه، بل كان يفي له به، ويقول: هذا حقُّك، كما لو كان الذاهب بعينه
موجوداً، فإنه لم يكن ليعرض عليه رده فتأمله.
فصل
وفيها: جوازُ عقرٍ فرس العدو ومركُوبه إذا كان ذلك عوناً على قتله، كما جواز عقر مركوب العدو
عقر علي - رضي الله عنه - جمل حامل راية الكفار، وليس هذا مِن تعذيب
إذا كان عوناً على قتله
الحيوان المنهي عنه.
وفيها: عفُو رسولِ الله ◌ََِّّ عمن همَّ بقتله، ولم يُعاجله، بل دعا له ومسح عفوه ◌َّ عمن هم بقتله
صدره حتى عاد، كأنه ولي حميم.
ومنها: ما ظهر في هذه الغزاة من معجزات النبوة وآيات الرسالة، من
إخباره لشيبة بما أضمر في نفسه، ومن ثباته، وقد تولى عنه الناسُ، وهو يقول:
أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
أنَا النَّبِيُّ لاَكَذِبْ
إخباره 50 شيبة بما
أضمر في نفسه وثباته
وقد تولى عنه الناس
وقد استقبلته كتائبُ المشرکین.
ومنها: إيصالُ الله قبضته التي رمى بها إلى عيون أعدائه على البعد منه،
٤٢٣

١
وبركتُه في تلك القبضة، حتى ملأت أعينَ القوم، إلى غير ذلك من معجزاته فيها،
كنزول الملائكة للقتال معه، حتى رآهم العدوُّ جهرة، ورآهم بعض المسلمين.
جواز انتظار إسلام الكفار
حتى ترد عليهم أموالهم
قبل قسمها
ومنها: جوازُ انتظار الإِمام بقسم الغنائم إسلامَ الكفار ودخولَهم في الطاعة،
فيرد عليهم غنائِمَهَم وسبيَهم، وفي هذا دليل لمن يقول: إن الغنيمة إنما تُملك
بالقسمة، لا بمجرد الاستيلاء عليها، إذ لو ملكها المسلمون بمجرد الاستيلاء، لم
يستأنِ بهم النبيُّ مَّ لِيردها عليهم، وعلى هذا فلو مات أحد من الغانمين قبل
القسمة، أو إحرازها بدار الإِسلام، رُدَّ نصيبُه على بقية الغانمين دون ورثته، وهذا
مذهب أبي حنيفة، لو مات قبل الاستيلاء لم يكن لورثته شيء، ولو مات بعد
القسمة، فسهمہ لورثته.
فصل
هل العطاء الذي
أعطاه # لقريش
وهذا العطاء الذي أعطاه النبي ◌َّل﴾ لقريش، والمؤلفة قلوبُهم، هل هو مِن
والمؤلفة قلوبهم من أصل أصل الغنيمة أو من الخمس، أو من خمس الخمس؟ فقال الشافعي ومالك: هو
الغنيمة أو من الخمس أو
من خمس الخمس؟
من خُمس الخمس، وهو سهمُه ◌َ الذي جعله الله له من الخمس، وهو غير
الصَّفيِّ وغيرُ ما يُصيبه من المغنم، لأن النبي ◌َّ لم يستأذن الغانمين في تِلك
العطية. ولو كان العطاءُ من أصل الغنيمة، لاستأذنهم لأنهم ملكوها بحوزها
والاستيلاء عليها، وليس من أصل الخمس، لأنه مقسوم على خمسة، فهو إذاً من
خُمس الخُمُس. وقد نص الإِمام أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس
الغنيمة، وهذا العطاءُ هو من النفل، نَفَلَ النبيُّ ◌َه به رؤوسَ القبائِلِ والعشائِرِ
ليتألَّفهم به وقومَهم على الإِسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد
الخمس، والربع بعده، لما فيه من تقوية الإِسلام وشوكته وأهله، واستجلاب
عدوه إليه، هكذا وقع سواء كما قال بعضُ هؤلاء الذي نفلهم: لقد أعطاني
رسول الله وَ﴾ وإنه لأبغض الخلق إليَّ، فما زال يُعطيني حتى إنه لأحب الخلق
إليَّ، فما ظنك بعطاءِ قوَّى الإِسلامَ وأهله، وأذلَّ الكفرَ وحِزبه، واستجلب به
قلوبَ رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضِبُوا، غَضِبَ لغضبهم أتباعهم، وإذا
٤٢٤

رَضُوا رَضُوا لرضاهم. فإذا أسلم هؤلاء، لم يتخلف عنهم أحدٌ مِن قومهم، فَلِلَّهِ
ما أعظمَ موقِعَ هذا العطاء، وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله.
ومعلوم: أن الأنفال لله ولرسوله يقسِمُها رسوله حيث أمره لا يتعدى الأمر،
فلو وضع الغنائم بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإِسلام العامة، لما خرج عن الحكمة
والمصلحة والعدل، ولمَا عَمِيَتْ أبصارُ ذي الخويصرة التميمي وأضرابه عن هذه
المصلحة والحكمة. قال له قائلهم: اعْدِل فإنَّكَ لم تعدل. وقال مشبِهُه: إن هذه
لقسمة ما أريد بها وجه الله، ولعمر الله إن هؤلاء من أجهل الخلق برسوله،
ومعرفته بربه، وطاعته له، وتمام عدله، وإعطائه لله، ومنعه لله، ولله - سبحانه -
أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملة كما منعهم غنائم مكة،
وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يُسلط عليها ناراً من السماء تأكلها،
وهو في ذلك كله أعدلُ العادلين، وأحكمُ الحاكمين، وما فعل ما فعله من ذُلك
عبثاً، ولا قدَّرَهُ سُدى، بل هو عين المصلحة والحكمة والعدل والرحمة، مصدره
كمال علمه، وعزته، وحكمته، ورحمته، ولقد أتمَّ نعمته على قوم ردهم إلى
منازلهم برسوله # يقودونه إلى ديارهم، وأرضى من لم يعرف قدر لهذه النعمة
بالشاة والبعير، كما يعطي الصغير ما يناسب عقله ومعرفته، ويعطي العاقل اللبيب
ما يناسبه، وهذا فضله، وليس هو سبحانه تحت حجر أحد من خلقه، فيوجبون
عليه بعقولهم، ويُحرمون، ورسولُه منفّذٌ لأمره.
فإن قيل: فلو دعت حاجةُ الإِمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع
عدوه، هل يسوغ له ذلك؟
قيل: الإِمام نائب عن المسلمين يتصرَّفُ لمصالحهم، وقيام الدين. فإن
تعيَّن ذُلك للدفع عن الإِسلام، والذب عن حوزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه
ليأمن المسلمون شرهم، ساغ له ذلك، بل تعين عليه، وهل تجوز الشريعة غير
هذا، فإنه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقَّعَةُ مِن فوات تأليف هذا
العدو أعظمُ، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما،
٤٢٥

وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على
لهذين الأصلين. وبالله التوفيق.
فصل
وفيها: أن النبي وَلّ قال: ((من لم يُطيِّبْ نَفْسَه، فَلَهُ بِكُلِّ فريضَةٍ ستُّ فرائض
مِنْ أوَّل ما يفيء الله عَلَيْنَا)).
ففي هذا دليل على جواز بيع الرقيق، بل الحيوان بعضه ببعض نسيئةً
ومتفاضلاً.
جواز بيع الرقيق
والحيوان بعضه ببعض
نسيئة و متفاضلاً
وفي ((السنن)) من حديث عبد الله بن عمرو، أن رسولَ الله ◌َّ أمره أن يجهز
جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، وكان يأخذُ البعيرَ
بالبعيرين إلى إبل الصَّدَقَةِ(١).
وفي ((السنن)) عن ابن عمر، عنه بَّرَ أنه نهى عن بَيْعِ الحَيَوانِ بالحيوان
نسيئةً. ورواه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة، وصححه (٢).
وفي الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر قال:
قال رسول الله ◌َّ: ((الحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لا يَصْلُحُ نَسِيئاً، ولا بَأْسَ بِهِ يَداً بيدٍ» قال
الترمذي: حديث حسن (٣).
(١) أخرجه أحمد (٧٠٢٥) وأبو داود (٣٣٥٧) والحاكم ٥٦/٢، ٥٧، وفي سنده جهالة
واضطراب، لكن أخرجه الدارقطني ص ٣١٨ من طريق ابن وهب أخبرني ابن جريج
أن عمرو بن شعيب أخبره عن أبيه، عن جده ... وأخرجه البيهقي ٢٨٧/٥، ٢٨٨
من طريق الدارقطني وصححه، وأشار إليه الحافظ في ((الفتح)) ٣٤٧/٤.
(٢) حديث ابن عمر لم يخرجه أحد من أهل السنن، إنما قال الترمذي: وفي الباب عن
ابن عمر ... وقد رواه الطحاوي في شرح ((معاني الآثار)) ٢٢٩/٢ وسنده حسن في
الشواهد، وحديث الحسن عن سمرة أخرجه أبو داود (٣٣٥٦)، والنسائي ٢٩٢/٧،
وابن ماجه (٢٢٧٠) وفي الباب عن ابن عباس عند عبد الرزاق (١٤١٣٣)
والدار قطني ٣١٩/٢، والطحاوي ٢٢٩/٢، وصححه ابن حبان (١١١٣).
(٣) أخرجه الترمذي (١٢٣٨) وابن ماجه (٢٢٧١) وقال الترمذي: حسن صحيح مع أن =
٤٢٦

فاختلف الناس في هذه الأحاديث، على أربعة أقوال، وهي روايات عن
أحمد .
أحدها: جواز ذلك متفاضلاً، ومتساوياً نسيئة، ويداً بيدٍ، وهو مذهب أبي
حنيفة، والشافعي.
والثاني: لا يجوز ذلك نسيئة، ولا متفاضلاً.
والثالث: يحرم الجمع بين النّساء والتفاضل، ويجوز البيع مع أحدهما،
وهو قولُ مالك - رحمه الله -.
والرابع: إن اتحد الجنس، جاز التفاضُلُ، وحَرمَ النّساء، وإن اختلف
الجنس، جاز التفاضل والنَّساء.
وللناس في هذه الأحاديث والتأليفِ بينها ثلاثة مسالك:
أحدها: تضعيفُ حديث الحسن عن سمرة، لأنه لم يسمع منه سوى
حديثين ليس هذا منهما، وتضعيفُ حديث الحجاج بن أرطاة .
والمسلك الثاني: دعوى النسخ، وإن لم يتبين المتأخِّر منها من المتقدِّم،
ولذلك وقع الاختلاف.
والمسلك الثالث: حملُها على أحوال مختلفة، وهو أن النهي عن بيع
الحيوان بالحيوان نسيئة، إنما كان لأنه ذريعة إلى النسيئة في الربويات، فإن البائع
إذا رأى ما في هذا البيع من الربح لم تقتصر نفسه عليه، بل تجره إلى بيع الربوي
كذلك، فسد عليهم الذريعة، وأباحه يداً بيدٍ، ومنع من النَّساء فيه، وما حرم
للذريعة يُباح للمصلحة الراجحة، كما أباح مِن المُزابنة العرايا للمصلحة
الراجحة، وأباح ما تدعو إليه الحاجةُ منها، وكذلك بيعُ الحيوان بالحيوان نسيئة
متفاضلاً في هذه القصة، وفي حديث ابن عمر إنما وقع في الجهاد، وحاجة
=
فيه تدليس الحجاج بن أرطاة وأبي الزبير، لكن يصلح للشواهد.
٤٢٧

المسلمين إلى تجهيز الجيش، ومعلوم أن مصلحةَ تجهيزه أرجحُ من المفسدة في
بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والشريعةُ لا تُعطِّلُ المصلحة الراجحة لأجل
المرجوحة، ونظير هذا جوازُ لبس الحرير في الحرب، وجوازُ الخُيلاء فيها، إذ
مصلحة ذلك أرجح من مفسدة لبسه، ونظيرُ ذلك لِباسه القَبَاء الحرير الذي أهداه
له ملك أيلة ساعة، ثم نزعه للمصلحة الراجحة في تأليفه وجبره، وكان هذا بعد
النهي عن لباس الحرير، كما بيناه مستوفى في كتاب ((التخيير فيما يحل ويحرم من
لباس الحرير)) وبيّنا أن هذا كان عامَ الوفود سنة تسع، وأن النهيَ عن لباس الحرير
كان قبلَ ذلك، بدليل أنه نهى عمر عن لبس الحُلة الحرير التي أعطاه إياها،
فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة، وهذا كان قبل الفتح، ولباسه ◌َّ هدية ملك
أيلة كان بعد ذلك، ونظير هذا نهيُهُ مََّ عن الصلاة قبل طلوع الشمس، وبعد
العصر، سداً لذريعة التشبه بالكفار، وأباح ما فيه مصلحة راجحة مِن قضاء
الفوائت، وقضاء السنن، وصلاة الجنازة، وتحية المسجد، لأن مصلحة فعلها
أرجح من مفسدة النهي. والله أعلم.
وفي القصة دليل على أن المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلاً غيرَ محدود، جاز
إذا اتفقا عليه ورضيا به، وقد نص أحمد على جوازه في رواية عنه في الخيار مدة
غير محدودة، أنه يكون جائزاً حتى يقطعاه، وهذا هو الراجح، إذ لا محذور في
ذلك، ولا عذر، وكل منهما قد دخل على بصيرة ورضى بموجب العقد، فكلاهما
في العلم به سواء، فليس لأحدهما مزية على الآخر، فلا يكون ذلك ظلماً.
فصل
وفي هذه الغزوة أنه قال: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، لَهُ عَلَيْهِ بَيَِّةٌ، فَلَهُ سَلَبُه))(١) وقاله
في غزوة أخرى قبلها، فاختلف الفقهاء، هل هذا السلب مستحق بالشرع أو
بالشرط؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد.
هل الأسلاب مستحقة
بالشرع أو بالشرط؟
(١) متفق عليه.
٤٢٨

أحدهما: أنه له بالشرع، شرطه الإِمامُ أو لم يَشرِطه، وهو قول الشافعي.
والثاني: أنه لا يستحق إلا بشرط الإِمام، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك
رحمه الله: لا يستحق إلا بشرط الإِمام بعد القتال. فلو نص قبله، لم يجز. قال
مالك: ولم يبلغني أن النبي ◌َّه قال ذلك إلا يوم حُنين، وإنما نفَّل النبيُّ ◌َّة بعد
أن برد القتال.
صَلَى ◌ِّـ
ومأخذ النزاع أن النبي
كان هو الإمام، والحاكم، والمفتي، وهو
ءِ
وئيَّة
الرسول، فقد يقول الحكمَ بمنصب الرسالة، فيكون شرعاً عاماً إلى يوم القيامة
كقوله: ((مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُو رَذِّ) (١). وقوله: ((مَنْ زَرَعَ في
أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْس لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ))(٢) وكحكمه ((بالشَّاهِد،
واليمينِ))(٣) ((وبالشُّفعة فيما لم يُقْسَمْ)) (٤).
وقد يقول بمنصب الفَتوى، كقوله لِهند بنتِ عُتبة امرأة أبي سفيان، وقد
شَكَتْ إليه شُحَّ زوجِها، وأنه لا يُعطيها ما يكفيها: ((خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ
بِالْمَعْرُوفِ))(٥) فهذه فتيا لا حكم، إذ لم يدُ بأبي سفيانٍ، ولم يسأله عن جواب
الدعوى، ولا سألها البينة.
وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت، وذلك
المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب
المصلحة التي راعاها النبي ◌َّه زماناً ومكاناً وحالاً، ومن ها هنا تختلفُ الأئمة في
(١) أخرجه البخاري ٢٢١/٥، ومسلم (١٧١٨) (١٨) من حديث عائشة، وقد تقدم.
(٢) أخرجه أحمد ٤١٥/٣ و١٤١/٤، وأبو داود (٣٤٠٣)، وابن ماجه (٢٤٦٦) من
حديث رافع بن خديج، وفي سنده شريك، وهو سيء الحفظ.
(٣) أخرجه مسلم (١٧١٢) في الأقضية: باب القضاء باليمين والشاهد من حديث ابن
عباس.
(٤) أخرجه البخاري ٣٣٩/٤، وأبو داود (٣٥١٤) من حديث جابر بن عبد الله.
(٥) أخرجه البخاري ٤٤٥/٩ في النفقات: باب إذا لم ينفق الرجل، فللمرأة أن تأخذ
بغير علمه، ومسلم (١٧١٤) في الأقضية: باب قضية هند.
٤٢٩

كثير من المواضع التي فيها أثر عنه ◌َّله، كقوله ◌َلَّ: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» هل
قاله بمنصب الإمامة، فيكون حكمه متعلقاً بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة،
فيكون شرعاً عاماً؟ وكذلك قوله: ((مَنْ أَحْيا أَرْضاً مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» (١) هل هو شرع
عام لكل أحد، أذن فيه الإِمام، أو لم يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة، فلا يُملك
بالإِحياء إلا بإذن الإِمام؟ على القولين، فالأول: للشافعي وأحمد في ظاهر
مذهبهما .
والثاني: لأبي حنيفة وفرق مالك بين الفلوات الواسعة، وما لا يتشاح فيه
الناس، وبين ما يقع فيه التشاح، فاعتبر إذن الإِمام في الثاني دون الأول.
فصل
وقوله مَّة: ((له عليه بينة)) دليل على مسألتين.
الاكتفاء في الأسلاب
بشاهد واحد من غير
یمین
إحداهما: أن دعوى القاتل أنه قتل هذا الكافِرَ، لا تُقبل في استحقاق سَلَبِهِ .
الثانية: الاكتفاء في ثبوت هذه الدعوى بشاهد واحد من غير يمين، لما ثبت
في الصحيح عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسولِ الله ◌َّ عام حنين، فلما التقينا،
كانت للمسلمين جولةٌ، فرأيتُ رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين،
فاستدرت إليه حتى أتيتُهُ مِن ورائه، فضربتُه على حبل عاتقه، وأقبل عليَّ، فضمني
ضمة، وجدتُ منها ريحَ الموت، ثم أدركه الموتُ، فأرسلني، فلحقتُ عمر بن
الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعُوا، وجلس
رسولُ الله ◌ََّ فقال: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيَِّةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ))، قال: فقمتُ فقلت:
من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال مثل ذلك قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم
قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله ◌َ ﴿ه: ((ما لكَ يا أبا قتادة؟)) فقصصتُ
عليه القِصَّةَ، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، وسلبُ ذلك القتيل
عندي، فأرضه من حقه، فقال أبو بكر الصديق: لاهَا اللَّهِ إذاً لا يَعْمِدُ إِلى أَسَدٍ مِن
(١) رواه البخاري ١٤/٥ في المزارعة: باب من أحيا أرضاً مواتاً.
٤٣٠

أُسْدِ الله يُقَاتِلُ عَنْ الله ورسوله، فيُعطيك سلبه، فقال رسول الله وَّهُ: ((صَدَقَ
فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ»، فأعطاني، فبعتُ الدرع، فابتعت بِهِ مَخرَفاً في بني سلمة، فإنه الأوَّل
مال تأثَّلْتُه في الإِسلام (١).
وفي المسألة ثلاثة أقوال، هذا أحدها، وهو وجه في مذهب أحمد.
والثاني: أنه لا بد من شاهد ويمين، كإحدى الروايتين عن أحمد. والثالث ــ وهو
منصوص الإِمام أحمد - أنه لا بُدَّ من شاهدين، لأنها دعوى قتل، فلا تقبل إلا
بشاهدین.
لا يشترط في الشهادة
التلفظ بلفظ أشهد
وفي القصة دليل على مسألة أخرى، وهي أنه لا يُشترط في الشهادة التلفظُ
بلفظ ((أشهد)) وهذا أصح الروايات عن أحمد في الدليل، وإن كان الأشهر عند
أصحابه الاشتراط، وهي مذهبُ مالك. قال شيخنا: ولا يُعرف عن أحد من
الصحابة والتابعين اشتراطَ لفظ الشهادة، وقد قال ابن عباس: شهد عندي رجال
مرضيون، وأرضاهم عندي عمر، أن رسول الله مَّنهى عن الصلاة بعد العصر،
وبعد الصبح. ومعلوم: أنهم لم يتلفظوا له بلفظ أشهد، إنما كان مجرد إخبار.
وفي حديث ماعز فلما شهد على نفسه أربع شهادات رجَمَه، وإنما كان منه مجرد
إخبار عن نفسه، وهو إقرار، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ
آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لاَ أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله: ﴿قالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا
وَغَرَّتْهُمْ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ
شَهِيداً﴾ [النساء: ١٦٦]. وقوله: ﴿أَقْرَرْتُم وأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْري قالُوا
أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين﴾ [آل عمران: ٨١]، وقوله: ﴿شَهِدَ
اللَّهُ أَنَّهُ لا إله إلاَّ هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وأولُو العِلم قَائِماً بالقِسْطِ ﴾ [آل عمران: ١٨]، إلى
(١) رواه البخاري ١٧٧/٦ في الخمس: باب من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلاً،
ومسلم (١٧٥١) في الجهاد: باب استحقاق القاتل سلب القتيل.
٤٣١

أضعافِ ذلك مما ورد في القرآن والسنة من إطلاق لفظ الشهادة على الخبر المجرَّد
عن لفظ أشهد.
وقد تنازع الإِمام أحمد وعلي بن المديني في الشهادة للعشرة بالجنة، فقال
علي: أقول: هُم في الجنة، ولا أقولُ: أشهد أنهم في الجنة. فقال الإِمام أحمد:
متى قلتَ: هم في الجنة، فقد شهدتَ. وهذا تصريح منه بأنه لا يُشترط في
الشهادة لفظ أشهد. وحديث أبي قتادة من أبين الحجج في ذلك.
فإن قيل: إخبار من كان عنده السلب إنما كان إقراراً بقوله: هو عندي،
وليس ذلك من الشهادة في شيء. قيل: تضمن كلامه شهادةً وإقراراً بقوله:
((صدق))، شهادة له بأنه قتله، وقوله: هو ((عندي)) إقرارٌ منه بأنه عنده، والنبى ﴾
إنما قضى بالسلب بعد البينة، وكان تصديق هذا هو البينة.
فصل
وقوله بقي : ((فله سلبه))، دليل على أن له سلبه كله غيرَ مخمَّس، وقد صرح
بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلاً: ((له سَلَبُهُ أَجْمَعُ».
جميع السلب للقاتل
ولا یخمس
وفي المسألة ثلاثة مذاهب، هذا أحدها.
والثاني: أنه يُخمس كالغنيمةِ، وهذا قولُ الأوزاعي وأهل الشام، وهو
مذهب ابن عباس لدخوله في آية الغنيمة .
والثالث: أن الإِمام إن استكثره خمّسه، وإن استقله لم يخمّسه وهو قول
إسحاق، وفعله عمر بن الخطاب، فروى سعيد في ((سننه)) عن ابنِ سيرين، أن
البراء بن مالك بارز مرزُبانَ المرازِبة بالبحرين، فطعَنه، فَدَقَّ صُلْبَه، وأخذ سِوارَيْه
وسلبه، فلما صلَّى عمرُ الظهرَ، أتى البراء في داره فقال: إنا كنا لا نُخَمِّسُ
السَّلَبَ، وإن سلب البراء قد بلغ مالاً، وأنا خامِسُه، فكان أوَّلَ سلبٍ خُمِّس في
الإِسلام سلبُ البراء، وبلغ ثلاثين ألفاً. والأول: أصح، فإن رسول الله مٍَّ لم
٤٣٢

يُخَمِّس السلب وقال: هو له أجمع، ومضت على ذلك سنته وسنةُ الصديق بعده،
وما رأَه عمرُ اجتهاد منه أداه إليه رأيه.
والحديث يدل على أنه مِن أصل الغنيمة، فإن النبي ◌ّ قضى به للقاتل،
ولم ينظُرْ في قيمته، وقدره، واعتبار خروجه من خمس الخمس، وقال مالك: هو
من خُمس الخمس، ويدل على أنه يستحقه من يسهم له، ومن لا يسهم له من
صبي وامرأة، وعبد ومشرك، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يستحق السلب إلا
من يستحق السهم، لأن السهم المجمع عليه إذا لم يستحقه العبد والصبي،
والمرأة والمشرك، فالسلبُ أولى، والأول أصحُّ للعموم، ولأنه جار مجرى قول
الإِمام: من فعل كذا وكذا، أو دل على حصن، أو جاء برأس، فله كذا مما فيه
تحريض على الجهاد والسهم مستحق بالحضور، وإن لم يكن منه فعل، والسلب
مستحق بالفعل، فجرى مجرى الجعالة .
فصل
يستحق القاتل سلب
جميع من قتله وإن كثروا
وفيه دلالة على أنه يستحق سلب جميع من قتله، وإن کثرُوا. وقد ذکر أبو
داود أن أبا طلحة قتل يوم حنين عشرين رجلاً، فأخذ أسلابهم(١).
فصل
في غزوة الطائف
في شوال سنة ثمان، قال ابن سعد: قالوا: ولما أراد رسولُ الله ◌َّ المسير
إلى الطائف، بعث الطُّفيل بن عمرو إلى ذي الكَفَّيْنِ: صنم عمرو بن حُمَمَة
الدوسي، يَهدِمه، وأمره أن يستمدَّ قومه، ويُوافيه بالطائف، فخرج سريعاً إلى
قومه، فهدم ذا الكَفَّيْنِ، وجعل يَخُشُّ النار في وجهِه ويحرِّقه ويقول:
(١) أخرجه أبو داود (٢٧١٨) في الجهاد: باب في السلب يعطي القاتل، والدارمي في
((سننه)" ٢٩٩/٢ من حديث أنس، وسنده صحيح، وقال أبو داود: هذا حديث
حسن .
٤٣٣

يَاذَالكَفَيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكا مِيلادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلاَدِكَا
إني حَشَشْتُ النَّار في فُؤَادِكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعاً، فوافَوا النبي م # بالطائف بعد مقدمه
بأربعة أيام، وقدم بِدَبَّابَةٍ ومنجنيق (١).
قال ابن سعد: ولما خرجَ رسولُ اللهِ بَل ◌ٍ مِن حنين يُريد الطائفَ، قَدِمَ
خالد بن الوليد على مقدمته، وكانت ثقيف قد رَمُّوا حصنهم، وأدخلوا فيه ما
يصلُح لهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس، دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم،
وتهيؤوا للقتال، وسار رسول الله مَّ، فنزل قريباً من حصن الطائف، وعسكر
هناك، فرَمَوا المسلمين بالنبل رمياً شديداً، كأنه رِجْلُ جَرَادٍ حتى أُصيب ناسٌ من
المسلمين بجراحة، وقُتِلَ منهم اثنا عشر رجلاً، فارتفع رسولُ الله ◌َّ إلى موضع
مسجد الطائف اليومَ، وكان معه من نسائه أُمُ سلمة وزينب، فضرب لهما قُبَّتين،
وكان يُصلي بين القبتين مدة حصار الطائف، فحاصرهم ثمانية عشر يوماً (٢)، وقال
ابن إسحاق: بِضعاً وعشرين ليلة.
أول منجنيق رمي به في
الإسلام
ونصب عليهم المنجنيق، وهو أول ما رمي به في الإِسلام.
وقال ابن سعد: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ثور بن يزيد، عن
مكحول أن النبي ◌َّ نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوماً (٣).
(١) الدبابة: الة من الات الحرب تصنع من خشب، وتغشى بجلود، ويدخل فيها
الرجال، فيدبون بها إلى الأسوار لينقبوها، والمنجنيق: لفظة معربة وهي آلة ترمى
بها الحجارة الثقيلة ونحوها لدك الحصون وضبطوها بفتح الميم وتكسر، والميم
أصلية عند سيبويه، والنون زائدة، ولذا سقطت في الجمع، قال كراع: كل كلمة فيها
جيم وقاف أو جيم وكاف مثل كيلجة، فهي أعجمية.
(٢) ((طبقات ابن سعد)) ١٥٨/٢.
(٣) ابن سعد ١٥٩/٢، ورجاله ثقات، لكنه مرسل، وفي صحيح مسلم (١٠٥٩) (١٣٦)
من حديث أنس بن مالك ... ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ...
٤٣٤

قطع أعناب ثقيف
قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشَّدْخَةِ عند جدار الطائف، دخل نفر
مِن أصحابِ رسولِ الله ◌ٌِّ تحتَ دبابةٍ، ثم دخلوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه،
فأرسلت عليهم ثقيف سِكَكَ الحديد مُحماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم
ثقيف بالنَّبل، فقتلوا منهم رجالاً، فأمر رسولُ الله يَّر بقطع أعناب ثقيف، فوقع
الناسُ فيها يقطعون.
قال ابن سعد: فسألوه أن يدعها لِلَّهِ وللرحم، فقال رسولُ الله ◌َّ: («فإني
أَدَعُهَا لِلَّهِ ولِلرَّحم)) فَنَادى منادي رسول الله بَّه: أيُّما عبدٍ نزل من الحِصن وخرج
إلينا فهو حر، فخرج منهم بضعةً عشر رجلاً، منهم أبو بكرة، فأعتقهم
رسولُ اللهِّمِ ودفع كُلَّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونهُ، فشق ذلك على
أهلِ الطائف مشقةً شديدة.
ولم يُؤذن لرسول الله وَّر في فتح الطائف، واستشار رسولُ الله ◌َّ نوفَل بنَ
معاوية الدِّيلي، فقال: ما ترى؟ فقال: ثَعْلَبٌ في جُحْرٍ، إن أقمتَ عليه أخذتَه،
وإن تركتَه لم يضرك. فأمر رسولُ اللهِ ◌ّ عمرَ بن الخطاب، فأذن في الناس
بالرحيل، فضجَّ الناسُ من ذلك، وقالوا: نرحل ولم يُفتح علينا الطائف؟ فقال
رسول الله ◌َّ: ((فاغدُوا على القتال)) فَغَدَوْا فأصابت المسلمين جِراحات، فقال
رسول الله ◌َّةٍ: ((إِنَّا قَافِلُونَ غداً إن شاء الله))، فسُرُّوا بذلك وأذعنوا، وجعلوا
يرحلون، ورسولُ اللهِوَّه يضحك، فلما ارتحلوا واستقلُّوا، قال: قولوا: ((آيبون،
تَائِبُونَ، عَابِدُونَ لِرَبَِّا حَامِدُون))، وقيل: يا رسولَ الله! ادعُ الله على ثقيف. فقال:
((اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفاً وائْتِ بِهِمْ)(١) .
رحيله ** من الطائف
دون فتحها
(١) (طبقات ابن سعد)) ١٥٩/٢، وأخرج أكثره البخاري ٣٦/٨ في المغازي: باب غزوة
الطائف، ومسلم (١٧٧٨) في الجهاد والسير: باب غزوة الطائف من حديث ابن
عمر، وروى مسلم (١٣٤٤) من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله ◌َّ﴿ إذا قفل
من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة قال: ((آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون
صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) وقوله: ((اللهم اهد ثقيفاً) =
٤٣٥

واستشهدَ مع رسولِ اللهِ وَّ بالطائف جماعةٌ، ثم خرج رسول الله وَّ
من الطائف إلى الجعرانة، ثم دخل منها محرماً بعُمرة، فقضى عمرتَه، ثم رجع
إلى المدينة .
عمرة الجعرانة
فصل
وفد ثقيف
قال ابن إسحاق: وقدم رسولُ الله ◌َّ المدينة مِن تبوك في رمضانَ، وقَدِمَ
عليه في ذلك الشهر وفدُ ثقيف، وكان مِن حديثهم: أن رسول الله وَّ لما انصرف
عنهم اتّبع أثَره عروةُ بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن
يرجعَ إلى قومه بالإِسلام، فقال له رسول الله ◌َّر: كما يتحدث قومُك أنهم
قاتلوك، وعرف رسول الله صل* أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم، فقال
عروة: يا رسول الله؟ أنا أحبُ إليهم مِن أبكارهم، وكان فيهم كذلك محيَّباً
مطاعاً، فخرج يدعو قومه إلى الإِسلام رجاء ألا يُخالفوه لمنزلته فيهم، فلما
أشرف لهم على عُلِّيَّة له، وقد دعاهم إلى الإِسلام، وأظهر لهم دينَه، رمَوْه بالنبل
مِن كل وجه، فأصابه سهمٌ فقتله، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة
أكرمني الله بها، وشهادةٌ ساقها الله إلي، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قُتِلُوا مع
رسول الله وَّه قبل أن يرتحِلَ عنكم، فادفِنوني معهم، فدفنُوه معهم، فزعموا أن
رسول الله بَّه قال فيه: ((إنَّ مَثَلَه في قَوْمِهِ، كَمَثَلِ صَاحِب يُس في قَوْمِهِ)).
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهراً، ثم إنهم ائتمروا بينَهم، ورأوا أنه لا
طاقة لهم بحرب مَنْ حولهم مِن العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فأجمعوا أن يرسلوا
إلى رسول الله وَّ رجلاً، كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن
عُمير، وكان في سن عروة بن مسعود، وعرضوا عليه ذلك، فأبى أن يفعل وخشي
=
أخرجه أحمد ٣٤٣/٣، والترمذي (٣٩٣٧) من حديث جابر بن عبد الله، ورجاله
ثقات، وفي مرسل ابن الزبير عند ابن أبي شيبة قال: لما حاصر النبي ◌ُّ الطائف،
قال أصحابه: يا رسول الله وَّر أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، فقال: ((اللهم
اهد ثقيفاً)».
٤٣٦

أن يصنع به كما صنع بعروة، فقال: لست بفاعل حتى ترسلوا معي رجالاً،
فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثةً من بني مالك، فيكونون ستة،
فبعثوا معه الحكم بن عمرو بن وهب، وشُرَحبيل بن غيلان، ومن بني مالك
عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمير بن خَرَشَة، فخرج بهم، فلما دَنَوْا
من المدينة، ونزلوا قناة لَقُوا بها المغيرة بن شعبة، فاشتدَّ ليبشر رسول الله بَّه
بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر فقال: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول
الله ◌َُّ حتى أكونَ أنا أُحدِّثه ففعل، فدخل أبو بكر على رسول الله أَنَّه فأخبره
بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرةُ إلى أصحابه، فروَّح الظهر معهم، وأعلمهم كيف
يُحيُّون رسول الله ◌َّ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، فلما قَدِمُوا على رسول
الله ◌َّ، ضرب عليهم قُبة في ناحية مسجده كما يزعمون.
وكان خالدُ بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم، وبين
رسولِ الله وَّ* حتى اكتتبوا كِتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكانوا لا
يأكلون طعاماً يأتيهم من عند رسول الله رَّه حتى يأكُلَ منه خالد، حتى
أسلموا.
وقد كان فيما سألوا رسولَ الله ◌َّ أن يدع لهم الطاغيةَ، وهي اللاتُ لا
يَهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله وَّ عليهم، فما بَرِحُوا يسألونه سنةً سنةً،
ويأبى عليهم، حتى سألوه شهراً واحداً بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها
شيئاً مسمَّى، وإنما يريدون بذلك فيما يُظهرون أن يَسْلَمُوا بتركها من سفهائهم
ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يُروِّعوا قومهم بهدمها حتى يدخُلَهُمُ
الإِسلامُ، فأبى رسولُ الله ◌َّ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن
شعبة يهدمانها، وقد كانوا يسألونه مع ترك الطاغية أن يُعفيهم مِن الصلاة،
وأن لا يكسروا أوثانَهم بأيديهم. فقال رسول الله وََّ: ((أما كسرُ أوثانكم
بأيديكم، فسنُعفيكم منه، وأما الصلاةُ، فلا خير في دين لا صلاة فيه)). فلما
أسلموا وكتب لهم رسولُ اللهِ وَّةَ كتاباً، أمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص،
بعث المغيرة وأبي
سفيان لهدم اللات
٤٣٧

وكان من أحدثهم سناً، وذلك أنه كان من أحرصهم على التفقه في الإِسلام،
وتعلُّم القرآن(١) .
فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث
رسولُ الله ◌َّ معهم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية،
فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف، أراد المغيرة بن شعبة أن يُقَدِّمَ أبا
سفيان، فأبى ذلك عليه أبو سفيان، فقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو
سفيان بماله بذي الهَدْم، فلما دخل المغيرةُ بن شعبة، علاها يضربُها
بالمعول، وقام دونَه بنو مُعتِّب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عُروة،
وخرج نساء ثقيف حُسَّراً يبكين عليها، ويقول أبو سفيان - والمغيرة يضربها
بالفأس -: ((واهاً لك واهاً لك)) فلما هدمها المغيرةُ، وأخذ مالها وحُليها،
أرسل إلى أبي سفيان مجموعَ مالها مِن الذهب والفضة والجَزْع.
قدوم رجلين من ثقيف
وقضاء الدين عنهما
وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله صلكده
قبل وفد ثقيف حين قُتِلَ عُروة يريدان فراق ثقيف، وأن لا يُجامعاهم على
شيء أبداً، فأسلما، فقال لهما رسول الله صل﴾: ((تولَّيَا مَنْ شِئْتُمَا)) قالا: نتولَّى
الله ورسوله، فقال رسول الله مَ له: ((وخالَكُمَا أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ)) فقالا:
وخالنا أبا سفيان.
فلما أسلم أهل الطائف، سأل أبو مليح رسول الله ◌َّر أن يقضي عن أبيه
عروة ديناً كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول اللّه ◌َ له: نعم، فقال له
قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقْضِهِ - وعروة والأسود أخوان
لأب وأم ــ فقال رسول الله ◌ٍَّ: (((إِنَّ الأَسْوَدَ مَاتَ مُشْرِكاً)) فقال قارب بن
الأسود: يا رسول الله! لكن تَصِلُ مسلماً ذا قرابة، يعني نفسَه، وإنما الدَّينُ
(١) وهو الذي قال للنبي عليه: اجعلني إمام قومي، فقال له رسول الله صلعليه: ((أنت إمامهم،
واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) أخرجه أبو داود (٥٣١)،
والنسائي ٢٣/٢، وأحمد ٢١٧/٤ وإسناده صحيح.
٤٣٨

عليَّ، وأنا الَّذِي أُطْلَبُ به، فأمر النبي ◌َّ أبا سفيان أن يقضي دينَ عُروة
والأسود من مال الطاغية، ففعل.
وكان كتابُ رسول الله بَّر الذي كتب لهم: ((بسم الله الرحمن الرحيم:
من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين، إن عِضَاه وجٍّ وصيدَه حرام، لا
يُعضد، من وُجِدَ يصنعُ شيئاً مِن ذلك، فإنه يُجلد، وتنزع ثيابه، فإن تعدّى
ذلك، فإنه يؤخذ، فيبلغ به إلى النبي محمد، وإن هذا أمرُ النبي محمد
رسول الله مَاچ» .
فكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد،
فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله (١). فهذه قصة ثقيف من أولها إلى
آخرها، سُقناها كما هي، وإن تخلل بين غزوها وإسلامها غزاةُ تبوك وغيرها،
لكن آثرنا أن لا نقطع قِصتهم، وأن ينتظمَ أوَّلُهَا بآخرها ليقع الكلام على فقه
هذه القصة وأحكامها في موضع واحد.
فنقول: فيها مِن الفقه: جوازُ القتال في الأشهر الحرم، ونسخُ تحريم جواز القتال في الأشهر
ذلك، فإن رسول الله وَلّ خرج من المدينة إلى مكة في أواخر شهر رمضان
الحرم
بعد مضي ثمان عشرة ليلة منه، والدليل عليه ما رواه أحمد في ((مسنده))
حدثنا إسماعيل عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن
شدادِ بن أوس، أنه مر مع رسول الله ◌َسي﴾َ زَمَنَ الفتح على رجل يحتجِمُ بالبقيع
لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، وهو آخذ بيدي، فقال: ((أفْطَرَ الحَاجِمُ
والمحْجُومُ)) (٢)، وهذا أصح من قول من قال: إنه خرج لعشر خلون من
(١) انظر ابن هشام ٥٣٧/٢، ٥٤٣، والطبري ١٤٠/٣، وابن سيد الناس ٢٢٨/٢، وابن
كثير ٦٥٢/٣، ٦٦٦.
(٢) أخرجه أحمد ١٢٣/٤ و١٢٤ و١٢٥، وأبو داود (٢٣٦٨) و (٢٣٦٩) وسنده صحيح
وقد تقدم في الصيام.
٤٣٩

رمضان، وهذا الإسناد على شرط مسلم، فقد رَوى به بعينه: ((إنَّ اللَّهَ كَتَبَ
الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ)(١).
وأقام بمكة تسع عشرة ليلة يقصرُ الصلاة، ثم خرج إلى هوازن،
فقاتلهم، وفرغ منهم، ثم قصد الطائف، فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة في
قول ابن إسحاق وثمان عشرة ليلة في قول ابن سعد، وأربعين ليلة في قول
مكحول(٢). فإذا تأملت ذلك، علمت أن بعض مدةِ الحصار في ذي القعدة،
ولا بُد، ولكن قد يُقال: لم يبتدىء القتال إلا في شوال، فلما شرع فيه، لم
يقطعه للشهر الحرام، ولكن من أين لكم أنه ﴾ ابتدأ قِتالاً في شهر حرام،
وفرق بين الابتداء والاستدامة.
فصل
ومنها: جوازُ غزوِ الرجل وأهلُه معه، فإن النبي _ّ كان معه في هذه الغزوة
أم سلمة وزینب.
ومنها: جوازُ نصب المنجنيق على الكفار، ورميهم به وإن أفضى إلى قتل
من لم يُقاتل من النساء والذرية.
ومنها: جوازُ قطع شجر الكفار إذا كان ذلك يُضعفهم ويَغيظهم، وهو أنكى
فیهم.
إذا أبق العبد من مشرك
ولحق بالمسلمين صار
حراً؟
ومنها: أن العبد إذا أَبَقَ من المشركين ولحق بالمسلمين، صار حراً. قال
سعيد بن منصور: حدثنا يزيد بن هارون، عن الحجاج، عن مِقْسَم، عن ابن
عباس، قال: كان رسولُ الله ◌َّمِ يعْتِقُ العبيد إذا جاؤوا قَبْلَ مواليهم(٣).
وروى سعيد بن منصور أيضاً، قال: قضى رسولُ اللَّهِن ◌َ ◌ّ في العبد وسيده
(١) أخرجه مسلم (١٩٥٥) في الصيد: باب الأمر بإحسان الذبح والقتل.
(٢) وهو في قول أنس أيضاً رواه عنه مسلم في ((صحيحه)) وقد تقدم ص٤٣٤.
(٣) الحجاج: هو ابن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعن، وباقي رجاله ثقات.
٤٤٠