النص المفهرس

صفحات 241-260

وخالفهم موسى بنُ عقبة وقال: بل كانت سنةً أربع. قال أبو محمد بن
حزم: وهذا هو الصحيحُ الذي لا شَكَّ فيه، واحتج عليه بحديثِ ابنِ عُمَرَ في
((الصحيحين)) أنه عُرِضَ على النبيِّ ◌َ﴿ يومَ أُحُدٍ، وهو ابنُ أربع عشرةَ سنة، فلم
يُجِزْهُ، ثم عُرِضَ عليه يومَ الخندقِ، وهو ابنُ خَمسَ عشرةَ سنة، فأجازه(١) .
قال: فصحَّ أنه لم يكن بينهما إلا سنةٌ واحدةٌ(٢) .
وأجيب عن هذا بجوابين، أحدهما: أن ابنَ عمر أخبرَ أن النبيَّ ◌َـَّ، ردّهُ
لما استصغَرَهُ عَنِ القِتال، وأجازه لمَّا وصَلَ إلى السِّنِّ التي رآه فيها مطيقاً، وليس
في هذا ما يَنْفي تجاوزَها بسنةٍ أو نحوها .
الثاني: أنه لعلَّه كان يومَ أُحُدٍ في أوّلِ الرابعة عشرة ويومَ الخندق في آخرِ
الخامسة عشرة .
فصل
وكان سبب غزوة الخندق أن اليهودَ لما رَأُوا انتصارَ المشركين على
المسلمين يَوْمَ أحد، وعلِمُوا بميعادِ أبي سفيان لِغزو المسلمين، فخرج لذلك، ثم
رجع لِلعام المُقْبِلِ، خرج أشرافُهم، كسلام بن أبي الحُقيق، وسلام بن مِشْكَم،
وكِنَانَة بن الرَّبيع وغيرِهم إلى قريش بمكة يُحرِّضُونهم عَلَى غَزْوِ رسولِ الله ◌َّل ،
(١) أخرجه البخاري ٣٠٢/٧ في المغازي: باب غزوة الخندق، ومسلم (١٨٦٨) في
الإمارة: باب بيان سن البلوغ.
(٢)
((جوامع السيرة)) ص ١٥٨، ونقل ابن كثير في كتاب ((الفصول)) ٥٦ قول ابن حزم هذا
واحتجاجه بحديث ابن عمر، وعلق عليه بقوله: هذا الحديث مخرج في
((الصحيحين)) وليس يدل على ما ادعاه ابن حزم، لأن مناط إجازة الحرب كانت
عنده ◌َّ خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها، أجازه، فلما
كان ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها، لم يجزه، ولما كان قدَ بلغها يوم الخندق
أجازه، وليس ينفي هذا أن يكون قد زاد عليها بسنة أو سنتين أو ثلاث أو أكثر من
ذلك، فكأنه قال: وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا بالغ أو من أبناء الحرب.
٢٤١

ويؤلِّبُونهم عليه، ووعدوهم مِن أنفسهم بالنَّصرِ لهم، فأجابَتْهُم قريشٌ، ثم خرجُوا
إلى غَطَفَان فدعَوْهُم، فاستجابُوا لهم، ثمَّ طافُوا في قبائل العربِ، يدعونَهم إلى
ذلك، فاستجابَ لهم مَن استجاب، فخرجت قُريشٌ وقائدُهم أبو سفيان في أربعةِ
آلافٍ، ووافَتْهُم بنو سليم بِمَرِّ الظَّهْرَان، وخرجت بنُو أسد، وفَزَارَة، وأشجع،
وبنو مُرَّة، وجاءت غَطَفَانُ وقائدُهم عُيينةُ بنُ حِصْنٍ. وكان مَن وافى الخندقَ مِن
الكفار عشرة آلاف.
رأي سلمان بحفر الخندق
فلما سَمِعَ رسولُ الله ◌َّ بمسيرهم إليه، استشار الصحابةَ، فأشار عليه
سلمانُ الفارسي بحفرٍ خندقٍ يحُول بين العدوِّ وبينَ المدينة، فأمر به
رسولُ الله ◌ََّ، فبادر إليه المسلمون، وعَمِلَ بنفسه فيه، وبادروا هجومَ الكُفّارِ
عليهم، وكان في حَفِره من آيَاتِ نُبوته، وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبرُ به، وكان
حفرُ الخندق أمامَ سَلْعٍ، وسَلْعٌ: جبل خلفَ ظهورِ المسلمين، والخندقُ بينهم
وبين الكفار.
وخرج رسولُ الله ◌َّ في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصَّن بالجبل من
خلفه، وبالخندق أمامهم.
وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة، وهذا غلط من خروجه يوم أُحُدٍ.
وأمر النبيُّ نَّه بالنِّساءِ والذراري، فَجُعِلُوا في آطامِ المدينةِ، واستخلف
عليها ابنَ أُمّ مكتوم.
وانطلق حُبي بنُ أَخْطَب إلى بني قريظة، فدنا مِن حصنهم، فأبى كعبُ بن
أسد أن يفتَح له، فلم يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حتى فتح له، فلما دخل عليه، قال: لقد جئتُكَ
بعزِّ الدهر، جئتُكَ بقريش وغَطَفَان وأسَدٍ على قادتها لِحرب محمد، قال كعب:
جِئْتَي والله بذُلِّ الدهرِ، وبِجَهَامٍ(١) قد هراقَ مَاؤُه، فهو يَرْعُد ويَبْرُق ليس فيه
شيء. فلم يزل به حتَّى نقضَ العَهد الذي بينه وبينَ رسول الله بَّه، ودخل مع
نقض بني قريظة العهد
بتحريض من حيي بن
أخطب
(١) هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه.
٢٤٢

المشركين في مُحاربته، فَسُرَّ بذلك المشركون، وشرط كعب على حُيي أنه إن لم
يظفُرُوا بمحمد أن يجيء حتى يدخُلَ معه في حِصنه، فيصيبه ما أصابه، فأجابه إلى
ذلك، ووفَی له به.
وبلغ رسولَ الله ◌َّ خبرُ بني قريظة ونقضهم للعهد، فبعث إليهم السَّعْدیْنِ،
وخوَّاتَ بن جُبير، وعبدَ اللهِ بن رواحة لِيَعْرِفُوا: هل هم على عهدهم، أو قد
نقضُوه؟ فلما دَنوا منهم، فوجدُوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسبِّ
والعداوة، ونالُوا مِن رسول الله ◌َِّ، فانصرفُوا عنهم، ولحنُوا إلى رسول الله
لحناً يُخبرونه أنهم قد نقضُوا العَهد، وغدَرُوا، فعظُمَ ذُلك على المسلمين، فقالَ
رسولُ اللّهِ مَّ عند ذلك: ((اللَّهُ أَكْبَرُ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِين))، واشتدَّ البلاءُ،
ونَجَمَ النَّفَاقُ، واستأذن بعضُ بني حارثة رسولَ الله ◌َ في الذهاب إلى المدينة
وقَالُوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ومَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلاَّ فِرَاراً﴾ [الأحزاب: ١٣]
وهمَّ بنو سلمَةَ بالفَشَلِ، ثم ثبَّت اللَّهُ الطائفتين.
وأقام المشركُون محاصِرِينَ رسولَ اللهِّ شهراً، ولم يكن بينهم قتال لأجل
ما حال اللَّهُ به مِن الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فَوارِسَ مِن قُريش، منهم
عمرُو بن عبد ودِّ وجماعة معه أقبلُوا نحوَ الخندق، فلما وقفُوا عليه، قالوا: إن
لهذه مَكيدةٌ ما كانت العربُ تعرِفُها، ثم تيمَمُوا مكاناً ضيِّقاً من الخندق،
فاقتحمُوه، وجالت بهم خيلُهم في السّبخة بين الخندق وسَلْعٍ، وَدَغَوا إلى البِرَاز،
فانتدب لِعمروٍ عليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فبارزهُ، فقتله الله على يديه،
وكان مِن شُجعان المشركين وأبطالِهِم، وانهزمَ الباقون إلى أصحابهم، وكان شِعارٌ
المسلمين يومئذ ((حمّ لا يُنْصَرُونَ))(١).
(١) أخرجه أحمد ٦٥/٤ و٢٨٩ و٣٧٧/٥، وأبو داود (٢٥٩٧)، والترمذي (١٦٨٢) من
حديث أبي إسحاق، عن المهلب بن أبي صفرة أخبرني من سمع النبي (3® يقول:
((إن بيتكم العدو، فقولوا: ((حم لا ينصرون)) وسنده حسن، وصححه الحاكم
١٠٧/٢.
٢٤٣

همه ## بصلح غطفان
على ثلث ثمار المدينة
ولما طالت هذه الحالُ على المسلمين، أراد رسولُ الله ◌َّ أن يُصالح
عُبِينَة بِنَ حِصْنٍ، والحارِثَ بنَ عوف رئيسي غَطَفَان، على ثُلثِ ثِمار المدينةِ،
وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضةُ على ذلك، فاستشار السَّعدين في ذلك،
فقالا: يا رسولَ اللهِ! إن كان اللَّهُ أمَرَكَ بهذا، فسمعاً وطاعةً، وإن كان شيئاً تصنعُه
لنا، فلا حاجةَ لنا فيه، لقد كُنَّا نحن وهؤلاء القومُ على الشِّرِكِ باللَّهِ وعِبادةِ
الأوثان، وهم لا يطمعُون أن يأكُلُوا منها ثمرة إلا قِرىّ أو بيعاً، فحين أكرمنا الله
بالإِسلام، وهدانا له، وأعَزّنا بك، نُعطيهم أموالَنَا؟ والله لا نُعطيهم إلا السيف،
فصوَّبَ رأيَهما، وقال: ((إِنَّمَا هُوَ شَيءٍ أَصْنَعُهُ لَكُمْ لَمَّا رَأَيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَنْكُمْ عَنْ
قَوْسٍ وَاحِدَةٍ».
خدعة نعيم بن مسعود
للمشركين ويهود
ثم إن الله عزَّ وجلَّ - وله الحمدُ - صنع أمراً مِن عنده، خَذَلَ به العدوَّ،
وهزم جموعَهم، وفَلَّ حذَّهم، فكان مما هيَّأْ مِن ذلك، أن رجلاً مِن غَطَفَان يُقَال
له: نُعَيْمُ بنُ مسعود بنِ عامر رضي الله عنه، جاء إلى رسولِ الله ◌ِ﴾، فقال: يا
رسولَ الله! إني قد أسلمتُ، فمُرني بما شئت، فقالَ رسولُ الله ◌ِّ: ((إنَّمَا أَنْتَ
رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّ الحَرْبَ خَدْعَة))، فذهب مِن فوره ذلك
إلى بني قريظة، وكان عشيراً لهم في الجاهلية، فدخل عليهم، وهم لا يعلمون
بإسلامه، فقال: يا بني قريظة، إنكم قد حاربتُم محمداً، وإن قريشاً إن أصابُوا
فُرصة انتهزوها، وإلا انشمَرُوا إلى بلادهم راجعين، وتركُوكُم ومحمداً، فانتقم
منكم، قالوا: فما العملُ يا نُعيم؟ قال: لا تُقاتِلُوا معهم حتى يُعطوكم رهائِن،
قالوا: لقد أشرتَ بالرأي، ثم مضى على وجهه إلى قُريش، فقال لهم: تعلمون
وُدِّي لكم، ونُصحي لكم، قالوا: نعم. قال: إن يهودَ قد نَدِمُوا على ما كان منهم
من نقضٍ عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلُوه أنهم يأخذون منكم رَهائِنَ
يدفعونَها إليه، ثمَّ يُمالِئُونه عليكم، فإن سألوكم رهائِنَ، فلا تُعطوهم، ثم ذهب
إلى غَطَفَانَ، فقال لهم مِثْلَ ذُلِكَ، فلما كان ليلةُ السبت من شوال، بعثوا إلى
اليهود: إنا لسنا بأرض مُقام، وقد هلك الكُراعُ والخُفُّ، فانهضُوا بنا حتى نُنَاجِزَ
٢٤٤

محمَّداً، فأرسل إليهم اليُهُود: إن اليومَ يومُ السبت، وقد علمتم ما أصاب مَنْ قبلنا
حين أحدثُوا فيه، ومع هذا فإنا لا نُقاتِلُ معكم حتى تبعثوا إلينا رَهائِنَ، فلما
جاءتهم رُسُلُهُم بذلك، قالت قُريش: صدقَكُم واللَّهِ نُعيم، فبعثوا إلى يهود: إنا
والله لا نُرسِلُ إليكم أحداً، فاخرجُوا معنا حتى نُناجِزَ محمداً فقالت قريظة:
صدقكم والله نُعيم، فتخاذلَ الفريقانِ، وأرسلَ اللَّهُ على المشركين جُنداً من
الريح، فجعلتْ تُقُوِّضُ خِيامَهم، ولا تَدَعُ لهم قدراً إلا كَفَأَتْها، ولا ◌ُباً، إلا
فَلَعَتْه، ولا يَقِرُّ لهم قرار، وجندُ اللَّهِ مِن الملائكة يزلزلونهم، ويُلقون في قلوبهم
الرُّعْبَ والخوفَ، وأرسل رسولُ اللّهِ بَّ حُذيفةً بن اليمان يأتيه بخبرهم،
فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيؤوا للرحيل، فرجع إلى رسولِ الله ◌ِّر، فأخبره
برحيل القوم، فأصبح رسولُ اللهَ بَّهَ، وقد ردَّ اللَّهُ عدوَّهُ بغيظه، لم ينالُوا خيراً،
وكفاهُ الله قِتالهم، فصدق وعدَه، وأَعزَّ جندَه، ونصر عبده، وهزم الأحزابَ
وحده، فدخل المدينة ووضعَ السلاحَ، فجاءه جبريلُ عليه السلامُ، وهو يغتسِلُ
في بيت أمِّ سلمة، فقال: أَوَضَعْتُمُ السِّلاحَ، إِنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تَضَعْ بَعْدُ أَسْلِحَتَها،
انْهَضْ إِلَى غَزْوَةِ هُؤْلاء، يَعْنِي بني قُرَيْظَةَ، فَنَادِى رَسُولُ الله ◌ِصَّةُ: ((مَن كَانَ سَامِعاً
مُطِيعًاً، فَلاَ يُصَلِّيَنَّ العَصْرَ إلا في بني قُرَيْظَةَ)) (١)، فخرج المسلمون سِراعاً، وكان
(١) أخرجه البخاري ٣١٣/٧ في المغازي: باب غزوة الخندق، ومسلم (١٧٧٠) في
الجهاد والسير: باب المبادرة بالغزو عن ابن عمر قال: ((قال النبي ◌َّر يوم
الأحزاب: ((لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة))، فأدرك بعضهم العصر في
الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا
ذلك، فذكر ذلك للنبي مَّ، فلم يعنف واحداً منهم)) لفظ البخاري، ولفظ مسلم:
(«نادى فينا رسول الله ◌َّل يوم انصرف عن الأحزاب أن لا يصلين أحد الظهر إلا في
بني قريظة، فتخوف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا
نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله بَّر وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحداً من
الفريقين. وفي هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو
اية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه.
٢٤٥
نصر الله للمسلمين

من أمره وأمر بني قُرِيظَة ما قدمناه، واستشهد يومَ الخندق ويومَ قريظة نحُوُ عشرةٍ
مِن المسلمين (١).
فصل
اغتيال عبد الله بن أنيس
أبا رافع
وقد قدَّمنا أن أبا رافع كان مِمَّنْ أَلَّبَ الأحزابَ على رسولِ اللهِلَّه، ولم
يُقتلْ مع بني قريظة كما قُتِلَ صاحبُهُ حُيي بن أخطب، ورغبتِ الخزرجُ في قتله
مساواةً للأوس في قتل كعبِ بنِ الأشرف، وكان اللَّهُ - سبحانه وتعالى - قد جعل
هذين الحَيَّيْنِ يتصاولان بينَ يدي رسول الله مََّ في الخيراتِ، فاستأذنُوه في قتله،
فأذِنَ لهم، فانتدب له رِجالٌ كُلُّهُم مِن بني سلمة، وهم عبدُ الله بن عَتِيكٍ، وهو
أميرُ القوم، وعبدُ اللَّهِ بنُ أُنيس، وأبو قتادة، الحارث بن رِبْعي، ومسعود بن
سنان، وخُزَاعِيُّ بنُ أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر في دار له، فنزلُوا عليه ليلاً،
فقتلُوه، ورجعوا إلى رسولِ الله ◌َِّ، وكُلُّهُمُ ادَّعى قتله، فقال: ((أَرُونِي أَسْيَافَكُمْ))
فلما أَرَوْهُ إِيَّهَا، قال لِسيفِ عبدِ اللهِ بن أُنْيس، ((هذَا الَّذِي قَتَلَهُ أرى فيهِ أَثَرَ
الطَّعَام))(٢) .
فصل
ثم خرج رسولُ الله ◌ِّ إلى بني لِحْيَانِ بَعْدَ قُرَيْظَةَ بستة أشهرِ لِیغزوهم،
فخرج رسولُ الله ◌َّ في مائتي رجل، وأظهر أنه يُريد الشام، واستخلف على
غزوة بني لحيان
(١) انظر خبر غزوة الخندق في ابن هشام ٢١٤/٢، ٢٣٣، وابن سعد ٦٥/٢ والطبري
٤٣/٣، وابن سيد الناس ٥٤/٢، وابن كثير ١٧٨/٣، ٢٢٢، و((شرح المواهب))
١٠٢/٢، ٠١٢٦
(٢) أخرجه ابن هشام ٢٧٣/٢، ٢٧٥ عن ابن إسحاق حدثني ابن شهاب الزهري، عن
عبد الله بن كعب بن مالك ... وأخرجه البخاري ٢٦٣/٧، ٢٦٤، و٢٦٥ في
المغازي: باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، وفي الجهاد: باب قتل النائم
المشرك، من حديث البراء.
٢٤٦

المدينة ابنَ أُمِّ مكتومٍ، ثم أسرعَ السير حتى انتهى إلى بطن غُرَان (١) وادٍ من أودية
بلادهم، وهُوَ بين أمَج وعُسفان حيث كان مُصابُ أصحابه، فترخّم عليهم ودعا
لهم، وسَمِعَتْ بنو لِحيان، فهربُوا في رؤوس الجبال، فلم يقدر مِنهم على أحد،
فأقام يومين بأرضهم، وبعث السرايا، فلم يَقْدِرُوا عليهم، فسار إلى عُسفان،
فبعث عشرة فوارس إلى كُراعِ الغَمِيمِ لِتسمعَ به قُريش، ثم رجع إلى المدينة،
وكانت غيبتُه عنها أربعَ عشرة ليلة (٢) .
فصل
في سرية نجد
ثم بعثَ رسولُ اللهِ وََّ خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت بتُمَامَةَ بنِ أُثال الحنيفي سيِّد
بني حنيفة، فربطه رسولُ الله ◌َّ إلى ساريةٍ مِن سواري المسجد، ومر به، فقال:
((مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فقال: يا مُحَمَّدُ! إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَم، وإن تَنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى
شَاكِرٍ، وإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المالَ، فَسَلْ تُعطَ منه ما شئَتَ، فتركه، ثم مرَّ به مرَّةً
أخرى، فقال له مِثْلَ ذُلِكَ، فردَّ عليه كما رَدَّ عليه أولاً، ثم مرَّ مرةً ثالثة، فقال:
((أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ)) فأطلقُوه، فذهب إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد، فاغتسلَ، ثم
جاءه، فأسلم وقال: واللَّهِ ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهك،
فقد أصبحَ وجهُك أحبَّ الوُجوه إليَّ، واللّهِ ما كان على وجه الأرض دِينٌ أبغَضَ
عليَّ مِن دينك، فقد أصبح دينُك أحبَّ الأديانِ إليَّ، وإنَّ خيلك أخذتني، وأنا
أُريدُ العُمرة، فبشَّره رسولُ اللهِ بَّه، وأمره أن يعتمر، فلما قدم على قريشٍ، قالوا:
صَبَوْتَ يَا ثُمَامةُ؟ قال: لا واللهِ، ولكني أسلمتُ مع محمد نَّه، ولا واللّهِ لا
إسلام ثمامة بن أثال
(١) بضم الغين والتخفيف: اسم وادي الأزرق خلف أمَج، وقال المجد: علم مرتجل
لواد ضخم وراء وادي ساية (من أعمال المدينة) وفيه كانت منازل بني لحيان.
(٢) انظر ابن هشام ٢٧٩/٢، ٢٨١، و((شرح المواهب)) ١٤٦/٢، ١٥٣، وابن سعد
٧٨/٢، ٨٠، والطبري ٥٩/٣، وابن سيد الناس ٨٣/٢، وابن كثير ١٥٦/٣.
٢٤٧

يأتيكم من اليمَامَةِ حَبَّةُ حِنطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فيها رسولُ الله ◌ََّ (١)، وكانت اليمامةُ
ريفَ مكة، فانصرف إلى بلاده، ومنع الحملَ إلى مكة حتى جَهِدَتْ قريش، فكتبوا
إلى رسولِ الله ◌َّ﴿ يسألونه بأرحامهم أن يكتُب إلى ثُمامةَ يُخلِّي إليهم حملَ
الطعام، ففعل رسولُ الله ◌َيُّ .
فصل
في غزوة الغابة
ثم أغار عُبَيْنَةُ بن حصْنِ الفَزَارِيُّ في بني عبد الله بن غَطَفَانَ على لِقَاحِ
النبي ◌َّ التي بالغابة (٢)، فاستاقها، وقتل راعِيَهَا وهو رجلٌ من عُسفان، واحتملوا
امرأته، قال عبدُ المؤمن بن خلف: وهو ابن أبي ذر، وهو غَرِيبٌ جداً، فجاء
الصريحُ، ونودي: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبي، وكان أول ما نُودي بها، ورَكِبَ
رسولُ الله ◌ََّ مُقَّنعاً في الحديد، فكان أول مَنْ قدم إليه المقدادُ بن عمرو في
الدِّرع والمِغْفَرِ، فَعَقَدَ له رسولُ اللهَّهَ اللواءَ في رُمحه، وقال: ((امْضٍ حَتَّى
تلحقك الخيولُ، إِنَّا عَلَى أَثَرِكَ))، واستخلفَ رسولُ الله ابنَ أُمّ مكتوم، وأدركَ
سلمةُ بنُ الأكوع القومَ، وهو على رِجليه، فجعلَ يرميهم بالنَّبْلِ ويقول:
خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ
واليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّع (٣)
حتى انتهى إلى ذي قَرَدٍ وقد استنقذَ مِنهم جميعَ اللِّفَاحِ وثلاثين بُردة، قال
سلمة: فَلَحِقَنَا رَسُولُ الهَّه والخيلُ عِشاءً، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ! إن القومَ
عِطاش، فلو بعثني في مائة رجل استنقذتُ ما في أيديهم من السَّرْح، وأخذتُ
(١) أخرجه البخاري ٦٨/٨، ٦٩ في المغازي: باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن
أثال.
· موضع قرب المدينة من ناحية الشام، فيه أموال لأهل المدينة.
(٢)
(٣)
يعني يوم هلاك اللئام من قولهم: لئيم راضع، أي رضع اللؤم في بطن أمه، والأصل
فيه أن رجلاً كان شديد البخل فكان إذا أراد حلب ناقته ارتضع من ثديها لئلا يحلبها
فيسمع جيرانه أو من يمر به صوت الحلب، فيطلبون منه، وقيل: معناه: هذا يوم
شديد عليكم تفارق فيه المرضعة من أرضعته، فلا يجد من يرضعه.
٢٤٨

:
بأعناق القوم، فقال رسولُ الله ◌ََّ: مَلَكْتُ فَأَسْجِحْ))(١) ثم قالَ: ((إِنَّهُم الآنَ
لَيُقْرَوْنَ فِي غَطَفَان)).
وذهب الصريخُ بالمدينة إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمدادُ ولم تزلِ
الخيلُ تأتي، والرجالُ على أقدامهم وعلى الإِل، حتى انْتَهَوْا إلى رسولِ الله ◌ِيه
بِذِي قَرَدٍ .
قال عبد المؤمن بن خلف: فاستنقذوا عَشْرَ لِقاح، وأُفِلِتَ القومُ بما بقي،
وهو عشر.
قلت: وهذا غلط بيِّن، والذي في ((الصحيحين)): أنهم استنقذوا اللِّفَاحَ
كُلَّها، ولفظ مسلم في ((صحيحه)) عن سلمة: ((حتى ما خلق اللَّهُ مِن شيءٍ مِن لِقاح
رسولِ اللهِ بَّ إلا خلَّفْتُه وراء ظهري، واستلبتُ مِنهم ثلاثينَ بُردةً»(٢).
فصل
وهذه الغزوةُ كانت بعدَ الحُديبية، وقد وَهِمَ فيها جماعةٌ من أهلِ المغازي
والسِّيرِ، فذكرُوا أنها كانت قَبْلَ الحُدَيْنِيةَ، والدليلُ على صِحةِ ما قُلناه: ما رواه
الإِمام أحمد، والحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا
هاشمُ بنُ القاسم، قال: حدثنا عكرمة بنُ عمار، قال: حدثني إیاس بن سلمة،
عن أبيه، قال: قَدِمْتُ المدينةَ زَمَنَ الحُديبيةِ مَعَ رَسولِ الله ◌َ، قال: ((خَرَجْتُ أنا
ورَبَاح بفرس لطلحة أنَّدِّيهِ مع الإِبِل، فلما كان بِغَلَسٍ، أغارَ عبدُ الرحمن بنُ عيينة
كانت هذه الغزوة بعد
الحديبية وتوهيم من قال
بخلاف ذلك
(١) بهمزة قطع وجيم مكسورة: أي: فارفق وأحسن، والسجاحة: السهولة، أي: لا
تأخذ بالشدة بل ارفق، وأحسن العفو، فقد تحققت النكاية في العدو.
(٢) أخرجه البخاري ٣٥٣/٧، ٣٥٥ في المغازي: باب غزوة ذي قرد، وفي الجهاد:
باب من رأى العدو، فنادى بأعلى صوته: يا صباحاه، ومسلم (١٨٠٦) في الجهاد:
باب غزوة ذي قرد، وأحمد ٤٨/٤، وأبو داود (٢٧٥٢) من حديث سلمة بن
الأكوع.
٢٤٩

على إبل رسولِ اللهِ وَلَ؛ فَقَتَلَ رَاعِيَها)) وساق القصة(١)، رواها مسلم في ((صحيحه))
بطولها.
ووهم عبدُ المؤمن بن خَلَف في ((سيرته)) في ذلك وهماً بيِّناً، فذكر غَزاة بني
لِحيان بعد قُريظة بستة أشهر، ثم قال: لما قَدمَ رسولُ الله ◌َ المدينة، لم يمكثْ
إلا ليالي حتى أغار عبد الرحمن بن عُبينة وذكر القصة. والذي أغار عبدُ الرحمن،
وقيل: أبوهُ عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فأين هذا مِن قول سلمة: قدمتُ
المدينة زمن الحُديبية؟ (٢).
سرايا سنة ست سرية
وقد ذكر الواقدي عِدة سرايا في سنة ستٍ من الهجرة قبل الحُديبية، فقال:
بعث رسولُ الله ◌ِّ في ربيع الأول - أو قال: الآخر - سنةَ سِتٍّ مِن قدومه
عكاشة بن محصن إلى المدينة عُكَّاشَةَ بْنَ مِحصن الأسدي في أربعين رجلاً إلى الغَمْرِ، وفيهم ثابت بن
الغَمْرِ
أقرم، وسِباع بن وهب، فأَجَدَّ السير، ونَذِرَ القَومُ بهم، فهربوا، فنزل على
مياههم، وبعثَ الطلائِعَ فأصابُوا مَن دلَّهُم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي
بعير، فساقُوها إلى المدينة (٣).
وبعث سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القَصَّة (٤)، فساروا ليلتَهم مُشاةً،
ووافَوْها مع الصُّبْحِ، فأغَارُوا عليهم، فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصابُوا رجلاً
واحداً فأسلم.
سرية أبي عبيدة إلى ذي
القصه
(١) أخرجه أحمد ٥٢/٤، ٥٤، ومسلم (١٨٠٧) وقوله في الحديث ((أنديه)) التندية: أن
يورد الرجل الإبل والخيل، فتشرب قليلاً، ثم يردها إلى المرعى ساعة، ثم تعاد إلى
الماء، وقال ابن قتيبة: الصواب ((أبديه)) بالباء أي أخرجه إلى البدو، ولا تكون
التندية إلا للإبل، قال الأزهري: أخطأ ابن قتيبة، والصواب الأول.
(٢) انظر خبر هذه الغزوة في ابن هشام ٢٨١/٢، ٢٨٩، وابن سعد ٨٠/٢، ٨٤ وابن
سيد الناس ٨٤/٢، وابن كثير ٢٨٦/٣، ٢٩٦، و((شرح المواهب)) ١٤٨/٢، ١٥٣.
(٣) ابن سعد ٨٤/٢ و(شرح المواهب)) ١٥٣/٢، ١٥٤، والغمر: ماء لبني أسد على
ليلتين من فيد قلعة بطريق مكة.
(٤) موضع بينه وبين المدينة عشرون ميلاً من طريق الربذة، وانظر ابن سعد ٨٦/٢،
وشرح المواهب ١٥٤/٢، ١٥٥.
٢٥٠

وبعث محمد بن مسلمة في ربيع الأولِ في عشرة نفر سَريَّة، فَكَمَنَ القَوْمُ سرية محمد بن مسلمة
لهم حتى ناموا، فما شَعَرُوا إلا بالقوم، فَقُتِلَ أصحابُ محمد بن مسلمة، وأفلتَ
محمد جريحاً (١).
سرية زيد إلى الجموم
وفي هذه السنة - وهي سنةٌ ست - كانت سرية زيد بن حارثة بالجَمُومِ،
فأصاب امرأة من مُزينة يقال لها: حليمة، فدلتهم على محلّة من محالِّ بني سُليم،
فأصابُوا نَعَماً وشَاءً وأسرى، وكان في الأسرى زوجُ حَليمة، فلما قَفَلَ زيد بن
حارثة بما أصاب، وهَبَ رسولُ الله ◌ِّ للمُزنية نفسَها وزوجها(٢).
وفيها - يعني: سنة ست - كانت سريةُ زيدٍ بن حارثة إلى الطَّرِفِ(٣) في
جمادى الأولى إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً، فهربت الأعرابُ، وخافُوا أن
يكونَ رَسولُ اللهِ نَّه سارَ إليهم، فأصاب مِنْ نَعَمِهِم عِشرينَ بعيراً، وغاب أربعَ
لیال.
سرية زيد إلى الطرف
وفيها كانت سريَّةُ زيد بن حارثة إلى العيص(٤) في جمادى الأولى، وفيها: سرية زيد إلى العيص
أُخِذَتِ الأموالُ التي كانت مع أبي العاص بن الربيع زوجٍ زينبَ مَرجِعَه مِنَ الشَّامِ،
وكانت أموالَ قريش، قال ابن إسحاق: حدثني عبدُ الله بن محمد بن حزم، قال:
خرج أبو العاص بنُ الربيع تاجراً إلى الشام، وكان رجلاً مأموناً، وكانت معه
بضائعُ لقريش، فأقبل قافلاً فَلَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لرسولِ الله ◌ََّ، فاستاقُوا عِيره، وأُفِلِت،
وقَدِمُوا على رَسُولِ الله وَّةُ بما أصابُوا، فَقَسَمه بينهم، وأتى أبو العاص المدينةَ،
فدخلَ على زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ يَّةَ، فاستجار بها، وسألها أن تطلُبَ له مِن
إجارة زينب بنت
النبي 50 أبا العاص وهو
على شركه
(١) ابن سعد ٨٥/٢ و((شرح المواهب)) ١٥٤/٢.
(٢)
ابن سعد ٨٦/٢، و((شرح المواهب) ١٥٥/٢.
بفتح الطاء وكسر الراء: ماء على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة، وانظر ابن سعد
(٣)
٨٧/٢، و((شرح المواهب)) ١٥٨/٢.
(٤) موضع على أربع ليال من المدينة، وانظر ابن سعد ٨٧/٢، و((شرح المواهب))
١٥٥/٢، ١٥٨.
٢٥١

رسولِ الله ◌َ﴾ ردَّ ماله عليه، وما كان معهُ مِنْ أموال الناس، فدعا رسولُ الله ◌ِّ
السَّرِيَّة، فقال: ((إنَّ هذا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتِم، وقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مَالاَ وَلِغَيْرِهِ،
وهُوَ فَيُ الله الَّذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَرُدُوا عَلَيْهِ، فَافْعَلُوا، وَإِنْ كَرِهْتُم،
فَأَنْتُمْ وَحَقُّكُمْ))، فقالُوا: بل نردُّه عليه يا رسولَ الله، فردوا عليه ما أصابُوا، حتى
إن الرجلَ ليأتي بالشَّنِّ، والرجلَ بالإِداوة، والرجلَ بالحبل، فما تركوا قليلاً
أصابوه ولا كثيراً إلا ردُّوه عليه، ثم خرج حتى قَدِمَ مكة، فأدَّى إلى الناس
بضائِعَهم، حتى إذا فرغ، قال: يا معشرَ قريش! هل بقي لأحدٍ منكم معي مالٌ لم
أردَّهُ عليه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيراً، قد وجدناك وفيّاً كريماً، فقال: أما والله ما
منعني أن أُسْلِمَ قبل أن أَقْدَمَ عليكم إلا تخوفاً أن تَظُوا أني إنما أسلمتُ لأَذهبَ
بأموالِكم، فإني أشهدُ أن لاَ إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمداً عبدُه ورسولُه.
رواية موسى بن عقبة
لقصة أبي العاص
وهذا القولُ من الواقدي وابن إسحاق يدل على أن قصة أبي العاص كانت
قَبْلَ الحُدَيبية، وإلا فبعدَ الهُدنة لم تتعرَّضُ سرايا رسولِ الله ◌ِمَّه لقريش. ولكن
زعم موسى بن عقبة، أن قصة أبي العاص كانت بعد الهُدنة، وأن الذي أخذ
الأموال أبو بصير وأصحابُه، ولم يكن ذلك بأمر رسول الله ◌َّ، لأنهم كانوا
مُنحازِين بِسِيفِ البحر، وكانت لا تمرُّ بهم عِيرٌ لقريش إلا أخذوها، هذا قول
الزهري.
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قصة أبي بصير: ولم يزل أبو جندل،
وأبو بَصير وأصحابُهما الذين اجتمعوا إليهما هُنالك، حتَّى مرَّ بهم أبو العاص بن
الربيع، وكانت تحتَه زينبُ بنتُ رسول الله ◌َّ في نفر من قريش، فأخذوهم وما
معهم، وأسرُوهم، ولم يقتلُوا منهم أحداً لِصهر رسولِ الله وَّرَ من أبي العاص،
وأبو العاص يومئذ مشركٌ، وهو ابنُ أخت خديجة بنتِ خُويلد لأبيها وأمها،
وخَلَّوا سبيل أبي العاص، فقَدِمَ المدينةَ على امرأته زينب، فكلمها أبو العاص في
أصحابِه الذين أسرهم أبو جندل وأبو بصير، وما أخذوا لهم، فكلَّمت زينبُ
رسولَ الله ◌ِ ﴾ُ في ذلك، فزعموا أنَّ رسول الله بِّيٍّ قام، فخطب الناسَ، فقال:
٢٥٢
...

(إِنَّا صَاهَرْنَا أُنَاساً، وَصَاهَرْنَا أبا العَاصِ، فَنِعْمَ الصِّهْرُ وَجَدْناهُ، وإِنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ في
أَصْحَابٍ لَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَخَذَهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ، وأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَلَمْ
يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدَاً، وإِنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ الله سَأَلَنْنِي أَنْ أُجِيرَهُم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُجِيرُونَ أَبَا
العَاصِ وأَصْحَابَه؟)) فقال الناسُ: نعم، فلما بلغَ أبا جندل وأصحابَه قَوْلُ
رسول اللَّهِ ◌َ في أبي العاص وأصحابِهِ الذين كانوا عنده مِن الأسرى، ردَّ إليهم كُلَّ
شيء أخذ منهم، حتى العقالَ، وكتب رسولُ الله ◌َّل إلى أبي جندل وأبي بصير،
يأمرهم أن يَقْدَمُوا عليه، ويأمُرُ مَن معهما مِن المسلمين أن يَرْجِعُوا إلى بلادهم
وأهليهم، وألا يتعرَّضُوا لأحد مِن قريش وعِيرها، فَقَدِمَ كتابُ رسول الله ◌ٍَّ على أبي
بصير، وهو في الموت، فمات وهو على صدره، ودفنه أبو جندل مكانَه، وأقبل أبو
جندل على رسول الله ◌ََّ، وأَمِنَتْ عِيرُ قريش، وذكر باقي الحديث.
وقول موسى بن عقبة: أصوب، وأبو العاص إنما أسلم زمنَ الهُدنة، ترجيح المصنف لرواية
وقُريش إنما انبسطت عِيرُها إلى الشام زَمَن الهُدنة، وسياقُ الزهري للقصة بيِّنٌ
ابن عقبة
ظاهر أنها كانت في زمن الهُدنة.
قال الواقدي: وفيها أقبل دِحْيَةُ بن خليفة الكلبي مِن عند قيصر، وقد أجازه
بمالٍ وكُسوة، فلما كان بِحِسْمى(١)، لِقِيه ناسٌ مِن جُذَام، فقطعُوا عليه الطريقَ،
فلم يتركُوا معه شيئاً، فجاء رسولَ الله ◌َِّ قبل أن يدخُلَ بيته فأخبره، فبعثَ
رسولُ اللهَِّ زيد بن حارثة إلى حِسْمى. قلت: وهذا بعد الحُديبية بلا شك.
سرية زيد إلى حسْمى
وهي بعد الحديبية
قال الواقدي: وخرج علي في مائة رجل إلى فَدَك إلى حيٍّ مِن بني سعد بنِ
بكر، وذلك أنه بَلَغَ رسول الله ◌َِّ أن بها جمعاً يُريدون أن يَمُدُّوا يهودَ خيبر، فسار
إليهم، يسيرُ الليل، ويَكْمُنُ النهارَ، فأصاب عيناً لهم، فأقرَّ له أنهم بعثُوه إلى
خيبر، فعرضُوا عليهم نُصرتهم على أن يجعلوا لهم ثمرَ خيبر (٢).
سرية علي إلى فدك
(١) هي وراء وادي القرى، وانظر ابن سعد ٨٨/٢ و((شرح المواهب)) ١٥٨/٢.
(٢) ابن سعد ٨٩/٢، ٩٠، و((شرح المواهب)) ١٦٢/٢، ١٦٣، وفدك: على يومين من
المدينة .
٢٥٣

سرية ابن عوف إلى دومة
الجندل
قال: وفيها سريَّةَ عبدِ الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل في شعبان، فقال
له رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إن أطاعوك، فتزوَّج ابنةَ ملكهم)) فأسلم القومُ، وتزوَّج
عبد الرحمن تُماضِرَ بنت الأَصْبَغِ، وهي أم أبي سلمة(١)، وكان أبوها رأسَهم
ومَلِگھم.
قال: وكانت سريةُ كُرز بن جابر الفِهْرِي إلى العُرَنِينَ الذين قَتَلُوا راعيَ
رسولِ الله ◌َّة، واستاقُوا الإِلَ في شوال سنةَ سِتٌّ، وكانت السَّرِيَّةُ عشرين
فارساً(٢).
سرية كرز إلى العرنيين
وكانت قبل الحديبية
قلت: وهذا يدلُّ على أنها كانت قبلَ الحُديبية كانت في ذي القَعدة كما
سيأتي، وقصة العُرَنِينَ في ((الصحيحين)) من حديث أنس، أن رهطاً من عُكْلٍ
وَعُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللهَِّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّا أَهْلُ ضَرْعٍ، ولم نَكُنْ أَهْلَ
ريف، فَاسْتَوْخَمْنَا المَدِينَةَ، فَأَمَرَ لهم رَسُولُ اللهِوَّهَ بِذَوْدٍ، وأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا
فِيها، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَمَّ صَخُوا، قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولَ اللهَِ،
واسْتَقُوا الذَّوْدَ، وكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِم.
وفي لفظ لمسلم: سَمَلُوا عَيْنَ الرَّاعي، فبعثَ رَسُولُ اللهَِّ فِي طَلَبِهِمْ،
فَأَمَرَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُم، وَتَرَكَهُمْ في ناحِيَةِ الحَرَّةِ حتَّى ماتُوا(٣).
(١) قيل: اسمه كنيته، وقيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل التابعي الكبير الحافظ الثقة مات
سنة ٩٤ هـ، وأخرج حديثه الجماعة، وانظر خبر هذه السرية في ابن سعد ٨٩/٢
و((شرح المواهب)) ١٦٠/٢، ١٦٢.
(٢) ابن سعد ٩٣/٢، و((شرح المواهب)) ١٧١/٢، ١٧٧ .
(٣) أخرجه البخاري ١٠٨/٦ في الجهاد: باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق،
وفي الوضوء: باب أبوال الإبل والدواب، وفي الزكاة: باب استعمال إبل الصدقة
وألبانها لابن السبيل، وفي المغازي: باب قصة عكل وعرينة، وفي تفسير سورة
المائدة باب (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن
يقتّلوا أو يصلّبوا)، وفي الطب: باب الدواء بألبان الابل، وباب من خرج من أرض
لا تلائمه، وفي المحاربين في فاتحته وباب لم يحسم النبي ◌ّ من أهل الردة حتى =
٢٥٤

وفي حديث أبي الزُّبير، عن جابر، فقال رسولُ الله ◌ٍِّ: ((اللَّهُمَّ عَمِّ عَلَيْهِمْ
الطَّرِيقَ، واجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ أَضْيَقَ مِنْ مَسْكِ جَمَل)»، فعمَّى الله عليهم السبيلَ،
فأُدْرِكُوا. وذكر القِصَّة.
الفقه المستنبط من
حديث العرنيين
وفيها من الفقه جوازُ شُربِ أبوالِ الإِبِلِ، وطهارةُ بول مأكول اللحم،
والجمع للمحارب إذا أخذ المال وقتل بين قَطْع يَدِهِ ورِجْلِهِ وقتله، وأنه يُفعل
بالجَاني كما فعل، فإنهم لما سَمَلُوا عَيْنَ الراعي، سملَ أعينهم، وقد ظهر بهذا أن
القِصة محكمةٌ ليست منسوخة، وإن كانت قبل أن تنزِلَ الحدودُ، والحدودُ نزلت
بتقريرها لا بإبطالها. والله أعلم.
فصل
في قصة الحديبية(١)
قال نافع: كانت سنةَ سِتٍّ في ذي القَعدة، وهذا هو الصحيحُ، وهو قولُ
الزهري، وقتادَة، وموسى بن عقبة، ومحمَّد بن إسحاق، وغيرهم.
متى حدثت
وقال هشام بن عروة، عن أبيه: خرجَ رسولُ الله ◌ِّ إلى الحُديبيةِ في
رمضان، وكانت في شوال، وهذا وهم، وإنما كانت غزاةُ الفتح في رمضان، وقد
قال أبو الأسود عن عروة: إنها كانت في ذي القَعدة على الصواب.
هلكوا، وباب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا، وباب سمل النبي مَرة أعين
المحاربين، وفي الديات: باب القسامة، وأخرجه مسلم (١٦٧١) في القسامة: باب
حكم المحاربين والمرتدين، والنسائي ٩٤/٧ و٩٥ و٩٧ و٩٨، وأبو داود (٤٣٦٤)،
وابن ماجه (٢٥٧٨)، وأحمد ١٠٧/٣ و١٦٣ و١٧٠ و٢٠٥ و٢٣٣.
(١) بضم الحاء وفتح الدال، وبتخفيف الياء: قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر
هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله يبيٍ تحتها، وهي على تسعة أميال من
مكة، وانظر خبرها في ابن هشام ٣٠٨/٢، ٣٢٣، وابن سعد ٩٥/٢، ١٠٥،
والطبري ٧١/٣، وابن سيد الناس ١١٣/٢، وابن كثير ٣١٢/٣، ٣٣٧، و(شرح
المواهب): ١٧٩/٢، ٢١٧، والبخاري ٣٣٨/٧، ٣٥١ و٥ /٢٤١، ٢٦١.
٢٥٥

كم اعتمر* في حياته
وفي ((الصحيحين)) عن أنس، أن النبيَّ ◌َّ اعتمر أربَعَ عُمَر، كُلُّهُنَّ في
ذي القَعْدَةِ، فذكر منها عُمرة الحديبية(١).
كم كان معه ◌َ ﴾﴾
وكان معهُ ألفٌ وخمسمائة، هكذا في ((الصحيحين)) (٢) عن جابر، وعنه
فيهما: ((كانوا ألفاً وأربعمائة))(٣) وفيهما: عن عبد الله بن أبي أوفى: ((كُنَّا أَلْفاً
وثلاثمائة)»(٤)، قال قتادة: قلتُ لِسعيد بن المسيِّب: كم كان الذينَ شَهِدُوا بيعةَ
الرِّضوان؟ قال: خمسَ عشرة مائة. قال: قلتُ: فإن جابرَ بنَ عبد الله قال:
كانُوا أربعَ عشرةَ مائة، قال: يرحمُه الله أَوْهَمَ هو حذَّثني أنهم كانوا خمسَ
عشرة مائة(٥). قلت: وقد صح عن جابر القولانِ، وصح عنه أنَّهُم نحرُوا عامَ
الحُديبية سبعينَ بَدَنةً، البدنةُ عن سبعةٍ، فقيل له: كم كنتُم؟ قال: ألفاً
وأربعمائة بخيلنا (٦) ورَجِلنا، يعني فَارِسَهم وراجلهم، والقلبُ إلى هذا أميل،
وهو قولُ البراء بن عازب، ومَعْقِلٍ بنِ يسار، وسلمةَ بنِ الأكوعِ في أصحٌ
سـ
(١) أخرجه البخاري ٣٣٨/٧ في المغازي: باب غزوة الحديبية، وفي الحج: باب كم
اعتمر النبيُّ مَ﴿، وفي الجهاد: باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره، ومسلم
(١٢٥٣) في الحج: باب بيان عدد عمر النبي وعميّ، وأبو داود (١٩٩٤)، والترمذي
(٨١٥) وأحمد ١٣٤/٣، و٢٥٦.
(٢) أخرجه البخاري ٧/ ٣٤١، وفي تفسير سورة الفتح، ومسلم (١٨٥٦) (٧٢) و (٧٣).
(٣) أخرجه البخاري ٧/ ٣٤١، ومسلم (١٨٥٦).
(٤) أخرجه البخاري ٣٤٢/٧، ومسلم (١٨٥٧).
(٥) أخرجه الإسماعيلي فيما ذكره الحافظ في ((الفتح)) ٣٤١/٧ من طريق عمرو بن علي
الفلاس عن أبي داود الطيالسي حدثنا قرة، عن قتادة، وأخرجه البخاري ٧/ ٣٤١ من
حديث الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة، قلت لسعيد بن
المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة، فقال لي
سعيد: حدثني جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النبي وَلّ يوم الحديبية.
(٦) أخرجه أحمد ٣٩٦/٣، وابن سعد ١٠٠/٢ بنحوه وسنده قوي، وأخرج مسلم في
((صحيحه)) (١٣١٨)، ومالك ٤٨٦/٢ عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع
رسول الله ير عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وأخرج الدارمي
٧٨/٢ عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة البدنة عن سبعة.
٢٥٦
i

الرواتين، وقولُ المسيِّب بن حَزْن، قال شعبةُ: عن قتادة، عن سعيد بن
المسيب، عن أبيه: كنَّا معَ رسولِ الله ◌َِّ تحتَ الشجرةِ ألفاً وأربعمائة.
وغلط غلطاً بيّناً من قال: كانوا سبعمائة(١)، وعُذْرُه أنهم نحرُوا يومئذ
سبعينَ بَدَنَةً، والبدنةُ قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدُلُّ
على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صرَّح بأن البدنَة كانت في هذه العمرة عن
سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم، لكانُوا أربعمائة وتسعين رجلاً، وقد
قال في تمام الحديث بعينه: إنَّهم كانُوا ألفاً وأربعمائة.
فصل
فلما كانوا بذي الحُليفة، قلَّد رسولُ الله ◌ََّ الهديَ وأشعَرَه، وأحرمَ
تقليده * الهدي بذي
الحليفة وبعثه عيناً
بالعُمرة، وبعث بينَ يديه عيناً له مِن خُزَاعَةَ يُخبِرُه عن قريش، حتى إذا كان قريباً له ابن خزاعة إلى قريش
من عُسفان، أتاه عَيْنُه، فقال: إني تركتُ كعبَ بنَ لُؤي قد جمعوا لك
الأحَابِيشَ(٢)، وجمعوا لك جموعاً، وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيت ومانعوك،
واستشار النبيُّ ◌ََّ أصحَابه، وقال: أترون أن نمِيلَ إلى ذَراري هؤلاء الذين استشارته خلال أصحابه
أعانُوهم فَنُصِيبَهم، فإن قعدُوا، قعدُوا موتُورين محروبين، وإن يجيؤوا تَكُنْ عُنقاً
فيما يفعله
قطعها الله، أم ترون أن نَؤُمَّ البيت، فمن صدَّنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر: اللَّهُ
ورسولُه أعلم، إنما جِئنا معتمرِين،، ولم نجيء لِقتال أحد، ولکن مَن حال بيننا
وبينَ البيت، قاتلناه، فقال النبي ◌َّ: ((فَرُوحُوا إذا)) فراحوا حتى إذا كانوا ببعضٍ
الطريق، قال النبيُّ ◌ٍَّ: ((إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَليدِ بالغَمِيمِ(٣) في خَيْلٍ لِقُرَيْش ◌َطَلِيعَةً،
(١) وهو قول ابن إسحاق، ولم يوافقه أحد عليه.
(٢) جمع أُحبُوش: وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو الحارث بن عبد مناة بن
كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة كانوا تحالفوا مع قريش، قيل تحت جبل يقال له:
الحبش أسفل مكة، وقيل: سموا بذلك لتحبشهم، أي تجمعهم، والتحبش:
التجمع .
(٣) الظاهر أنه كان قريباً من الحديبية، فهو غير كراع الغميم الذي بين مكة والمدينة، =
زاد المعاد ج ٣ -م٩
٢٥٧

رؤيتهم لخالد بن الوليد فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ)) فواللهِ ما شعر بهم خالد حتى إذا هُم بِقَتَرةِ الجيش، فانطلق
وفراره منهم
يركُض نذيراً لقريش، وسار النبيُّنَّهَ حتى إذا كان بالشَِّيَّةِ التي يُهْبَطُ عليهم مِنْهَا (١)
بركَتْ بِهِ رَاحِلتُه، فقال الناسُ: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالُوا: خَلاتِ القَصْواء،
بروك القصواء
خَلَأتِ القَصْوَاءُ، فَقال النبيُّ ◌ََّ: «مَا خَلأَتِ القَصْوَاءِ، ومَا ذَاكَ لَها بِخُلُقٍ، وَلَكِن
حَبَسَهَا حَابسُ الفِيل))، ثم قال: ((والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُوني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فيها
حُرُماتِ الله، إلاَّ أعطيتُهم إِيَّها))، ثم زجرها، فوثَبَتْ به، فَعَدَل حتى نزل بأقصى
نزولهم بالحديبية
الحُدَيبية على ثَمَدٍ قليلِ الماء، إنما يتبرّضُهُ النَّاسُ تَبرُّضاً (٢)، فلم يُلْبِثْهُ النَّاسُ أن
نَزْحُوه، فَشَكَوْا إلى رسول الله وَّةُ العَطَشَ، فانتزع سهماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثمَّ أمرهم أن
يَجْعَلُوه فيه، قال: فواللهِ ما زالَ يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ، حتى صدرُوا عنه(٣).
وفَزِعَتْ قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسولُ الله ◌ِِّ أن يبعَثَ إليهم رجلاً من
إرسال عثمان إلى قريش أصحابه، فدعا عمر بنَ الخطَّب لِيبعثه إليهم، فقال: يا رسولَ الله! ليس لي بمكة
أحدٌ من بني كعب يغضَبُ لي إن أوذيتُ، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ بن عفان، فإن عشيرَتَه
بها، وإنه مبلِّغٌ ما أردتَ، فدعا رسولُ اللَّهِ وَيَ عثمان بن عفان، فأرسله إلى
قريش، وقال: أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا عُمَّاراً، وادعُهُم إلى
الإِسلام، وأمره أن يأتيَ رجالاً بمكة مؤمنين، ونساءً مؤمناتٍ، فيدخُلَ عليهم،
ويبشِّرَهم بالفتح، ويخبِرَهم أن الله عزَّ وجلَّ مظهِرٌ دينَه بمكة، حتى لا يُسْتَخْفى
فيها بالإِيمان، فانطلق عثمان، فمر على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟ فقال:
وأما هذا، فقد قال ابن حبيب: هو قريب من مكان بين رابغ والجحفة، والطليعة
=
مقدمة الجيش، والقترة: الغبار الأسود.
(١) وهي ثنية المِرار: وهي طريق في الجبل تشرف على الحديبية، وقوله: حَلْ حَلْ كلمة
تقال للناقة إذا تركت السير. وقوله: ((ألحت)) بفتح الهمزة، وتشديد الحاء من
الإلحاح يعني تمادت على عدم القياد، وقوله: خلأت أي: حرنت وبركت.
(٢) أي يأخذونه قليلاً قليلاً، والبَرَضُ: اليسير من العطاء.
(٣) أخرجه البخاري ٢٤١/٥، ٢٤٥، وعبد الرزاق (٩٧٢٠) وأحمد ٣٢٢/٤، و٣٢٦
و ٣٢٨، ٣٣١.
٢٥٨

بعثني رسولُ الله ◌َّةِ أدعوكُم إلى الله وإلى الإِسلام، وأُخبِركُم أنا لم نأتِ لِقتال،
وإنما جئنا عُمَّاراً، فقالوا: قد سمعنا ما تقُولُ، فانفُذْ لِحاجتك، وقام إليه أبانُ بنُ
سعيد بن العاص، فرخَّب به، وأسرج فرسه، فحمل عُثمانَ على الفرس،
وأجاره، وأردفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يَرْجِعَ عثمانُ؟
خَلَص عثمان قبلنا إلى البيت وطافَ به، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((ما أظنُّه طَافَ
بِالبَيْتِ ونَحْنُ مِحْصُورُونَ))، فقالُوا: وما يمنعُه يا رسول الله وقد خَلَصَ؟ قال:
((ذَاكَ ظَنِّي به، ألَّ يَطُوفَ بِالكَعْبَةِ حَتَّى نَطُوفَ مَعَهُ» .
بيعة الرضوان
واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجلٌ من أحد
الفريقين رجلاً مِن الفريق الآخر، وكانت معركة، وترامَوْا بالشََّلِ والحِجارة،
وصاح الفريقانِ كلاهما، وارتهن كُلُّ واحدٍ مِن الفريقين بمن فيهم، وبلغ
رسُولَ اللهِ وَ ﴿ أن عثمانَ قد قُتِلَ، فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى
رسول الله ◌َلٌ وهو تحتَ الشجرة، فبايعُوه على ألاَّ يَفِرُّوا، فأخذ رسولُ الله ◌َلآ بيد
نفسه، وقال: ((هذِهِ عَنْ عُثْمَان))(١).
ولما تَمّتِ البيعة، رجع عُثمان، فقال له المسلمون: اشتفيتَ يا أبا عبد الله
مِن الطواف بالبيت، فقال: بئس ما ظننتُم بي، والذي نفسي بيده، لو مكثتُ بها
سنةً، ورسولُ اللهِوَ لَ مقيمٌ بالحُدَيْنِيَةِ، ما طُفْتُ بِها حتى يَطُوفَ بها
رَسُولُ اللهِ وَّةِ، ولقد دعتني قريشٌ إلى الطوافِ بالبيت، فأبيتُ، فقال المسلمون:
رسولُ الله ◌ََّ كان أعلمَنا باللّهِ، وأحسننا ظنّاً، وكان عمر آخِذاً بِيدِ رسول الله وَل
لبيعةِ تحتَ الشجرة، فبايعه المسلمون كُلُّهُم إلا الجذَّ بْنَ قَيْسٍ(٢).
رجوع عثمان
وكان مَعْقِلُ بنُ يسار آخذاً بِغُصنها يرفَعَهُ عن رسول الله وَةٍ(٣). وكان
(١) أخرجه البخاري ٤٨/٧، ٤٩، وأحمد ٥٩/١ وفيه أن النبي ◌َ ◌ّر أشار بيده اليمنى،
فقال: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: ((هذه لعثمان)).
(٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٨٥٦) (٦٩) من حديث جابر.
(٣) أخرجه مسلم (١٨٥٨).
٢٥٩

أوَّلَ من بايعه أبو سِنان الأَسَدِي.
وبايعه سلمةُ بنُ الأكوع ثلاثَ مرات، في أول الناس، وأوسطِهِم،
وآخِرِهم (١) .
بديل بن ورقاء
فبينما هم كذلك، إذ جاء بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعي في نَفْرٍ من خُزاعة،
وكانُوا عَيْبَة نُصْح رسول الله ◌ٍَّ مِن أهل تِهامة، فقال: إني تركتُ كعبَ بنَ لُؤَي،
وعامر بن لؤي نزلوا أعدادَ مِياه الحُدَيْبية معهم العُوذُ المَطَافِيلُ، وهم مقاتِلُوكَ،
وصادُّوك عن البيت، قال رسول الله ◌ََّ: إِنَّا لَمْ نَجِىءْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، ولكِنْ جِئْنَا
مُعْتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيْشَاً قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ، وأَضَرَّتْ بِهِمْ، فإِنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُم،
ويُخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ شَاؤُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دخل فيهِ الناس، فَعَلُوا وإِلاَّ
فَقَدْ جَمُّوا، وإِنْ هُمْ أَبَوْا إِلاَّ الْقِتَالَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لِأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هُذَا
حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ» .
قال بُديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قُريشاً، فقال: إني قد
جئتُكُم مِن عند هذا الرجل، وقد سمعتُه يقول قولاً، فإن شئتم عرضتُه عليكم.
فقال سفهاؤهم: لا حاجةَ لنا أن تُحدِّثنا عنه بشيء. وقالَ ذوو الرأي منهم: هاتِ
ما سمعته، قال: سمعتُه يقول: كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبيُّ ◌َِّ. فقال
عُروةُ بنُ مسعود الثَّقفي: إن هذا قد عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشد، فاقبلوها، ودعوني
آتِّه، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يُكلمه، فقال له النبي ◌َّ نحواً من قوله لِبُديل،
فقال له عروةُ عند ذلك: أي محمد، أرأيتَ لو استأصلتَ قومَك هل سمعتَ بأحد
مِن العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فوالله إني لأرى وجوهاً، وأرى
أو شاباً من الناس خليقاً أن يَفِرُّوا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امْصُصْ بَظْرَ اللَّتِ،
أَنحنُ نَفِرُّ عنه وندعه. قال: من ذا؟ قالُوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده،
لولا يَدٌ كانت لكَ عندي لم أَجْزِكَ بها، لأجبتُك، وجعل يُكلِّم النبيَّ ◌َِّ، وكلما
إرسال عروة الثقفي
إليه ێآ
(١) أخرجه مسلم (١٨٠٧) في الجهاد والسير: باب غزوة ذي قرد وغيرها.
٢٦٠