النص المفهرس

صفحات 201-220

هزيمتهم مِن أمر كانوا يتمنَّونه ويودُّون لِقاءه. فقال: ﴿ولَقَدْ كُنْتُم تَمَنَّوْنَ المَوْتَ
مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣].
﴿ولقد كنتم تمنون
الموت ... ﴾
قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر
من الكرامة، رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالاً يستشهِدُونَ فيه، فيلحقُونَ إخوانَهم،
فأراهم الله ذلك يوم أحد، وسبّبه لهم، فلم يَلْبَثُوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم،
فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ
تَنْظُرُونَ﴾ .
ومنها: أن وقعةَ أحدٍ كانت مُقَدِّمَةً وإرهاصاً بين يدي موتِ رسولِ الله ◌ِِّ، ﴿وما محمد إلا رسول) ..
فثَبتهم، ووبَّخهم على انقلابهم على أعقابهم أن ماتَ رسول الله ◌َّةٍ، أو قُتِلَ، بل
أفإن مات﴾
الواجبُ له عليهم أن يثبتُوا على دِينه وتوحِيدِهِ ويموتوا عليه، أو يُقتلُوا، فإنهم إنما
يعبدُون ربَّ محمد، وهو حيٌّ لا يموت، فلو ماتَ محمد أو قُتِلَ، لا ينبغي لهم أن
يَصْرِفَهم ذُلِكَ عن دينه، وما جاء به، فكلُّ نفسٍ ذائِقَةُ الموت، وما بُعِثَ محمد
مَلى الله
رسـ
لِيخلَّد لا هُوَ ولا هُم، بل لِيمُوتُوا على الإِسلامِ والتَّوحيدِ، فإن الموت لا بُدَّ منه،
سواء ماتَ رسول الله ◌ََّ أو بَقِيَ، ولهذا وبَّخَهُم على رجوع من رجع منهم عن
دينه لما صرخ الشَّيْطَانُ: إنَّ محمداً قد قُتِلَ، فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّ رَسُولُ قَدْ
خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَائِكُم، ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى
عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُزَّ اللهَ شَيْئاً وسَيَجْزي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]،
والشاكرون: هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قُتِلُوا، فظهر
أثرُ هذا العِتَابِ، وحكمُ هذا الخطاب يومَ مات رسولُ الله ◌َ، وارتدَّ من ارتدَّ
على عقبيه، وثبت الشاكِرُون على دينهم، فنصرهم الله وأعزَّهم وظفَّرهم
بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم، ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفس أجلاً لا بُدَّ أن ﴿وما كان لنفس أن تموت
تستوفيه، ثم تلحَقَ به، فَرِدُ الناسُ كُلُّهم حوضَ المنايا مَوْرِداً واحِداً، وإن تنوَّعت
إلا بإذن الله ... ﴾
أسبابه، ويصدُرونَ عن موقف القِيامة مصادِرَ شتَّى، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في
السعير، ثم أخبر سبحانه أن جماعةً كثيرةً من أنبيائه قُتِلُوا وقُتِلَ معهم أتباعٌ لهم
٢٠١

﴿وكاين من نبي قاتل
معه ربیون کثیر ... 4
كثيرون، فما وَهَنَ مَنْ بقيَ منهم لِما أصابهم في سبيله، وما ضَعُفُوا، وما
استكانُوا، وما وَهَنُوا عندَ القتل، ولا ضعفُوا، ولا استكانوا، بل تَلَقُّوا الشهادةَ
بالقُوَّةِ، والعزِيمةِ، والإِقْدَامِ، فلم يُسْتَشْهَدُوا مُدَبِرِينَ مستكينين أذلةً، بل
استُشْهِدُوا أعزَّةً كِراماً مقبلينَ غير مدبرين، والصحيح: أن الآية تتناول الفريقين
کلیهما.
ثم أخبر سبحانه عما استنصرت به الأنبياءُ وأممهم على قومهم من اعترافهم
وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم، أن يُثَبِّت أقدامَهم، وأن ينصُرَهم على
أعدائهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرِافَنَا فِي أَشْرِنَا
وَثَبَّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا على القَوْمِ الكَافِرِين، فآتاهُم اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابٍ
الْآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]. لما علم القومُ أن العدو إنما
يُدَالُ عليهم بذنوبهم، وأن الشيطانَ إنما يستزِلُهم ويهزِمُهم بها، وأنها نوعان:
تقصيرٌ في حق أو تجاوزٌ لحد، وأن النصرةَ منوطة بالطاعة، قالُوا: ربنا اغفِرْ لنا
ذنوبَنا وإسرافَنَا في أمرنا، ثم عَلِمُوا أن ربَّهم تبارك وتعالى إن لم يُئُبِّتْ أقدامَهم
ويَنْصُرْهم، لم يَقْدِرُوا هُم على تثبيتِ أقدامٍ أنفسهم، ونصرها على أعدائهم،
فسألوهُ ما يعلمون أنَّهُ بيده دُونهم، وأنه إن لم يُثُبِّتْ أقدامَهم وينصرهم لم يثبتُوا
ولم ينتصِرُوا، فَوَقَّوا المقَامَيْنِ حقَّهما: مقامَ المقتضي، وهو التوحيد والالتجاء
إليه سبحانه، ومقامَ إزالةِ المانع من النصرة، وهو الذنوبُ والإِسرافُ، ثم حذَّرهم
سبحانه مِن طاعة عدوِّهم، وأخبر أنَّهم إن أطاعوهم خَسِرُوا الدنيا والآخِرَة، وفي
ذلك تعريضٌ بالمنافقينَ الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفِروا يومَ أحد.
ثم أخبر سبحانه أنه مولى المؤمنين، وهو خير الناصرين، فمن والاه فهو
المنصور.
﴿سنلقي في قلوب الذين
كفروا الرعب ... ﴾
ثم أخبرهم أنه سيُلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهُجُومِ
عليهم، والإِقدام على حربهم، وأنَّهُ يُؤيِّد حزبَه بجند مِن الرعب ينتصِرونَ به على
٢٠٢

أعدائهم، وذلك الرعبُ بسبب ما في قلوبهم مِن الشركِ بالله، وعلى قدرِ الشركِ
يكون الرعبُ، فالمشركُ بالله أشدُّ شيءٍ خوفاً ورُعباً، والذين آمنوا ولم يَلْبِسُوا
إيمانَهم بالشِّرْكِ، لهم الأمنُ والهُدى والفلاحُ، والمشركُ له الخوفُ والضلالُ
والشقاءُ.
﴿ولقد صدقكم الله
وعدد﴾
ثم أخبرهم أنه صَدَقَهُمْ وعدَه في نُصرتهم على عدوهم، وهو الصادقُ
الوعد، وأنهم لو استمرُوا على الطاعةِ، ولزومٍ أمر الرسول لاستمرَّت نُصرتهم،
ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقُوا مركزهم، فانخلعوا عن عصمة الطاعة،
ففارقتهم النصْرَةُ، فصرفهم عن عدوهم عقوبةً وابتلاء، وتعريفاً لهم بسوء عواقِب
المعصيةِ، وحُسنٍ عاقبة الطاعة .
ثم أخبر أنه عَفَا عنهم بعد ذُلِك كُلِّه، وأنه ذو فضلٍ على عباده المؤمنين.
قيل للحسن: كيف يعفو عنهم، وقد سلَّط عليهم أعداءَهم حتى قتلُوا منهم من
قتلوا، ومثّلُوا بهم، ونالُوا منهم مَا نالوه؟ فقال: لولا عفُوه عنهم، لاستأصلَهم،
ولكن بعفوه عنهم دَفَعَ عنهم عدوَّهم بعد أن كانوا مُجمعين على استئصالهم.
ثمَّ ذَكَّرهم بحالهم وقتَ الفرارِ مُصعدينَ، أي: جادِّين في الهرب ﴿إذ تصعدون ولا تلوون
على أحد ..
والذهاب في الأرضٍ، أو صاعدين في الجبلِ لا يَلْوونَ على أحدٍ من نبيهم
ولا أصحابهم، والرسولُ يدعوهم في أخراهم: إليَّ عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ،
فأثابهم بهذا الهرب والفرارِ، غمَّاً بعدَ غَمَّ: غمَّ الهزيمة والكسرةِ، وغمَّ صرخةٍ شرح وفاتابكم غماً بلغت﴾
الشيطان فيهم بأن محمداً قد قتل.
وقيل: جازاكم غماً بما غممتُم رسولَه بفراركم عنه، وأسلمتمُوه إلى
عدوِّهِ، فالغمُّ الذي حصل لكم جزاءً على الغمِّ الذي أوقعتموه بنبيه، والقولُ
الأولُ أظهر لوجوه:
أحدها: أن قوله: ﴿لِكَيْلا تحزنوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ولا مَا أَصَابَكُمْ﴾ تنبيهٌ
على حِكمة هذا الغم بعدَ الغمِّ، وهو أن يُنسيَهم الحزنَ على ما فاتهم مِن
٢٠٣

الظفر، وعلى ما أصابهم مِن الهزيمةِ والجِراحِ، فنسُوا بذلك السبب، وهذا
إنما يحصلُ بالغمِّ الذي يعقُبُه غم آخر .
الثاني: أنه مطابق للواقع، فإنَّه حَصَلَ لهم غٌّ فواتِ الغنيمة، ثم أعقبه
غُّ الهزيمةِ، ثم غُّ الجراح التي أصابتهم، ثم غَمُّ القتلِ، ثم غَمُّ سماعِهم أن
رسولَ الله ◌َّ﴾ قد قُتِلَ، ثم غَمُّ ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم، وليس المراد
غمَّين اثنين خاصة، بل غماً متتابعاً لتمام الابتلاء والامتحان.
الثالث: أن قوله: ((بغم))، من تمام الثوابِ، لا أنه سببُ جزاء الثواب،
والمعنى: أثابكم غماً مثَّصلاً بغم، جزاءً على ما وقع منهم من الهروب
وإسلامهم نبيَّهم ◌َّ وأصحابه، وترك استجابتهم له وهو يدعوهم، ومخالفتهم
له في لزومٍ مركزهم، وتنازعهِم في الأمر، وفشلهم، وكُلُّ واحد من هذه
الأمور يُوجب غمّاً يخصُّه، فترادفت عليهم الغمومُ كما ترادفت منهم أسبابُها
وموجباتُها، ولولا أن تداركهم بعفوِه، لكان أمراً آخَرَ. وَمِن لطفه بهم،
ورأفته، ورحمته، أن هذه الأمور التي صدرت منهم، كانت من موجبات
الطباع، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة، فقيّض لهم
بلطفه أسباباً أخرجها من القوة إلى الفعل، فترتَّب عليها آثارُها المكروهة،
فعلموا حينئذ أن التوبةَ منها والاحترازَ مِن أمثالها، ودفعها بأضدادها أمرٌ
متعيَّنٌ، لا يتم لهم الفلاحُ والنصرةُ الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشدَّ حذراً
بعدها، ومعرفة بالأبوابِ التي دخل عليهم منها.
ورُبَّمَا صَحَّتِ الأَجْسَامُ بِالعِلَلِ (١)
ثم إنه تداركهم سُبحانه برحمته، وخفّف عنهم ذلك الغَمَّ، وغيّه عنهم
بالتُّاسِ الذي أنزله عليهم أمناً منه ورحمة، والنعاسُ في الحرب علامةُ النصرة
﴿ ثم أنزل عليكم من بعد
الغم أمنة نعاساً ... ﴾
(١) عجز بيت للمتنبي، وصدره:
لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَواقِبُهُ
٢٠٤

معنى (ظن الجاهلية)
والأمنِ، كما أنزله عليهم يومَ بدر، وأخبر أن من لم يُصبْه ذلك النعاسُ، فهو
ممن أهمته نفسُه لا دِينُهُ ولا نبتُّه ولا أصحابُه، وأنهم يظنون بالله غيرَ الحقِّ
ظنَّ الجاهلية، وقد فُسِّرَ هذا الظنُّ الذي لا يليقُ باللّهِ، بأنه سبحانه لا ينصُرُ
رسولَه، وأن أمْرَهُ سيضمحِلُّ، وأنه يُسِلمُه للقتل، وقد فُسِّرَ بظنهم أن ما
أصابَهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حِكمة له فيه، ففسر بإنكارِ الحِكمة،
وإنكارِ القدر، وإنكارِ أن يُثُمَّ أمرَ رسوله ويُظْهِرَه على الدِّين كُلِّه، وهذا هو
ظنُّ السَّوْءِ الذي ظَنَّهُ المنافِقُونَ والمشرِكُونَ به سبحانه وتعالى في (سورة
الفتحِ) حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ والمُنَافِقَاتِ والمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكَاتِ
الظَّانِينَ بالله ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ
جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [الفتح: ٦]، وإنما كان هذا ظنَّ السَّوْءِ، وظنَّ الجاهلية
المنسوب إلى أهل الجهل، وظنَّ غير الحق، لأنه ظنّ غير ما يليق بأسمائه
الحسنى، وصفاتِهِ العُليا، وذاتِه المبرَّأة من كُلِّ عيبٍ وسوء، بخلافِ ما يليقُ
بحكمته وحمدِهِ، وتفرُّدِهِ بالربوبية والإِلِهِيَّة، وما يَليق بوعده الصادِقِ الذي لا
يُخلفُهُ، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصُرُهم ولا يخذُلُهم، ولجنده بأنهم
هُمُ الغالبون، فمن ظنَّ بأنه لا ينصرُ رسولَه، ولا يُتِمُّ أمرَه، ولا يؤيِّده، ويؤيدُ
حزبه، ويُعليهم، ويُظفرهم بأعدائه، ويُظهرهم عليهم، وأنه لا ينصرُ دينه
وكتابه، وأنه يُديل الشركَ على التوحيدِ، والباطلَ على الحقِّ إدالة مستقرة
يضمحِلُّ معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعده أبداً، فقد ظنَّ بالله ظن
السَّوْءِ، ونسبه إلى خلاف ما يليقُ بكماله وجلاله، وصفاته ونعوته، فإنَّ حمدَه
وعزَّته، وحِكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يَذِلَّ حزبُه وجندُه، وأن تكون
النصرةُ المستقرة، والظفرُ الدائم لأعدائه المشركين به، العادلين به، فمن ظنَّ
به ذلك، فما عرفه، ولا عرف أسماءَه، ولا عرف صِفاته وكماله، وكذلك من
أنكر أن يكونَ ذلك بقضائه وقدره، فما عرفه، ولا عرف ربوبيته، وملكه
وعظمتَه، وكذلك من أنكر أن يكون قدَّر ما قدَّره من ذلك وغيره لِحكمة
٢٠٥

بالغة، وغاية محمودة يستحقُّ الحمدَ عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة
مجردةٍ عن حكمة، وغايةٍ مطلوبة هي أحبُّ إليه من فوتها، وأن تلك الأسبابَ
المكروهةَ المفضية إليها لا يخرج تقديرُها عن الحكمةِ لإِفضائِهَا إلى ما يُحِبُّ،
وإن كانت مكروهة له، فما قدَّرها سُدى، ولا أنشأها عبثاً، ولا خلقها باطلاً،
﴿ذُلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] وأكثرُ النَّاس
يظنون بالله غيرَ الحقِّ ظنَّ السَّوءِ فيما يختصُّ بهم وفيما يفعلُه بغيرهم، ولا
يسلَمُ عن ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءَه وصفاتِهِ، وعرفَ موجبَ
حمدِهِ وحكمته، فمن قَنِظَ مِن رحمته، وأيسَ مِن رَوحه، فقد ظن به ظنَّ
السوءِ .
ومن جوَّز عليه أن يعذّبَ أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي
بينهم وبين أعدائه، فقد ظَنَّ به ظنَّ السوءِ.
ومن ظنَّ به أن يترُكَ خلقه سُدى، معطّلينَ عن الأمر والنهي، ولا يُرسل
إليهم رسله، ولا ينزِّل عليهم كتبه، بل يتركهم هَمَلاً كالأنعام، فقد ظَنَّ به ظنَّ
السوء.
ومن ظن أنه لن يجمع عبيدَه بعد موتِهم للثوابِ والعِقاب في دار
يُجازي المحسنَ فيها بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، ويبيِّنُ لخلقه حقيقة ما
اختلفوا فيه، ويظهرُ للعالمين كلِّهم صدقَه وصدقَ رسله، وأن أعداءه كانوا هم
الكاذبين، فقد ظنَّ به ظن السوءِ.
ومن ظنَّ أنه يُضَيِّعُ عليه عمله الصالحَ الذي عملَه خالصاً لوجهه الكريم
على امتثال أمره، ويُبطِلَه عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يُعاقِبُه بما لا صُنعَ
فيه، ولا اختيار له، ولا قدرةَ، ولا إرادة في حصوله، بل يُعاقبه على فعله هو
سبحانه به، أو ظنَّ به أنه يجوزُ عليه أن يؤيِّدَ أعداءَه الكاذبين عليه بالمعجزاتِ
التي يُؤيِّدُ بها أنبياءه ورسله، ويُجرِيها على أيديهم يُضِلُونَ بها عباده، وأنه
يحسُن منه كُلُّ شيءٍ حتى تعذيبُ من أفنى عمره في طاعته، فيخلدُه في
٢٠٦

الجحيم أسفلَ السافلينَ، ويُنعِمُ من استنفد عُمُرَه في عداوته وعداوة رسله
ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين عنده في الحسن سواء، ولا
يعرف امتناعُ أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق وإلا فالعقل لا يقضي بقُبح
أحدهما وحُسنِ الآخر، فقد ظَنَّ به ظَنَّ السَّوْء.
ومن ظن به أنه أخبرَ عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل،
وتشبيه، وتمثيل، وترك الحقَّ، لم يُخبر به، وإنما رَمزَ إليه رموزاً بعيدة،
وأشار إليه إشاراتٍ مُلْغِزةً لم يُصرح به، وصرَّح دائماً بالتشبيه والتمثيل
والباطل، وأراد مِن خلقه أن يُعِبُوا أذهانَهم وقُواهم وأفكارَهم في تحريفِ
كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلَّبوا له وجوه الاحتمالات
المستكرهة، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف
والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاتِه على عقولهم وآرائهم، لا على
كتابِهِ، بل أراد منهم أن لا يحمِلوا كلامَه على ما يعرِفُون من خطابهم ولغتهم،
مع قدرته على أن يُصَرِّحَ لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويُرِيحَهم من
الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلافَ طريقِ
الهدى والبيان، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْءِ، فإنه إن قال: إنه غيرُ قادر على التعبير
عن الحقِّ باللفظ الصريح الذي عبَّر به هو وسلفُه، فقد ظن بقُدرته العجز،
وإن قال: إنه قادِرٌ ولم يُبَيِّنْ، وعدَلَ عن البيان، وعن التصريح بالحقِّ إلى ما
يُوهم، بل يُوقِعُ في الباطل المحال، والاعتقاد الفاسد، فقد ظنَّ بحكمته
ورحمته ظَنَّ السَّوءِ، وظنَّ أنه، هو وسلفُه عبّروا عن الحقِّ بصريحه دُونَ الله
ورسوله، وأن الهُدى والحقَّ في كلامهم وعباراتهم. وأما كلام الله، فإنما
يؤخذ مِن ظاهره التشبيه، والتمثيل، والضلال، وظاهِر كلام المتهوِّكين (١)
(١) التهوك: كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل
أمر، وقيل: هو التحير، وفي حديث جابر الذي أخرجه أحمد في («المسند» ٣٣٨/٣
و٣٨٧ أن عمر أتى النبي ◌َّر، فقال: إنَّا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا أفترى أن =
٢٠٧

الحيارى، هو الهُدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله، فَكُلُّ هؤلاء من
الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين به غير الحق ظن الجاهلية.
ومن ظن به أن يكونَ في ملكه ما لا يشاء ولا يَقْدِرُ على إيجاده
وتكوينه، فقد ظنَّ به ظنَّ السوء.
ومن ظن به أنه كان مُعَطَّلاً مِن الأزل إلى الأبدِ عن أن يفعلَ، ولا
يُوصفُ حينئذ بالقُدرة على الفعل، ثم صارَ قادراً عليه بعد أن لم يكن قادراً،
فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوء.
ومن ظنَّ به أنه لا يَسمع ولا يُبْصِرُ، ولا يعلم الموجودات، ولا عَدد
السماواتِ والأرضِ، ولا النجوم، ولا بني آدمَ وحركاتِهم وأفعالهم، ولا يعلم
شيئاً من الموجودات في الأعيان، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوء.
ومن ظنَّ أنه لا سمعَ له، ولا بصرَ، ولا عِلم له، ولا إرادة، ولا كلامَ
يقولُ به، وأنه لم يُكلِّم أحداً من الخلق، ولا يتكلّمُ أبداً، ولا قال ولا يقولُ،
ولا له أمرٌ ولا نهي يقومُ به، فقد ظَنَّ به ظنَّ السَّوء.
ومن ظنَّ به أنه فوقَ سماواتِه على عرشه بائناً من خلقهِ، وأن نسبة ذاته
تعالى إلى عرشه كنِسبتها إلى أسفل السافلين، وإلى الأمكنة التي يُرغب عن
ذكرها، وأنه أسفلُ، كما أنه أعلى، فقد ظنَّ به أقبحَ الظنِّ وأسوأَه.
ومن ظنَّ به أنه ليس يُحِبُّ الكفر، والفسوقَ، والعِصيانَ، ويحبُّ الفسادَ
كما يُحبُّ الإِيمان، والبر، والطاعة، والإصلاح، فقد ظنَّ به ظن السَّوء.
ومن ظنَّ به أنه لا يُحبُّ ولا يَرضى، ولا يَغضب ولا يَسخط، ولا يُوالي
نكتب بعضها؟ فقال: «أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها
بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي)) وهو حديث حسن له شاهد من
حديث عبد الله بن شداد عند أحمد ٣/ ٤٧٠، ٤٧١، وآخر من حديث عمر عند أبي
يعلى ...
٢٠٨

ولا يُعادي، ولا يقرب من أحد من خلقه، ولا يقرُب منه أحد، وأن ذواتٍ
الشياطين في القُرب مِن ذاته كذوات الملائكة المقربين وأوليائه المفلحين،
فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوء.
ومن ظنَّ أنه يُسوي بين المتضادّيْن، أو يفرِّق بين المتساويين من كل
وجه، أو يُخْبِطُ طاعاتِ العمر المديد الخالصة الصوابَ بكبيرة واحدة تكون
بعدها، فيخلد فاعل تلك الطاعات في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة، ويُحبطُ
بها جميع طاعاته ويُخَلِّدُه في العذاب، كما يخلد من لا يؤمن به طرفة عين،
وقد استنفد ساعاتٍ عمره في مساخِطه ومعاداة رسله ودينه، فقد ظنَّ به ظنَّ
السَّوء.
وبالجملة فمن ظنَّ به خِلاَفَ ما وصف به نفسه ووصفَه به رسله، أو
عطَّل حقائقَ ما وصف به نفسه، ووصفته به رُسله، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوء.
ومن ظن أن له ولداً، أو شريكاً أو أن أحداً يشفعُ عنده بدون إذنه، أو
أن بينَه وبين خلقه وسائطَ يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نَصَبَ لعباده أولياء
مِن دونه يتقرّبون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونَهم وسائط بينهم
وبينه، فيدعونهم، ويحبونهم كحبه، ويخافونهم ويرجونهم، فقد ظنَّ به أقبحَ
الظن وأسوأه.
ومن ظن به أنه ينالُ ما عنده بمعصيته ومخالفته، كما يناله بطاعته
والتقرب إليه، فقد ظنَّ به خلافَ حِكمته وخلاف موجب أسمائه وصفاته،
وهو من ظن السوء.
ومن ظنَّ به أنه إذا ترك لأجله شيئاً لم يُعوِّضه خيراً منه، أو من فعل
لأجله شيئاً لم يُعطه أفضلَ منه، فقد ظنَّ به ظن السَّومِ.
ومن ظنَّ به أنه يغضبُ على عبده، ويُعاقبه ويحرمه بغير جُرم، ولا
٢٠٩

سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة، ومحض الإرادة، فقد ظنَّ به ظنَّ السوءِ.
ومن ظنَّ به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة، وتضرَّع إليه، وسأله،
واستعان به، وتوكَّل عليه أنه يُخيُّه ولا يُعطيه ما سأله، فقد ظنَّ به ظنَّ
السَّوءِ، وظنَّ به خلافَ ما هو أهلُه.
ومن ظنَّ به أنهُ يُئيبه إذا عصاه بما يُثيبه به إذا أطاعه، وسأله ذلك في
دعائه، فقد ظنَّ به خلافَ ما تقتضيه حِكمتُه وحمده، وخلافَ ما هو أهلُه وما
لا یفعله.
ومن ظنَّ به أنه إذا أغضبه، وأسخطه، وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ
من دونه ولياً، ودعا من دونه مَلَكاً أو بشراً حَياً، أو ميتاً يرجُو بذلك أن ينفَعَه
عند ربِّه، ويُخَلِّصَه مِن عذابه، فقد ظنَّ به ظَنَّ السوء، وذلك زيادة في بعده
من الله، وفي عذابه.
ومن ظنَّ به أنه يُسلِّطُ على رسولِهِ محمّد ◌ََّ أعداءَهُ تسليطَاً مستَقِرَّاً
دائماً في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يُفارقونه، فلما مات استبدُّوا بالأمر
دون وصية، وظلمُوا أهلَ بيتِهِ، وسلبُوهم حقَّهُم، وأذلُّوهم، وكانت العزَّةُ
والغلبةُ والقهرُ لأعدائِه وأعدائِهم دائماً مِن غير جرم ولا ذنب لأوليائه، وأهل
الحق، وهو يرى قهرَهم لهم، وغصبهم إياهم حقَّهم، وتبديلَهم ديْنَ نبيهم،
وهو يقدر على نصرة أوليائه وحزبه وجنده، ولا ينصُرُهم ولا يُديلهم، بل
يُديل أعداءهم عليهم أبداً، أو أنَّه لا يقدِرُ على ذُلِكَ، بل حصل هذا بغير
قُدرته ولا مشيئته، ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه في حفرته، تُسَلِّمُ أمتُه
عليه وعليهم كل وقت كما تظنه الرافضةُ، فقد ظنَّ به أقبحَ الظنِّ وأسوأه،
سواءً قالوا: إنه قادرٌ على أن ينصرَهم، ويجعل لهم الدولةَ والظفرَ، أو أنه
غيرُ قادر على ذلك، فهم قادِحون في قُدرته، أو في حِكمته وحمده، وذلك
مِن ظنِّ السَّوءِ به، ولا ريب أن الربَّ الذي فعل هذا بغيضٌ إلى من ظنَّ به
٢١٠

ذلك غير محمود عندهم، وكان الواجبُ أن يفعل خلاف ذلك، لكن رَفَوْا هذا
الظنّ الفاسِدَ بخرق أعظمَ منه، واستجاروا من الرَّمضاءِ بالنار، فقالوا: لم
يكن هذا بمشيئة الله، ولا له قدرةٌ على دفعه ونصر أوليائه، فإنه لا يَقْدِرُ على
أفعال عباده، ولا هي داخلةٌ تحت قدرته، فظنُّوا به ظَنَّ إخوانهم المجوس
والتَّنَوِيةِ بربهم، وكل مبطل، وكافر، ومبتدع مقهور مستذل، فهو يظن بربه
هذا الظن، وأنه أولى بالنصر والظفر، والعلو من خصومه، فأكثر الخلق، بل
كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غيرَ الحقِّ ظنَّ السوء، فإن غالبَ بني آدم
يعتقد أنه مبخوسُ الحق، ناقصُ الحظ وأنه يستحق فوقَ ما أعطاهُ اللَّهُ، ولِسان
حاله يقول: ظلمني ربِّي، ومنعني ما أستحقُه، ونفسُه تشهدُ عليه بذلك، وهو
بلسانه يُنكره ولا يتجاسرُ على التصريح به، ومن فتَّش نفسَه، وتغلغل في
معرفة دفائنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامناً كُمونَ النار في الزِّناد، فاقدح
زنادَ مَن شئت يُنبئك شَرَارُه عما في زِناده، ولو فتَّشت من فتشته، لرأيت عنده
تعثّباً على القدر وملامة له، واقتراحاً عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي
أن يكون كذا وكذا، فمستقِلُّ ومستكثر، وفَتِّشْ نفسَك هل أنت سالم مِن
ذلك.
فإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تنجِ مِنْ ذِي عَظِيمَةِ
وَإِلاَّ فَإِنِّي لاَ إِخَالُكَ نَاجِيّاً
فليعتنِ اللبيبُ الناصحُ لنفسه بهذا الموضعِ، وليتُبْ إلى الله تعالى وليستغفِرْه
كلَّ وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظنَّ السوءَ بنفسه التي هي مأوى كل سوء،
ومنبعُ كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السَّوءِ من أحكم
الحاكمين، وأعدِل العادلين، وأرحم الراحمين، الغنيِّ الحميد، الذي له الغنى
التام، والحمدُ التام، والحكمةُ التامة، المنزهُ عن كل سوء في ذاته وصفاتِهِ،
وأفعالِه وأسمائه، فذاتُه لها الكمالُ المطلقُ مِن كل وجه، وصفاتُه كذلك، وأفعالُه
كذلك، کُلُّها حكمة ومصلحة، ورحمة وعدل، وأسمائه کُلُّها حسنی.
فلا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنّ سَوْءٍ
فَإِنَّ الله أَوْلَى بِالجَمِيلِ
٢١١

وَكَيْفَ بِظَالِمِ جَانٍ جَهُولِ
وَلا تَظْنُنْ بِنَفْسِكَ قَطُّ خَيْراً
أَيُرجَى الخَيْرُ مِنْ مَيْتٍ بَخِيلٍ
وقُلْ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلِّ سُوءٍ
كَذَاكَ وَخَيْرُ مَاكَالمُسْتَحِيلِ
وظُنَّبِنَفْسِكَ السُّوَآَى تَجِدْهَا
فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرَّبِّ الجَلِيلِ
وَمَا بِكَ مِنْ تُقُىِّ فِيهَا وَخَيْرٍ
مِنَ الرَّحْمُن فَاشْكُرْ لِلذَّلِيلِ
وَلَيْسَ بِهَا وَلاَ مِنْهَا وَلْكِنْ
والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام مِن قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أهمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُم
يَظُنُونَ بِالله غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ثم أخبر عن الكلام
الذي صدرَ عن ظنهم الباطل، وهو قولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِن الأَمْرِ مِنْ شَيْء﴾ [آل
عمران: ١٥٤]، وقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيءٍ مَا قُتِلْنَا ها هنا﴾ [آل
عمران: ١٥٤]، فليس مقصودُهم بالكلمةِ الأولى والثانية إثباتَ القدر، ورد الأمرِ
كُلِّه إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى، لما ذقُّوا عليه، ولما حَسُنَ
الردُّ عليه بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران]، ولا كان مصدرُ هذا
الكلام ظَنَّ الجاهلية، ولهذا قال غيرُ واحد من المفسرين: إن ظنَّهم الباطل
ها هنا: هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمرَ لو كان إليهم، وكان رسولُ الله ◌َيَّة
وأصحابُه تبعاً لهم يسمعُون منهم، لما أصابهم القتلُ، ولكان النصرُ والظفرُ لهم،
فأكذبهم الله عزَّ وجل في هذا الظنِّ الباطل الذي هو ظنُّ الجاهلية، وهو الظنّ
المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذِ القضاء والقدر الذي لم يكن بُدُّ
من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمرَ لو كان إليهم، لما نفذ القضاءُ،
فأكذَبَهُم اللَّهُ بقوله: ﴿قُلْ: إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه
وقدرُه، وجرى به عِلمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولا بُدَّ، شاءَ الناسُ أم
أَبَوْا، وما لم يَشَأ لم يكن، شاءه الناسُ أم لم يَشاؤوه، وما جرى عليكم من الهزيمةِ
والقتل، فبأمره الكوني الذي لا سبيلَ إلى دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء،
أولم يكن لكم، وأنَّكُم لو كنتم في بيوتكم، وقد كُتِبَ القتلُ على بعضكم لخرج
الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بُد، سواء كان لهم من الأمر
٢١٢

شيء، أو لم يكن، وهذا مِن أظهر الأشياء إبطالاً لقول القَدَرِيَّةِ النفاة، الذين
يجوزون أن يقع ما لا يشاؤُه الله، وأن يشاء ما لا يقع.
فصل
ثم أخبر سبحانه عن حِكمة أخرى في هذا التقديرِ، هي ابتلاءُ ما في
صدورهم، وهو اختبار ما فيها من الإِيمانِ والنفاق، فالمؤمنُ لا يزدادُ بذلك إلا
إيماناً وتسليماً، والمنافقُ ومن في قلبه مرضٌ، لا بد أن يظهر ما في قلبه على
جوارحه ولسانه .
﴿ونيبتلي الله ما في
صدوركم﴾
﴿وليمحص ما في
قلوبكم﴾
ثم ذكر حِكمة أخرى: وهو تمحيصُ ما في قلوب المؤمنين، وهو تخليصهُ
وتنقيتُه وتهذيبه، فإن القلوبَ يُخالطها بِغلبات الطبائع، وميل النفوس، وحكم
العادة، وتزيينِ الشيطانِ، واستيلاءِ الغفلة ما يُضادُّ ما أُودعَ فيها من الإِيمانِ
والإِسلام والبر والتقوى، فلو تركت في عافية دائمة مستمرة، لم تَتَخَلَّص من هذه
المخالطة، ولم تتمخَّص منه، فاقتضت حِكمةُ العزيزِ أن قَيَّض لها مِن المحن
والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته
وتنقيته من جسده، وإلا خِيف عليه منه الفسادُ والهلاكُ، فكانت نعمتُه سبحانه
عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم، تُعادِلُ نعمتَه عليهم بنصرهم
وتأييدهم وظفرهم بعدوهم، فله عليهم النعمةُ التامةُ في هذا وهذا.
﴿إن الذين تولوا
منكم ... ﴾
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن توَلِّي مَنْ تَولَّى من المؤمنين الصادقين في ذلك
اليوم، وأنه بسبب كسبهم وذنوبهم، فاسْتزلَّهُمُ الشيطان بتلك الأعمال حتى تولَّوْا،
فكانت أعمالهم جنداً عليهم، ازداد بها عدوُّهم قوة، فإن الأعمال جند للعبد وجندٌ
عليه، ولا بُدَّ فللعبد كلَّ وقت سَرِيَّةٌ مِن نفسه تَهْزِمُه، أو تنصره، فهو يمُدُّ عدوَّه
بأعماله من حيث يظن أنه يُقاتله بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث
يظن أنه يغزو عدوه فأعمالُ العبد تسوقُهُ قسراً إلى مقتضاها مِن الخير والشر،
والعبدُ لا يشعر أو يشعر ويتعامى، ففرارُ الإِنسان من عدوه، وهو يُطيقه إنما هو
بجند مِن عمله، بعثه له الشيطان واستزلَّه به.
٢١٣

م﴿ولقد عفا الله عنهم﴾
﴿ أو لما أصابتكم
مصيبة .. ﴾
ثم أخبر سبحانه: أنه عفا عنهم، لأن هذا الفرارَ لم يكن عن نفاق ولا شكٍ،
وإنما كان عارضاً، عفا الله عنه، فعادت شجاعةُ الإِيمانِ وثباتُه إلى مركزها
ونصابِها، ثم كرَّر عليهم سُبحانه: أن هذا الذي أصابهم إنما أُتوا فيه مِن قِبَل
أنفسهم، وَبِسبب أعمالهم، فقال: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ
أَنَّى هذا؟ قُلْ: هُوَ مِن عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير﴾ [آل عمران:
١٦٥]، وذكر هذا بعينه فيما هو أعمُّ مِن ذلك في السور المكية فقال: ﴿وَمَا
أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرِ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيْنَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:
٧٩]، فالحسنة والسيئة ها هنا: النعمة والمصيبةُ، فالنعمةُ مِن الله مَنَّ بها عليك،
والمصيبةُ إنما نشأت مِن قبل نفسِك وعملك، فالأول فضلُه، والثاني عدلُه،
والعبد يتقلَّب بين فضلِه وعدله، جارٍ عليه فضلُهُ، ماضٍ فيه حكمه، عدلٌ فيه
قضاؤه. وختم الآية الأولى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ
هُوَ مِنْ عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ﴾ إعلاماً لهم بعموم قدرته مع عدله، وأنه عادلٌ قادر، وفي
ذلك إثباتُ القدرِ والسببِ، فذكر السببَ، وأضافه إلى نفوسهم، وذكر عمومَ
القدرة وأضافها إلى نفسه، فالأول ينفي الجَبْرَ، والثاني ينفي القولَ بإبطال القدر،
فهو يشاكل قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، ومَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ربّ
العَالَمِين﴾ [التكوير: ٣٠].
إثبات القدر وانسبب
﴿وما أصابكم يوم التقى
الجمعان فبإذن الله ﴾
﴿ وليعلم الذين نافقوا﴾
وفي ذكر قدرته ها هنا نكتة لطيفة، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرتِهِ،
وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبُوا كشفَ أمثاله من غيره، ولا تَتَكِلُوا
على سواه، وَكَشَف هذا المعنى وأوضحَه كُلَّ الإِيضاح بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ
الْتَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ﴾. وهو الإِذن الكوني القدري، لا الشرعي الديني، كقوله
في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ثم أخبر
عن حِكمة هذا التقدير، وهي أن يعلَمَ المؤمنين مِن المنافقين عِلمَ عَيان ورؤية
يتميز فيه أحدُ الفريقين من الآخر تمييزاً ظاهراً، وكان مِن حكمة هذا التقديرِ
٢١٤

تكلُّمُ المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا ردَّ اللَّهِ عليهم وجوابه
لهم، وعرفوا مؤذَّى النفاق وما يؤول إليه، وکیف یُحرم صاحبُه سعادة الدنيا
والآخرة، فيعودُ عليه بفساد الدنيا والآخرة، فللَّهِ كم من حكمة في ضِمن هذه
القِصة بالغةٍ، ونعمة على المؤمنين سابغةٍ، وكم فيها من تحذيرٍ وتخويفٍ وإرشاد
وتنبيه، وتعريفٍ بأسباب الخير والشر وما لهما وعاقبتهما.
ثم عزَّى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله أحسنَ تعزية، وألطفَها
وأدعَاها إلى الرضى بما قضاه لها، فقال: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ
أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَنْ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل
عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، فجمع لهم إلى الحياة الدائمةِ منزلة القُربِ منه، وأنهم
عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحَهم بما آتاهم من فضله، وهو فوق
الرضى، بل هو كمال الرضى، واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يَتُّ
سُرورُهم ونعيمُهم، واستبشارهم بما يُجدِّدُ لهم كُلَّ وقت من نعمته وكرامته،
وذَكَّرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو مِن أعظم مننه ونعمه عليهم التي إن
قابلوا بها كُلَّ محنة تنالهم وبلية، تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة، ولم يبق لها
أثر البتة، وهي مِنَّتُه عليهم بإرسال رسولٍ من أنفسهم إليهم، يتلُو عليهم آياتِه،
ويُزكيهم، ويُعلمهم الكتابَ والحِكمة، ويُنقذُهم مِن الضلال الذي كانُوا فيه قبل
إرساله إلى الهدى، ومِن الشقاء إلى الفلاح، ومن الظُّلمة إلى النور، ومن الجهل
إلى العلم، فكُلُّ بليةٍ ومحنةٍ تنالُ العبد بعد حصول هذا الخيرِ العظيم له أمرٌ يسيرٌ
جداً في جنب الخير الكثير، كما ينالُ الناس بأذى المطرِ في جنب ما يحصل لهم به
من الخير، فأعلمهم أن سببَ المُصيبة من عند أنفسهم ليحذروا، وأنها بقضائه
وقدره لِيوحِّدوا ويتَّكِلُوا، ولا يخافوا غيره، وأخبرهم بما لهم فيها مِن الحكم لئلا
يتهموه في قضائه وقدره، وليتعرَّف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته، وسلاَّهم بما
أعطاهم مما هو أجلُّ قدراً، وأعظمُ خطراً مما فاتهم من النصر والغنيمة، وعزَّهم
﴿ولا تحسبن الذين
قتلوا ... ﴾
﴿يستبشرون بنعمة
من اته .. ﴾
﴿لقد مَنَّ الله على
المؤمنين ... ﴾
٢١٥

عن قتلاهم بما نالُوه من ثوابه وكرامته، لينافِسوهم فيه، ولا يحزنُوا عليهم، فله
الحمدُ كما هو أهلُه، وكما ينبغي لکرم وجهه، وعزِّ جلاله.
خروج علي في آثار
المشركين
فصل
ولما انقضت الحربُ، انكفأ المشركون، فظنَّ المسلمون أنهم قَصَدُوا
المدينةَ لإِحراز الذراري والأموال، فَشَقَّ ذلك عليهم، فقال النبيُّ ◌َيّ لعلي بن أبي
طالب رضي الله عنه: ((اخْرُجْ في آثارِ القَوْمِ فانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ، فَإِنْ
هُمْ جَنَّبُوا الخَيْلَ وامْتَطَوَا الإِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الخَيْلَ وَسَاقُوا
الإِلَ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِئَنْ أَرَادُوهَا، لِأَسِيرَنَّ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ
لأنَاجِزَنَّهُمْ فِيهَا)). قال علي: فخرجتُ في آثارهم، أنظرُ ماذا يصنعون، فجنّبوا
الخيلَ، وامتطوا الإبل، ووجَّهوا إلى مكة، ولما عزمُوا على الرجوع إلى مكة،
أشرف على المسلمين أبو سفيان، ثم ناداهم: مَوْعِدُكم المَوْسِمُ ببدر، فقال
النبي ◌ََّ: ((قولوا: نَعَمْ قَدْ فَعَلْنا)) قال أبو سفيان: ((فَذُلِكُمْ المَوْعِد)) ثم انصرف هو
وأصحابه، فلما كان في بعض الطريق، تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض :
لم تصنعُوا شيئاً، أصبتُم شوكتَهم وحذَّهم، ثم تركتُموهم، وقد بقي منهم رؤوس
يجمعون لكم، فارجِعُوا حتى نستأصِل شأفَتَهم، فبلغ ذلك رسول الله صلّ، فنادى
في الناس، وندبَهم إلى المسيرِ إلى لقاء عدوهم، وقال: ((لاَ يَخْرُجْ مَعَنَا إِلاَّ مَنْ
شَهِدَ القِتَالَ))، فقال له عبد الله بن أبي: أركبُ معك؟ قال: ((لا، فاستجاب له
المسلمون على ما بهم من القرح الشديدِ والخوفِ، وقالُوا: سمعاً وطاعةً.
واستأذنه جابرُ بنُ عبد الله، وقال: يا رَسُولَ الله! إني أُحب ألا تشهدَ مشهداً إلا
كنتُ معك، وإنما خلَّفني أبي على بناتِهِ، فأذَنْ لي أسيرُ معك، فأذن له، فسارَ
رسول الله ◌َ﴾ والمسلمون معه حتى بَلَغُوا حمراء الأسد))(١)، وأقبل معبدُ بن أبي
معبد الخُزاعي إلى رسولِ الله ◌َّة، فأسلم، فأمره أن يلحقَ بأبي سفيان، فيخذِّله،
(١) موضع على ثمانية أميال من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة.
٢١٦

فلحقه بالروحاء، ولم يعلم بإسلامه، فقال: ما وراءَك يا معبدُ؟ فقال: محمدٌ
وأصحابه، قد تحرَّقوا عليكم، وخرجُوا في جمع لم يخرجُوا في مثله. وقد نَدِم
من كان تخلَّف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقولُ؟ فقال: ما أرى أن ترتَحِلَ
حتى يطلع أولُ الجيش من وراء هذه الأكمَة. فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا
الكرَّةَ عليهم لنستأصلهم. قال: فلا تفعل، فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم
إلى مكة، ولقي أبو سفيان بعضَ المشركين يريد المدينة، فقال: هل لك أن تُبَلِّغَ
محمداً رسالة، وأُوقِرَ لك راحلتَكَ زبيباً إذا أتيتَ إلى مكة؟ قال: نعم. قال: أَبلِغْ
محمداً أنا قد أجمعنا الكَرَّة لِنَستأصِلَه ونَسْتَأْصِلَ أصحابَه، فلما بلغهم قولُه، قالُوا:
﴿حَسْبَُّ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِن اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ،
واتَبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ، واللَّهُ ذو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤](١).
(١) انظر ((الدر المنثور)) ١٠١/٢، ١٠٣، وابن كثير في التفسير ٤٢٨/١، ٤٢٩، وابن
جرير ١١٦/٤، ١٢٢ طبعة بولاق، وابن هشام ١٢١/٢، وابن كثير ٩٧/٣، و((شرح
المواهب)) ٥٩/٢، ٦٤، وابن سيد الناس ٣٧/٢، وأخرج البخاري ٢٨٧/٧ في
المغازي: باب (الذين استجابوا الله والرسول) من طريق أبي معاوية عن هشام، عن
أبيه عن عائشة رضي الله عنها (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح
للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبوك منهم
الزبير، وأبو بكر لما أصاب رسول الله وَيه ما أصاب يوم أُحد، وانصرف المشركون،
خاف أن يرجعوا، فقال: من يذهب في أثرهم، فانتدب منهم سبعون رجلاً، قال:
كان فيهم أبو بكر والزبير: وقد رواه مسلم (٢٤١٨) مختصراً من وجه عن هشام،
وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي جميعاً عن سفيان بن عيينة،
وأخرجه ابن ماجه (١٢٤) من طريق سفيان عن هشام بن عروة به، ورواه الحاكم في
((المستدرك)) ٢٩٨/٤ من طريق أبي سعيد عن هشام بن عروة به، ورواه من حديث
السدي عن عروة، وقال في كل منهما: صحيح ولم يخرجاه كذا قال، قال الحافظ
ابن كثير: وهذا السياق غريب جداً، فإن المشهور عند أصحاب المغازي أن الذين
خرجوا مع رسول الله ركية إلى حمراء الأسد كل من شهد أحداً، وكانوا سبعمائة قتل
منهم سبعون، وبقي الباقون. قال الشامي: والظاهر أنه لا تخالف بين قولي
٢١٧

فصل
سرية أبي سلمة إلى بني
أسد
وكانت وقعةٌ أحدٍ يومَ السبتِ في سابع شوال سنةَ ثلاثٍ كما تَقدَّمَ، فرجعَ
رسولُ الله ◌ِيٍ إلى المدينةِ، فأقام بها بقية شوالٍ وذَا القعدة وذا الحِجة والمحرَّم،
فلما استهلَّ هِلالُ المحرم، بلغه أن طلحةً وسلمة ابني خُويلد قد سارا في قومهما
ومن أطاعهما يدعوان بني أسدِ بنِ خُزيمة إلى حرب رسول الله صَلِّ، فبعث أبا
سلمة، وعقد له لواء، وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من الأنصارِ والمهاجرين،
فأصابُوا إِيلاً، وشاءً، ولم يَلْقَوْا كيداً، فانحدَرَ أبو سلمة بذلك كلِّه إلى المدينة.
فصل
فلما كان خامِسُ المحرم، بلغه أنَّ خالدَ بنَ سُفيان بن نُبَيْح الهُذَلي قد جمع
له الجموعَ، فبعث إليه عبدَ الله بنَ أُنيس فقتله، قال عبدُ المؤمن بن خلف(١):
وجاءه برأسه، فوضعه بين يديه، فأعطاه عصاً، فقال: ((هذِهِ آيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ
القِيَامَةِ» فلما حضرته الوفاةُ أوصى أن تُجعل معه في أكفانه، وكانت غيبتُه ثمانَ
عشرةَ ليلة، وَقَدِمَ يومَ السبت لسبع بقين مِن المحرم(٢).
بعثه مر عبد الله بن
أنيس لقتل ابن نبيح
الهذلي
عائشة وأصحاب المغازي، لأن معنى قولها: فانتدب لها سبعون أنهم سبقوا غيرهم،
=
ثم تلاحق الباقون.
(١) هو العلامة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي الحافظ الكبير النسابة
الأخباري، ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وطلب الحديث بنفسه وقرأ القراءات على
الكمال الضرير، ولازم الحافظ المنذري سنين وتخرج به، ورحل إلى الشام
والجزيرة والعراق، وسمع الكثير وانتهى إليه علم الحديث مع الدين والثقة والإتقان،
بلغ معجم شيوخه مجلدين كبيرين، وله تصانيف في الحديث والفقه واللغة، توفي
سنة ٧٠٥ هـ. بالقاهرة، مترجم في ((الشذرات)) ١٢/٦، وتذكرة الحفاظ ٢٥٨/٤،
٢٥٩.
(٢) أورده ابن هشام ٦١٩/٢، ٦٢٠، عن ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير،
قال: قال عبد الله بن أنيس، وهو منقطع وأخرجه أحمد ٤٩٦/٣ موصولاً من حديث ==
٢١٨

يوم الرجيع
فلمَّا كان صفر، قدِمَ عليه قَوْمٌ مِن عَضَلٍ والقَارةِ (١)، وذكروا أن فيهم
إسلاماً، وسألُوهُ أن يَبْعثَ معهم من يُعَلِّمُهم الدِّينَ، ويُقرئهُمُ القُرآن، فبعث معهم
سِتَّة نَفَرٍ في قول ابن إسحاق، وقال البخاري: كانُوا عشرة، وأَمَر عليهم مَرْتَدَ بنَ
أبي مَرْتَدِ الغَنَوِي (٢)، وفيهم خُبيب بنُ عدي، فذهبوا معَهم، فلما كانُوا بالرَّجِيع،
وهو ماءٌ لهُذَيْلٍ بناحيةِ الحِجاز غدرُوا بهم، واستصرخُوا عليهم هُذيلاً، فجاؤوا
حتَّى أحاطُوا بهم، فقتلُوا عامَّتَهُم، واستأسُروا خُبَيْبَ بْنَ عِدِيٍّ، وَزَيْدَ بن الدِّثِنَةِ،
فذهبُوا بهما، وباعُوهما بمكة، وكانا قتلا مِن رؤوسهم يَوْمَ بدر، فأما خُبيب،
فمكث عندهم مسجوناً، ثم أجمعُوا قتله، فخرجُوا به مِن الحَرَمِ إلى التنعيم، فلما
أجمعُوا على صَلبه، قال: دَعُوني حَتَّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فتركُوهُ فصلاهما، فلمَّا
سَلَّمَ قال: واللَّهِ، لَوْلاَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّ مَا بِي جَزَعٌ، لَزِدْتُ، ثُمَّ قَال: ((اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ
عَدَداً وَاقْتُلُهُمْ بِدَدَاً (٣)، ولا تُبُقِ مِنْهُم أحدَاً، ثم قال:
سنة صلاة القتل
قَبَائِلَهُم واسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَعٍ
لَقَدْ أَجْمَعَ الأَحْزَابُ حَوْلِي، وَأَلُّوا
عَليَّ لأنّي في ◌ِثاقٍ بِمَضْيَعٍ
وكلُّهُمُ مبدي العداوةِ جاهدٌ
وقُرِّنْتُ مِن جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعٍ
وَقَدْقَرَّبُوا أَبْنَاءَهُم ونسَاءَهُم
ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ابن عبد الله بن أنيس، عن
أبيه ...
(١) عضل: بطن من بني الهُون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ينسبون إلى
عضل بن الديش، وأما القارة فبتخفيف الراء: بطن من بطون الهون أيضاً ينسبون إلى
الديش المذكور، وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها
فسموا بها، ويضرب بهم المثل في إجادة الرمي، وقال الشاعر:
قد أنصف القارة من راماها
(٢) كذا في ((السيرة)) لابن إسحاق، وفي الصحيح عن أبي هريرة وأمر عليهم عاصم بن
ثابت، وما في الصحيح أصح.
(٣) قال ابن الأثير: يروى بكسر الباء جمع بِدة وهي الحصة والنصيب، أي: اقتلهم
حصصاً مقسمة لكل واحد حصته ونصيبه، ويروى بالفتح، أي: متفرقين في القتل
واحداً بعد واحد من التبديد.
٢١٩

وَمَا أَرْصَدَ الأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي
إِلَى الله أَشْكُوْ غُرْبَتِي بَعْدَكُرْيَتِي
فَذَا العَرْشِ صَبِّرْني عَلَى مَايُرادُبي
وَقَدْ خَيَّرُوني الكُفْرَ، والمَوْتُ دُونَهُ
وَمَابِي حِذَارُ المَوْتِ إِنِّي لَمَيِّتٌ
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً
وَذُلِكَ فِي ذَاتِ الإِلهِ وإِنْ يَشَأْ
فَلَسْتُ بمبدٍ للعدوِّتَخَشُّعاً
فَقَدْ بَضَّعُوا لِحْمِي وَقَد يَاسَ (١) مَطْمَعِي
فَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ
وإنَّ إلى ربِّي إِيَابي ومَرْجِعي
عَلَى أَيِّ شِقِّكَانَ في الله مَضْجَعِي
يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ولا جَزَعاً، إني إلى الله مَرجِعي
فقال له أبو سفيان: أيسرُّك أنَّ محمداً عندنا تُضْرَبُ عنقُه وإنك في أهلك،
فقال: لا والله، ما يسرّني أني في أهلي، وأنَّ محمداً في مكانِهِ الَّذِي هُوَ فيه تُصِيبُهُ
شَوْكَةٌ تُؤذِیهِ .
وفي ((الصحيح)): أن خبيباً أوَّلُ مَنْ سنَّ الركعتين عِند القتل. وقد نقل أبو
عمر بن عبدِ البر، عن الليث بن سعد، أنه بلغه عن زيد بن حارثة، أنه صلاهما في
قصةٍ ذكرها، وكذلك صلاهما حِجْرُ بنُ عدي حين أمر معاويةُ بقتله بأرضٍ عذراء
من أعمالٍ دمشق(٢) .
ثم صَلبوا خُبَيْياً، ووكَّلوا به من يَحْرُسُ جُثَّته، فجاء عمرو بنُ أمية
الضَّمْرِي، فاحتمله بجذعه ليلاً، فذهب به، فدفنه(٣) .
ورؤي خُبِيبٌ وهو أسيرٌ يأكل قِطْفاً مِن العِنَبِ، وما بمكة ثَمَرَةٌ، وأما زيدُ بن
(١) ياس: لغة في يئس.
انظر خبر مقتل حجر وأصحابه في ((الإصابة)) (١٦٢٩).
(٢)
أخرج أحمد في ((المسند)) ١٣٩/٤ و٢٨٧/٥، وابن أبي شيبة من طريق جعفر بن
(٣)
عمرو بن أمية عن أبيه أن رسول الله خاليةٍ بعثه وحده عينا إلى قريش، قال: فجئت إلى
خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون، فرقيت فيها، فحللت خبيباً، فوقع إلى الأرض،
فانتبذت غير بعيد، ثم التفت فلم أر خبيباً، ولكأنما ابتلعته الأرض، فلم ير لخبيب
أثر حتى الساعة وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو متفق على ضعفه.
٢٢٠