النص المفهرس
صفحات 161-180
وكان علي يُقْسِمُ بالله: لنزلت هذه الآيةُ فيهم: ﴿هذانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهم﴾ الآية [الحج: ١٩](١). ثم حمي الوطيسُ، واستدارت رحى الحربِ، واشتدَّ القِتال، وأخذَ رسولُ الله ◌َّ في الدعاء والابتهالِ، ومناشدة ربِّه عز وجل، حتى سقط رِداؤه عن منكبيه، فردَّه عليه الصديق، وقال: بغضَ مُناشَدَتِكَ ربَّكَ، فإنَّهُ منجزٌ لَكَ ما وَعَدَكَ (٢). اشتداد القتال فأغفى رسول الله وَّ إغفاءة واحدة، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحربِ، ثم رفعَ رسولُ اللهِ وَّةُ رأسَه فقال: ((أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْر! هذا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاه النَّقْع)»(٣) . وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتافَ النصر (١) أخرجه البخاري ٣٣٦/٨، ٣٣٧ من حديث أبي ذر أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية (هذان خصمان اختصموا في ربهم) نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في يوم بدر، ورواه البخاري أيضا ٣٣٧/٨ عن علي قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس بن عباد راويه عن علي: وفيهم نزلت (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فعلم من هذا أن المقسم هو أبو ذر لا علي كما قال المؤلف. (٢) هو في ((صحيح مسلم)) وقد تقدم قريباً ص ١٥٧، ١٥٨ . (٣) ذكره ابن هشام في ((السيرة)) ٦٢٦/١، ٦٢٧ بلا سند، وأخرجه الأموي كما في ابن كثير ٢/ ٤٣٤ من طريق ابن إسحاق حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، وسنده حسن، ولفظه أن أبا جهل حين التقى القوم، قال: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لم نعرف، فَأَحِنْه الغداة، فكان هو المستفتح، فبينما هم على تلك الحال، وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم خفق رسول الله وقال له خفقة في العريش، ثم انتبه فقال: ((أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وعدته)). وروى البخاري ٧/ ٢٤٢ عن ابن عباس أن النبي 85* قال يوم بدر: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب)». ١٦١ زاد المعاد ج ٣-م٦ المُشركِينَ أسراً وقتلاً، فقتلوا منهم سبعين، وأَسرُوا سبعين. ظهور إبليس في صورة سرقة الكناني ووسوسته لقريش فصل ولما عزموا على الخروج، ذكروا ما بينهم وبينَ بني كنانة مِن الحرب، فتبدَّى لهم إبليسُ في صورة سراقة بن مالك المُذْلجي، وكان مِن أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غَالِبَ لكم اليومَ من الناس، وإني جارٌ لكم من أن تأتيكم كِنانة بشيء تكرهُونه، فخرجوا والشيطانُ جارٌ لهم لا يُفارقهم، فلما تعبَّؤوا للقتال، ورأى عدؤُ الله جندَ الله قد نزلت مِن السماء، فرَّ، ونَكَصَ على عَقِبَيْه، فقالوا: إلى أين يا سُراقة؟ ألم تكن قُلْتَ: إنك جار لنا لا تُفَارِقُنَا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، واللَّهُ شديدُ العِقَاب(١) وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله، وقيل: كان خوفه على نفسه أن يَهْلِكَ معهم، وهذا أظهر. ولما رأى المنافقون ومَن في قلبه مرض قِلَّة حزبِ الله وكثرةَ أعدائه، ظنُّوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُم﴾ [الأنفال: ٤٩]، فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة، ولا بالعدد، والله عزيز لا يُغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفاً، فعزتُه وحكمتُه أوجبت نصرَ الفئةِ المتوكِّلةِ عليه . ولما دنا العدو وتواجه القومُ، قام رسول اللّه ◌َ لّ في الناس، فوعظهم، استشهاد عمير بن الحمام وذكّرهم بما لهم في الصبر والثباتِ مِن النصرِ، والظفرِ العاجِلِ، وثوابِ الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجبَ الجنة لمن استشهد في سبيلِهِ، فقام عميرُ بنُ الحُمَامِ، فَقَالَ: يا رسولَ اللَّهِ، جَنّةٌ عَرْضُهَا السَّماواتُ والأَرْضُ؟ قال: ((نَعَمْ)). قال: بَخٍ بَخِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بخ بخ؟)) قال: لا والله يا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: ((فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا)) قال: فَأَخْرَجَ (١) ابن هشام ٦٦٣/١، وابن كثير ٤٣٢/٢، ٤٣٣، و((شرح المواهب)) ٤٢٣/١. ١٦٢ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثم قالَ: لَئِنْ حَبِيتُ حَتَّى آَكُلَ تَمَرَاتِي هُذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ الثَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ(١). فكان أول قتیل. وأخذ رسول الله ◌ََّ مِلءَ كَفِّهِ مِنَ الحصباءِ، فَرَمَى بِهَا وجوهَ العَدُوِّ، فلم تترك رَجُلاً مِنهم إلاَّ ملأتْ عينيه، وشُغِلُوا بالتراب في أعينهم، وشُغِلَ المسلمُونَ بقتلهم (٢)، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله. ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. شأن ﴿وما رميت إذ رميت ... ﴾ وقد ظن طائفة أن الآية دلَّت على نفي الفعل عن العبد، وإثباتِهِ لله، وأنه هو الفاعلُ حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية: أن الله سبحانه أثبت لِرسوله ابتداءَ الرَّمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته فالرميُّ يُرادُ به الحذفُ والإيصال، فأثبت لنبيه الحذفَ، ونفى عنه الإِيصال. (١) أخرجه أحمد ١٣٦/٣، ١٣٧، ومسلم (١٩٠١)، والحاكم ٤٢٦/٣ من حديث أنس بن مالك، وقوله: ((بخ بخ) فيه لغتان: إسكان الخاء، وكسرها منوناً، وهي اسم فعل بمعنى استحسن، تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير، وقوله: ((فأخرج تمرات من قرنه)) أي جعبة النشاب. (٢) أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بسند قال فيه الهيثمي ٨٤/٦: رجاله رجال الصحيح أن النبي ◌َّ قال لعلي: ((ناولني كفاً من حصى، فناوله، فرمى به وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء فنزلت: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وفي حديث عبد الله بن صعير المتقدم: وأمر رسول الله مخيّة، فأخذ كفاً من الحصى بيده، ثم خرج، فاستقبل القوم، فقال: ((شاهت الوجوه) ثم نفحهم بها، ثم قال لأصحابه: ((احملوا، فلم تكن إلا الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر منهم))، وعن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر أمر رسول الله ◌َلا، فأخذ كفاً من الحصى، فاستقبلنا به، فرمى بها، وقال: ((شاهت الوجوه)»، فانهزمنا، فأنزل الله عز وجل: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) قال الهيثمي في ((المجمع)) ٨٤/٦: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وانظر ابن كثير ٢٩٥/٢. ١٦٣ مشاركة الملائكة وكانت الملائكة يومئذ تُبادِرُ المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: (بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَه، وَصَوْتُ الفَارِسِ فَوْقَهُ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُوم، إِذْ نَظَرَ إِلى المُشْرِكِ أَمَامَهُ مُسْتَلْقِياً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةٍ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذُلِكَ أجْمَعُ، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذُلِكَ رَسُولَ الله ◌َِّ، فَقَالَ: ((صَدَقْتَ ذُلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثالثة))(١). وقال أبو داود المَازِني: ((إِنِّي لأَتْبَعُ رَجُلاً مِن المُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهِ، إِذْ وَقَعَ رَأْسُه قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي)»(٢) . وجاء رجلٌ مِن الأنصارِ بالعبّاسِ بنِ عبد المطلب أَسيراً، فقال العباسُ: إِنَّ هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، مِن أحسن النَّاسِ وجهاً، على فرس أَبْلَق ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرتُه يا رسول الله، فقال: ((اسْكُتْ فَقَدْ أَيَّدَكَ اللَّهُ بِمَلَكِ كَرِيمٍ)). وأسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباسُ، وعقيلٌ، ونوفل بن الحارث(٣) . وذكر الطبراني في ((معجمه الكبير)) عن رِفاعة بن رافع، قال: لما رأى إبليسُ ما تفعَلُ الملائكةُ بالمشِرِكِينَ يومَ بدر، أشفق أن يَخْلُصَ القتلُ إليه، فتشبَّكَ بِهِ الحارث بن هشام، وهو يظنُّه سُراقَةَ بنَ مالك، فوكز في صَدْرِ الحارث فألقاه، ثم خَرَجَ هارِباً حتى ألقى نفسَه في البحر، ورفع يديه وقال: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ نَظِرَتَكَ إِيَّاي، وخاف أن يخلُصَ إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام، فقال: يا قصة إبليس مع أبي جهل (١) أخرجه مسلم (١٧٦٣) في الجهاد: باب الإِمداد بالملائكة من حديث عمر رضي الله عنه . (٢) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٦٣٣/١، وأحمد في ((المسند)) ٤٥٠/٥ من طريق ابن إسحاق، حدثني أبي إسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن عن أبي داود المازني، و سنده حسن . (٣) أخرجه أحمد ١١٧/١ من حديث علي رضي الله عنه، وسنده صحيح. ١٦٤ معشر النَّاس! لا يَهْزِمَنَّكُمْ خِذْلانُ سُرَاقَةَ إِيَّاكُم، فإنَّهُ كَانَ عَلى مِيعاد مِنْ مُحَمَّدٍ، ولا يَهولنَّكُمْ قَتْلُ عُتْبَة وَشَيْبَةَ والوَلِيدِ، فإِنَّهُم قد عجلوا، فوالَّلاتِ والعُزَّى، لا نرجِعُ حتى نَقْرِنَهُم بالحِبال، ولا أُلِفِيَنَّ رَجُلاً مِنْكُمْ قَتَلَ رجلاً مِنهم، ولكن خُذوهم أخذاً حتى نُعَرِّفَهم سوء صنيعهم(١). دعاء أبي جهل لربه واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم، فقال: اللَّهُمَّ أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه فأَحِنْهُ الغداة، اللهم أيَُّا كان أحبَّ إليكَ، وأرضى عِنْدَكَ، فانصره اليومَ، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتَحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ وإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَنَّكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]. ولما وضع المسلمون أيديَهم في العدو يقتلون ويأسِرون، وسعدُ بن معاذ كراهة سعد بن معاذ واقفٌ على بابِ الخيمة التي فيها رسولُ اللهَ ﴿ وهي العَرِيشُ متوشِّحاً بالسيف في لأسر المشركين ناس مِن الأنصار، رأى رسولُ الله ◌َّهَ في وجهِ سعدِ بنِ معاذ الكراهية لما يصنَعُ الناسُ، فقالَ رسولُ الله ◌ِِّ: ((كأنَّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ؟» قال: أجَلْ والله كانت أولَ وقعةٍ أوقعها الله بالمشركين، وكان الإِثْخانُ في القتل أحَ إليَّ من استبقاء الرجال(٢). ولما بردت الحربُ، وولَّى القومُ منهزمِينَ، قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟)) فانطلقَ ابنُ مسعودٍ، فوجَدَهُ قد ضَرَبَهُ ابنا عَفْراء حتَّى بَرَدَ، وأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فقال: أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: لمَن الدَّائِرَةُ اليوم؟ فقال: لِلَّهِ وَلِرَسوله، وهَلْ أَخْزَاكَ الله يَا عَدُوَّ الله؟ فقال: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ فَقَتَلَهُ عبدُ الله، ثم أتى النبي ◌َِّ، فقال: قتلتُه: فقال: ((الله الَّذِي لا إله إلا هُو)) فرذَدَهَا إجهاز ابن مسعود على أبي جھل (١) أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٧٧/٦، وقال: رواه الطبراني، وفيه عبد العزيز بن عمران، وهو ضعيف، ووصفه الحافظ في ((التقريب)) بقوله: متروك، احترقت كتبه، تحدث من حفظه، فاشتد غلطه . (٢) ذكره ابن هشام ١ / ٦٢٨ . ١٦٥ ثلاثاً، ثم قال: الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه)) فانطلقنا فأريته إياه، فقال: ((هذا فِرْعَوْنُ هُذِهِ الأُمَّةِ))(١). قتل أمية بن خلف وابنه وأسر عبدُ الرحمن بنُ عوف أُميَّةَ بن خلف، وابتَه علياً، فأبصره بلالٌ، وكان أميّةُ يُعذِّبُه بمكة، فقال: رأسُ الكفر أمية بن خلف، لا نَجَوْتُ إن نَجَا، ثم اسْتَوْخَى (٢) جماعةً مِنَ الأَنْصَارِ، واشتد عبد الرحمن بهما يُحرِزهما مِنهم، فأدركُوهم، فشغَلَهم عَنْ أميَّة بابنه، فَفَرَغُوا مِنْه، ثم لَحِقُوهما، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرحمن: ابْرُك، فَبَرَكَ فَألْقَى نَفْسَه عَلَيْهِ، فَضَرَبُوهُ بالسُّيُوفِ مِنْ تَحتِهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وأصابَ بعضُ السيوف رِجْلَ عبد الرحمن بن عوف، قال له أمية قبل ذلك: مَن الرَّجُلُ المُعَلَّمُ فِي صَدْرِهِ بِرِيشَةِ نَعَامَةَ؟ فَقَالَ: ذُلِكَ حمزةُ بنُ عبد المطلب. فقال: ذَاكَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا الأفاعِيلَ، وكانَ مع عبد الرحمن أدرائعٌ قد استلبها، فلما رآه أميّةُ قال له: أنا خَيْرٌ لَكَ مِنْ هذه الأدراع، فألقَاهَا وأخذه، فَلَمَّا قتله الأنْصارُ، كَانَ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّهُ بِلالاً، فَجَعَنِي بأدْرَاعِي وبأَسِيري(٣). وانقطع يومئذ سيفُ عُكَّاشَة بنِ مِحْصَنٍ، فأعطاهُ النبيُّ ◌َ جِذْلاً مِنْ خَطَبٍ، فَقَالَ: ((دُونَكَ هُذَا))، فلما أخذه عُكَّاشَةُ وهزَّه، عاد في يده سيفاً طويلاً شديداً انقطاع سيف عكاشة (١) أخرجه مختصراً البخاري ٢٢٩/٧ في المغازي: باب دعاء النبي ◌ّيّ على كفار قريش، وباب شهود الملائكة بدراً، ومسلم (١٨٠٠) في الجهاد: باب قتل أبي جهل، وأحمد ١١٥/٣ و١٢٩ و٢٣٦ من حديث أنس، وأخرجه بطوله أحمد ٤٤٤/١ من حديث ابن مسعود، ورجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٧٩/٦ عن الطبراني، وقال: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب بن أبي كريمة، وهو ثقة. (٢) استصرخ. (٣) أخرجه ابن هشام ٦٣٢/١ عن ابن إسحاق، وسنده حسن، وأخرجه بنحوه البخاري ٣٩٢/٤ في الوكالة: باب إذا وكل المسلم حربياً ... ، و٢٣٣/٧. ١٦٦ أبيض، فلم يزل عنده يُقاتِلُ به حتَّى قُتِلَ في الرِّدة أيامَ أبي بكر (١). ولقي الزبيرُ عُبيدةَ بن سعيد بنِ العاص، وهو مُدَجَّجٌ في السلاح لا يُرَى مِنه إلا الحَدَقُ، فحمل عليه الزبيرُ بحربته، فطعنه في عينه، فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطَّى، فكان الجَهْدُ أن نزعها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسولُ الله ◌َ، فأعطاه إياها، فلما قُبِضَ رسولُ الله ◌ِ﴾، أخذَها، ثم طَلَبها أبُو بكر، فأَعطَاه إياها، فلما قُبِض أبو بكر، سأله إيَّاها عمر، فأعطاه إياها، فلما قُبِضَ عُمرُ، أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قُبضَ عثمانُ، وقعت عِند آلٍ علي، فطلبها عبدُ الله بن الزبير، وكانت عنده حتى قُتِلَ (٢). قتل الزيبر عبيدة بحربته وما كان من أمر هذه الحرية وقال رِفاعةُ بنُ رافع: رُمِيتُ بسهمٍ يومَ بدر، فَفُقِئَتْ عيني، فَبَصَقَ فيها فقء عين رفاعة بن رافع رَسُولُ الله ◌ِيّة ودعالي، فما آذاني منها شيءٍ(٣). ولما انقضتِ الحربُ، أقبلَ رسولُ الله ◌َِّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى القَتْلَى فقال: (ِْسَ عَشيرةُ النبي كُنْتُمْ لِنَبِيكُم، كَذَّبْتُمُوني، وصَدَّقَنِي النَّاسُ، وخذَلْتَموني وقوفه لة على القتلى ونَصَرَنِي النَّاسُ، وأَخْرَ جْتُموني وآواني النَّاسُ)) (٤). (١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٣٧ عن ابن إسحاق بغير سند. (٢) أخرجه البخاري ٧/ ٢٤٣ في المغازي: بعد باب شهود الملائكة بدراً. (٣) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) فيما ذكره الحافظ ابن كثير في السيرة ٤٤٨/٢ من طريق الحاكم أخبرنا محمد بن صالح، أخبرنا الفضل بن محمد الشعراني حدثنا إبراهيم بن المنذر، أخبرنا عبد العزيز بن عمران، حدثني رفاعة بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه، وقال: وهذا غريب من هذا الوجه، وإسناده جيد، ولم يخرجوه، ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن المنذر، وما ندري كيف يكون هذا الإسناد جيداً، وفيه عبد العزيز بن عمران الزهري الذي قال فيه النسائي: متروك، وقال البخاري: منكر الحديث لا يكتب حديثه، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جداً، وضعفه الترمذي والدارقطني، وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير، وقال عمر بن شبة: کان کثیر الغلط في حديثه احترقت کتبه، فکان یحدث من حفظه. (٤) أخرجه ابن هشام ٦٣٩/١ عن ابن إسحاق حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ... وهذا سند معضل. وأخرجه أحمد ٦/ ١٧٠ عن عائشة مرفوعاً بلفظ: ((جزاكم الله = ١٦٧ ثم أمر بهم، فسُحِبوا إلى قَلِيبٍ مِن قُلُب بدر، فطُرِحُوا فيه، ثم وقف عليهم، فقال: ((يا عُثْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ويا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَة، ويا فلانُ، ويا فُلانُ، هَل وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رِبُّكم حَقّاً، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقّاً»، فقال عُمَرُ بنُ الخطاب: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما تُخَاطِبُ مِنْ أقوام قَدْ جَيَّقُوا؟ فقالَ: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الجَوابَ))(١)، ثم أقامَ رسولُ اللهَِّ بِالعَرْصَةِ ثَلاثاً، وكانَ إذا ظَهَرَ عَلَى قَوْمِ أَقَامَ بِعَرْصَتِهِم ثلاثاً(٢). رجوعه # من بدر ثم ارتحل مؤيَّداً منصوراً، قريرَ العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانمُ، فلما كان بالصَّفراء، قسمَ الغنائم، وضرب عُنُقَ النَّضْرِ بن الحارث بن كلدة، ثُمَّ لما نَزَلَ بِعِرْقِ الظَِّيَةِ، ضرب عُنُقْ عُقبةَ بن أبي مُعَيْط. ودخل النبي ◌ََّ المدينةَ مؤيداً مظفَّراً منصوراً قد خافه كُلُّ عدوٍ له المدينة وحولَها، فأسلم بشر كثير مِن أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبيِّ المنافقُ وأصحابُه في الإِسلام ظاهراً. جملة من حضر بدراً وجملة من حضر بدراً من المسلمين ثلاثمائة وبضعةً عشر رجلاً، من المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحدٌ وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون، وإنما قَلّ عددَ الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشدَّ منهم، وأقوى شوكَةً، وأصبرَ عند اللقاء، لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفيرُ شراً من قوم نبي، ما كان أسوأ الطرد وأشد التكذيب)) ورجاله ثقات، لكنه منقطع، = لأن إبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة. (١) أخرجه البخاري ٧/ ٢٣٤ في المغازي: باب دعاء النبي ◌َّيّ على كفار قريش، ومسلم (٢٨٧٤) في الجنة: باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، والنسائي ١٠٩/٤ و١١٠ من حديث أنس وأخرجه أحمد ١٣١/٢، والنسائي ١١١/٤ من حديث ابن عمر. (٢) أخرجه البخاري ١٢٦/٦ من حديث أبي طلحة، والعرصة بفتح العين والصاد وسكون الراء: البقعة الواسعة بغير بناء من دار وغيرها. ١٦٨ ٤ بغتةً، وقال النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لا يَتْبَعُنَا إِلَّ مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِراً)، فاستأذنه رِجالٌ ظُهورُهم في عُلو المدينة أن يستأنيَ بهم حتى يذهبُوا إلى ظهورهم، فأبى(١) ولم يَكُن عَزْمُهُم عَلَى اللّقَاءِ، ولا أعدُّوا لهُ عدته، ولا تأهبوا له أهبتَه، ولكن جمع الله بينهم وبينَ عدوهم على غير ميعاد. شهداء المسلمين واستشهد من المسلمين يومئذ أربعةَ عشرَ رجلاً: ستةٌ من المهاجرينَ، وستة من الخزرج، واثنانِ من الأوس، وفرغ رسولُ الله ◌ٍَّ من شأن بدر والأسارى في شوال(٢) . فصل غزو بني سُليم ثم نهض بنفسه صلواتُ الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعةِ أيَّامٍ إلى غَزوٍ بني سُليم، واستعمل على المدينةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ، وقيل: ابن أمِّ مكتوم، فبلغ ماءً يُقال له: الكُدْرُ، فأقام عليه ثلاثاً، ثم انصرف، ولم يلق كيداً(٣). فصل ولما رجع فَلُّ المشرِكِينَ إلى مكَّةَ موتُورين، محزونين، نَذَرَ أبو سفيان أن لا يَمَسَّ رأسَه ماءٌ حتى يغزوَ رسولَ اللهَِّ، فخرج في مائتي راكِبٍ، حتى أتى العُرَيْضَ في طرفِ المدينة، وبات ليلةً واحدة عند سلام بن مِشْكَم اليهودي، فسقاه الخمرَ، وبَطَنَ له مِن خبر الناس، فلما أصبح، قطع أَصْواراً(٤) مِنَ النخل، غزوة السويق (١) أخرجه مسلم (١٩٠١) في الإمارة: باب ثبوت الجنة للشهيد، وأحمد ١٣٦/٣ من حديث أنس بن مالك. (٢) انظر أخبار غزوة بدر في ابن هشام ٦٠٦/١، ٧١٥ و٤٣/٢، وابن سعد ١١/٢، ٢٧، وابن كثير ٣٨٠/٢، ٥١٥، و((شرح المواهب)) ٤٠٦/١، ٤٥٣، والطبري ٢٦٥/٢، وابن سيد الناس ٢٣٠/١. ابن هشام ٤٣/٢، ٤٤ وابن سعد ٣٥/٢، ٣٦، وابن سيد الناس ٢٩٤/١، وابن (٣) كثير ٥٣٩/٢، و((شرح المواهب)) ٤٥٤/١. (٤) أصوار جمع صور، والصور جمع لا واحد له من لفظه، وهو النخل الصغار، أو = ١٦٩ وقتل رجلاً من الأنصار وحليفاً له، ثم كرَّ راجعاً، ونَذِرَ به رسولُ الله ◌ِثَّةِ، فخرج في طلبه، فبلغ قَرْقَرَةَ الكُذْرِ، وفاته أبو سفيان، وطرحَ الكفارُ سويقاً كثيراً مِن أزوادِهم يتخفَّفُونَ به، فأخذها المسلمون، فَسُمِّيَتْ غزوةَ السويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرین(١) . فأقامَ رسولُ اللهِّ بالمدينةِ بَيَّةَ ذِي الحِجَّة، ثم غزا نجداً يُرِيدُ غطفان، واستعملَ على المدينةِ عُثمانَ بن عفان رضي الله عنه، فأقام هُناك صَفَراً كُلَّه مِن السنة الثالثة، ثم انصرف، ولم يلق حرباً(٢). فصل فأقامَ بالمدينة ربيعاً الأول، ثم خرجَ يُريدُ قريشاً، واستخلف على المدينة ابنَ أُمّ مكتوم، فبلغ بُحَران مَعْدِناً بالحِجَازِ من ناحية الفُرْع، ولم يَلْقَ حَرباً، فأقَام هُنَالك ربيعاً الآخر، وجُمادَى الأولى، ثم انصرف إلى المدينة(٣). غزوة الفُرع فصل ثم غزا بني قَيْنُقَاعِ، وكانُوا مِن يهودِ المدينة، فنقضُوا عهدَه، فحاصرهم خمسة عشرَ ليلةً حتى نزلُوا على حُكمه، فَشَفَعَ فيهم عبدُ الله بن أبي، وألحَّ عليه، فأطلقهم له، وهم قومُ عبدِ الله بن سلام، وكانوا سَبعمائة مقاتل، وكانوا صاغة وتجاراً(٤). غزوة بني قينقاع جماع النخل. (١) ابن هشام ٤٤/٢، ٤٥، وابن سعد ٣٠/٢، وشرح المواهب ٤٥٨/١، وابن سيد الناس ٣٤٤/١، وابن كثير ٥٢٠/٢. (٢) ابن هشام ٤٦/٢، وابن سعد ٣٤/٢، ٣٥، وابن كثير ٣/٣، ٥، وابن سيد الناس ٣٠٣/١. (٣) ابن هشام ٤٦/٢، وابن كثير ٤/٣، ٥، و((شرح المواهب)) ١٦/٢، وابن سعد ٣٥، ٣٦، وابن سيد الناس ٣٠٤/١. (٤) ابن هشام ١٧/٢، وابن سعد ٢٨/٢، وابن كثير ٥/٣، و((شرح المواهب)) ٤٥٦/١، وابن سيد الناس ٢٩٤/١. ١٧٠ فصل في قتل كعب بن الأشرف وكان رجلاً مِن اليهود(١)، وأُّه مِن بني النضير، وكان شديدَ الأذى لرسول الله مَ ﴿، وكان يُشَبِّبُ في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعةُ بدر، ذهب إلى مكة، وجعل يُؤَلِّبُ على رسول اللهِهِ، وعَلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينةِ على تلك الحالِ، فقال رسولُ الله ◌َ: ((مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فإنَّهُ قَدْ آذَى الله ورَسُولَهُ»، فانتدب له محمدُ بنُ مَسْلَمَة، وعَبَّادُ بْنُ بِشْر، وأبو نَائِلة واسمه سِلْكَانُ بْنُ سلامة، وهو أخو كعبٍ من الرضاع والحارث بن أوس، وأَبُو عَبْسٍ بنُ جَبر، وأذن لهم رسولُ الله ◌َ أن يقولوا ما شاؤوا مِنْ كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مُقْمِرَةٍ، وشيَّعهم رسولُ الله ◌ِيهَ إلى بَقّيعِ الغَرْقَدِ، فلما انْتَهوا إليه، قدَّموا سِلْكَانَ بْنَ سَلاَمَة إليه، فأظهر له موافقته على الانحرافِ عن رسولِ الله ◌ِّ، وشَكَا إليه ضِيقَ حاله، فكلَّمَهُ في أن يَبيعه وأصحابَه طعاماً، ويَرْهَنُونَه سِلاَحَهم، فأجابهم إلى ذلك. وَرَجَعْ سِلْكَان إلى أصحابه، فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم مِن حِصنه، فَتَمَاشَوْا، فوضَعُوا عليه سُيُوفَهم، ووضع محمدُ بن مَسْلَمَة مِغْولاً (٢) كان معه في (١) قال ابن إسحاق وغيره: كان عربياً من بني نبهان وهم بطن من طيء، وكان أبوه أصاب دماً في الجاهلية، فأتى المدينة، فحالف بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبيه الحقيق، فولدت له كعباً، وكان طوالاً جسيماً ذا بطن وهامة. وروى أبو داود (٣٠٠٠) من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه أن كعب بن الأشرف كان شاعراً وكان يهجو النبي ◌َّة، ويحرض عليه كفار قريش وكان النبي ◌َّر حين قدم المدينة وأهلها أخلاط، فأراد رسول الله يخثا استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر الله رسوله﴿ والمسلمين بالصبر، فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه، أمر رسول الله إنتر سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً ليقتلوه. (٢) هو شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت الثياب، وقيل: هو حديدة دقيقة لها حدٌّ = ١٧١ تُنَتِهِ، فقتله، وصاحَ عدوُ الله صيحةً شديدة أفزعت مَنْ حوله. وأوقدوا النيرانَ، وجاء الوفدُ حتى قَدِمُوا على رسول الله ◌َّ مِن آخر الليل، وهو قائم يُصلي، وجُرِعَ الحارث بن أوس ببعض سيوفِ أصحابه، فتفل عليه رسولُ الله ◌ِّ، فبرىء، فَأَذِنَ رسولُ الله ◌َِّ في قتل مَنْ وجد مِن اليهود لنقضهم عهده ومحاربتهم الله ورسوله (١). فصل في غزوة أحد ولما قتل اللَّهُ أشرافَ قريشٍ ببدر، وأَصيبُوا بمصيبةٍ لم يُصابُوا بمثلها، ورَأَسَ فيهم أبو سفيانَ بنُ حربٍ لِذهاب أكابرهم، وجاء كما ذكرنا إلى أطرافٍ المدينة في غزوة السَّويق، ولم يَثَلْ ما في نفسه، أخذ يُؤلِّبُ على رسول الله ◌ِّ وعلى المسلمين، ويجمِّع الجموعَ، فجمع قريباً مِن ثلاثةِ آلافٍ من قريش، والحلفاء، والأحابيش (٢)، وجاؤوا بنسائهم لئلا يَفِرُّوا، وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحوَ المدينة. فنزل قريباً مِن جبل أحد بمكان يقال لهُ: عَيْنَيْنِ، وذلك في ماضٍ وقفا، وقيل: هو سوط في جوفه سيف دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال = الناس، والثنة من الإنسان: ما دون السرة فوق العانة أسفل البطن. (١) خبر مقتل كعب بن الأشرف في ((البخاري)) ٢٥٩/٧، ٢٦٠ في المغازي: باب قتل كعب بن الأشرف، وفي الرهن: باب رهن السلاح، وفي الجهاد: باب الكذب في الحرب، وباب الفتك بأهل الحرب، ومسلم (١٨٠١) في الجهاد: باب قتل كعب بن الأشرف، وأبي داود (٢٦٧٨)، وابن هشام ٥١/٢، ٥٨، وابن سعد ٣١/٢، ٣٤، و((شرح المواهب)) ٨/٢، ١٤، وابن كثير ٩/٣، ١٧ . (٢) الأحابيش: أحياء من القارة، انضموا إلى بني ليث في الحرب التي وقعت بينهم وبين قريش قبل الإسلام، وقيل: بل إن بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة، اجتمعوا عند جبل حبشي بأسفل مكة، وحالفوا عنده قريشاً، وتحالفوا بالله: إنا ليد على غيرنا ما سجا ليل ووضح نهار، وما أرسى حبشي مكانه، فسموا أحابيش قريش باسم الجبل. ١٧٢ مشورته 14 أصحابه في الخروج شوال مِن السنة الثالثةِ، واستشار رسولُ الله ◌َّ أصحابه أیخرُج إليهم، أم یمكُث في المدينة؟ وكان رأيُه ألا يخرجُوا من المدينة، وأن يتحصَّنُوا بها، فإن دخلوها، قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنِّساء مِن فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبدُ الله بن أبي، وكان هو الرأيَ، فبادر جماعةٌ مِن فُضلاء الصحابة ممن فاته الخروجُ يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألُوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعضُ الصحابةِ، فألحَّ أولئك على رسول الله بَّة، فنهض ودخل بيته، ولَبِسَ لأَمَتَهُ، وخرج عليهم، وقد انثنى عزمُ أولئك، وقالوا: أكْرَهْنَا رَسُولَ اللَّهِ بَيَ على الخُروج، فقالوا: يا رسولَ الله! إن أحببتَ أن تَمْكُثَ في المدينة فافعَلْ، فقال رسول الله ◌ِّ: ((مَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ إِذَا لَبِسَ لأُمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَهُ وبَيْنَ عدوّه))(١). رؤياە﴾ فخرج رسولُ اللَّهِ رَّ في ألف من الصحابة، واستعمل ابنَ أُمّ مكتُوم على الصلاة بمن بقي في المدينة، وكان رسولُ الله رأى رؤيا، وهو بالمدينةِ، رأى أن في سيفِه ثُلْمَةً، ورأى أن بقراً تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حَصِينةٍ، فتأول الثُّلمة في سيفه برجل يُصاب مِن أهل بيته، وتأوَّل البقرَ بِنَفَرِ مِن أصحابه يُقتلون، وتأول الدِّرع بالمدينة(٢). فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشَّوْط بَيْنَ المدينةِ وأُحُد، انخزَلَ عبدُ الله بن أبي بنحو ثُلثِ العسكر، وقال: تُخالفني وتسمَعُ مِن غيري، فتبعهم انخزال بن أبي بذهو ثلث عبدُ الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله يُوبِّخهم ويحضُّهم على العسكر الرجوع، ويقول: تعَالَوْا قاتِلُوا في سبيل الله، أو ادفعوا. قالوا: لو نَعلَمُ أنكم (١) أخرجه ابن هشام ٦٣/٢، ٦٦ عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره مرسلاً، وعلق البخاري ٢٨٤/١٣ بعضه، وأخرجه بتمامة وبنحوه أحمد ٣٥١/٣، والدارمي ١٢٩/٢، ١٣٠ موصولاً من طريق أبي الزبير عن جابر، ورجاله ثقات، وله شاهد من حديث ابن عباس عند الحاكم ١٢٨/٢، ١٢٩ و٢٩٦، ٢٩٧، وأحمد (٢٩٠) وصححه ووافقه الذهبي. (٢) هو قطعة من حديث جابر المتقدم آنفاً. ١٧٣ تُقاتلون، لم نرجع، فرجع عنهم، وسبّهم، وسأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحُلفائهم مِن يهود، فأبى، وسلك حرَّة بني حارثة، وقال: ((مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى القَوْمِ مِنْ كَثَبٍ؟))، فخرج به بعضُ الأنصارِ حتى سلَك في حائط لِبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحتُو الترابَ في وجوه المسلمين ويقول: لا أُحِلُّ لكَ أن تدخُلَ في حائطي إن كنتَ رسولَ اللَّهِ، فابتدره القومُ لِيقتلوه، فقال: ((لا تقتُلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصرِ». ونفذ رسولُ الله ◌َِّ حتى نزلَ الشِّعبَ مِن أُحُد في عُدْوَةِ الوَادِي، وجعلَ ظهرَه إلى أُحد، ونهى الناسَ عَنِ القِتَال حتى يأمرهمْ، فلما أصبحَ يومَ السبت، تَعَبَّى لِلقتال، وهو في سبعمائة، فيهم خمسون فارساً، واستعمل على الرُّماة - وكانوا خمسين - عبدَ الله بن جُبير، وأمره وأصحابَه أن يَلزمُوا مركزهم، وألا يُقارِقُوه، ولو رأى الطيرَ تتخطفُ العسكر، وكانوا خلفَ الجيش، وأمرَهُم أَنْ يَنْضَحُوا المُشْرِكِينَ بِالنَّبْلِ، لِئَلا يَأْتُوا المُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِم (١). فظاهر رسولُ اللهِبَّهَ بَيْنَ دِرْعَيْن يومِئِذٍ، وأعطى اللواء مُصْعَبَ بنَ عُمير، وجعل على إحدى المجَنِّتَيْنِ الزبيرَ بنَ العوام، وعلى الأخرى المُنذرَ بنَ عمرو، واستعرض الشبابَ يومئذٍ، فردَّ مَن استصغره عن القتال، وكان منهم عبدُ الله بنُ عمر، وأسامة بن زيد، وأُسَيْدُ بن ظَهِيرٍ، والبراءُ بنُ عازب، وزيدُ بن أرقم، مشاركة الشباب (١) ذكره ابن هشام ٦٥/٢ عن ابن إسحاق بلا سند، وأخرج البخاري ٢٦٩/٧ من حديث البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ◌َّر جيشاً من الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: ((لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا، فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا، فلا تعينونا ... )) وأخرجه أحمد ٢٩٣/٤ و٢٩٤، وأبو داود (٢٦٦٢) عنه قال: جعل رسول الله يَّر على الرماة يوم أُحُد - وكانوا خمسين رجلاً - عبد الله بن جبير، قال: ووضعهم موضعاً، وقال: ((إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو، وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم ... )) وله شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد ٢٨٧/١، ٢٨٨، وسنده قوي. ١٧٤ وزيدُ بن ثابت، وعَرَابةُ بن أوس، وعمرو بنُ حَزْمِ، وأجَازَ مَن رآهُ مُطِيقاً، وكان مِنهم سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ، ورافعُ بن خَديج، ولهما خمسَ عشْرة سنة. فقيل: أجاز من أجاز لبلوغه بالسِّنِّ خمس عشرة سنةً، وردَّ مَن رَدَّ لِصغره عن سِنِّ البُلُوغ، وقالت طائفة: إنما أجازَ مَنْ أجاز لإِطاقته، وردَّ من رَدَّ لِعدم إطاقته، ولا تأثيرَ للبلوغ وعدمِه في ذلك قالوا: وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر: ((فلمَّا رَآني مُطِقاً، أَجَازَني))(١). وتعبَّتْ قريشٌ للقتال، وهم في ثلاثةِ آلافٍ، وفيهم مائتا فارسٍ، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرةِ عكرمةَ بن أبي جهل، ودفعَ رسولُ الله ◌َّةٍ سيفَه إلى أبي دُجَانَة سِمَاكِ بنِ خَرَشَةَ، وكان شُجاعاً بطلاً يَخْتَالُ عِند الحرب. وكان أوَّلَ مَنْ بَدَرَ مِن المشركين أبو عامر الفاسِقُ، واسمه عبدُ عَمْرِو بن خبر أبي عامر الفاسق صَيْفِي، وكان يُسَمَّى: الَّراهبَ، فسمَّاهُ رسولُ اللهِ يَّ الفاسِقَ، وكان رأس الأوسِ في الجاهلية، فلما جاء الإِسلامُ، شَرِقَ به، وجاهَرَ رسولَ الله ◌ََّ بالعَدَارة، فخرج مِنَ المدينة، وذهب إلى قُريش يُؤَلَّبُهُم عَلَى رَسُولِ اللهَِّ ويحضُّهم على قِتاله، ووعدَهم بأن قومَه إذا رأوه أطاعُوه، ومالُوا معه، فكان أَوَّل مَنْ لَقِيَ المسلمينَ، فنادى قومَه، وتعرَّف إليهم، فَقَالُوا له: لا أنعم الله بكَ عيناً يَا فَاسِقُ. فقال: لقد أصابَ قومي بعدي شرٌّ، ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً، وكان شِعارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، أَمِتْ(٢). (١) الذي في الصحيح خلاف هذا، فقد روى البخاري ٢٠٤/٥ و٣٠٢/٧، ومسلم (١٨٦٨)، أبو داود (٢٩٥٧) و (٤٤٠٦)، والترمذي (١٧١١) و (١٣٦١)، وابن ماجه (٢٥٤٣) والنسائي ١٥٥/٦، ١٥٦، وأحمد ١٧/٢ عن ابن عمر أن رسول الله ◌َيّ عرضني يوم أَحُد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يُجزني، وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. (٢) أخرجه أبو داود (٢٥٩٦) (٢٦٣٨) وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) وأحمد ٤٦/٤ من حديث عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، وسنده حسن، وصححه = ١٧٥ وأبلى يومئذ أبو دُجَانَةَ الأنصاريُّ، وطلحةُ بنُ عبيد الله، وأسدُ الله وأسدُ رسوله حمزةُ بنُ عبد المطّلب، وعليُّ بنُ أبي طالب، وأنسُ بن النضر، وسعدُ بنُ الربيع. عصيان الرماة لأمره وانتهاز المشركين هذه الفرصة وكانت الدولةُ أوَّلَ النهارِ للمسلمين على الكفَّار، فانهزم عدوُ اللَّهِ، وولَّوا مُذْبِرِينَ حتى انتَهَوْا إلى نِسائهم، فلما رأى الزُّمَاةُ هزيمتهم، تركوا مركَزَهم الذي أمرهم رسولُ الله ◌َ﴿ بحفظه، وقالوا: يا قومُ الغنيمةَ فذكَّرهم أميرُهم عهدَ رسولِ اللهِ يَّةٍ، فلم يسمعُوا، وظنوا أن ليس للمشركين رجعةٌ، فذهبُوا في طلب الغنيمةِ، وأخْلُو الثَّغْرَ، وكرَّ فُرْسَانُ المشركين، فوجدوا الثَّغْرِ خالياً، قد خلا مِن الزُّماة، فجازُوا منه، وتَمَكَّنُوا حتى أقبل آَخِرهُم، فأحاطُوا بالمسلمين، فأكرم اللَّهُ مَنْ أكرمَ منهم بالشهادة، وهم سبعون(١)، وتولَّى الصَّحَابة، وخلَصَ المشركون إلى رسولِ الله ◌ََّ فجرحُوا وجهَه، وكسروا رَبَاعِيَّتَه اليُمْنى، وكانت السُّفلى، وهَشَمُوا البيضة على رأسه(٢) ورمَوْهُ بالحِجَارة حتى وقع لِشقه، وسقط في حُفرة مِن الحُفَرِ التي كان أبو عامر الفاسِقُ يَكيدُ بها المسلمين، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحةُ بنُ عُبيد الله، وكان الذي تولَّى أذاه ◌ََّ عَمْرُو بنُ قَمِئَةَ، وعُتْبَةُ بنُ أبي وقاص، وقيل: إن عبد الله بن شهاب الزهريَّ، عمّ محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، هو الذي شجَّهُ. ما أصيب به ێ﴾ وقُتِلَ مصعب بن عمير بين يديه، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حَلَقَتَانِ مِن حلق المِغْفَرِ في وجهه، فانتزعهما أبُو عبيدة بن الجراح، قتل مصعب بن عمير الحاكم ١٠٧/٢ وأخرجه الدارمي ٢١٩/٢، والحاكم ١٠٧/٢، ١٠٨ من حديث أبي = العميس عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة، وإسناده صحيح. (١) أخرجه ابن هشام ٢/ ٧٧ عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير أنه قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلَّوْا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: إلا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا، وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم. وإسناده صحيح. (٢) أخرجه البخاري ٦٩/٦، ٧١، و٢٨٦/٧ و١٤٦/١٠، ومسلم (١٧٩٠) من حديث سهل بن سعد . ١٧٦ شأن مالك بن سنان وعضَّ عليهما حتى سقطت ثنيتاه مِن شدَّةٍ غوصِهِمَا في وجْهِهِ، وامتصَّ مَالكُ بنُ سنان والد أبي سعيد الخدري الدَّمَ مِن وجنته، وأدركه المشركون يُريدُونَ ما اللَّهُ حائلٌ بينَهُم وبينَه، فحال دُونَه نفرٌ مِن المسلمين نحوُ عشرة حتى قُتِلُوا، ثم جالدهم طلحةُ حتى أجهضهم عنه، وترَّسَ أبو دُجانة عليه بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرَّك، وأصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان، فأتى بها رسولَ الله ◌ِ ◌ّ، فردَّها عليهِ بيده، وكانَتْ أصحَّ عينيه وأحسنَهما (١)، وصرخ الشيطانُ بأعلى صوتِهِ: إنَّ محمداً قَدْ قُتِلَ، ووقع ذلك في قلوب كثيرٍ من المسلمين، وفرَّ أكثرُهم، وكان أمرُ اللَّهِ قدراً مقدوراً. ومر أنسُ بنُ النَّضر بقوم من المسلمين قد أَلْقَوا بأيديهم، فقال: ما فر نس بن النضر تنتظِرُونَ؟ فقالوا: قُتِلَ رسولُ اللَّهِ مَّةِ، فقال: ما تَصْنَعُونَ في الحياة بعده؟ قومُوا فموتُوا على ما مَاتَ عليه، ثم استقبلَ الناسَ، ولقي سعدَ بنَ معاذ (١) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) فيما ذكره ابن كثير ٤٤٧/٢ من حديث يحيى الحماني، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان أنه: ((أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا رسول الله ، فقال: ((لا))، فدعاه فغمز حدقته براحته، فكان لا يدري أي عينيه أُصيب)) ورجاله ثقات خلا عمر بن قتادة، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يروِ عنه سوى ابنه عاصم ... قال الحافظ في ((الإصابة)) (٧٠٧٨): وجاء من وجه آخر أنها أصيبت يوم أُحُد أخرجه الدارقطني وابن شاهين من طريق عبد الرحمن بن يحيى العذري، عن مالك، عن عاصم عن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم أحد، فوقعت على وجنته، فردها النبي ◌َّ، فكانت أصح عينيه. وعبد الرحمن بن يحيى العذري، قال العقيلي: مجهول لا يقيم الحديث من جهته، وأخرجه الدارقطني والبيهقي في ((الدلائل)) من طريق عياض بن عبد الله بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري عن قتادة أن عينه ذهبت يوم أُحُد، فجاء النبي ◌َّ ◌َ فردها فاستقامت، وساقها ابن إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ٨٢/٢ وطبقات ابن سعد ٤٥٣/٣ عن عاصم بن عمر بن قتادة مطولة مرسلة، وقد قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): والأول أصح. وانظر ابن سعد ١/ ١٨٧، ١٨٨. ١٧٧ فقال: يَا سَعْدُ إني لأَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ مِنْ دُونِ أَحُد، فقاتل حتى قُتِلَ، ووُجِدَ به جرح عبد الرحمن بن سبعونَ ضَربةُ(١)، وجُرِحَ يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحواً من عشرينَ عوف جراحة . قتله * أبيَّ بن خلف وأقبل رسولُ اللَّهِ ◌َ﴿ه نحوَ المسلمين، وكان أوَّل من عرفه تحتَ المِغْفَرِ كعبُ بن مالك، فصاحَ بأعلى صوته: يا معشرَ المسلمين، أَبْشِرُوا هذا رسولُ اللهِ بَّه، فأشار إليه أن اسْكُت، واجتمع إليه المسلمونَ ونهضُوا معه إلى الشّعب الذي نزل فيه، وفيهم أبُو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بنُ الصِّمَّة الأنصاري وغيرُهم، فلما استندوا إلى الجبل، أدركَ رسولَ الله ◌َّة أُبِيُّ بِنُ خَلَف على جواد له يُقال له: العَوْذ، زعم عدوُ الله أنه يقتل عليه رسولَ اللهِ وَّل، فلما اقترب منه، تناول رسولُ اللَّهِ ◌َّ الحربةَ مِن الحارث بنِ الصِّمَّةِ، فطعنَه بها فجاءت في تَرْقُوتِهِ، فكرَّ عدوُ اللَّهِ منهزِمَاً، فقال له المشركون: واللهِ ما بك مِن بأس فقال: واللهِ لو كان ما بي بأهلِ ذِي المَجَازِ، لماتُوا أجمُّعون، وكانَ يَعْلِفُ فرسَه بمكة ويقولُ: أَقْتُلُ عليه محمداً، فبلغ ذلك رسولَ الله وََّ، فقال: (بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى)) فلما طعنَه تَذْكَّر عدُّ الله قوله: أنا قاتِلُه، فأيقن بأنه مقتول مِن ذلِك الجرح، فمات منه في طريقه بِسَرِفَ مَرْجِعَهُ إلى مَّة (٢). (١) أخرجه ابن هشام ٨٣/٢ عن ابن إسحاق حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر .. والقاسم بن عبد الرحمن، ذكره ابن أبي حاتم ١٣/٧ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وأخرجه البخاري بنحوه ١٦/٦، ١٧ و٢٧٤/٧، ومسلم (١٩٠٣) من حديث أنس بن مالك. (٢) أخرجه ابن هشام ٨٤/٢ بلا سند، وأورده ابن كثير ٢/ ٦٣ من رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير، ومن رواية الزهري عن سعيد بن المسيب، وكلاهما مرسل، وهو ضمن حديث مطول أخرجه ابن جرير من طريق السدي مرسلاً كما في ابن كثير ٤٤/٢. ١٧٨ وجاء علي إلى رسولِ الله ◌َّ بماء ليشرب منه، فوجده آجناً، فرده، وغسل عن وجهه الدم، وصبَّ على رأسه. فأراد رسولُ الله ◌ِّر أن يعلُوَ صخرةً هُنالك، فلم يَسْتَطِعِ لِما به، فجلس طلحةُ تحتَه حتى صَعِدَهَا، وحانتِ الصلاةُ، فصَّلى بهم جالساً، وصار رسولُ الله ◌ََّ في ذلك اليوم تحتَ لِواء الأنصار. وشدَّ حنظلةُ الغسيل، وهو حنظلةُ بن أبي عامر على أبي سفيان، فلما حنظلة غسيل الملائكة تمكَّن منه، حَمَلَ على حنظلة شَدَّادُ بنُ الأسود فقتله، وكان جُنُباً، فإنه سَمِعَ الصَّيْحَةَ، وهو على امرأته، فقَامَ مِن فَوره إلى الجهاد، فأخبَرَ رسولُ الله ◌َ أَصْحَابَهُ ((أَنَّ المَلاَئِكَةَ تُغَسِّلُهُ)) ثم قال: ((سَلُوا أَهْلَهُ؟ مَا شَأْنُهُ؟)) فسألُوا امرأته، فَأَخْبَرَتْهُمُ الخَبَرَ(١). وجعل الفقهاءُ هذا حُجة، أن الشهيدَ إذا قُتِلَ جُنباً، يغسّل اقتداءً بالملائكة (٢) وقتل المسلمون حامِلَ لواءِ المشركينَ، فرفَعَتْهُ لهم عَمْرَةُ بنتُ علقمةَ الحَارِثِيَّةِ، حتى اجتمعوا إليه، وقاتلت أُمُ عُمارةَ، وهي نُسيبة بنتُ كعب المازنية قتالاً شديداً، وضَرَبَتْ عمروَ بن قَمِثَةَ بِالسَّيْفِ ضَرَباتٍ فَوَقَتْهُ دِرعانِ كانتا عليه، وضربها عمرو بالسَّيْفِ، فجرحها جُرحاً شديداً على عاتقها. أم عمارة وكان عمرو بن ثابت المعروفُ بالأُصَيْرم من بني عبد الأشهل يأبى شهادةُ الأُصَيْرِم مع أنه لم الإِسلامَ، فلما كان يَوْمَ أُحُدٍ، قذف اللَّهُ الإِسلامَ في قلبه للحُسْنى التي سبقت يصل صلاة قط (١) ذكره ابن هشام ٢/ ٧٥ بلا سند، وأخرجه الحاكم ٢٠٤/٣، ٢٠٥، والبيهقي ١٥/٤ والسراج من طريق ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عن جده، وسنده جيد، وله شاهد من حديث ابن عباس عند الطبراني بسند حسن كما قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٣/٣، وفي الباب شاهد مرسل قوي عن الحسن البصري عند ابن سعد ٩/١/٣. (٢) هذا قول أحمد وأبي حنيفة، وقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد: إنه لا يغسل لعموم الدليل، ولأنه لو كان واجباً لما سقط بغسل الملائكة، ولأمر النبي ◌َّة بغسله، وقال الشوكاني: وهو الحق. انظر ((المغني) ٥٣٠/٢، ٥٣١. ١٧٩ له منه، فأسلم وأخذ سيفَه، ولَحِقَ بالنبي ◌َّةَ، فقاتل فأَتْبِتَ بالجِرَاحِ، ولم يعلم أحدٌ بأمره، فلما انجلت الحرب، طاف بنو عبد الأشهل في القتلى، يلتمِسُونَ قتلاهم، فوجَدوا الأُصَيْرَم وبِهِ رَمَقٌ يسير، فقالوا: والله إن هذا الأصيرمَ، ما جاء به لقد تركناه وإنه لَمُنْكِرٌ لهذا الأمر، ثم سألوه ما الَّذِي جاء بك؟ أَحَدَبٌ عَلَى قَوْمِكَ، أم رغبةٌ في الإِسلام؟ فقال: بل رغبةٌ في الإِسلام، آمنتُ بالله ورسوله، ثم قاتلتُ مع رسول الله وَ حتى أصابني ما تَرَوْنَ، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله وَّة، فقال: ((هُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ)). قال أبو هريرة: ولم يُصَلِّ اللَّهِ صَلاَةً قَطُّ (١). مناداة أبي سفيان للمسلمين ولما انقضَتِ الحربُ، أشرف أبو سفيان على الجبل، فنادى: أفيكُم محمد؟ فلم يُجِيُبُوهُ، فقال: أفيكُمُ ابنُ أبي قُحَافة؟ فلم يُجيبوه. فقال: أفيكُم عُمَرُ بنُ الخطاب؟ فلم يجيبوه، ولم يَسْأَلْ إِلاَّ عن هؤلاء الثلاثة لِعلمه وعِلم قومه أن قِوَامَ الإِسلامِ بهم، فقال: أمَّا هؤلاء، فقد كُفيتُموهم، فلم يَمِلِكْ عُمَر نفسَه أن قال: يَا عَدُوَّ الله إنَّ الَّذِينَ ذكرتَهُمْ أحياءٌ، وقد أبقى اللَّهُ لَكَ مَا يَسُوءُكَ، فقال: قَدْ كان في القوم مُثْلَةٌ لم آمرُ بها، ولم تسؤْني، ثم قال: أعْلُ هُبَلُ، فقال النبيِ نَّهَ: ((ألا تُجِيبُونَه؟)) فَقَالُوا: ما نُقُولُ؟ قال: ((قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُ))، ثم قال: لَنَا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. قال: ((ألا تُجِيبُونَه؟)) قالُوا: ما نقول؟ قال: ((قولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكم))(٢). (١) أخرجه ابن هشام ٢/ ٩٠، وأحمد ٤٢٨/٥، ٤٢٩ من طريق ابن إسحاق، حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن أبي سفيان مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة، وسنده قوي. (٢) أخرجه البخاري ٢٦٩/٧، ٢٧٢ في المغازي: باب ((إذا تصعدون ولا تلوون على أحد)) وفضل من شهد بدراً، وباب غزوة أحد، وفي الجهاد: باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وفي تفسير سورة آل عمران: باب قوله تعالى: (والرسول يدعوكم في أخراكم)، وأحمد ٢٩٣/٤ من حديث البراء، وأخرجه أحمد ٢٨٧/١، ٢٨٨ و٤٦٣ من حديث ابن عباس، وسنده حسن. ١٨٠