النص المفهرس
صفحات 121-140
على رسول الله بٍِّ وأصحابِه ويكبِسُوهم يومَ السبت، لأنهم قد أمِنُوا أن يُقاتِلوهم
فيه، فَأَبَوْا عليه أن يُجِيبُوهُ إلى واحدة منهن، فبعثوا إليه أن أرسل إلينا أبا لُبابة بنَ
عبد المنذر نستشيرُه، فلما رأوه، قاموا في وجههْ يبكون، وقالوا: يا أبا لُبابة!
کیف تری لنا أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه يقول:
إنه الذَّبح، ثم عَلِمَ مِن فوره أنه قد خان الله ورسولَه، فمضى على وجهه، ولم
يَرْجِعْ إلى رسولِ الله ◌ِّ حتى أتى المسجد مسجد المدينة، فربط نفسه بسارِيَة
المسجد، وحلف ألا يحلَّه إلا رسولُ الله ◌ِّ بيده، وأنه لا يدخلُ أرضَ بني قريظة
أبداً، فلما بلغ رسول الله وَّ ذلك، قال: ((دَعُوهُ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ثم تاب الله
عليه، وحلّه رسولُ اللهِ وَّر بيده، ثم إنهم نزلُوا على حُكم رسولِ الله وَّفقامَت
إليه الأوسُ، فقالوا: يا رَسُولَ الله! قد فعلتَ في بني قَيْنُقَاعِ ما قد عَلِمْتَ وهم
حلفاءُ إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسِنْ فيهم فقال: ((أَلاَ تَرْضَوْنَ أَنْ
يَحْكُمْ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُم؟)) قالوا: بلى. قال: ((فَذَاكَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعَاذ)). قالوا: قد
رضينا، فأرسلَ إلى سعد بن معاذ، وكان في المدينة لم يخرُج معهم لجُرح كان
به، فأُرْكِبَ حماراً وجاء إلى رسولِ اللهِ وَّةِ، فجعلُوا يقولون له وهم كَنَفتاهُ: يا
سَعْدُ! أجمل إلی موالیك، فأحسن فیھم، فإن رسول الله پچ قد حگّمك فِيهِم
لِتُحْسِنَ فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئاً، فلما أكثرُوا عليه، قال: لقد آن
لِسعد ألا تأخذه في الله لومةُ لائم، فلما سَمِعُوا ذُلِكَ منه، رجعَ بعضُهم إلى
المدينة، فنعى إليهم القومَ، فلما انتهى سعد إلى النبيِّ بَّةٍ، قال للصحابة: ((قُومُوا
إِلَى سَيِّدِكُمْ)) فلما أنزلُوهُ، قالوا: يا سعدُ! إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حُكمك،
قال: وحكمي نافِذٌ عليهم؟. قالوا: نعم. قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم.
قال: على من ها هنا وأعرض بوجهِهِ، وأشار إلى ناحية رسولِ الله وَلّ إجلالاً له
وتعظيماً؟ قال: نعم، وعَليَّ. قال: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرِّجَالُ، وتُسْبَى
الذُّرِّيَّةُ، وتقسمَ الأموالُ، فقال رسول الله مَّهُ: ((لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ
١٢١
'۔
فوْقِ سَبْعٍ سَمَاوَات))(١). وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول، وهرب عمرو بن
سعد، فانطلق فلم يُعلم أين ذهب، وكان قد أبى الدخُول معهم في نقض العهد،
فلما حکم فيهم بذلك، أمرَ رسولُ الله چلټ بقتل گُلِّ من جرت عليه الموسی منهم،
ومن لم يُنْبتْ، أُلحِقَ بالذرية (٢)، فحفر لهم خنادِقَ في سوق المدينة، وضُرِبَتْ
أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، ولم يُقتل مِن النساء أحد سوى
امرأة واحدة كانت طَرَحَتْ على رأس سويد بن الصامت رحى، فقتلته، وجعل
يذهب بهم إلى الخنادق أرسالاً أرسالاً، فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعبُ!
ما تراه يصنَعُ بنا؟ فقال: أفي كل موطن لا تعقِلُونَ؟ أما ترون الدَّاعي لا يَنْزِعُ،
والذاهِبُ منكم لا يرجعُ، هو والله القتلُ.
قال مالك في رواية ابن القاسم: قال عبد الله بنُ أبيٍّ لِسعد بن معاذ في
أمرهم: إنهم أحد جناحَيَّ، وهم ثلاثُمائَةِ دارع، وستمائة حاسر، فقال: قد
آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، ولما جيء بحُيي بن أخطب إلى بين
يديه، ووقع بصرُه عليه، قال: أما واللهِ ما لُمت نفسي في معاداتك، ولكن
مَنْ يُغَالِبِ اللَّهَ يُغلبْ ثم قال: يا أيُّها الناس، لا بأسَ قدر الله وملحمةٌ كتبت
على بني إسرائيل، ثم حبس، فضربتْ عنقُه. واستوهب ثابت بن قيس
الزبير بن باطا وأهله ومالُهُ من رسول الله، فوهبهم له، فقال له ثابت بن قيس:
قد وهبك لي رسولُ الله ◌ِّيّةٍ ووهب لي مالك وأهلك، فهم لك. فقال:
سألتُكَ بيدي عندك يا ثابتُ إلا ألحقتني بالأحبَّةِ، فضرب عنقه، وألحقه
(١) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٢٤٠/٢ من حديث ابن إسحاق حدثني عاصم بن
عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص
قَالَّة: ((لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة)) وهذا
الليثي قال: قال رسول الله
مرسل صحيح، ورواية البخاري ومسلم: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل))
وربما قال: ((بحکم الملك)).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٠٤)، والترمذي (١٥٨٤)، والنسائي ١٥٥/٦، وابن ماجه
(٢٥٤١) عن عطية القرظي، وسنده حسن.
١٢٢
بالأحبة من اليهود، فهذا كُلُّهُ في يهود المدينة، وكانت غزوة كل طائفة منهم
عَقِبَ كُلِّ غزوة من الغزوات الكبار.
فغزوة بني قينقاع عقب بدر، وغزوة بني النضير عقب غزوة أحد،
وغزوة بني قريظة عقب الخندق(١).
وأما يهود خيبر، فسيأتي ذكر قصتهم إن شاء الله تعالى.
فصل
وكان هديه ◌َّ أنه إذا صالح قوماً فَنَقَضَ بعضُهم عهده، وصُلْحه، وأقرَّهم حكم من نقض العهد وأقر
البَاقُونَ، ورضُوا به، غزا الجميعَ، وجعلهم كُلَّهُم ناقضين، كما فعل بِقُريظة،
به الباقون
والنَّضير، وبني فَيْنُقَاع، وكما فعل في أهل مكة، فهذه سنَّتُه في أهل العهد، وعلى
هذا ينبغي أن يَجرِيَ الحُكْمُ في أهل الذمة كما صرح به الفقهاءُ من أصحاب أحمد
وغيرهم، وخالفهم أصحابُ الشافعي، فخصُّوا نقضَ العهد بمن نقضه خاصةً دون
من رَضِيَ به، وأقرَّ عليه، وفرَّقُوا بينهما بأن عقد الذِّمة أقوى وآكدُ، ولهذا كان
موضوعاً على التأبيد، بخلافٍ عقد الهدنة والصلح.
والأولون يقولون: لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وعقد الذمة لم يُوضع للتأبيد، بل بشرط
استمرارهم ودوامهم على التزام ما فيه، فهو كعقدِ الصُّلح الذي وضع للهُدنة بشرط
التزامِهِم أحكامَ ما وقع عليه العقدُ، قالوا: والنبيُّ نَّه لم يُوَقَّتْ عقدَ الصلح
والهُدنة بينه وبين اليهود لما قدم المدينة، بل أطلقه ما داموا كافِين عنه، غيرَ
محاربين له، فكانت تِلك ذمَّتهم، غير أن الجِزيةَ لم يكن نزل فرضُها بعدُ، فلما
نزل فرضُها، ازداد ذلك إلى الشروط المشترطة في العقد، ولم يغير حكمه، وصار
(١) انظر خبر غزوة بني قريظة في ابن هشام ٢٣٣/٢، ٢٤٨، وابن سعد ٧٤/٢، ٧٨،
والطبري ٥٢/٣، وابن سيد الناس ٦٨/٢ و((شرح المواهب)) ١٢٦/٢، ١٤٨،
و((المصنف)) (٩٧٣٧) وابن كثير ٢٢٣/٣، ٢٤٣، والبخاري ٣١٣/٧، ٣٢٠ في
المغازي: باب مرجع النبي ◌َّه من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته
إياهم، ومسلم (١٧٦٨) و (١٧٦٩) و((مسند أحمد)» ١٤١/٦، ١٤٢.
١٢٣
مقتضاها التأبيد، فإذا نقض بعضُهم العهد، وأقرَّهم الباقُون، ورضُوا بذلك، ولم
يُعلِموا به المسلمين، صارُوا في ذلك كنقض أهل الصلح، وأهل العهد والصلح
سواء في هذا المعنى، ولا فرْق بينهما فيه، وإن افترقا من وجه آخر يُوضِّحُ هذا أن
المقرَّ الراضي الساكت إن كان باقياً على عهده وصُلحه، لم يجز قِتَالُه ولا قتلُه في
الموضعين، وإن كان بذلك خارجاً عن عهده وصلحه راجعاً إلى حاله الأولى قبل
العهد والصلح، لم يفترِقِ الحالُ بين عقد الهُدنة وعقد الذمة في ذلك، فكيف
يكون عائداً إلى حاله في موضع دون موضع، هذا أمر غيرُ معقول. توضيحُه: أن
تجدد أخذِ الجزيةِ منه، لا يُوجب له أن يكونُ مُوفياً بعهده مع رضاه، وممالاته
ومواطأته لمن نقض، وعدم الجزية يُوجب له أن يكون ناقضاً غادراً غيرَ موفٍ
بعهده، هذا بيِّن الامتناع.
فالأقوال ثلاثة: النقض في الصورتين، وهو الذي دلّت عليه سنة
رسول الله ◌َّ في الكفار، وعدم النقض في الصورتين، وهو أبعدُ الأقوالِ عن
السُّنة، والتفريق بين الصورتين، والأُولى أصوبها، وبالله التوفيق.
فتوى المصنف لولي
الأمر
وبهذا القول أفتينا وليَّ الأمرِ لما أحرقت النصارى أموالَ المسلمين بالشام
ودورَهم، ورامُوا إحراقَ جامِعهم الأعظم حتَّى أحرقوا منارته، وكاد ــ لولا دفعُ
الله - أن يحترِقَ كُلُّهُ، وعلم بذلك مَن علم من النصارى، وواطؤوا عليه وأقروه،
ورضوا به، ولم يُعلِمُوا وليَّ الأمر، فاستفتى فيهم وليُّ الأمرِ من حضره من
الفقهاء، فأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك، وأعان عليه بوجه من الوجوه، أو
رضي به، وأقر عليه، وأن حدَّه القتلُ حتماً، لا تخيير للإِمام فيه، كالأسير، بل
صار القتل له حدًّاً، والإِسلام لا يسقط القتل إذا كان حدَّاً ممن هو تحت الذمة،
ملتزماً لأحكام الله بخلاف الحربي إذا أسلم، فإن الإِسلام يعصم دمه وماله، ولا
يُقْتَلُ بما فعله قبل الإِسلام، فهذا له حُكم، والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له
حكم آخر، وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوصُ الإِمام أحمد وأصوله،
ونص عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وأفتى به في غير موضع.
١٢٤
فصل
وكان هديه وسنّتُه إذا صالح قوماً وعاهدهم، فانضاف إليهم عدوٌ له
من دخل في عقد
المصالحين ثم حارب
سواهم، فدخلوا معهم في عقدهم، وانضاف إليه قوم آخرون، فدخلوا معه في المسلمين فقد نقض العهد
عقده، صار حکم من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حکم من حاربه،
وبهذا السبب غزا أهل مكة، فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينهم وبينه عشرَ
سنين، تواثبتْ بنو بكر بن وائل، فدخلت في عهد قريش، وعقدها، وتواثبت
خُزاعة، فدخلت في عهد رسول الله يٍَّ وعقده، ثم عدت بنو بكر على خُزاعة
فبينتهم، وقتلت منهم، وأعانتهم قريشٌ في الباطن بالسلاح، فعدَّ رسول الله عَليه
قريشاً ناقضين للعهد بذلك، واستجاز غزو بني بكر بن وائل لِتعدِّيهم على حلفائه،
وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى.
وبهذا أفتى شيخُ الإِسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانُوا عدوّ
المُسلمين على قتالهم، فأمذُّوهم بالمالِ والسلاح، وإن كانوا لم يَغزونا ولم
يُحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد، كما نقضت قريشٌ عهد النبي ◌َّ بإعانتهم
بني بكر بن وائل على حرب حلفائه، فكيف إذا أعان أهلُ الذمة المشركينَ على
حرب المسلمين. والله أعلم.
فصل
وكانت تَقْدَمُ عليه رُسُلُ أعدائه، وهم على عداوته، فلا يَهيجُهم، ولا رسل الأعداء لا يُتعرض
يقتُلُهُم، ولما قَدِمَ عليه رسولا مُسَيْلِمَةَ الكذاب: وهما عبد الله بن النواحة وابنُ
لها
أُثال، قال لهما: ((فَمَا تَقُولانِ أَنْتُمَا؟)) قالا: نقول كما قال فقال رسول الله وَله:
(لَوْلاَ أَنَّ الرُّسُلَ لاَ تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا))(١) فجرت سنته أَلاَّ يُقتلَ رسولٌ.
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٦١) في الجهاد: باب في الرسل، وأحمد ٤٨٧/٣، ٤٨٨ من
حديث نعيم بن مسعود الأشجعي، ورجاله ثقات خلا سلمة بن الفضل، فإنه كثير
الخطأ، لكن له شاهد صحيح من حديث ابن مسعود عند أحمد ٣٩٠/١، ٣٩١، =
١٢٥
وكان هديه أيضاً ألا يحبس الرسولَ عنده إذا اختار دِينه، فلا يمنعه مِن
اللحاق بقومه، بل يردُّه إليهم، كما قال أبو رافع: بعثتني قُريشٌ إلى النبي ؛
فلما أتيتُهُ، وقع في قلبي الإِسلام، فقلت: يا رَسولَ الله! لا أرجع إليهم. فقال:
((إني لاَ أَخِيسُ بِالعَهْدِ، ولا أَحْبِسُ البُردَ، ارْجِعْ إليهم، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِكَ الَّذِي فِيهِ
الآن، فارجع))(١).
قال أبو داود: وكان هذا في المدة التي شرط لهم رسولُ اللهِنَّل أن يردّ
إليهم مَن جاء منهم، وإن كان مسلماً، وأما اليومَ، فلا يصلُح هذا انتهى.
وفي قوله: ((لا أَخْبِسُ البُرُد)» إشعار بأن هذا حكم يختص بالرسُل مطلقاً،
وأما ردُّه لمن جاء إليه منهم وإن كان مسلماً، فهذا إنما يكون مع الشرط، كما قال
أبو داود، وأما الرسلُ، فلهم حكم آخر، ألا تراه لم يتعرض لرسولي مسيلمة وقد
قالا له في وجهه: نشهد أن مسيلمة رسول الله.
وكان من هديه، أن أعداءه إذا عاهدوا واحداً من أصحابه على عهد لا يضُرُ
بالمسلمين من غير رضاه، أمضاه لهم، كما عاهَدُوا حُذَيْفَةَ وَأَبَاه الحُسَيلَ أن لا
يُقَائِلاهم مَعَهَ رَّةَ، فأمضى لهم ذلك وقال لهما: ((انْصَرِفا نَفِي لَّهُم بعهدهم،
ونَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيهم))(٢) .
فصل
وصالح قريشاً على وضع الحرب بينَه وبينَهم عشرَ سنين، على أن من جاءه
صلحه 200 مع قريش
=
وأبي داود (٢٧٦٢) والدارمي ٢/ ٢٣٥ فيتقوی به.
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٥٨) وأحمد ٨/٦ من حديث أبي رافع، وإسناده صحيح. وقوله
((لا أخيس العهد)) معناه: لا أنقض العهد ولا أفسده، من قولك: خاس الشيء في
الوعاء: إذا فسد.
(٢) أخرجه مسلم (١٧٨٧) في الجهاد: باب الوفاء بالعهد، وأحمد ٣٩٥/٥ عن
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
١٢٦
منهم مسلماً ردَّهُ إليهم، ومَنْ جاءَهُم مِن عنده لا يردُونه إليه (١)، وكان اللفظُ عاماً
في الرجال والنساء، فنسخَ اللَّهُ ذلك في حقِّ النساء، وأبقاه في حقِّ الرجال، وأمر
اللَّهُ نبيَّه والمؤمنين أن يمتحنُوا مَن جاءهم مِن النساء، فإن عَلِمُوها مؤمِنَةً، لم
يردُّوها إلى الكُفَّار، وأمرهم بردِّ مهرها إليهم لما فات على زوجها مِن منفعة
بُضعها، وأمر المسلمين أن يردُّوا على من ارتدتِ امرأتُهُ إليهم مهرَها إذا عاقبوا،
بأن يجبَ عليهم ردُ مهرِ المهاجرة، فيردونه إلى من ارتدت امرأتُهُ، ولا يردونها
إلى زوجها المشرك، فهذا هو العِقابُ، وليس مِن العذاب في شيء، وكان في هذا
دليل على أن خروج البُضع مِن مُلك الزوج متقوَّم، وأنه متقوَّمٌ بالمسمَّى الذي هو
ما أنفق الزوجُ لا بمهرِ المثل، وأن أنكحة الكفار لها حُكم الصحة، لا يُحكم عليها
بالبطلان، وأنه لا يجوز ردُّ المسلمة المهاجرة إلى الكفَّارِ ولو شرط ذلك، وأن
المسلمة لا يَحِلُّ لها نكاحُ الكافر، وأن المسلم له أن يتزوَّجَ المرأة المهاجرة إذا
انقضت عدتُها، وآتاها مهرَها، وفي هذا أبينُ دلالة على خروج بُضعها مِن ملك
الزوج، وانفساخِ نكاحها منه بالهجرة والإِسلام.
وفيه دليلٌ على تحريمٍ نكاحِ المشركة على المسلم، كما حرم نكاحُ المسلمة
على الكافر .
تحريم نكاح المشركة
على المسلم
وهذه أحكامٌ استفيدت من هاتين الآيتين (٢)، وبعضُها مجمع عليه، وبعضُها
مختلف فيه، وليس مع من ادعى نسخَها حُجَّةٌ البتة، فإن الشرطَ الذي وقع بين
النبي ◌َ﴾. وبين الكفار في ردٌّ من جاءه مسلماً إليهم، إن كان مختصاً بالرجال، لم
تدخل النساء فيه، وإن كان عاماً للرجال والنساء، فالله سبحانه وتعالى خصّص منه
(١) أخرج حديث صلح الحديبية الطويل البخاري ٢٥٢/٥ في الشروط: باب الشروط في
الجهاد والمصالحة ... وعن أصحاب رسول الله ◌َالية، وأخرجه مسلم (١٧٨٤) في
الجهاد: باب صلح الحديبية في الحديبية مختصراً عن أنس، وتحديد المدة بعشر
سنين رواه أبو داود (٢٧٦٦)، والبيهقي ٢٢١/٩، ٢٢٢، ورجاله ثقات، فقد صرح
ابن إسحاق بالتحديث عند البيهقي.
(٢) وهما العاشرة والحادية عشرة من سورة الممتحنة.
١٢٧
ردَّ النساء ونهاهم عن ردِّهن، وأمرهم بِرَدِّ مهورِهنّ، وأن يردوا منها على من
ارتدت امرأتُه إليهم من المسلمين المهرَ الذي أعطاها، ثم أخبر أن ذلك حكمُه
الذي یحگُمُ به بین عباده، وأنه صادر عن علمه وحكمته، ولم يأت عنه ما يُنافي
هذا الحكم، ويكونُ بعده حتى يكون ناسخاً.
ولما صالحهم على ردِّ الرجالِ، كان يُمكِّنهم أن يأخذوا من أتى إليه منهم،
ولا يُكْرِهُهُ على العود، ولا يأمره به، وكان إذا قتل منهم، أو أخذ مالاً، وقد فصل
عن يده، ولما يلحق بهم، لم يُنْكِرْ عليه ذلك، ولم يضمنه لهم، لأنه ليس تحت
قهره، ولا في قبضته، ولا أمرَه بذلك، ولم يقتض عقدُ الصلح الأمانَ على النفوس
والأموال إلا عمن هو تحت قهره، وفي قبضته، كما ضَمِنَ لبني جُذَيْمَةَ ما أتلفه
عليهم خالدٌ مِن نفوسهم وأموالهم، وأنكره، وتبرأ منه (١). ولما كان إصابتُه لهم
عن نوع شُبهة، إذْ لم يقولُوا: أسلمنا، وإنما قالوا: صبأنَا، فلم يَكُنْ إسلاماً
صريحاً، ضَمِنهم بنصف دياتِهم لأجل التأويل والشبهة، وأجراهم في ذلك مجرى
(١) أخرجه البخاري ٤٥/٨، ٤٦ في المغازي: باب بعث النبي ◌َُّ إلى بني جَذِيْمَةَ
و١٥٨/١٣، والنسائي ٢٣٧/٨ عن ابن عمر قال: بعث النبي ◌ُِّ خالد بن الوليد إلى
بني جذيمة فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فجعلوا يقولون:
صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا
كان يوم، أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا
يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا على النبي {َّة، فذكرنا له، فرفع النبي مثالية
يديه، فقال: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) مرتين، وأخرج ابن هشام في
((السيرة» ٤٣٠/٢ عن ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم عن أبي جعفر محمد بن
علي الباقر قال: ثم دعا رسول الله وَّة علي بن أبي طالب فقال: يا علي اخرج إلى
هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي
حتى جاءهم، ومعه مال قد بعث به رسول الله رَّه فودى لهم الدماء، وما أصيب
لهم من الأموال حتى إنه ليدي لهم مِيلغة الكلب حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا
مال إلا وداه ... وسنده صحيح، لكنه مرسل. ولم نقف على مستند المؤلف في أن
النبي پڼ ضمنهم بنصف دیاتهم.
١٢٨
أهل الكتاب الذين قد عصمُوا نفوسَهم وأموالهم بعقدِ الذمة(١) ولم يدخلوا في
الإِسلام، ولم يقتض عهدُ الصلح أن ينصُرَهم عَلى من حاربهم ممن ليس في قبضة
النبي ◌َّهَ وتحت قهره، فكان في هذا دليل على أن المعَاهَدِينَ إذا غزاهُم قوم ليسوا
تحت قهر الإِمام وفي يده، وإن كانوا من المسلمين أنه لا يجِبُ على الإِمام ردُّهم
عنهم، ولا منعُهم من ذلك، ولا ضمانُ ما أتلفوه عليهم .
وأخذُ الأحكام المتعلقة بالحرب، ومصالح الإِسلام، وأهلِه، وأمره،
وأمورِ السياسات الشرعية من سيره، ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال،
فهذا لون، وتلك لون، وبالله التوفيق.
فصل
وكذلك صالح أهلَ خيبرَ لما ظهر عليهم على أن يُجْلِيَهُمْ منها، ولَهُمْ ما
حملَتْ رِكَابُهم، ولرسولِ الله ◌َّ الصَّفراءُ والبيضَاءُ، والحَلْقَةُ، وهي السلاح.
واشترط في عقد الصلح ألا يكتُموا ولا يُغيِّوا شيئاً، فإن فعلُوا، فلا ذِمة لهم، ولا
عهد، فغيّبُوا مَسْكاً فيه مال وَحُلِيٌّ لِحُبي بنِ أَخْطَب كان احتمله معه إلى خيبر حين
أُجليت النضيرُ، فقال رسولُ الله يَّةٍ لعم حُيي بنِ أخطب، واسمه سَعْيةُ: ((مَا فَعَلَ
مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضير؟)) فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال:
((العَهْدُ قَرِيبٌ، والمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذُلِكَ)). وقد كان حُيي قُتِلَ مع بني قُرِيظة لمَّا دخل
معهم، فدفع رسولُ اللهَوَّهَ عمَّه إلى الزُّبير ليستقِرَّه، فَمَسَّهُ بعذاب، فقال: ((قَدْ
الصلح مع أهل خيبر
قصة حيي في تغييبه
المسك والحلي
(١) أخرج أحمد ١٨٠/٢ و١٨٣ و٢١٥ و٢٢٤ والترمذي (١٤١٣)، والنسائي ٤٥/٨،
وابن ماجه (٢٦٤٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ◌َّ قال:
(دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن)) وسنده حسن، وهو ظاهر مذهب الإمام
أحمد، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وعروة ومالك وعمرو بن شعيب، وروي عن
عمر وعثمان أن ديته أربعة آلاف درهم، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن
وعكرمة وعمرو بن دينار والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وقال علقمة ومجاهد
والشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة: ديته كدية المسلم. ((المغني)) ٧٩٣/٧.
١٢٩
زاد المعاد ج ٣ -م٥
رَأَيْتُ حُيَّا يَطُوفُ في خَربَةِ ها هنا، فذهبوا فطافُوا، فوجدوا المَسك في الخَرِبَةِ،
فقتلَ رسولُ الله ◌ِِّ ابني أبي الحُقَيْقِ، وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن
أخطب، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالتّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وأرادَ أن
يُجليهم مِن خيبر، فقالوا: دعنا نكون في لهذه الأرض نُصلِحُهَا ونقومُ عليها،
فنحنُ أعلمُ بها منكم، ولم يكن لِرسولِ الله ◌ِ﴿ ولا لأصحابه غِلمان يكفونهم
مؤنتها، فدفعها إليهم على أن لِرسُولِ الله ◌َِّ الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ شيءٍ يخرُج منها مِنْ
ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وَلَهُمُ الشَّطْرُ، وعَلَى أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا مَا شَاءِ(١).
ولم يعمَّهم بالقتل كما عمَّ قُريظة لاشتراك أولئك في نقض العهد، وأما
هُؤلاء فالذين عَلِمُوا بالمَسك وغيِّيُوه، وشرطوا له إن ظهر، فلا ذِمة لهم ولا عهد،
فإنه قتلَهم بشرطهم على أنفسهم، ولم يتعدَّ ذلك إلى سائر أهلٍ خيبر، فإنه معلوم
قطعاً أن جميعَهم لم يعلمُوا بمَسك حُييٍ، وأنه مدفون في خَرِبَةٍ، فهذا نظيرُ الذِّميِّ
والمعاهَدِ إذا نقض العهدَ، ولم يُمالِئه عليه غیرُه، فإن حكم النقض مختصٌّ به.
ثم في دفعه إليهم الأرضَ على النصف دليل ظاهر على جواز المساقاة
والمزارعة، وكون الشجر نخلاً لا أثر له البتة، فحكم الشيء حكم نظيره، فَبَلَدٌ
جواز المساقاة والمزارعة
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٠٦) في الخراج: باب ما جاء في حكم أرض خيبر، وابن سعد
١١٠/٢ من حديث ابن عمر بأخصر من هذا، وسنده صحيح، وقد أورده بطوله
وزيادة صاحب ((المنتقى)) ٥٨/٨، ٥٩ بشرح الشوكاني مصدراً بقوله: باب جواز
مصالحة المشركين على المال وإن كان مجهولاً، وعزاه للبخاري، وقد وهم رحمه
الله في نسبة جميع ما ذكره من ألفاظ هذا الحديث إلى البخاري، فإن كثيراً من هذه
الألفاظ ليس في ((صحيح البخاري)) ٢٤٠/٥، ٢٤١، وإنما هو في مستخرج البرقاني
من طريق حماد بن سلمة، ولعله نقل لفظ الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)) فإنه
نسبه إلى البخاري، قال الحافظ: وكأنه نقل السياق من مستخرج البرقاني كعادته،
وذهل عن نسبته إليه، وقد نبه الإسماعيلي على أن حماداً كان يطوله تارة، ويرويه
تارة مختصراً.
١٣٠
شجرُهم الأعناب والتين وغيرهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك، حكمه حكم
بلد شجرُهُمُ النخل سواء، ولا فرق.
وفي ذلك دليل على أنه لا يُشترط كونُ البذر من ربِّ الأرضِ، فإنّ
رسول الله ◌ِ﴾ صالحهم عن الشطر، ولم يُعْطِهِم بذراً البتة، ولا كان يُرسِلُ إليهم
بِذر، وهذا مقطوع به مِن سِيرته، حتى قال بعضُ أهل العلم: إنه لو قِيل باشتراط
كونه مِن العامل، لكان أقوى من القول باشتراط كونه من ربِّ الأرض، لموافقته
لِسنة رسولِ الله ◌َيٍ في أهل خيبر.
والصحيح: أنه يجوز أن يكون من العامل، وأن يكونَ مِن ربِّ الأرض، ولا
يُشترط أن يختصّ به أحدُهما، والذين شرطُوه من ربِّ الأرض، ليس معهم حُجةٌ
أصلاً أكثرَ من قياسهم المزارعة على المُضاربة، قالوا: كما يُشترط في المضاربة
أن يكون رأسُ المالِ مِن المالك، والعملُ من المضارب، فهكذا في المزارعة،
وكذلك في المساقاة يكون الشَّجرُ مِن أحدهما، والعملُ عليها من الآخر، وهذا
القياسُ إلى أن يكون حجةً عليهم أقربُ من أن يكون حجةً لهم، فإن في المضاربة
يعودُ رأسُ المال إلى المالك، ويقتسمان الباقي، ولو شرط ذلك في المزارعة،
فسدت عندهم، فلم يُجْرُوا البِذْرَ مجرى رأس المال، بل أجرَوْهُ مجرى سائر
البقل، فبطل إلحاق المزارعة بالمضاربة على أصلهم.
وأيضاً فإن البذر جارٍ مجرى الماء، ومجرى المنافع، فإن الزرعَ لا يتكون
وينمُو به وحده، بل لا بُد من السقي والعملِ، والبِذرُ يموتُ في الأرض، ويُنشىء
الله الزرعَ مِن أجزاء أخر تكون معه من الماء والريح، والشمس والتراب والعمل،
فحكم البذرِ حکمُ هذه الأجزاء.
وأيضاً فإن الأرض نظيرُ رأس المال في القِراض، وقد دفعها مالكُها إلى
المُزارع، وبِذرُها وحرتُهَا وسقيُهَا نظيرُ عمل المضارب، وهذا يقتضي أن يكون
المزارع أولى بالبِذر مِن ربِّ الأرض تشبيهاً له بالمضارب، فالذي جاءت به السنة
هو الصواب الموافق لقياس الشرع وأصوله.
١٣١
جواز عقد الهدنة
وفي القصةِ دليل على جواز عقدِ الهُدنة مطلقاً مِن غير توقيت، بل ما شاء
الإِمامُ، ولم يجيء بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم البتة، فالصوابُ جوازه وصحته،
وقد نصّ عليه الشافعيُّ في رواية المزني، ونص عليه غيرُه من الأئمة، ولكن لا
ينهضُ إليهم ويُحاربهم حتى يُعْلِمَهُمْ على سواء ليستووا هُمْ وهُوَ في العلم بنقض
العهد .
جواز تعزير المتهم
وفيها دليل على جواز تعزيرِ المتهم بالعُقُوبة، وأن ذلك مِن السياسات
الشرعية، فإنَّ الله سبحانه كان قادراً على أن يَدُلَّ رسولَ الله ◌َيٍّ على موضع الكنز
بطريق الوحي، ولكن أراد أن يَسُنَّ لِلأُمَّةِ عقوبةَ المتهمين، ويُوسِّعَ لهم طُرُقَ
الأحكام رحمة بهم، وتیسیراً لهم.
جواز الأخذ بالقرائن
وفيها دليل على الأخذ بالقرائن في الاستدلال على صِحةِ الدَّعوى
وفسادها، لقوله ◌َّمَ لِسِعْيَةَ لما ادعى نفادَ المال: ((العَهْدُ قَرِيبٌ، والمَالُ أَكْثَرُ مِنْ
ذُلِكَ)).
اعتبار القرائن
وكذلك فعل نبي الله سليمان بن داود في استدلاله بالقرينة على تعيين أم
الطفل الذي ذهب به الذئب، وادعت كل واحدة من المرأتين أنه ابنُها، واختصمتا
في الآخر، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا إلى سُليمان، فقال: بِمَ قَضَى بَيْنَكُمَا
نَبِيُّ الله، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسِّكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعلْ
رحمك الله، هو ابنُهَا، فقضى به للصغرى(١) فاستدل بقرينةِ الرحمة والرأفة التي
في قلبها، وعدم سماحتها بقتله وسماحة الأخرى بذلك، لتصير أسوتها في فقد
الولد على أنه ابن الصغرى.
فلو اتفقت مثلُ هذه القضية في شريعتنا، لقال أصحابُ أحمد والشافعي
(١) رواه البخاري ٣٣٤/٦، ٣٣٥ في الأنبياء، و٤٧/١٢ في الفرائض: باب إذا ادعت
المرأة ابناً، ومسلم (١٧٢٠) في الأقضية: باب بيان اختلاف المجتهدين من حديث
أبي هريرة.
١٣٢
ومالك رحمهم الله: عمل فيها بالقافة، وجعلوا القافة سبباً لترجيح المدعي
للنسب رجلاً كان أو امرأةً.
قال أصحابنا: وكذلك لو ولدت مسلمةٌ وكافرةٌ ولَدَيْنِ، واذَّعَتِ الكافرةُ
ولد المسلمة، وقد سئل عنها أحمد، فتوقف فيها. فقيل له: ترى القافة؟
فقال: ما أحْسَنَها، فإن لم تُوجد قافةٌ، وحكم بينهما حاكم بمثل حُكم
سليمان، لكان صواباً، وكان أولى من القُرعة، فإنَّ القُرعة إنما يصار إليها إذا
تساوى المدعيانِ من كل وجه، ولم يترجَّحْ أحدُهما على الآخر، فلو ترجَّح
بيد أو شاهد واحد، أو قرينة ظاهرة مِن لَوْثٍ(١) أو نُكولِ خصمه عن اليمين،
أو موافقةِ شاهد الحال لصدقه، كدعوى كل واحد من الزوجين ما يصلُح له
من قماش البيت والآنية، ودعوى كل واحد من الصانعين آلات صنعته،
ودعوى حاسِر الرأس عن العمامة عمامة من بيده عمامة، وهو يشتد عدواً،
وعلى رأسه أخرى، ونظائر ذلك، قُدِّمَ ذُلِكَ كله على القرعة.
ومن تراجم أبي عبد الرحمن النسائي على قصة سليمان (هذا باب،
الحكم يُوهم خِلافَ الحق، ليستعلم به الحق)، والنبيُّ ◌َله لم يقص علينا هذه
القصة لنتخذها سمراً، بل لنعتبرَ بها في الأحكام، بل الحكم بالقَسامة وتقديم
أيمان مدعي القتل هو من هذا استناداً إلى القرائن الظاهرة، بل ومن هذا رجمُ
الملاعنة إذا التعنَ الزوجُ، ونَكَلَتْ عن الالتعان. فالشافعي ومالك رحمهما
الله، يقتلانِها بمجرد التعان الزوج، ونكولها استناداً إلى اللَّوْثِ الظاهر الذي
حصل بالتعانه، ونكولها .
ومن هذا ما شرعه الله سبحانه وتعالى لنا مِن قبول شهادة أهلِ الكتاب
على المسلمين في الوصية في السفر، وأن وليي الميت إذا اطّلعا على خِيانة
قبول شهادة أهل الكتاب
على المسلمين في
الوصية في السفر
(١) في حديث القسامة ذكر اللوث وهو: أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل
أن يموت أن فلاناً قتلني، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما، أو تهديد منه له، أو
نحو ذلك، وهو من التلوث: التلطخ.
١٣٣
من الوصيين، جاز لهما أن يحلفا ويستحقا ما حلفا عليه(١)، وهذا لوثٌ في
(١) توضيح المسألة أنه إذا كان مسلم مع رفقة كفار مسافرين، ولم يوجد غيرهم من
المسلمين، فوصى، وشهد بوصيته اثنان منهم، قبلت شهادتهما عند الإمام أحمد،
ويستحلفان بعد العصر: ما خانا ولا كتما ولا اشتريا به ثمناً ولو كان ذا قربى، ولا
نكتم شهادة، وأنها وصية الرجل بعينه، فإن عثر على أنهما استحقا إثماً قام آخران
من أولياء الموصي، فحلفا بالله: لشهادتنا أحق من شهادتهما، ولقد خانا وكتما،
ويقضى لهم، قال ابن المنذر: وبهذا قال أكابر العلماء، وممن قاله شريح والنخعي
والأوزاعي ويحيى بن حمزة، وقضى بذلك ابن مسعود في زمن عثمان، وقضى أبو
موسى الأشعري به.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا تقبل لأن من لا تقبل شهادته على غير
الوصية لا تقبل في الوصية، كالفاسق وأولى، واستدل الإمام أحمد بقوله تعالى: (يا
أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل
منکم أو آخران من غیرکم ... ) وهذا نص الكتاب، وقد قضی به رسول الله چ كما
في حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود (٣٦٠٦)، والترمذي (٣٠٦١) قال: خرج
رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها
مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جام فضة مخوصاً بالذهب، فأحلفهما
رسول الله ◌َلي، ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان
من أولياء السهمي، فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، قال:
فنزلت الآية: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ... ) وسنده
قوي، وقضى به بعده أبو موسى فيما رواه أبو داود (٣٦٠٥) والطيالسي ورجاله
ثقات وسنده صحيح، وحمل الآية على أنه أراد من غير عشيرتكم لا يصح لأن الآية
نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين، ودلت عليه الأحاديث، ولأنه
لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان لأن الشاهدين من المسلمين لا قسامة عليهما،
وعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة، والعمل عليها باقٍ وهو قول ابن عباس
وابن المسيب وابن جبير وابن سيرين وقتادة والشعبي والثوري وأحمد في آخرين،
ودعوى النسخ بقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) كما هو مذهب زيد بن أسلم
والشافعي وأبي حنيفة ومالك مردودة لأن حكم حال الاختيار لا ينسخ حكم حال
الضرورة، ولا تنافي شهود الكفار الوصية حيث لا مسلم يشهدها وشهود المسلمين
الوصية إذا حضرها اثنان منهم، فيكون معنى الآية كما قال إبراهيم النخعي وسعيد بن
جبير: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فليُشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد =
١٣٤
٠
الأموال، وهذا نظير اللَّوثِ في الدماء، وأولى بالجواز منه، وعلى هذا إذا
اطلع الرجلُ المسروقُ مالُه على بعضه في يد خائِنٍ معروفٍ بذلك، ولم يتبين
أنه اشتراه من غيره، جاز له أن يَخْلِفَ أن بقية ماله عنده، وأنه صاحبُ
السرقة استناداً إلى اللوث الظاهر، والقرائن التي تكشف الأمر وتوضحه، وهو
نظيرُ حَلفِ أولياءِ المقتولِ في القَسَامَةِ أَن فلاناً قتله: سواء، بل أمرُ الأموالِ
أسهلُ وأخفُ، ولذلك ثبت بشاهد ويمينٍ، وشاهدٍ وامرأتين، ودعوى
ونكولٍ، بخلاف الدماء. فإذا جاز إثباتُهَا باللوثِ، فإثباتُ الأموال به بالطريق
الأولى والأحرى.
والقرآن والسنة يدلان على هذا وهذا، وليس مع مَنِ ادَّعى نسخَ ما دلَّ
عليه القرآن من ذلك حُجَّةٌ أصلاً، فإن هذا الحكم في (سورة المائدة)، وهي
مِن آخر ما نَزَلَ مِن القرآن، وقد حكم بموجِبها أصحابُ رسول الله بَّ بعده،
كأبي موسى الأشعري، وأقرَّه الصحابةُ.
ومن هذا أيضاً ما حكاه الله سبحانه في قصة يوسف مِن استدلال الشاهد
بقرينةٍ قَدِّ القميصِ مِنْ دُبُرٍ على صِدقه، وكذبِ المرأة، وأنه كان هارباً مُوَلِياً،
فأدركته المرأةُ من ورائه، فجبذته، فقَّدت قميصه مِنْ دُبُر، فعلم بعلُها
والحاضرونَ صدقه، وقبلوا هذا الحكم، وجعلوا الذنبَ ذنبها، وأمروها
بالتوبة، وحكاه الله - سبحانه وتعالى - حكاية مقرِّرٍ له غيرِ منكر، والتّأسِّي
بذلك وأمثاله في إقرار اللهله، وعدم إنكاره، لا في مجرَّدٍ حكايته، فإنه إذا
أخبر به مقراً عليه، ومثنياً على فاعله، ومادحاً له، دل على رضاه به، وأنه
استدلال الشاهد في قصة
يوسف بقرينة قدِّ
القميص
رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته فإن صدقهما الورثة
قبل قولهما، وإن اتهموهما حلفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا
ولا غيرنا، فإن اطلع على أن الكافرين كذبا فيقوم مقامهما آخران من الأولياء
يحلفان بالله. إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين وتجوز
شهادة الأولياء. انظر ((المغني)) ١٨٢/٩، ١٨٤ لابن قدامة، و((زاد المسير))
٤٤٦/٢، ٤٤٧ بتحقيقنا، و((تفسير ابن كثير)) ١١٠/٢، ١١٤.
١٣٥
موافق لحكمه ومرضاته، فليُتَدَبَّر هذا الموضعُ، فإنه نافع جداً، ولو تتبعنا ما
في القرآن والسنة، وعمل رسول الله يّ وأصحابه من ذلك لطال، وعسى أن
نُفْرِدَ فيهِ مصنفاً شافياً إن شاء الله تعالى. والمقصود: التنبيه على هديه،
واقتباس الأحكام من سيرته، ومغازِيهِ، ووقائعه صلواتُ الله عليه وسلامه.
ولما أقَرَّ رسولُ اللهِ وَّ أهل خيبر في الأرض، كان يبعثُ كلَّ عام من
يَخْرُصُ(١) عليهم الثمارَ، فينظُرُ: كَمْ يُجنى منها، فيُضمنهم نصيبَ المسلمين،
ويتصرفون فيها.
(١) الخرص بفتح الخاء وحكي كسرها، وبسكون الراء: حزر ما على النخل من الرطب
تمراً، وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن تفسيره: أن الثمار إذا أدركت من
الرطب والعنب مما تجب فيه الزكاة، بعث الإمام خارصاً ينظر، فيقول: يخرج من
هذا كذا وكذا زبيباً، وكذا تمراً فيحصيه، وينظر مبلغ العشر فيثبته عليهم، ويخلي
بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ، أخذ منهم العشر وهو قول مالك
والشافعي وأحمد وإسحاق، وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول
منها، والبيع من زهوها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء، لأن في منعهم تضييقاً،
وقال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل
الجذاذ، فلا ضمان. وفي البخاري ٢٧٢/٣، ومسلم (١٣٩٢) من حديث أبي حميد
الساعدي قال: غزونا مع رسول الله وَّل غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة
في حديقة لها، فقال النبي ◌َّ لأصحابه: ((اخرصوا)) وخرص رسول الله وَيّ عشرة
أوسق، فقال لها: ((أحصي ما يخرج منها ... )) وأخرج أبو داود (١٦٠٣)، والترمذي
(٦٤٤)، وابن ماجه (١٨١٩)، والبيهقي ١٢٢/٤ عن عتاب بن أسيد قال: ((أمر
رسول الله ◌َّر أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ
زكاة النخل تمراً) ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً بين سعيد بن المسيب وعتاب،
لأن مولد سعيد في خلافة عمر، وعتاب مات يوم مات أبو بكر، لكن قال النووي
رحمه الله: هذا الحديث وإن كان مرسلاً، لكنه اعتضد بقول الأئمة. وروى أبو داود
(١٦٠٥) والترمذي (٦٤٣) والنسائي ٤٢/٥ من حديث سهل بن أبي حثمة أن
رسول الله ◌َ ي كان يقول: ((إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث،
فدعوا الربع)) وصححه ابن حبان (٧٦٨) وسكت عليه الحافظ في ((الفتح)) ٢٧٤/٣.
والخرص إنما يسن فيما يؤكل رطباً.
١٣٦
وكان يكتفي بخارص واحد. ففي هذا دليل على جواز خَرْصٍ الثمار
البادي صلاحُها كثمر النخل، وعلى جواز قسمة الثمار خرصاً على رؤوس
النخل، ويصيرُ نصيبُ أحد الشريكين معلوماً وإن لم يتميز بعد لمصلحة
النماء، وعلى أن القسمة إفراز لا بيع، وعلى جواز الاكتفاء بخارص واحد،
وقاسمٍ واحد، وعلى أنَّ لِمن الثمارُ في يده أن يتصرّف فيها بعد الخرص،
ويَضْمَن نصیب شریکه الذي خرص عليه.
فلما كان في زمن عمر، ذهب عبدُ الله ابنه إلى ماله بخيبر، فَعَدَوْا
عليه، فألقوه من فوق بيت، ففكُّوا يده فأجلاهم عمر منها إلى الشام، وقسمها
بين من كان شهد خيبر من أهل الحُديبية.
فصل
وأما هديه في عَقد الذمَّة وأخذِ الجزية، فإنَّهُ لم يأخذ مِن أحد من الكفار عقد الذمة وأخذ الجزية
جزيةٌ إلا بعد نزول (سورة براءة) في السنة الثامنةِ مِن الهجرة، فلما نزلت آيةُ
الجزية، أخذها مِن المجوس(١)، وأخذها مِن أهل الكتاب، وأخذها من
النصارى، وبعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن، فعقد لمن لم يُسْلِم مِن يهودها
الذِّمة، وضرب عليهم الجزيةَ، ولم يأخذها من يهودِ خيبر، فظن بعض الغالطين
المخطئين أن هذا حكم مختصٌ بأهل خيبر، وأنه لا يؤخذ منهم جزيةٌ وإن أُخِذَتْ
من سائر أهل الكتاب، وهذا مِن عدم فقهه في السير والمغازي، فإن
رسولَ الله وَّ قاتلهم وصالحهم على أن يُقِرَّهم في الأرض ما شاء، ولم تكن
الجزيةُ نزلت بعد، فسبق عقدُ صلحهم وإقرارُهم في أرض خيبر نزولَ الجزية، ثم
أمره اللَّهُ سبحانه وتعالى أن يُقاتِلَ أهلَ الكِتاب حتى يُعطوا الجزية، فلم يدخل في
(١) أخرج الشافعي ١٢٦/٢، والبخاري ١٨٤/٦، ١٨٥ في الجزية: باب الجزية
والموادعة مع أهل الذمة والحرب من حديث عمرو بن دينار أنه سمع بَجَالَة يقول:
لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ الجزية من المجوس حتى شهد
عبد الرحمن بن عوف أن النبي مل: أخذها من مجوس هجر.
١٣٧
جواز خرص الثمار
البادي صلاحها
هذا يهودُ خيبر إذ ذاك، لأن العقد كان قديماً بينه وبينهم على إقرارهم، وأن يكونوا
عمالاً في الأرض بالشطر، فلم يُطالبهم بشيء غيرِ ذلك، وطالبَ سواهم من أهل
الكتاب ممن لم يكن بينه وبينهم عقدٌ كعقدهم بالجزية، کنصارى نجرانَ، ويهودِ
اليمن، وغيرِهم، فلما أجلاهم عمرُ إلى الشام، تغيّر ذلك العقدُ الذي تضمن
إقرارَهم في أرض خيبر، وصار لهم حكمُ غيرهم مِن أهل الكتاب.
بيان تزوير طائفة من
اليهود كتاباً فيه
إسقاطه * الجزية
ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة وأعلامها، أظهر طائفة
منهم كتاباً قد عَتَّقُوهُ وزوَّرُوهُ، وفيه: أن النبيَّ-
أسقط عن يَهودِ خيبر الجزية،
وفيه: شهادةٌ علي بن أبي طالب، وسعد بن معاذ، وجماعة مِن الصحابة رضي الله
عنهم، فراج ذلك على مَنْ جَهِلَ سنةً رسولِ الله ◌ِّ ومغازيه وسِیَرَه، وتوهّموا، بل
ظنوا صِحته، فجَرَوْا على حُكم هذا الكتاب المزور، حتى ألقي إلى شيخ الإسلام
ابن تيمية - قدس الله روحه - وطُلِبَ منه أن يُعين على تنفيذه، والعملِ عليه،
فبصق عليه، واستدلّ على كذبه بعشرة أوجه:
منها: أن فيه شهادةَ سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل خيبر قطعاً.
ومنها: أن في الكتاب، أنه أسقط عنهم الجزية، والجزية لم تكن نزلت
بعد، ولا يعرِفها الصحابة حينئذ، فإن نزولها كان عام تبوك بعد خيبر بثلاثة أعوام.
ومنها: أنه أسقط عنهم الكُلَفَ والسُّخَرَ، وهذا محال، فلم يكن في زمانه
كُلَفٌ ولا سُخَرٌ تُؤخذ منهم، ولا مِن غيرهم، وقد أعاذه اللَّهُ، وأعاذ أصحابَه مِن
أخذ الكُلَفِ والسُّخَرِ، وإنما هي من وضع الملوكِ الظَّلمة، واستمر الأمر عليها.
ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم على اختلاف أصنافهم،
فلم يذكره أحدٌ من أهل المغازي والسير، ولا أحدٌ من أهل الحديث والسنة، ولا
أحد من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحدٌ من أهلِ التفسير، ولا أظهروه في زمان
السلف، لعلمهم أنهم إن زوَّروا مثلَ ذلك، عرفوا كذبَه وبُطلانه، فلما استحقُّوا
بعضَ الدول في وقت فتنةٍ وخفاء بعض السنة، زوَّروا ذلك، وعتَّقوهُ وأظهروه،
وساعدهم على ذلك طمعُ بعضٍ الخائنين لله ولرسوله، ولم يستمرَّ لهم ذلك حتى
١٣٨
كشف الله أمره، وبيَّن خلفاءُ الرسل بطلانه وكذبَه.
فصل
فلما نزلت آيةُ الجزية، أخذها ◌ِ مِن ثلاث طوائف: مِن المجوس، هل يجوز أخذ الجزيه من
واليهود، والنصارى، ولم يأخذها من عُبَّادِ الأصنام. فقيل: لا يجوزُ أخذُها مِن
غير المجوس واليهود
والنصارى؟
كافر غيرِ هؤلاء، ومن دان بدينهم، اقتداءً بأخذه وتركه. وقيل: بل تُؤخذ من أهل
الكتاب وغيرهم من الكفار كعبدة الأصنام من العجم دون العرب، والأول: قول
الشافعي رحمه الله، وأحمد، في إحدى روايتيه. والثاني: قولُ أبي حنيفة،
وأحمد رحمهما الله في الرواية الأخرى.
وأصحاب القولِ الثاني: يقولون: إنما لم يأخذها مِنْ مشركي العربِ، لأنها
إنما نزَلَ فرضُها بعد أن أسلمت دَارَةُ العرب، ولم يبق فيها مُشرِكٌ، فإنها نزلت بعد
فتح مكة، ودخولِ العربِ في دين الله أفواجاً، فلم يبق بأرض العرب مشرك،
ولهذا غزا بعد الفتح تبوكَ، وكانُوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركون،
لكانُوا يلونه، وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين.
ومن تأمَّل السِّيرَ، وأيامَ الإِسلام، علم أن الأمرَ كذلك، فلم تؤخذ منهم
الجزيةُ لعدم من يُؤخذ منه، لا لأنهم ليسوا مِن أهلها، قالوا: وقد أخذها من
المجوس، وليسوا بأهلِ کتاب، ولا يصح أنہ کان لهم کتاب، ورفع وهو حدیث لا
يثبت مثلُه، ولا يصح سنده(١).
ولا فرق بين عبَّادِ النَّار، وعبَّاد الأصنام، بل أهلُ الأوثانِ أقربُ حالاً من
عُبَّادِ النار، وكان فيهم مِن التمسك بدين إبراهيم ما لم يكُن في عباد النار، بل عباد
النار أعداءُ إبراهيم الخليل، فإذا أُخِذَتْ منهم الجزية، فأخذها من عباد الأصنام
أولى، وعلى ذلك تدل سنة رسول الله رَّة، كما ثبت عنه في ((صحيح مسلم)) أنه
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٢٩)، والبيهقي ١٨٨/٩ من طريق الشافعي عن علي، وفي
سنده مجهول، ومع ذلك، فقد حسن إسناده الحافظ في «الفتح» ١٨٦/٦.
١٣٩
قال: ((إذا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فادْعُهُم إلى إِحْدَى خِلاَلٍ ثَلاَثٍ، فَأَيَتَهِنَّ
أَجَابُوَ إِلَيْهَا، فاقْبَلْ مِنْهُمْ، وكُفَّ عنهم)). ثم أمرَه أن يذْعُوَهُم إلى الإِسْلاَمِ، أَو
الجِزْيَّةِ، أو يُقَاتِلَهم (١).
وقال المغيرة لعاملِ كسرى: أمرنا نبيَِّا أن نُقاتِلَكم حتى تُعبدوا الله، أو
تؤذُّوا الجزية(٢).
وقال رسولُ الله ◌َّةٍ لِقِريش: ((هَلْ لَكُمْ فِي كَلمةٍ تَدِينُ لَكُمْ بِهَا العَرَبُ،
وتُؤدِّي العَجَمُ إِلَيْكُمُ بِهَا الجِزْيَةَ)). قالُوا: ما هي؟ قال: ((لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ))(٣).
فصل
ولما كان في مرجعه من تبوك، أخذت خَيْلُه أُكْيدَرِ دُوْمَةَ، فصالحه
(١) أخرجه مسلم (١٧٣١) من حديث بريدة، وقد تقدم ص٩١ .
(٢) أخرجه البخاري ١٨٩/٦، ١٩٠ في الجهاد: باب الجزية. قال الحافظ: وفيه إخبار
المغيرة أن النبي ◌َّ أمر بقتال المجوس حتى يؤدوا الجزية، ففيه دفع لقوله: زعم أن
عبد الرحمن بن عوف تفرد بذلك.
(٣) أخرجه أحمد ٢٢٧/١ و٣٦٢، والترمذي (٣٢٣٠) من طريق الأعمش عن يحيى بن
عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ويحيى بن عمارة، ذكره ابن حبان في
((الثقات)) وترجمه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢٩٦/٢/٤ فلم يذكر فيه جرحاً، وقد
اختلف الرواة عن الأعمش في اسم هذا الشيخ، فسماه الثوري في روايته عنه
((يحيى بن عمارة)) وهذا هو الذي جزم به البخاري، وابن حبان، ويعقوب بن شيبة،
وسماه أبو أسامة عن الأعمش ((عباد)) غير منسوب، وسماه الأشجعي عن الأعمش
(يحيى بن عباد))، وسماه حماد بن أسامة عن الأعمش ((عباد بن جعفر ... ))
والحديث نقله ابن كثير في ((تفسيره)) عن تفسير الطبري من طريق أبي أسامة، ثم
نسبه للمسند والنسائي من طريق أبي أسامة، عن الأعمش، عن عباد غير منسوب به
نحوه، ثم قال: ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً كلهم في
تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكر نحوه، وقال الترمذي: حسن.
١٤٠