النص المفهرس
صفحات 1-20
زَازُ المَعَاذ ٧ مـع ,عمن ! في هدي خير العباد ابن قيم الجوزية الإمَام المُحدِّثِ المِفَسِالفَقِ شُمِ الذين أَبِي عَبْدِالله محمد بن أبي بكر الزرعي الدّمْشِفِي ( ٦٩١ - ٧٥١ هـ ) حَقّقْ نَصُوصَه، وفرّعَ أماديَه، وعَلَّى عليه شُعَيَبُ الأرنَؤُوط عَبْدُ القَادِرِ الأرْنَؤُوط الجُزْء الثَّالِثْ مؤسسة الرسالة - O 3 زَادُ المِعَاد ٠١٤-١ في هدي خيرالعباد ٣ ، ـة الأسئلة للطباعة والنشر والتوزيع وعلى المصيطية شارع حبيب أي شهلا بناء المسكن تفاكس: (٩٦١١) ٨١٥١١٢ - ٢١٩٠٢٩ - ٦٠٢٢٤٣ ص.ب . :١٩٧٤٦٠ بوفياً بيوشران بيروت - لبنان Al-Resalah PUBLISHERS BEIRUT LEBANON Telefax: (9611) 815112-319039 603243 P.O. Box: 117460 E-mail: Rrsalaha cyheria.net.th Web Location: سِلّهِالرَّحْمِالرَّحَمِ جَمْعُ الحقوق محفوظة للناشرْ الطّعَة الثّالِثَة طبعة جَديدَة مُنقَّحَّة وَمَزِيدَة ١٤١٨ هـ / ١٩٩٨م حقوق الطبع محفوظة ١٩٧٩Cم. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام میکانیکي أو إلكتروني یمكّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. : فصل في هديه ◌َ﴾ في الجهاد والمغازي والسَّرايا وَالبُعُوث لما كان الجِهَاد ذِروةَ سَنَامِ الإِسلام وقُبْتَه، ومنازِلُ أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرِّفعةُ في الدنيا، فهم الأَعْلَوْنَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، كان رسولُ الله ◌َ في الذُّروةِ العُليا منه، واسْتولى على أنواعه كُلِّها فجاهد في اللَّهِ حقَّ جهاده بالقلب، والجنَانِ، والدَّعوة، والبيان، والسيفِ، والسِّنَانِ، وكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد، بقلبه، ولسانه، ويده. ولهذا كان أرفعَ العَالَمِينَ ذِكراً، وأعظمَهم عند اللَّهِ قدراً. وأمره الله تعالى بالجهاد مِن حين بعثه، وقال: ﴿ولو شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذيراً، فَلاَ تُطِعِ الكافِرين، وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كبيراً﴾ [الفرقان: ٥٢] فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار، بالحُجة، والبيان، وتبليغ القرآن، وكذلكَ جهادُ المنافقينَ، إنما هو بتبليغ الحُجَّة، وإلا فهم تحت قهر أهلِ الإِسلام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جِاهِدِ الكُفَّارَ والمُنَافِقِينَ، واغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وبِثْسَ المَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]. فجهادُ المنافقين أصعبُ مِن جهاد الكفار، وهو جهادٌ خواصِّ الأمة، وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالم، والمشارِكُون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هُم الأقلين عدداً، فهم الأعظمون عند الله قدراً. كان الجهاد في أول الإسلام بتبليغ الحجة ولما كان مِن أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِضِ، مثلَ أن تتكلم به عند من تُخاف سَطوتَهُ وأذاه، كان للرسلِ - صلواتُ اللَّهِ عليهم وسلامُهُ - مِن ذلك الحظُّ الأوفَرُ، وكان لنبينا - صلواتُ الله وسلامه عليه - من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه. ولما كان جهاد أعداءِ اللَّهِ في الخارج فرعاً على جهادِ العبد نفسه في ذاتِ جهاد أعداء الله فرع على جهاد النفس اللَّهِ، كما قال النبيُّنَّهُ: ((المجاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ اللَّه، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنهُ(١)). كان جهادُ النفس مُقدَّماً على جِهَادِ العدوِّ في الخارج، وأصلاً له، فإنه ما لم يُجاهِدْ نفسه أَوَّلاً لِتفعل ما أُمِرَتْ به، وتتركَ ما نُهيتْ عنه، ويُحارِبْهَا في الله، لم يُمكِنْهُ جهادُ عدوه في الخارج، فكيف يُمكِنُهُ جهادُ عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلِّطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يُحاربه في الله، بل لا يُمكنه الخروجُ إلى عدوِّه، حتى يُجاهِدَ نفسَه على الخروج. هناك جهاد ثالث هو جهاد الشيطان فهذان عدوَّانِ قد امْتُحِنَ العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌ ثالث، لا يمكنه جهادُهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثَبِّطُ العبدَ عن جهادهما، ويُخَذِّلُه، ويُرجِفُ به، ولا يزالُ يُخَيِّل له ما في جهادهما مِن المشاق، وتركِ الحظوظ،، وفوتِ اللذاتِ، والمشتهيات، ولا يُمكنه أن يُجاهِدَ ذَیْنِكَ العدویْنِ إلا بجهاده، فكان جهادُه هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوَّاً﴾ [فاطر: ٦]. والأمر باتخاذه عدواً تنبيه على استفراغ الوُسع في مُحاربته، ومجاهدته، كأنَّه عدو لاَ يَفْتُر، ولا يُقصِّر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس. جهاد هؤلاء الأعداء الثلاثة ليمتحن من يتولاه فهذه ثلاثة أعداء، أُمِرَ العبدُ بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي بمحاربتها في هذه الدار، وسُلِّطَتْ عليه امتحاناً من الله له وابتلاء، فأعطى اللَّهُ العبدَ مدداً وعُدَّةً وأعواناً وسلاحاً لهذا الجِهَادِ، وأعطى أعداءه مدداً وعُدَّةً وأعواناً وسِلاحاً، وبَلاَ أحدَ الفريقين بالآخر، وجعل بعضَهم لبعض فتنة لِيَبْلُوَ أخبارهم، ويمتحِنَ من يَتولاً،، ويتولَّى رسُلَهُ ممن يتولَّى الشيطانَ وحِزِبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا (١) أخرجه أحمد ٢١/٦ من حديث فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ◌َّ في حجة الوداع: ((ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)) وسنده جيد، وصححه ابن حبان (٢٥) والحاكم ١١/١، ووافقه الذهبي. ٦ ٢ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ، وكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقال تعالى ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُم، ولَكِنُ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض﴾ [محمد: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. [محمد: ٣١]. فأعطى عباده الأسماعَ والأبصارَ، والعُقول والقُوى، وأنزل عليهم كُتُبُه، وأرسلَ إليهم رسُلَه، وأمدَّهم بملائكته، وقال لهم: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَبَُّوا الَّذِينَ آمِنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وأمرهم من أمره بما هو مِن أعظم العونِ لهم على حرب عدوهم، وأخبرهم أنَّهم إن امتثلوا ما أمرهم به، لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوِّهم، وأنه إن سلَّطه عليهم، فلتركهم بعضَ ما أُمروا به، ولمعصيتهم له، ثم لم يُؤُيسهُم، ولم يُقتَّطْهُمْ، بل أمرهم أن يسْتَقْبِلُوا أمرهم، ويُداووا جِرَاحَهُم ويَعُودوا إلى مُناهضةِ عدوهم فينصرَهم عليه ويُظفرَهم بهم، فأخبرهم أنه معَ المتقين مِنهم، ومعَ المحسنينَ، ومع الصابرين، ومعَ المؤمنين، وأنه يُدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوِّهم، ولولا دفاعُه عنهم، لتخطّفهم عدوُهم، واجتاحهم .. وهذه المدافعةُ عنهم بحسب إيمانِهِم، وعلى قَدْرِهِ، فإن قَوِيَ الإِيمانُ، قويتِ المُدافعة، فمن وجد خيراً، فليحمَدِ الله، ومن وجد غيرَ ذُلِكَ، فلا يلومنَّ إلا نفسه . وأمرهم أن يُجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقَاته (١)، معنى ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ وكما أن حقَّتُقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر، فحقُّ جهاده أن يُجاهِدَ العبد نفسَه لِيُسْلِم قلبه ولسانه وجوارِحه للَّهِ، فيكون كُلُّه للَّهِ، وبِاللَّهِ لا لنفسِه، ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذِيبِ وعدِهِ، ومعصيةِ أمرِه، وارتكابٍ نهيه، فإنه يَعِدُ الأمانِيَّ، ويُمَنِّي الغُرورَ، ويَعِدُ الفقرَ، ويأمرُ بالفحشاء، (١) وذلك في قوله تعالى: [آل عمران: ١٠٢]: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وقوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: ٧٨]. ٧ - وينهى عن الثُّقى والهُدى، والعِفة والصبرِ، وأخلاقِ الإِيمان كُلِّهَا، فجاهده بتكذِيبِ وعده، ومعصيةِ أمره، فينشأُ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطان، وعُدَّة يُجاهد بها أعداءَ الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده ومالهِ، لِتكونَ كلمةُ الله هي العلیا . واختلفت عباراتُ السلف في حقِّ الجهاد: فقال ابن عباس: هو استفراغُ الطاقة فيه، وألا يَخافَ في اللَّهِ لومة لائم. وقال مقاتل: اعملوا للَّهِ حقَّ عمله، واعبدُوه حقَّ عِبادته. وقال عبد الله بنُ المبارك: هو مجاهدةُ النفس والهوى. ولم يُصِبْ من قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تُقَاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلافِ أحوال المكلفين في القُدرةِ، والعجزِ، والعلمِ، والجهلِ. فحقُّ التقوى، وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء، وتأمل كيف عقّب الأمر بذلك بقوله: ﴿هو اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الحج: ٧٨] والحَرَج: الضِّيقُ، بل جعله واسعاً يَسعُ كُلّ أحد، كما جعل رِزقه يسع كُلّ حي، وكلَّف العبدَ بما يسعه العبدُ، ورزق العَبدَ ما يسعُ العبد، فهو يسعُ تكليفَه، ويسعه رزقُهُ، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما، قال النبيُّ ◌َّه: ((بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ)) (١) أي: بالملة، فهي حنيفيَّة في التوحيد، سمحَةٌ في العمل. معنى ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقد وسَّع اللَّهُ سبحانه وتعالى على عباده غايةَ التَّوسِعة في دينه، ورِزْقه، وعفوه، ومغفرتِهِ، وبسط عليهم التوبةَ ما دامت الروحُ في الجسد، وفتح لهم باباً لها لا يُغْلِقُهُ عنهم إلى أن تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربها، وجعلَ لِكُلِّ سيئة كفارةً تُكفرها من توبة، أو صدقة، أو حسنة ماحية، أو مُصيبة مكفرة، وجَعل بكل ما حرَّم عليهم ◌ِوضاً مِن الحلال أنفعَ لهم منه، وأطيبَ، وألذً، فيقومُ مقامه لِيستغني العبدُ (١) أخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ٢٠٩/٧ من حديث جابر بلفظ ((بعثت بالحنيفية السمحة، ومن خالف سنتي، فليس مني)) وسنده ضعيف. ٨ ١ عن الحرام، ويسعه الحلال، فلا يَضيقُ عنه، وجعل لكل عُسْرٍ يمتحنُهم به يُسراً قبله، ويُسراً بعده، ((فلن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسَرِيْنِ))(١) فإذا كان هذا شأنه سبحانه مع عباده، فكيف يُكلِّفُهم ما لا يسعهم فضلاً عما لا يُطيقونه ولا يقدُرُونَ عليه. فصل إِذَا عُرِفَ هذا، فالجهادُ أربع مراتب: جهادُ النفس، وجهادُ الشيطان، وجهادُ الكفار، وجهادُ المنافقين . مراتب الجهاد فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضاً: مراتب جهاد النفس إحداها: أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلمُه، شقيت في الدَّارين. الثانية: أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل إن لم يَضُرَّها لم ينفعَها. الثالثة: أن يُجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمُه، وإلا كان مِن الذين يكتمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات، ولا ينفعُهُ علمُهُ، ولا يُنجِيه مِن عذاب اللَّهِ. الرابعة: أن يُجاهِدَها على الصبر على مشاقٌّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله للَّه. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الرَّبَّانِيِينَ، فإن السلفَ مُجمِعُونَ على أن العَالِمَ لا يَستحِقُّ أن يُسمى ربانياً حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويُعَلِّمَه، فمن علم وَعَمِلَ وعلَّمَ فذاكَ يُدعى عظيماً في ملكوتِ السماوات. (١) أخرج الحاكم ٥٢٨/٢ عن الحسن في قول الله عز وجل: (إن مع العسر يسراً) قال: خرج النبي ◌َ ل مسروراً فرحاً وهو يضحك وهو يقول: ((لن يغلب عسر يسرين)) (إن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً) ورجاله ثقات، لكنه مرسل. ٩ مراتب جهاد الشيطان فصل وأما جهادُ الشيطان، فمرتبتان، إحداهما: جهادُه على دفع ما يُلقي إلى العبدِ مِن الشبهات والشُّكوكِ القادحة في الإِيمان. الثانية: جِهادهُ على دفع ما يُلقي إليه من الإِرادات الفاسدة والشهواتِ، فالجهادُ الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعدَه الصبر. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَتِمَّةً يَهْدُون بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا، وكانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فأخبر أن إمامة الدين، إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهواتِ والإِرادات الفاسدة، واليقينُ يدفع الشكوكَ والشبهات. فصل وأما جهادُ الكفار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمالِ، والنفس، وجهادُ الكفار أخصُّ باليد، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان. مراتب جهاد الكفار والمنافقين فصل وأما جهادُ أرباب الظلم، والبدع، والمنكرات، فثلاث مراتبَ: الأولى: باليدِ إذا قَدَرَ، فإن عَجَزَ، انتقل إلى اللسان، فإن عَجَزَ، جاهد بقلبه، فهذِهِ ثلاثةَ عشرَ مرتبةً من الجهاد، و ((مَنْ مَاتَ وَلَم يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مَنَ النَّفَاقِ))(١) . جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات شرط الجهاد فصل ولا يَتِمُّ الجِهاد إلا بالِهِجْرَةِ، ولا الهِجْرة والجهادُ إلا بالإِيِمَانِ، والرَّاجُونَ رحمة الله هم الذين قاموا بهذِهِ الثلاثة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والّذينَ (١) أخرجه مسلم (١٩١٠) في الإمارة: باب ذم من مات، ولم يحدث نفسه بالغزو من حديث أبي هريرة، وأخرجه أبو داود (٢٥٠٢) في الجهاد: باب كراهية ترك الغزو، والنسائي (٣٠٩٩) في الجهاد: باب التشديد في ترك الجهاد. ١٠ : هَاجِرُوا وجَاهِدُوا في سَبيل اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله، واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٨]. وكما أن الإِيمان فرضٌ على كل أحد، ففرضٌ عليهِ هِجرتان في كل وقت: هجرةٌ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ بالتوحيدِ، والإِخلاص، والإنابة، والتَّوكُّلِ، والخوفِ، والرَّجاءِ، والمحبةِ، والتوبةِ، وهِجرةٌ إلى رسوله بالمُتابعة، والانقيادِ لأمره، والتَّصدِيقِ بخبره، وتقديم أمره وخبره على أمر غيرِهِ وخبره: ((فمن كانت هِجرتُهُ إلى اللّهِ ورسُولِهِ، فَهِجرتُهُ إلى اللّهِ ورسولِهِ، ومن كانت هِجْرتُهُ إلى دُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يتزوَّجُهَا، فَهِجْرته إلى ما هاجر إليهِ)). وفرضَ عليه جهادَ نفسه في ذات الله، وجِهادَ شيطانه، فهذا كُلُهُ فرضُ عينٍ لا ينوبُ فيه أحدٌ عن أحد. وأما جِهَادُ الكفار والمنافقين، فقد يُكتفى فيه ببعضِ الأمَّةِ إذا حَصَلَ منهم مقصود الجهاد. فصل وأكملُ الخَلْقِ عند اللَّهِ، من كَمَّلَ مراتِبَ الجِهَادِ كُلَّهَا، والخلق متفاوتونَ في منازلهم عند الله، تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكملَ الخلقِ وأكرمهم على اللّهِ خاتِمُ أنبيائِهِ ورُسُلِهِ، فإنه كمَّل مراتبَ الجهاد، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وشرع في الجهاد من حِينَ بُعِثَ إلى أن توقَّاهُ الله عز وجل، فإنَّه لما نزل عليه: ﴿يَا أَيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرَ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَنِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ [المدثر: ١ -٤] شَمَّر عن ساق الدعوة، وقام في ذاتِ الله أتمَّ قيام، ودعا إلى الله ليلاً ونهاراً، وسرّاً وجهاراً، ولمّا نزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى اللَّهِ الصغيرَ، والكبيرَ، والحرَّ والعبدَ، والذكرَ، والأنثى، والأحمرَ، والأسودَ، والجِنَّ، والإِنسَ. أكمل الخلق من كمّل مراتب الجهاد وأكملهم محمد وير ٤ ولما صَدَعَ بأمرِ الله، وصرَّحَ لقومه بالدَّعوة، وناداهم بسبِّ آلهتهم(١)، (١) لم يكن رسول الله _. سباباً ولا شتاماً ولا فحاشاً، وإنما كان ينفي عن آلهة = ٤ وعَيبٍ دينهم، اشتد أذاهم له، ولمن استجاب له مِن أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى، وهذهِ سُنَّةُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ في خلفه كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إلاَّ ما قَدْ قِيلَ الرُّسُلِ مِنَ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]. وقال: ﴿وكذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقال: ﴿كَذَلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسولٍ إِلَّ قالوا: ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتواصَوْا به بَلْ هُم قَومٌ طاغُون﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣]. فَعَزَّى سبحانه نبيّه بذلك، وأن له أُسوةً بمن تقدّمه من المرسلين، وعزَّى أتباعه بقوله: ﴿أم حَسِبْتُمْ أن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ، ولمَا يأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم مَسَّتْهُمُ البَّأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقوله: ﴿الَم. أَحْسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنًا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، ولقد فَنَّا الَّذِينِ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيعلَمَنّ اللَّهُ الَّذِينِ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الكأَذِبِينَ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أن يَسْبِقونَا ساءَ ما يَحْكِمُونَ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهَ فإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ، وهُوَ السَّمِيعُ العليمُ، ومَنْ جَاهَدَ فإنما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللّه لَغَنِيُّ عَنِ العَالَمِين، والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لَنْكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَبَُّاتِهِم، وَلَنَّجْزِيَتَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَوَصَّيْنَا الإِنِسَانَ بوالدَيْهِ حُسْناً، وإن جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعِهُمَا إِلَّ مَرْجِعُكُم، فأَنَبِّئُكُمُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لَنُدْخِلَنَّهُمْ في الصَّالحينَ، ومِنَ النَّاسِ مَنْ يقول آمَنَّا باللَّهِ، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ، جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله، وَلَئِنْ جَاءَ المشركين ما كانوا يتوهمونه لها من صفات لا تليق إلا بالله سبحانه وتعالى، ويصفها بما وصفها الله به في قوله: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) وقوله: (إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً)، وقوله: (والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون) وقوله: (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون) وغير ذلك مما أنزله الله عليه في تعرية الهتم المزعومة مما كانوا يعتقدونه فيها. ١٢ نَصْرٌ مَنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُم، أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَم بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ١١]. فليتأملِ العبدُ سياقَ هُذِهِ الآياتِ، وما تضمَّنته من العِبَرِ وكُنُوزِ الحِكَم، فإِنَّ الناسَ إذَا أُرسِلَ إليهم الرُّسُلُ بين أمرين: إما أن يقولَ أحدهُم: آمنا، وإما ألا يقولَ ذلك، بل يستمرَّ على السَّيئاتِ والكُفر، فمن قال: آمنا، امتحنه ربُّه، وابتلاه، وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار، ليتبينَ الصادِقُ مِن الكاذِب، ومن لم يقل: آمنا، فلا يَحْسَبْ أنه يُعْجِزُ الله ويفوتُه ويَسْبِقُه، فإنه إنما يطوي المراحِلَ في يديه . إِذَا كَانَ تُطْوِى فِي يَدَيْهِ المَرَاحِلُ وكَيْفَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ فمن آمن بالرسل وأطاعهم، عاداه أعداؤهم وآذوه، فابتلي بما يؤلمه وإن لم يُؤمن بهم ولم يُطعهم، عُوقِبَ في الدنيا والآخرة، فَحَصَلَ له ما يُؤْلمه، وكان هذا المؤلمُ له أعظَمَ ألماً وأدومَ مِن ألم اتِّباعهم، فلا بد، من حصول الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإِيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبةُ في الدنيا والآخرة، والمُعرِضُ عن الإِيمان تحصلُ له اللذةُ ابتداءً، ثم يَصير إلى الألم الدائم. وسئل الشافعي رحمه الله أيُّما أفضلُ للرجل، أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يُمْكَّن حتى يُبتلى، والله تعالى ابتلى أولي العَزْمِ مِن الرسل فلما صَبَرُوا مَكَّنهم، فلا يَظُنَّ أحد أنه يخلص من الألم البتة، وإنما يتفاوتُ أهلُ الالآم في العُقُول، فأعقلُهم من باع ألماً مستمراً عظيماً، بألم منقطع يسير، وأشقاهُم مَنْ باع الألَم المنقطِعَ اليسير، بالألم العظيم المستمر. فإن قيل : كيف يختار العاقلُ هذا؟ قيل: الحاملُ له على هذا النَّقْدُ، والنَّسيئة. والنَّفْسُ مُوكلةٌ بِحُبِّ العَاجِلِ. ﴿كَلَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠]. ﴿إِنَّ هُؤُلاءِ يُحِبُّونَ العَاجِلَةَ، وَيَذَرونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الدهر: ٢٧]. وهذا يحصُل لكل أحد، فإن الإِنسان مدني بالطَّبع، لا بُد له أن يعيشَ مع الناس، والناسُ لهم إِرادات وتصورات، فيطلبُون منه أن يُوافِقهم عليها، فإن لم يوافقهم، آذوه وعذبوه، وإن ١٣ ذكر الابتلاء في أول الدعوة من أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً وافقهم، حَصَلَ له الأذى والعذابُ، تارةً منهم، وتارةً مِن غيرهم، کمن عنده دِینٌ وتُقَى حلَّ بين قوم فُجَارٍ ظَلَمَةٍ، ولا يتمكنون مِن فجورهم وظُلمهم إلا بموافقته لهم، أو سكوتِه عنهم، فإن وافقهم، أو سكت عنْهم، سَلِمَ مِن شرهم في الابتداء، ثم يتسلَّطُونَ عليه بالإِهانة والأذى أضعافَ ما كان يخافُه ابتداء، لو أنكر علیھم وخالفهم، وإن سَلِمَ منهم، فلا بد أن يُهان ويُعاقب على يد غيرهم، فالحزمُ كُلُّ الحزم في الأخذ بما قالت عائشة أم المؤمنين لمعاوية: ((مَنْ أَرْضىَ اللَّهَ بِسَخَطٍ النَّاس، كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ لم يُغْنِوا عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً)(١). ومن تأمل أحوالَ العالم، رأى هذا كثيراً فيمن يُعينُ الرؤساءَ على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يُعينُ أهلَ البِدَع على بدعهم هَرَباً من عُقوبتهم، فمن هداه الله، وألهمه رُشده، ووقاه شرَّ نفسه، امتنع مِن الموافقة على فِعل المحرم، وصَبَرَ على عُدوانهم، ثم تكونِ له العاقبةُ في الدنيا والآخرة، کما کانت للرُّسل وأتباعهم، كالمهاجرين، والأنصار، ومن ابتُلي مِن العلماءِ، والعبّاد، وصالحي الولاة، والتجار، وغيرهم. تعزية الله عباده المؤمنين بأن الحياة الدنيا قصيرة ولما كان الألمُ لا محيصَ منه البتة، عزَّى اللَّهُ - سبحانه - من اختار الألم اليسيرَ المنقطعَ على الألم العظيم المستمِرِّ بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ، فإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ، وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥]. فضرب لمدة هذا الألم أجلاً، لا بُدَّ أن يأتي، وهو يومُ لقائه، فيلتذَّ العبدُ أعظم اللذة (١) أخرجه الترمذي (٢٤١٦) في الزهد عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية: سلام عليك أما بعد، فإني سمعت رسول الله ◌َّله يقول: ((مَن التمس رضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس)) والسلام عليك. وإسناده صحيح، وأخرجه ابن حبان (١٥٤٢) من طريق آخر، ورواه أيضاً (١٥٤١) من طريق آخر بلفظ ((مَن أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله، ومن أسخط الله برضى الناس، وكله الله إلى الناس)) وسنده صحيح أيضاً. ١٤ ٣ , . بما تحمَّل من الألم من أجله، وفي مرضاته، وتكون لَذتُهُ وسرورُهُ وابتهاجُهُ بقدرِ ما تحمَّل من الألم في الله والله، وأكَّد هذا العزاءَ والتسلية برجاء لقائه، لِيحملَ العبدَ اشتياقُه إلى لِقَاء ربه وولِيّهِ على تحمُّل مشقة الألم العاجل، بل رُبما غيَّه الشَّوقُ إلى لقائه عن شهود الألم والإِحساس بِهِ، ولهذا سأل النبي ◌َّهُ ربَّ الشَّوقَ إلى لِقائه، فقال في الدعاء الذي رواه أحمد وابنُ حِبان: (اللَّهُمَّ إِنِّي أسْأَلُكَ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ وقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ، أحْيِنِي إِذَا كَانتِ الحَياةُ خَيْراً لي، وَتَوَفَّني إذا كانت الوَفَاةُ خَيْراً لي، وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيِبِ والشَّهَادِةِ، وَأَسْأَلُك كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضَى، وَأَسْأَلُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمَاً لاَ يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنِ لا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضى بَعدَ القَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ، وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاء مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنا بزينةِ الإِيمَانِ، واجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِين)»(١) . فالشوقُ يحمل المشتاقَ على الجدِّ في السير إلى محبوبه، ويُقرِّبُ عليه الطريقَ، ويطوي له البعيدَ، ويهوِّنُ عليه الآلامَ والمشاقَّ، وهو مِن أعظم نِعمةٍ أنعمَ اللَّهُ بها على عبده، ولكن لِهْذِهِ النعمة أقوالٌ وأعمالٌ، هما السببُ الذي تُنال به، واللَّهُ سبحانه سميعٌ لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم بمن يصلُح لهذه النعمة، ويشكرُها، ويَعرف قدرَهَا، ويُحب المنعمَ عليه، (١) أخرجه النسائي ٥٤/٣، ٥٥ في السهو: باب نوع آخر، وابن حبان (٥٠٩) من حديث حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب عن أبيه، قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة، فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أمَّا على ذلك، فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله قليلة، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أبي (أي: والد عطاء بن السائب) غير أنه كنى عن نفسه، فسأله عن الدعاء، فأخبر به القوم ... وسنده قوي، لأن حماد بن زيد سمع من عطاء بن السائب قبل اختلاطه. وهو في ((المسند)) ٢٦٤/٤ والنسائي أيضاً من طريق شريك، عن أبي هاشم الواسطي، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن عمار. ١٥ فتصلح عنده هذه النعمة، ويصلح بها كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهْؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهم مِنْ بَيِّننا أليسَ اللَّهُ بَأَعْلَمَ بالشأَّكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، فإذا فاتت العبدَ نَعمةٌ مِن نعم ربه، فليقرأ على نفسه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ من جاهد فإنما يجاهد لنفسه ثمَّ عزَّاهم تعالى بعزاءٍ آخر، وهو أن جهادهم فيه، إنما هو لأنفسهم، وثمرته عائدة عليهم، وأنه غني عن العالمين، ومصلحةُ هذا الجهاد، ترجعُ إليهم، لا إليه سُبحانه، ثم أخبر أنَّه يُدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زُمرة الصالحين. معنى ﴿فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ ثم أخبر عن حال الدَّاخل في الإِيمان بلا بصيرة، وأنه إذا أُوذي في اللَّهِ جعل فتنةَ الناس له كعذاب الله، وهي أذاهم له، ونيلُهم إياه بالمكروه والألم الذي لا بد أن يناله الرسلُ وأتباعهم ممن خالفهم، جعل ذلك في فراره منهم، وتركِهِ السبب الذي ناله، كعذابِ الله الذي فرَّ منه المؤمنون بالإِيمان، فالمؤمنون لِكمال بصيرتهم، فرُّوا مِن ألم عذاب الله إلى الإِيمانِ، وتحمَّلُوا ما فيهِ من الألم الزائل المُفارق عن قريب، وهذا لضعف بصيرته، فرَّ من ألمٍ عذاب أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففرَّ مِن ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألمَ فتنة الناس في الفِرار منه، بمنزلة ألم عذاب الله، ونُبِنَ كُلَّ الغَبن إذ استجار مِن الرَّمضاءِ بالنار، وفرَّ مِن ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر اللَّهُ جُنده وأولياءه، قال: إني كنتُ معكم، والله عليم بما انطوى عليه صدرُه من النفاق. والمقصود: أن الله سبحانه اقتضت حكمتُه أنه لا بد أن يمتحن النفوسَ ويبتليها، فيُظْهِرَ بالامتحان طيِّبَها مِن خبيثها، ومن يصلُح لموالاته وكراماته، ومن لا يصلحُ، وليُمخِّص النفوسَ التي تصلحُ له ويُخلِّصَها بكِير الامتحان، كالذَّهب الذي لا يخلُص ولا يصفو مِن غِشه، إلا بالامتحان، إذ النفسُ في الأصل جاهلة ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم منِ الخُبث ما يحتاجُ ١٦ خروجه إلى السَّبكِ والتصفية، فإن خرج في هذه الدار، وإلا ففي كِير جهنم، فإِذا هُذب العبدُ ونُقِّيَ، أُذْنَ له في دخولِ الجنة. فصل ولما دعا ◌َِّ إلى اللّهِ عَزَّ وجَلَّ، استجاب له عِبادُ اللَّهِ مِن كل قبيلة، فَكَانَ ذكر السابقين إلى الإسلام حائِزَ قصبِ سَبْقِهِم (١)، صِدِّيقُ الأمة، وأسبقُها إلى الإِسلام، أبو بكر رضي الله عنه، فآزره في دين الله، ودعا معه إلى اللَّهِ على بصيرة، فاستجابَ لأبي بكر: أبو بكر الصديق عثمان بن عفان، وطلحةُ بن عُبيد الله، وسعدُ بنُ أبي وقاص. وبادر إلى الاستجابة له ﴾، صِدِّيقَةُ النِّساءِ: خديجةُ بنت خُويلد، وقامت بأعباء الصِّدِّيقيَّةِ، وقال لها: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)). فَقَالَتْ لَهُ: أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أبداً(٢) ثم استَدَلَّت بما فيه من الصفات الفاضلة، والأخلاق والشيم، على أن من كان كذلك لا يخزى أبَدَاً، فعلمت بكمال عقلها وفِطرتها، أن الأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، والشِّيم الشريفة، تُناسِبُ أشكالها من كرامة الله، وتأييده، وإحسانه، ولا تُناسِبُ الخزيَ والخذلان، وإنما يُناسبه أضدادُها، فمن رَّبه اللَّهُ على أحسنِ الصفات وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليقُ به كرامتُه وإتمامُ نعمته عليه، ومن ركَّبه على أقبح الصفات وأَسْوإِ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبُها، وبهذا العقل والصديقية استحقَّت أن يُرْسِلَ إِلَيْهَا رَبُّها بِالسَّلاَمِ مِنْهُ مَعَ رَسُولَيْهِ جِبْرِيل وَمُحَمَّدٍ ◌َيْءٍ(٣). يجة الكبرى (١) يقال: حاز قصب السبق، أي: استولى على الأمر، ويقال للمراهن إذا سبق أحرز قصبة السبق، وقيل للسابق: أحرز القصب، لأن الغاية التي يسبق إليها تذرع بالقصب، وتركز تلك القصبة عند منتهى الغاية، فمن سبق إليها حازها، واستحق الخطر . (٢) رواه البخاري ٢١/١، ٢٧ في باب بدء الوحي إلى رسول الله بخير، ومسلم (١٦٠) في الإِيمان: باب بدء الوحي إلى رسول الله وَّر، وأخرجه أحمد في ((المسند)» ٢٢٣/٦ و٢٣٣ من حديث عائشة. (٣) أخرجه البخاري ١٠٥/٧ في المناقب، ومسلم (٢٤٣٢) من حديث أبي هريرة = ١٧ فصل وبادر إلى الإِسلام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وكان ابنَ ثمان سنين، علي وقيل: أكثرَ من ذلك، وكان في كفالةِ رسولِ الله ◌َثَّ، أخذه من عمه أبي طالب إعانةً له في سَنةِ مَخْلٍ . زید وبادر زيدُ بنُ حارثة حِبُّ رسولِ الله ◌َ ◌ّل، وكان غُلاماً لخديجة، فوهبته لرسول الله ﴾ لما تزوَّجَها، وقَدِمَ أبوه وعُّه في فِدائه، فسألا عن النبيِّ لَله فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبدِ المطلب، يا ابنَ هاشم، يا ابنَ سيِّدٍ قومه، أنتُم أهلُ حَرَم الله وجيرانه، تفكُّون العاني وتُطعِمُونَ الأسير، جئناكَ في ابننا عِندك، فامنُن علينا، وأَحْسِنْ إلينا في فِدائه، قال: ((ومن هو؟)) قالوا: زيدُ بنُ حارثة، فقال رسولُ الله ◌َله: ((فَهَلاَّ غَيْرَ ذُلِك)) قالوا: ما هو؟ قال: ((أَدْعُوهُ فَأُخيِّرُه، فَإِن اخْتَارَكُمْ، فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنِ اخْتَارَنِي، فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَن اخْتَارَنِي أَحَدَاً) قالا: قد رددتنا على النَّصَفِ، وأحسنتَ، فدعاه فقال: ((هل تعرِفُ لهؤلاء؟)) قال: نعم، قال: ((مَن هُذَا؟)) قال: هذا أبي، وهذا عمي، قال: ((فأنا من قد علمتَ ورأيتَ، وعرفتَ صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما)) قال: ما أنا بالذي أختارُ عليك أحداً أبداً، أنتَ مني مكان الأب والعم، فقالا: ويحكَ يا زيد، أتختارُ العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وعلى أهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيتُ من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختارُ عليه أحداً أبداً، فلما رأى رسولُ الله ◌َّ ذلك، أخرجه إلى الحِجْر، فقال: ((أُشْهِدُكُمْ أَنَّ زَيْدَاً ابني، يَرِثُني وأرِتُه)) فلما رأى ذلك أبوه وعمُّه، طابت نفوسُهما، فانصرفا، ودعي زيدَ بن محمد، حتى جاء الله بالإِسلام: فنزلت: ﴿ادعُوهُم لاَبَائِهم﴾ [الأحزاب: ٥] رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبي وَالّ فقال: ((يا رسول الله مثل هذه خديجة قد أتت = معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب)). ١٨ فدُعِيَ من يومئذ: زيد بن حارثة(١). قال معمر في ((جامعه)) عن الزهري: ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة (٢) وهو الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه أنعم عليه، وأنعم عليه رسوله، وسماه باسمه. وأسلم القُّ ورقةُ بنُ نوفل، وتمنَّى أَنْ يَكُونَ جَذَعَاً إذ يُخرِجُ رسولَ الله ◌َِّ قومُه (٣)، وفي ((جامع الترمذي)) أن رسول الله : رآه في المنام في هيئة حسنة، وفي حديث آخر: أنه رآه في ثياب بياض (٤). ورقة بن نوفل ودخل الناسُ في الدين واحداً بعد واحد، وقريشٌ لا تُنكِرُّ ذلك، حتى بادأهم بعيب دِينهم، وسبِّ آلهتهم، وأنها لا تَضُرُّ ولا تنفعُ، فحينئذ شمَّروا له ولأصحابه عن سَاقِ العداوة، فحمى اللَّهُ رسوَلَهُ بعمِّه أبي طالب، لأنه كان شريفاً معظَّماً في قريش، مُطاعاً في أهله، وأهل مكة لا يتجاسَرونَ على مُكاشفته بشيءٍ من الأذى. الأذى بمن أسلم (١) أخرجه البخاري ٣٩٨/٨ من حديث ابن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) وأخرجه مسلم (٢٤٢٥) والترمذي والنسائي، وقصة زيد بطولها أوردها ابن هشام في (السيرة))، وابن حجر في ((الإصابة)) رقم (٢٨٩٠). (٢) ذكره عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٢٥/٥. (٣) في حديث عائشة الذي أخرجه البخاري ٢٤/١، ٢٥، فقال له ورقة: ((هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى يا ليتني فيها جذع ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ◌َ: ((أو مخرجيَّ هم؟)) قال: نعم لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي)) وأخرج الحاكم في ((المستدرك)) ٦٠٩/٢ من حديث عائشة قالت: قال رسول الله خالٍ: ((لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين)) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. (٤) أخرجه الترمذي (٢٢٨٩) في الرؤيا: باب ما جاء في رؤيا النبي محلية: الميزان والدلو، وفي سنده عثمان بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، وله شاهد عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة أن خديجة سألت النبي صَلّ عن ورقة بن نوفل، فقال: قد رأيته، فرأيت عليه ثياباً بيضاً، فأحسبه لو كان من أهل النار، لم یکن علیه ثیاب بیاض. ١٩ وكان مِن حكمةِ أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه، لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأمَّلها . وأما أصحابُه، فمن كان له عشيرةٌ تحميه، امتنع بعشيرته، وسائرهُم تَصَدَّوْا له بالأذى والعذاب، منهم عمّار بن ياسر، وأمُّه سُمَيَّة، وأهلُ بيته، عُذِّبُوا في الله، وكان رسولُ اللهِ لَّهَ إذا مرَّ بهم وهم يُعذبون يقول: ((صَبْراً يا آَلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَُّ»(١). ومنهم بلالُ بنُ رباح، فإنه عُذِّبَ في اللَّهِ أشدَ العذاب، فهانَ على قومه، وهانت عليه نَفْسُهُ في اللَّهِ، وكان كلما اشتدّ عليه العذابُ يقول: أحدٌ أحدٌ، فيمزُ به ورقةُ بن نوفل. فيقول: إي واللّهِ يا بلال أحدٌ أحدٌ، أما واللَّهِ لَئِن قتلتُمُوهُ، لأَنَّخِذَنَّه حَنَاناً(٢) . فصل ولما اشتدَّ أذى المشركين على من أسلم، وفُتِنَ منهم من فُتِنَ، حتى يقولوا لأحدهم: اللاتُ والعُزَّى إِلُهُكَ مِن دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجُعَلَ ليمُرُّ بهم، فيقولونَ: وهذا إلُهُكَ مِن دون الله، فيقول: نعم. ومرَّ عدوُّ الله أبو جهل (١) ذكره ابن إسحاق في ((مغازيه)) فيما نقله عن ابن هشام في ((السيرة)): حدَّثني رجال من آل عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها آل بني المغيرة على الإِسلام وهي تأبى غيره حتى قتلوها، وكان رسول الله وقلّة يمر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة، فيقول: ((صبراً يا آل ياسر موعدكم الجنة)) وفي الباب عن عثمان بن عفان مرفوعاً ((اصبروا آل ياسر ((صبراً يا آل ياسر موعدكم الجنة)) وفي الباب عن عثمان بن عفان مرفوعاً ((اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة (مجمع الزوائد» ٢٩٣/٩. (٢) أخرجه الزبير بن بكار فيما ذكره الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة ورقة عن عثمان عن الضحاك بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عروة بن الزبير وهو مرسل وعثمان ضعيف، والحنان: الرحمة والعطف. ٢٠