النص المفهرس
صفحات 381-400
فصل وكان هديُه انتهاءَ السلام إلى ((وبركاتُهُ)) فذكر النَّسائي عنه أن رجلاً جاء فقال: السَّلاَمُ عليكم، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َهِ وَقَالَ: ((عَشْرَةٌ)) ثُمَّ جلس، ثم جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌ِ﴿ وَقَالَ: ((عِشْرُونَ)) ثُمَّ جَلَسَ وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ◌َاتِ، وَقَالَ: ((ثَلاَثُونَ)) رواهُ النسائي، والترمذي من حديث عمران بن حصين، وحسنه(١). صيغة السلام وذكره أبو داود من حديث معاذ بن أنس، وزاد فيه: ((ثُمَّ أتى آخَرُ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ فَقَالَ: (أَرْبَعُونَ)) فَقَالَ: هَكَذَا تَكُونُ الفَضَائِلُ))(٢). ولا يثبت هذا الحديثُ. فإن له ثلاثَ علل: إحداها: أنه من رواية أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، ولا يُحتج به. الثانية: إن فيه أيضاً سهل بن معاذ وهو أيضاً كذلك. الثالثة: أن سعيد بن أبي مريم أحدَ رواته لم يجزم بالرواية، بل قال: أظنُّ أني سمعتُ نافع بن یزید. (١) رواه الترمذي (٢٦٩٠) في الاستئذان: باب ما ذكر في فضل السلام، وأبو داود رقم (٥١٩٥) في الأدب: باب كيف السلام، وإسناده قوي كما قال الحافظ في ((الفتح)" ٥/١١. وحسنه الترمذي، وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٨٦) من حديث أبي هريرة، قال الحافظ: ورواته من شرط الصحيح إلا يعقوب بن زيد التيمي وهو صدوق . (٢) رواه أبو داود (٥١٩٦) في الأدب: باب كيف السلام، عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه، وهو ضعيف كما ذكر المؤلف رحمه الله، وقال الحافظ في ((تخريج الأذكار)): هذا حديث غريب، وكأن هذا الخبر لضعفه لم يقل الأصحاب بقضيته من زيادة ((ومغفرته)) في أكمل السلام، بل جعلوا أكمله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأخرج مالك في ((الموطأ)) ٩٥٩/٢ بسند صحيح أن رجلاً سلم على ابن عباس، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئاً على ذلك أيضاً، فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة. ٣٨١ وأضعفُ مِن هذا الحديثُ الآخر عن أنس: كان رجل يمُرُّ بالنبيِّ ◌َّم يقول: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يا رسولَ الله، فيقولُ له النبيِّهِ: ((وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُه وَرِضْوَانُه)) فقيل له: يا رسول الله تُسَلَّم على هذا سلاماً ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك؟ فقال: ((ومَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذلِكَ، وَهُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرِ بِضْعَةً عَشَرَ رَجُلاً، وكَانَ يَرْعَى عَلَى أَصْحَابِهِ))(١) . فصل السلام ثلاثاً وكان من هديه ◌َُّ أن يُسِّلمَ ثلاثاً كما في ((صحيح البخاري)) عن أنسٍ رضي الله عنهُ قال: كانَ رسولُ الله ◌َّهِ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثلاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ سَلَّمَ ثَلاثَةٌ(٢) ولعل هذا كان هديَه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغُهم سلام واحد، أو هديَه في إسماع السلام الثاني والثالث، إن ظنَّ أن الأولَ لم يحصل به الإِسماع كما سلَّم لما انتهى إلى منزل سعد بن عُبادة ثلاثاً، فلما لم يُجبه أحد رجع (٣) وإلا فلو كان هديُه الدائمُ التسليمَ ثلاثاً لكان أصحابُهُ يُسلِّمُونَ عليه كذلك، وكان يُسلِّمُ على كُلِّ من لقيه ثلاثاً، وإذا دخل بيته ثلاثاً، ومن تأمل هديَه، علِم أن الأمر ليس كذلك، وأنَّ تكرار السلام كان منه أمراً عارضاً في بعض الأحيان، والله أعلم. (١) رواه ابن السني (٢٣٤) من طريق بقية بن الوليد، عن يوسف بن أبي كثير عن نوح بن ذكوان، عن الحسن عن أنس، ويوسف بن أبي كثير مجهول، وشيخه نوح بن ذكوان قال ابن حبان: منكر الحديث جداً. (٢) رواه البخاري ١٦٩/١ في العلم: باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه، و٢٢/١١ في الاستئذان: باب التسليم والاستئذان ثلاثاً، والترمذي (٢٧٢٤)، والحاكم ٢٧٣/٤ حتى تعقل عنه، بدل ((حتى تفهم عنه»، ووهم الحاكم في استدراكه هذا الحديث، وفي دعواه أن البخاري لم يخرجه. (٣) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» (١٠٧٣) وفي سنده ضعف. ٣٨٢ فصل وكان يبدأ من لقيه بالسلام، وإذا سلَّم عليه أحدٌ، ردَّ عليهِ مِثلَ تحيته أو أفضلَ منها على الفور من غير تأخير، إلا لِعذر، مثل حالة الصلاة، وحالة قضاء الحاجة. رد السلام وكان يُسمِعُ المسلم ردَّهُ عليه، ولم يكن يَرُدُّ بيده ولا رأسه ولا أصبعه إلا في الصلاة، فإنه كان يرد على من سلَّم عليه إشارة، ثبتَ ذلك عنه في عدة أحاديث، ولم يجىء عنه ما يعارضها إلا بشيء باطل لا يصح عنه كحديث يرويه أبو غطفان رجل مجهول، عن أبي هريرة عنه ◌َ﴾ ((مَنْ أَشَارَ في صَلاتِهِ إِشَارَةٌ تُفْهُمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ صَلاَتَهُ)) (١) قال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول. والصحيح عن النبي ◌ٍَّ أنه كان يُشير في الصلاة، رواه أنس وجابر وغيرهما عن النبي مَّيَّ(٢). فصل وكان هديه في ابتداء السلام أن يقول: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللَّهِ)) وكان كراهية قول المبتدىء: يكره أن يقول المبتدىء: عليك السلام. «عليك السلام» قال أبو جريٍّ الهُجيمِيُّ: أتيتُ النبيَّ ◌َِّ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلاَمُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلاَمُ تَحِيَةُ المَوْتَى)) حديث (١) رواه أبو داود (٩٤٤) من حديث أبي هريرة في الصلاة: باب الإشارة في الصلاة والدارقطني ٨٣/٢ وفي سنده ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وباقي رجاله ثقات، فإن أبا غطفان ليس بمجهول كما قال المؤلف، بل هو معروف روى عنه جماعة ووثقه النسائي وابن حبان، وابن معين، لكن يبقى الحديث ضعيفاً لتدليس ابن إسحاق، وقال أبو داود: هذا الحديث وهم. (٢) وهي صحيحة وتقدم تخريجها في الجزء الأول ٢٥٨. ٣٨٣ صَحيح (١). وقد أشكل هذا الحديثُ على طائفة، وظنُّوهُ معارضاً لما ثبت عنه وَّ في السَّلاَم على الأموات بلفظ ((السَّلامُ عَلَيْكُم)» بتقديم السلام، فظنوا أن قوله: «فإن عليكَ السلام تَحيَّةُ المَوْتَى)) إخبار عن المشروع، وغلِطوا في ذلك غلطاً أوجب لهم ظَنَّ التعارض، وإنما معنى قوله: ((فإنَّ عَلَيْكَ السَّلاَمُ تَحِيَّةُ المَوْتَى)) إخبار عن الواقع، لا المشروعُ، أي: إن الشعراء وغيرهم يحيُّون الموتى بهذه اللفظة، كقول قائلهم: وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَخَّمَا عَلَيْكَ سَلاَمُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تهدَّمَا فَمَا كَانَ قَيْسٌ مُلْكُه هُلْكَ وَاحِدٍ فكره النبيُّ نَّهِ أن يُحيَّى بتحية الأموات، ومِن كراهته لذلك لم يردّ على المسلِّم بها(٢). (١) رواه أبو داود (٥٢٠٩) في الأدب: باب كراهية أن يقول: ((عليك السلام))، و (٤٠٨٤) في اللباس: باب ما جاء في إسبال الإِزار، والترمذي (٢٧٢٢) في الاستئذان: وأحمد ٦٣/٥، ٦٤ وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح، وتمامه قلت: أنت رسول الله؟ قال: ((أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته، كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة، أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة فضلّتْ راحلتك، فدعوته، ردّها عليك)) قال: قلت: اعهَدْ إلي، قال: ((لا تسبنَّ أحداً) قال: فما سببت بعده حراً، ولا عبداً، ولا بعيراً، ولا شاة، قال: ((ولا تحقرن شيئاً من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك، وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه. وفي الحديث لفتة كريمة من النبي ◌ِّي للمسلم حيث دل الأعرابي على خالقه الذي يملك وحده الضر والنفع، وربطه به وحده دونه ◌ّل، ورغبه في اللجوء إليه وطلب العون منه والاستغاثة به في الملمات. (٢) وقد ذكر المؤلف رحمه الله في ((مختصر السنن)) ٤٩/٦ كلاماً جيداً حول هذه المسألة= ٣٨٤ وكان يردُّ على المُسَلِّم ((وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ)) بالواو، وبتقديم ((عَلَيْكَ)) على لفظ السلام. بحث في الرد على المسلم بـ ((وعليك السلام» والفرق بينها وبين الرد على أهل الكتاب وتكلم الناسُ ها هنا في مسألة، وهي لو حذف الرادُّ ((الواو)) فقالَ: ((عَلَيْكَ السَّلاَمُ)) هَلْ يكونُ صحيحاً؟ فقالت طائفة منهم المتولي وغيرُه: لا يكون جواباً، ولا يسقط به فرضُ الردِّ، لأنه مخالف لسنة الردِّ، ولأنه لا يُعلم: هل هو رد، أو ابتداء تحية؟ فإن صورته صالحة لهما، ولأن النبي ◌َّه قال: ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ، فَقُولُوا: ((وعَلَيْكُمْ)) (١) فهذا تنبيهٌ منه على وجوب الواو في الردِّ على أهلٍ يحسن نقله هنا، قال: الدعاء بالسلام دعاء بخير، والأحسن في دعاء الخير أن يقدم = الدعاء على المدعو له، كقوله تعالى: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ وقوله: ﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت﴾ وقوله: ﴿سلام عليكم بما صبرتم﴾. وأما الدعاء بالشر فيقدم المدعو عليه على الدعاء غالباً، كقوله تعالى لإبليس: ﴿وإن عليك لعنتني إلى يوم الدين﴾ وقوله: ﴿وأن عليك اللعنة﴾ وقوله: ﴿عليهم دائرة السَّوء﴾ وقوله: ﴿وعليهم غضب ولهم عذاب شديد﴾ وإنما قال النبي ◌َّ ذلك إشارة إلى ما جرت منهم في تحية الأموات إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء، وهو مذكور في أشعارهم كقول الشماخ: يد الله في ذاك الأديم الممزق عليك سلامٌ من أديم وباركت وليس مراده أن السنة في تحية الميت أن يقال له: عليك السلام، كيف وقد ثبت في الصحيح عنه بَل# أنه دخل المقبرة فقال: ((السلام عليكم أهلَ دار قوم مؤمنين))، فقدم الدعاء على اسم المدعو كهو في تحية الأحياء، فالسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات. (١) رواه مسلم (٢١٦٣) في السلام: باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، ورواه البخاري ٣٦/١١ في الاستئذان: باب كيف الرد على أهل الذمة بالسلام، وكيف يرد عليهم، وأبو داود (٥٢٠٧) في الأدب: باب السلام على أهل الذمة من حديث أنس ولفظه ((وعليكم)) بإثبات الواو، وأخرجه مالك ٢/ ٩٦٠ ومسلم (٢١٦٤) والترمذي (١٦٠٣) من حديث ابن عمر بدون الواو، ولفظه: ((إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: عليك)). ٣٨٥ زاد المعاد ج ٢ -م١٣ الإِسلام، فإن ((الواو)) في مثل هذا الكلام تقتضي تقريرَ الأول، وإثباتَ الثاني، فإِذا أُمِرَ بالواو في الرد على أهل الكتاب الذين يقولون: السام عليكم، فقالَ: ((إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الكِتابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُم)) فَذِكْرُها في الرد على المسلمين أولى وأحری. وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك ردٌّ صحيح، كما لو كان بالواو، ونص عليه الشافعي رحمه الله في كتابه الكبير، واحتج لهذا القول بقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيْثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاَمَاً قَالَ سَلَامٌ﴾ [الذريات: ٢٤] أي: سلام عليكم، لا بد من هذا، ولكن حسُنَ الحذفُ في الرد، لأجل الحذف في الابتداء، واحتجوا بما في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة عن النبي ◌َّه قال: ((خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ سِئُونَ ذِرَاعَاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَر مِنَ المَلائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيُّكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَِّكَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ «وَرَحْمَةُ اللَّهِ)(١) فقد أخبرَ النبيُّ ◌َِّ أن هذه تحيتُهُ وتحيةُ ذريته، قالوا: ولأن المسلَّم عَلَيْهِ مَأْمُورٌ أن يُحِّي المُسلِّمَ بمثل تحيته عدلاً، وبأحسنَ منها فضلاً، فإذا ردَّ عليه بمثل سلامه، كان قد أتى بالعدل. وأما قوله: ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُم)) فهذا الحديثُ قد اختُلِفَ في لفظة ((الواو)) فيه، فروي على ثلاثة أوجه، أحدها: بالواو، قال أبو (١) أخرجه البخاري ٦/ ٢٦٠ في الأنبياء: باب خلق آدم صلوات الله عليه، وفي الاستئذان: باب بدء السلام، وقال النووي رحمه الله: الصواب أن حذف الواو وإثباتها ثابتان جائزان، وبإثباتها أجود، ولا مفسدة فيه، وعليه أكثر الروايات، وفي معناها وجهان، أحدهما أنهم قالوا: عليكم الموت، فقال: وعليكم أيضاً، أي: نحن وأنتم فيه سواء، كلنا نموت، والثاني: إن الواو للاستئناف لا للعطف والتشريك، والتقدير: وعليكم ما تستحقونه من الذم. وأخرجه مسلم (٢٨٤١) في الجنة وصفة نعيمها: باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير. ٣٨٦ داود: كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار، فقال فيه: ((فعليكم)) وحديث سفيان في ((الصحيحين)) ورواه النسائي من حديث ابن عُيينة عن عبد الله بن دينار بإسقاط ((الواو))، وفي لفظ لمسلم والنسائي: فقل: ((علیك» بغیر واو. وقال الخطابي: عامةُ المحدثين يروونه ((وعليكم)) بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه ((عليكم)) بحذف الواو، وهو الصوابُ، وذلك أنه إذا حذف الواو، صار قولهم الذي قالوه بعينه مردوداً عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم، والدخول فيما قالوا، لأن الواو حرفٌ للعطف والاجتماع بين الشيئين. انتهى کلامه . وما ذكره من أمر الواو ليس بمشكل، فإن ((السَّام)) الأكثرون على أنه الموت، والمسلِّم والمسلَّم عليه مشتركون فيه، فيكون في الإتيان بالواو بيانٌ لعدم الاختصاص، وإثبات المشاركة، وفي حذفِهَا إشعار بأن المسلِّم أحقُ به وأولى من المسلَّم عليه وعلى هذا فيكون الإتيانُ بالواو هو الصواب، وهو أحسنُ من حذفها، كما رواه مالك وغيرُهُ، ولكن قد فسر السام بالسآمة، وهي الملالة وسامة الدين(١)، قالوا: وعلى هذا فالوجه حذف الواو ولا بدَّ، ولكن هذا خلافُ المعروف من هذه اللفظة في اللغة، ولهذا جاء في الحديث ((إِنَّ الحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءً إلاَّ السَّامَ)) (٢) ولا يختلفون أنه الموت. وقد ذهب بعض المُتحذلقين (١) نقل الخطابي من رواية عبد الوارث بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: كان قتادة يقول تفسير ((السام عليكم)) تسأمون دينكم وهو يعني السأم مصدر سئمه سامة وساماً مثل رضعه رضاعة ورضعاً، وقد رواه بقي بن مخلد في تفسيره مرفوعاً من طريق سعيد عن قتادة عن أنس. وراجع ((الفتح)٤ ٣٥/١١. (٢) أخرجه البخاري ١٢٢/١٠ في الطب: باب الحبة السوداء، ومسلم (٢٢١٥) في الطب: باب التداوي بالحبة السوداء، والترمذي (٢٠٤٢) في الطب: باب ما جاء في الحبة السوداء، وأحمد ٢٤١/٢، وابن ماجه (٣٤٤٧) في الطب: باب الحبة السوداء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والبخاري ١٢١/١٠، وأحمد ١٣٨/٦ و١٤٦ من = ٣٨٧ إلى أنه يرد عليهم السِّلام بكسر السين، وهي الحجارة، جمع سَلِمة، وردُّ هذا الرَّدِّ متعيَّن . فصل في هديه # في السلام على أهلِ الكِتاب صَحَّ عنه ◌ٍَ أَنَّه قال: ((لاَ تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلاَمِ، وَإِذَا لَقِيتُموهُمْ في الطَّرِيقِ، فَاضْطَّرُوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطَّريقِ)) لكن قَد قِيل: إن هذا كان في قضيةٍ خاصةٍ لمَّا سارُوا إلى بني قريظة قال: ((لاَتَبْدَؤوهُمْ بِالسَّلاَم)) فهل هذا حُكْمٌ عام لأَهْلِ الذمّة مطلقاً، أو يختَصُّ بِمَنْ كانَتْ حالُه بمثل حال أولئك؟ هذا موضِعُ نظر، ولكن قد روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة أن النبيَّ ◌َهْ قال: ((لاَ تَبْدَؤُوا اليَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى بِالسَّلاَمِ، وَإِذَا لَقِيْتُمْ أَحَدَهُم في الطَّرِيقِ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقَهِ))(١) والظَّاهر أن هذا حكم عام. وقد اختلف السلف والخلفُ في ذلك، فقال أكثرُهم: لا يُبدؤون بالسلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يُردُّ عليهم، رُوي ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة وابْنِ مُحَيْرِيز، وهو وجه في مذهب الشافعي رحمه الله، لكن صاحبُ هذا الوجه قال: يُقال له: السَّلامُ عَلَيْكَ فقط بدونِ ذكر الرحمة، وبلفظ الافراد: وقالت: طائفة: يجوزُ الابتداءُ لِمصلحة راجحة مِن حاجة تكون له إليه، أو خوف مِن أذاه، أو لِقرابةٍ بينهما، أو لِسببٍ يقتضي ذلك، يُروى ذلك عن إبراهيم النَّخعي، وعلقمَة. وقال الأوزاعيُّ: إن سلَّمْتَ، فقد سلَّمَ الصالحونَ، وإن تركتَ، فقد ترك الصَّالِحون. حديث عائشة رضي الله عنها. وهذا من العام الذي أريد به الخاص، فإنها تنفع من الأمراض الباردة، وأما الحارة، فلا . (١) رواه مسلم (٢١٦٧) في السلام: باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وأبو داود (٥٢٠٥) في الأدب: باب في السلام على أهل الذمة، والترمذي (١٦٠٢) في السير: باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب، وأخرجه أحمد ٢٦٦/٢ و ٣٤٦. ٣٨٨ واختلفوا في وجوب الرد عليهم، فالجمهورُ على وجوبه، وهو الصوابُ، وقالت طائفة: لا يجبُ الردُّ عليهم، كما لا يجبُ على أهل البدع وأولى، والصواب الأول، والفرق أنَّا مأمورون بهجر أهلِ البدع تعزيراً لهم، وتحذيراً منهم، بخلاف أهل الذمة . فصل وثبت عنه أنه مرَّ على مجلس فيه أخلاطٌ مِن المُسْلِمِينَ، والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، واليَهُودِ، فَسَلَّم عليهم(١) . وصحّ عنه أنه كتب إلى هِرَقلَ وَغَيْرِهِ: السَّلامُ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى(٢) . فصل ويُذكرُ عنه أنه قال: ((يُجْزِىءُ عَنِ الجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُم، وَيُجْزِىءُ عَنِ الجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ)) (٣) فذهب إلى هذا الحديثِ مَنْ قال: إن هل رد السلام فرض كفاية؟ (١) أخرجه البخاري ٣٢/١١ في الاستئذان: باب التسليم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، وفي الجهاد: باب الرِّدف على الحمار، وفي تفسير سورة آل عمران: باب ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ﴾، وفي المرضى: باب عيادة المريض راكباً وماشياً ومردفاً على الحمار، وفي اللباس: باب الارتداف على الدابة، وفي الأدب: باب كنية المشرك، وأخرجه مسلم (١٧٩٨) في الجهاد: باب دعاء النبي مي وصبره على أذى المنافقين، وأخرجه أحمد في «مسنده)) ٥/ ٢٠٣. (٢) أخرجه البخاري ٤٠/١١ في الاستئذان: باب كيف يكتب إلى أهل الكتاب، وفي بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله # عن الإيمان والإِسلام والإِحسان، ومسلم (١٧٧٣) في الجهاد: باب كتاب النبي خيّ إلى هرقل يدعوهُ إلى الإسلام. (٣) أخرجه أبو داود (٥٢١٠) في الأدب: باب ما جاء في رد الواحد عن الجماعة ورجاله ثقات غير سعيد بن خالد، فهو ضعيف، لكن له شاهد مرسل صحيح في ((الموطأ)) ٩٥٩/٢ عن زيد بن أسلم أن رسول الله سي قال: ((يسلم الراكب على الماشي، وإذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم)) فيتقوى به الحديث ويصح، وقد حسنه الحافظ في ((أمالي = ٣٨٩ : الردّ فرضُ كِفاية يقومُ فيه الواحدُ مقام الجميع، لكن ما أحسنه لو كان ثابتاً، فإن هذا الحديثَ رواه أبو داودَ مِن رواية سعيد بن خالد الخزاعي المدني، قال أبو زرعة الرازي: مدني ضعيف. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، وقال البخاري: فيه نظر. وقال الدار قطني: ليس بالقوي. فصل وكان مِن هديه ◌ٍَّ إذا بلَّغَهُ أحدٌ السلامَ عن غيره أن يردَّ عليه وعلى المبلِّغ، كما في ((السنن)) أن رجلاً قال له: إِنَّ أبي يُقْرِتُكَ السَّلاَمَ، فَقَالَ لهُ: ((عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِكَ السَّلاَمُ))(١). رد السلام على المرسل والمبلغ وكان من هديه تركُ السَّلام ابتداءً ورداً على مَن أحدث حدثاً حتى يتوبَ منه، كما هجر كعبَ بنَ مالك وصاحبَيْه، وكان كعب يُسلِّم عليه، ولا يَدري هَلْ حَرَّكَ شَفتيه بردِّ السَّلامِ عَلَيْهِ أم لا؟ (٢). ترك السلام ابتداءً ورداً على من أحدث حدثاً الأذكار» فیما نقله عنه ابن علان ٣٠٥/٥ وذکر له شاهداًآخر . = (١) أخرجه أبو داود (٥٢٣١) في الأدب: باب في الرجل يقول: فلان يقرئك السلام ونسبه الحافظ في ((أمالي الأذكار)) إلى النسائي في ((الكبرى)) وفي سنده جهالة. (٢) أخرجه البخاري ٢٨٩/٥ في الوصايا: باب إذا تصدق ووقف بعض ماله، وفي الجهاد: باب من أراد غزوة، فورى بغيرها، وفي الأنبياء: باب صفة النبي ◌َّ، وباب وفود، الأنصار إلى النبي ◌َالر بمكة، وفي المغازي: باب قصة غزوة بدر وباب غزوة تبوك، وفي تفسير سورة براءة: باب ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ وباب ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ وباب ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، وفي الاستئذان: باب من لم يسلم على من اقترف ذنباً، وفي الأيمان والنذور: باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والمثوبة، وفي الأحكام: باب هل للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة، وأخرجه مسلم (٢٧٦٩) في التوبة: باب حديث توبة كعب بن مالك، والترمذي (٣١٠١) في التفسير: باب ومن سورة براءة، وأبو داود (٢٢٠٢) في الطلاق: باب فيما عنى به الطلاق والنيات، وفي الجهاد: باب إعطاء البشير، وفي النذور: باب من نذر أن يتصدق بماله، والنسائي ١٥٢/٦ في الطلاق: باب الحقي بأهلك، وفي النذور: باب إذا أهدى ماله على النذر، وأخرجه أحمد ٤٥٩/٣، ٤٦٠. ٣٩٠ وسلم عليه عمارُ بنُ ياسرِ، وقد خَلَّقه أهلُهُ بزَعفران، فلم يردَّ عليه، فقال: ((اذْهَبْ فاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ(١). وهجر زينب بنت جحشٍ شهرينٍ وبعضَ الثالث لمَّا قال لها: ((أَعْطِي صفيَّة ظهراً لما اعتلَّ بعيرُها)) فَقَالَتَ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ اليهودِيَّةَ؟! ذكرهما أبو داود(٢) . فصل في هديه وَّ في الاستئذان وصحَّ عنهٍَِّ أنه قال: ((الاسْتِذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإلاَّ فارْجِعْ))(٣). وصح عنه ◌َِّ أنه قال: ((إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصرَ(٤)). وصح عنه ◌َّةِ، أنه أراد أن يَفْقَأَ عَيْنَ الَّذِي نَظَرَ إِلَيْهِ مِنْ جُحْرٍ في حجرته، (١) أخرجه أبو داود (٤١٧٦) في الترجل: باب في الخلوق للرجال و (٤٦٠١)، وأحمد في (مسنده» ٣٢٠/٤ من حديث عمار بن ياسر، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً، لأن یحیی بن یعمر راویه عن عمار بن ياسر لم يلقه. (٢) أخرجه أبو داود (٤٦٠٢) في السنة: باب ترك السلام على أهل الأهواء، وأحمد في (مسنده» ١٣١/٦ و١٣٢ و٢٦١ و٣٣٨ من حديث عائشة، وفي سنده سمية البصرية، وهي مجهولة، وباقي رجاله ثقات. أخرجه البخاري ٢٢/١١، ٢٣ في الاستئذان: باب التسليم والاستئذان ثلاثاً، وفي (٣) البيوع: باب الخروج في التجارة، وفي الاعتصام: باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي ◌َل كانت ظاهرة، وأخرجه مسلم (٢١٥٣) في الأدب: باب الاستئذان، وأحمد ٦/٣، وأبوداود (٥١٨٠) في الأدب: باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، و ((الموطأ)) ٩٦٣/٢، ٩٦٤ من حديث أبي سعيد الخدري. (٤) أخرجه البخاري ٢٠/١١، ٢١ في الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر، وفي اللباس: باب الامتشاط، وفي الديات: باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينيه فلا دية له، وأخرجه مسلم (٢١٥٦) في الأدب: باب تحريم النظر في بيت غيره، والترمذي (٢٧١٠) في الاستئذان: باب من اطلع في دار قوم بغير إذنهم، والنسائي ٨/ ٦٠، ٦١ في القسامة باب العقول، وأحمد ٣٣٠/٥ و ٣٣٥ من حديث سهل بن سعد. ٣٩١ وقال: إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ))(١). وصح عنه أنه قال: ((لَوْ أَنَّ امْرءاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ)) (٢). وصح عنه أنه قال: ((مَنِ الطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ في بَيْتِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِم، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ»(٣). وصح عنه أنه قال: ((مَنِ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَؤُوا عَيْنَهُ، فلاَ دِيةَ لَهُ، ولا قِصَاصَ)) (٤). التسليم قبل الاستئذان وصح عنه: التسليمُ قبل الاستئذان فعلاً وتعليماً، واستأذن عليه رجلٌ، فقالَ: أَلِجُ؟ فقال رسولُ الله ◌َّهُ لِرَجُلٍ: ((اخْرُجْ إِلى هَذَا، فَعَلِّمُهُ الاسْتِنْذَان)). فَقَالَ لَهُ: قل: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل؟ فسمعه الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُم، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ له النبي ◌َُّ فَدَخَلَ (٥). ولمَّا اسْتَأْذَنَ عليه عُمَرُ رَضِيَ الله عنه، وهو في مَشْرُيَتِهِ مُؤلِياً مِنْ نِسَائِهِ، قال: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رسولَ الله، السَّلامُ عليكم، أَيَدْخُلُ عُمَرُ؟ (٦). (١) المصدر السابق. (٢) أخرجه البخاري ١٢/ ١٩٠ في الديات: باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان، وباب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينيه فلا دية له، وأخرجه مسلم (٢١٥٨) من حديث أبي هريرة . (٣) أخرجه مسلم (٢١٥٨) وأبو داود (٥١٧١) في الأدب: باب في الاستئذان، وأحمد ٢٦٦/٢. (٤) أخرجه النسائي ٦١/٨ في القسامة: باب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان، وأحمد ٣٨٥/٢ من حديث أبي هريرة، وسنده حسن. (٥) أخرجه أبو داود (٥١٧٧)، (٥١٧٨)، (٥١٧٩) في الأدب: باب كيف الاستئذان، وأحمد ٣٦٩/٥ من حديث ربعي بن حراش قال: ثنارجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ميلة ... الحدیث، وسنده صحيح. (٦) أخرجه البخاري ٥٠٣/٨، ٥٠٤ في تفسير سورة التحريم: باب تبتغي مرضاة أزواجك، = ٣٩٢ وقد تقدَّم قولُه ◌َّ لِكَلَدَةَ بْنِ حَنْبَل لما دخلَ عليه ولم يُسلِّم، ((ارجعْ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُل؟)»(١) . وفي هذه السنن ردٌّ على من قال: يُقدَّمُ الاستئذانُ على السلام، وردٌّ على من قال: إن وقعت عينُه على صاحب المنزل قبل دخوله، بدأ بالسَّلام، وإن لم تقع عينه عليه، بدأ بالاستئذان، والقولان، مخالفان للسنة. الاستئذان ثلاثاً وكان مِن هديهِ﴿ إذا استأذَنَ ثلاثاً ولم يُؤذن له، انصرف، وهو ردّ على من يقول: إن ظنَّ أنهم لم يسمعوا، زاد على الثلاث، وردٌّ على من قال: يُعيدُهُ بلفظٍ آخر، والقولان مخالفان للسنة . فصل وكان من هديه أن المستأذِنَ إذا قِيلَ له: مَنْ أَنْتَ؟ يقول: فلانُ بنُ فلان، أو ذكر المستاذن ما يسدل عليه يذكر كُنيته، أو لَقَبه، ولا يقول: أنا، كما قال جِبْرِيلُ للملائكة في ليلة المعراج لما استُفتح بابَ السماء فسألوهٍ مَنْ؟ فقال: جِبريلُ. واستمر ذلك في كل سماء سماء. وكذلك في ((الصحيحين)) لما جَلَس النبي ◌َلَ في البُسْتَان، وجاء أبو بكر رضي الله عنه، فاستأذن فقال: ((من؟)) قال: أبو بكر، ثم جاء عمر، فاستأذنَ فقالَ: ((من؟)) قال: عمر، ثم عثمانُ كذلك(٢). ومسلم (١٤٧٩) في الطلاق: باب في الإِيلاء واعتزال النساء ... ، وأخرجه أبو داود (٥٢٠١) في الأدب: باب في الرجل يفارق الرجل، ثم يلقاه أيسلم عليه، وأحمد في «مسنده» ٣٠٣/١. (١) أخرجه الترمذي (٢٧١١) في الاستئذان: باب ما جاء في التسليم قبل الاستئذان، وأبو داود (٥١٧٦) في الأدب: باب كيف الاستئذان، وأحمد ٤١٤/٣ وإسناده صحيح. (٢) أخرجه البخاري ٧/ ٤٤ في فضائل أصحاب النبي : باب مناقب عثمان رضي الله عنه، وباب قول النبي ◌َّة: ((لو كنت متخذاً خليلاً))، وباب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومسلم (٢٤٠٣) (٢٨) و (٢٩) في فضائل الصحابة: باب من فضائل عثمان رضي الله عنه من حديث أبي موسى الأشعري. ٣٩٣ = وفي ((الصحيحين))، عن جابر، أتيتُ النبيِ نَّهِ، فدققتُ البابَ، فقال: ((من ذا؟)) فقلت: أَنَا، فَقَالَ: ((أَنَا أَنَا))، كأَنَّهُ كَرِهَهَا (١). ولما استأذنت أمُّ هانىء، قال لها: ((مَنْ هذِهِ؟)) قالت: أُمُ هانىء (٢)، فلم يكره ذِكرها الكُنية. وكذلك لما قال لأبي ذر: ((مَنْ هَذَا؟)) قَالَ: أَبُو ذر. وكذلك لما قال لأبي قتادة: ((مَنْ هَذَا؟)) قال: أبو قتادة. فصل وقد روى أبو داود عنه بَّ من حديث قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هُريرة: (رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُه)): وفي لفظ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إلى طَعَامِ، ثُمَّ جَاءَ معَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِذْنٌّ لَهُ(٣). وهذا الحديث فيه مقال، قال أبو علي اللؤلؤي: رسول الرجل إلى الرجل إذنه (١) أخرجه البخاري ٣٠/١١ في الاستئذان: باب إذا قال من ذا؟ فقال: أنا، ومسلم (٢١٥٥) في الأدب: باب كراهة قول المستأذن أنا، وأبو داود (٥١٨٧) في الأدب: باب الرجل يستأذن بالدق، والترمذي (٢٧١٢) في الاستئذان: باب ما جاء في التسليم قبل الاستئذان. (٢) أخرجه البخاري ٣٣١/١ في الغسل: باب التستر في الغسل عند الناس، وفي الصلاة في الثياب: باب الصلاة في الثوب الواحد، وفي الجهاد: باب إجارة النساء وجوارهن، وفي الأدب: باب ما جاء في زعموا، وأخرجه مسلم (٣٣٦) في الحيض: باب يستر المغتسل بثوب ونحوه، والترمذي (٢٧٣٥) في الاستئذان: باب ما جاء في مرحباً، والنسائي ١٢٦/١ في الطهارة: باب ذكر الاستتار عند الاغتسال. (٣) أخرجه أبو داود (٥١٨٩) و (٥١٩٠) في الأدب: باب الرجل يدعى، يكون ذلك إذنه، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠٧٥)، وقال أبو داود: لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئاً، كذا في رواية اللؤلؤي، ولفظه في رواية أبي الحسن بن العبد: يقال: لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئاً قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٧/١١: كذا قال، وقد ثبت سماعه منه في الحديث الذي سيأتي في البخاري في ((كتاب التوحيد)) من رواية سليمان التيمي عن قتادة أن أبا رافع حدثه، والحديث مع ذلك متابع، فقد أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» (١٠٧٦) وأبو داود (٥١٨٩) من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة ... وإسناده صحيح، وله شاهد موقوف على ابن مسعود بلفظ ((إذا دعي الرجل فقد أذن له)) = ٣٩٤ سمعتُ أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع. وقال البخاري في (صحيحه)): وقال سعيد: عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّه ((هو إذنه))، فذكره تعليقاً لأجل الانقطاع في إسناده. وذكر البخاري في هذا الباب حديثاً يدلُّ على أن اعتبار الاستئذان بعد الدعوة، وهو حديثُ مجاهد عن أبي هريرة، دخلتُ مع النبيَِّ، فوجدتُ لبناً في قدح، فقال: ((اذْهَبْ إلى أَهْلِ الصُّفّةِ، فادْعُهُمُ إليَّ) قال: فَأَتَيْتُهم، فدعوتُهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخَلُوا(١) وقد قالت طائفةٌ: بأن الحديثين على حالين، فإن جاء الداعي على الفور مِن غير تراخ، لم يحتج إلى استئذان، وإن تراخى مجيئه عن الدعوة، وطال الوقتُ، احتاجَ إلى استئذان. وقال آخرون: إن كان عند الداعي مَن قد أذِن له قبل مجيء المدعو، لم يحتج إلى استئذان آخر، وإن لم يكن عنده من قد أذِنَ له، لم يدخل حتى يستأذن. وكان رسولُ الله ◌َّهِ، إذا دخل إلى مَكَان يُحب الانفراد فيه، أمَرَ من يُمْسِكُ البابَ، فلم يدخْل عليه أحد إلا بإذن(٢). فصل وأما الاستئذانُ الذي أمر الله به المماليكَ، ومَنْ لم يَبْلُغِ الحُلُمَ، في العوراتِ الثلاثِ: قبلَ الفجر، ووقتَ الظهيرة، وعند النوم، فكان ابنُ عباس يأمرُ به، ويقول: ترك الناسُ العملَ بها، فقالت طائفة: الآيةُ منسوخة، ولم تأتِ بحُجة. استئذان المماليك ومن لم يبلغ الحلم في العورات الثلاث = أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠٧٤) وإسناده قوي. (١) أخرجه البخاري ٢٧/١١ في الاستئذان: باب إذا دعى الرجل فجاء يستأذن. (٢) أخرجه أبو داود (٥١٨٨) من حديث نافع بن عبد الحارث، قال: خرجت مع رسول اللهَ وَّل حتى دخلت حائطاً، فقال لي: أمسك الباب، فضرب الباب، فقلت: من هذا؟ وسنده حسن، وفي الباب عن أبي موسى الأشعري أخرجه البخاري ٧/ ٤٤، ومسلم (٢٤٠٣) أن رسول الله رَّه دخل حائطاً وأمره أن يحفظ الباب ... ٣٩٥ وقالت طائفة: أمرُ ندبٍ وإرشاد، لا حتم وإيجاب، وليس معها ما يدلُّ على صرف الأمر عن ظاهره، وقالت طائفة: المأمور بذلك النساءُ خاصة، وأما الرجالُ، فيستأذِنون في جميع الأوقات، وهذا ظاهرُ البطلان، فإن جمع ((الذين)) لا يختصُّ به المؤنث، وإن جاز إطلاقُه عليهن مع الذكور تغليباً. وقالت طائفة عكس هذا: إن المأمورَ بذلك الرجال دون النساء، نظراً إلى لفظ ((الذين)) في الموضعين، ولكن سياقُ الآية يأباه فتأمله. وقالت طائفة: كان الأمرُ بالاستئذان في ذلك الوقت للحاجة، ثم زالت، والحكمُ إذا ثبت بعلَّةٍ زال بزوالها، فروى أبو داود في ((سننه)) أن نفراً من أهل العراق قالوا لابن عباس: يا ابن عباس! كيف ترى هذه الآيةَ التي أُمِرْنَا فيها بمَا أُمِرْنَا، ولا يَعملُ بها أحدٌ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، الآية [النور: ٥٨]. فقال ابنُ عباس: إن الله حَكِيمٌ رحيمٌ بالمؤمنين، يُحِبُّ السِّتْرَ، وكان الناسُ ليسَ لِبِيُوتهم سُتُور ولا حِجَال، فربما دخلَ الخادِمُ، أو الولدُ أو يتيمةُ الرجل، والرجلُ على أهله، فأمرهم اللَّهُ بالاستئذان في تلك العَورَاتِ، فجاءهم اللَّهُ بِالسُّتُور والخير، فلم أرَ أحداً يَعْمَلُ بذلك بَعْدُ (١). وقد أنكر بعضُهم ثبوتَ هذا عن ابن عباس، وطعن في عِكرمة، ولم يصنع شيئاً، وطعن في عَمْرِو بنِ أبي عمرو مولى المطلب، وقد احتج به صاحبا الصحيح، فإنکارُ هذا تعنّت واستبعاد لا وجه له . وقالت طائفة: الآية محكمة عامة لا مُعارِضَ لها ولا دافع، والعملُ بها واجب، وإن تركه أكثرُ الناس. (١) أخرجه أبو داود (٥١٩٢) في الأدب: باب الاستئذان في العورات الثلاث من حديث الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، وهذا سند حسن، ورواه ابن أبي حاتم بمعناه، أورده ابن كثير في ((تفسيره) ٣٠٣/٣ وقال: وهذا إسناده صحيح إلى ابن عباس. ٣٩٦ مے والصحیح: أنه إن کان هناك ما يقوم مقام الاستئذان من فتح باب فتحُه دلیل على الدخول، أو رفع ستر، أو تردُّد الداخل والخارج ونحوه، أغنى ذلك عن الاستئذان، وإن لم يكن ما يقومُ مقامه، فلا بُد منه، والحكم معلَّلٌ بعلة قد أشارت إليها الآية، فإذا وُجِدَتْ، وُجِدَ الحكمُ، وإذا انتفت انتفى، والله أعلم. فصل في هديه # في أذكار العطاس ثبت عنه رَّة ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم وَحَمِدَ اللهِ، كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وأَمَّا التََّاؤُّبُ، فإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَشَاءَبَ أَجِدُكُمْ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إُذَا تَثَاءَبَ، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ)) ذكره البخاري (١). وثبت عنه في ((صحيحه)): إذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويُصْلِحُ بَالَكُم)) (٢). وفي ((الصحيحين)) عن أنس: أنه عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلاَن، فشمَّتَ أَحَدَهُمَا، ولم يُشمِّتِ الآخَرِ، فَقَال الَّذِي لم يُشَمِّنْهُ: عَطَسَ فُلاَنٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ، فَلَم تُشَمِّثْنِي، فَقَالَ: ((هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وأَنْتَ لَمْ تَحْمَدِ الله)) (٣). (١) أخرجه البخاري ٥٠٥/١٠ في الأدب: باب إذا تثاءب، فليضع يده على فيه، وفي بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده، والترمذي (٢٧٤٨) في الأدب: ما جاء أن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وأحمد ٢٦٥/٢ و٤٢٨ و ٥١٧ من حديث أبي هريرة . (٢) أخرجه البخاري ٥٠٢/١٠ في الأدب: باب إذا عطس كيف يشمت، وأحمد في ((مسنده) ٢/ ٣٥٣ من حديث أبي هريرة. (٣) أخرجه البخاري ٥٠٤/١٠ في الأدب: باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله، = ٣٩٧ وثبت عنه في ((صحيح مسلم)): إذا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَشَمِّتُوهُ، فإنْ لَمْ يَحْمَدِ الله، فَلاَ تُشَمِّتُوهُ»(١) . وثبت عنه في (صحيحه): من حديث أبي هريرة: ((حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتُهُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَاجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ، فانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ، فَشَمَّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ، فَعُدْهِ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ»(٢). وروى أبو داود عنه بإسناد صحيح: ((إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُه: يَرْحَمُكَ الله، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ))(٣) . وروى الترمذي، أن رَجُلاً عَطَسَ عِند ابن عمر، فقال: الحَمْدُ لِلَّهِ، والسلامُ عَلَى رسولِ الله. فَقَال ابنُ عُمَرَ: وأَنَا أَقُولُ: الحمدُ للَّهِ والسلامُ على رَسُولِ اللهِوَّةِ، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رسولُ اللهَِّةِ، وَلَكِنْ عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ: الحمدُ للَّهِ على كُلِّ حال (٤). ومسلم (٢٩٩١) في الزهد: باب تشميت العاطس، والترمذي (٢٧٤٣) في الأدب: = باب ما جاء في إيجاب التشميت بحمد العاطس، وابن ماجه (٣٧١٣) في الأدب: باب تشميت العاطس، وأحمد ٣/ ١٠٠ و ١١٧. أخرجه مسلم (٢٩٩٢)، وأحمد ٤١٢/٤ من حديث أبي موسى الأشعري. (١) أخرجه البخاري ٩٠/٣ في الجنائز: باب الأمر باتباع الجنائز، ومسلم (٢١٦٢) في (٢) السلام: باب من حق المسلم للمسلم رد السلام، وابن ماجه (١٤٣٥) في الجنائز: باب ما جاء في عيادة المريض، وفي الباب عن أبي مسعود عند ابن ماجة (١٤٣٤) وعن علي عنده أيضاً (١٤٣٣). (٣) أخرجه أبو داود (٥٠٣٣) وإسناده صحيح كما قال المؤلف، وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري أخرجه أحمد ٤١٩/٥ و٤٢٢، والترمذي (٢٧٤٢)، والدارمي ٢٨٣/٢، وآخر من حديث سالم بن عبيد عند أحمد ٧/٦، ٨، والحاكم ٢٦٧/٤، وثالث من حديث أبي مالك الأشعري، أخرجه الطبراني كما في ((المجمع" ٨/ ٥٧. (٤) أخرجه الترمذي (٢٧٣٩) في الأدب: باب ما يقول العاطس إذا عطس، ورجاله ثقات . = ٣٩٨ وذكر مالك، عن نافع، عن ابن عمر: «كَانَ إذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَالَ: يَرْحَمُنَا اللَّهُ وإِيَّاكُم، وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ)) (١). حكم التشميت فظاهر الحديثِ المبدوء به: أن التشميتَ فرضُ عين على كُلِّ مَنْ سمع العاطس يحمَدُ الله، ولا يُجْزِىء تشميتُ الواحد عنهم، وهذا أحدُ قولي العلماء، واختاره ابنُ أبي زيد، وأبو بكر بن العربي المالكيان، ولا دافع له. ليس محل السلام عند وقد روى أبو داود: أنَّ رجلاً عَطَسَ عند النبي ◌َِّ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ بِّهِ: ((وعَلَيْكَ السَّلامُ وَعَلَى أُمَّكَ)) ثُمَّ قَالَ: (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم، العطاس فَلْيَحْمَدِ الله)) قال: فذكر بَعضَ المَحَامِدِ، وليقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلَيْرُدَّ - يَعْنِي عَلَيْهِم - يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ))(٢). وفي السلام على أمّ هذا المُسَلِّم نُكتَةٌ لطيفةٌ، وهي إشعارُه بأن سلامه قد وقع في غير موقعه اللائقِ به، كما وقع هذا السلامُ على أمِّه، فكما أن سلامه هَذَا في غير موضعه کذلك سلامه هو . ونكتةٌ أخرى ألطفُ منها، وهي تذكيرُه بأمِّه، ونسبه إليها، فكأنه أميّ محض معاني كلمة أمي (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٩٦٥/٢ في الاستئذان: باب التشميت في العطاس، وإسناده صحيح. (٢) أخرجه الترمذي (٢٧٤١) في الأدب: باب ما جاء كيف تشميت العاطس، وابن حبان (١٩٤٨)، والحاكم ٢٦٧/٤، وأبو داود (٥٠٣١) في الأدب: باب ما جاء في تشميت العاطس من حديث هلال بن يساف، عن سالم بن عبيد الأشجعي، ورجاله ثقات إلا أنه ذكر في ((التهذيب)) أن في إسناد حديثه اختلافاً، وقال الترمذي: وقد أدخلوا بين هلال بن يساف وسالم بن عبيد رجلاً، وأخرجه النسائي عن منصور عن هلال بن يساف عن رجل، عن سالم، وقال الحاكم: هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عبيد، ولم يره، وبينهما رجل مجهول. ومع ذلك فقد قال الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة سالم بن عبيد (٣٠٤٥): إسناده صحيح. ٣٩٩ منسوب إلى الأم، باقٍ على تربيتها لم تربِّه الرجالُ، وهذا أحدُ الأقوال في الأمي، أنه الباقي على نسبته إلى الأم. وأما النبي الأمي: فهو الذي لا يُحِسنُ الكِتَابة، ولا يقرأُ الكِتَابَ. وأمَّا الأميُّ الذي لا تَصِحُّ الصلاةُ خلفه، فهو الذي لا يُصحح الفاتحة، ولو كان عالماً بعلوم كثيرة. ونظيرُ ذكر الأم هاهنا ذكرُ مَنِ الأب لمن تعزَّی بعزاء الجاهلية(١) فيقال له: اعضُضْ هَنَ أَبِكَ، وكَانَ ذِكرُ هَنِ الأب ها هنا أحسنَ تذكيراً لهذا المتكبِّرِ بدعوى الجاهلية بالعُضو الذي خَرَجَ منه، وهو هُنْ أبيه، فَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أن يتعدَّى طَوْرَهُ، كما أن ذِكرَ الأم هاهنا أحسنُ تذكيراً له، بأنه باقٍ على أميته. والله أعلم بمراد رسوله پچ﴾ . علة الحمد بعد العطاس ولما كان العاطِسُ قد حصلت له بالعُطاس نعمةُ ومنفعةُ بخروج الأبخرة المحتقنة في دِماغه التي لو بقيت فيه أحدثت له أدواءً عَسِرَةً، شُرِعَ له حمدُ الله على هذِهِ النعمة مع بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها، ولهذا يقال: سمَّته وشمَّته بالسين والشين فقيل: هما بمعنّی واحد، قاله أبو عبيدة وغيره. قال: وكلُّ داعٍ بخير، فهو مُشمِّتٌ ومُسَمِّتٌ. وقيل: بالمهملة دعاء له بحُسن السَّمتِ، وبعوده إلى حالته من السكون والدعة، فإن العطاس يحدث في الأعضاء حركةً وانزعاجاً. وبالمعجمة: دعاء له بأن يصرفَ الله عنه ما يُشمِّتُ به أعداءَه، فشَّمته: إذا أزال عنه الشماتة، كقرَّد البعيرَ: إذا أزال معنى التشميت (١) أخرجه أحمد ١٣٣/٥، و١٣٦، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٣٦) و (٩٤٦) والطبراني في ((الكبير)) ٢/٢٧/١، ورجاله ثقات، وإسناده صحيح من حديث أبي بن كعب قال: قال رسول الله ◌َّل: ((من تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه، ولا تکنوا)). ٤٠٠