النص المفهرس
صفحات 321-340
صَخَّاباً ولا فَظّاً. وكان يكرهُ أن يُسْتَعْمَلَ اللفظُ الشريفُ المصونُ في حقِّ مَنْ ليس كذلك، وأن يُسْتَعملَ اللفظُ المَهينُ المكروه في حقِّ من ليس مِن أهله. فمِن الأول منعهُ أن يُقال للمنافق: ((يا سيدنا)) وقال: ((فإنَّه إنْ يكُ سَيِّداً فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ) (١) ومنعهُ أن تُسمى شجرةُ العِنب كرماً، ومنعهُ تسمية أبي جهل بأبي الحَكَم، وكذلك تغييره لاسم أبي الحكم من الصحابة: بأبي شريح، وقال: ((إن الله هو الحكم، وإليه الحكمُ))(٢). كراهة استعمال اللفظ الشريف في حق من ليس كذلك ومن ذلك نهيُّه للمملوك أن يقولَ لسيِّده أو لسيدته: ربِّي وَرَبَّتِي، وللسَّيِّدِ أن يقولَ لمملوكِهِ: عَبْدِي، ولَكِن يَقُولُ المالِكُ: فَتَايَ وفَتَاتِي، ويَقُولُ المملوكُ: سيِّدِي وسيِّدَتي (٣)، وقال لمن ادَّعى أنه طبيب ((أَنْتَ رجلٌ رَفِيقٌ، وَطَبِيبُها الَّذِي خَلَقَهَا)) (٤) والجاهلون يُسمُّون الكافَرِ الذي له عِلْمٌّ بشيء من الطبيعة حكيماً، وهو مِن أسفه الخلق. (١) رواه أبو داود (٤٩٧٧) في الأدب: باب لا يقول المملوك ربي وربتي، وأحمد في ((المسند)) ٣٤٦/٥ و٣٤٧ والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٦٠) من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه، وإسناده صحيح. (٢) رواه أبو داود (٤٩٥٥) في الأدب: باب تغيير الاسم القبيح، والنسائي ٢٢٦/٨ و ٢٢٧ في آداب القضاة: باب إذا حكموا رجلاً فقضى بينهم، وإسناده صحيح، وقد تقدم ص٣٠٦. (٣) رواه مسلم (٢٢٤٩) في الألفاظ من الأدب: باب حكم إطلاق لفظة العبد، وأبو داود (٤٩٧٥)، وأحمد في («المسند» ٤٤٤/٢ و ٤٩٦ من حديث أبي هريرة، وكذا رواه البخاري ١٣٠/٥ و١٣١ في العتق: باب كراهية التطاول على الرقيق من حديث أبي هريرة أيضاً ولفظه ((لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضىء ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي)). (٤) رواه أبو داود (٤٢٠٧) في الترجل: باب الخضاب، وأحمد في ((المسند)) ١٦٣/٤ من حديث أبي رمثة، وإسناده صحيح. ٣٢١ ٠ زاد المعاد ج٢ -م١١ ومن هذا قولُه للخطيب الذي قال: مَنْ يُطْع اللَّهَ وَرَسُولَه فَقَدْ رَشَدَ، ومَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى «بئسَ الخَطِيبُ أَنْتَ))(١). ومن ذلك قولُه: ((لاَ تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وشاءَ فُلاَنُ، وَلَكِن قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ مَا شَاءَ فُلاَنٌ))(٢) وقال له رجل: ((ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، فَقَال: ((أَجَعْتَنِي لِلَّهِ نِدَّاً؟ قل: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ))(٣). وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قولُ من لا يتوقَّى الشرك: أنا باللَّهِ وَبِكَ، وأنا في حَسْبِ اللَّهِ وَحَسْبِكَ، ومالي إلا اللَّهُ وأنتَ، وأنا متوكّل على الله وعليك، وهذا من اللَّهِ ومِنك، واللَّهُ لِي في السماء وأنت لي في الأرض، ووالله، وحیاتِك، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائِلُهَا المخلوق نِدَاً للخالق، وهي أشدُّ منعاً وقُبْحاً من قوله: ما شاءَ الله وشئتَ. فأما إذا قال: أنا باللَّهِ، ثم بك، وما شاء اللَّهُ، ثم شئت، فلا بأس بذلك، كما في حديث الثلاثة ((لاَ بَلاَغَ لِيَ اليَوْمَ إلا باللّهِ ثُمَّ بِكَ)) (٤) وكما في الحديث المتقدِّم الإذن أن يُقال: ما شاء اللَّهُ ثم شاءَ فلان. (١) رواه مسلم (٨٧٠) في الجمعة: باب تخفيف الصلاة، وأبو داود (١٠٩٩) في الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس، وأحمد في ((المسند)) ٢٥٦/٤ و٣٧٩ من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، وتمامه: ((قل: ومَنْ يَعْصِ اللَّهَ ورسولَه)» وإنما كره من ذلك الجمع بين الاسمين تحت حرفي الكناية لما فيه من التسوية. (٢) رواه أبو داود (٤٩٨٠) في الأدب: باب لا يقال خبئت نفسي، وأحمد في ((المسند)) ٣٨٤/٥ و٣٩٤ و ٣٩٨ من حديث حذيفة. وإسناده صحيح. (٣) رواه أحمد في ((المسند)) ٢١٤/١ و٢٢٤ و٢٨٣ و٣٤٧ من حديث ابن عباس بلفظ «أجعلتني لله عدلاً) وإسناده صحيح. (٤) رواه البخاري ١١/ ٤٧٠ في الأيمان والنذور: باب لا يقول ما شاء الله وشئت، ومسلم (٢٩٦٤) في الزهد والرقائق، وهو جزء من حديث مطول فيه قصة الأقرع، والأبرص والأعمى الذين اختبرهم الله تعالى، فرضي الله عن الأعمى وسخط على صاحبيه لأنهم لم يراقبوا الله تعالى. ٣٢٢ فصل وأَما القِسْمُ الثاني وهو أن تُطلق ألفاظُ الذمِّ على مَن ليس مِن أهلها، فمثلُ نهيه ◌َِّ عن سبِّ الدهر، وقال: ((إنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ)) وفي حديث آخر: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِيني ابْنُ آدَمَ فَيَسُبُ الذَّهْرَ، وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ اقلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ(١) وفي حديث آخر ((لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ))(٢). كراهة إطلاق ألفاظ الذم على من ليس من أهلها في هذا ثلاثُ مفاسد عظيمة. إحداها: سَبُّه مَنْ ليس بأهلِ أن يُسَب، فإن الدهرَ خَلْقٌ مُسَخَّرٌ مِن خلق الله، منقادٌ لأمره، مذلَّلٌ لتسخيره، فسابُه أولى بالذمِّ والسبِّ منه . الثانية: أن سبَّه متضمِّن للشرك، فإنه إنما سبَّه لظُّنه أنه يضرُّ وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضرَّ من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحقُّ العَطَاءَ، ورفع من لا يستحقُّ الرِّفعة، وحرم من لا يستحِقُ الحِرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعارُ هؤلاء الظلمة الخونة في سبِّه كثيرةٌ جداً. وكثيرٌ من الجهال يُصرِّح بلعنه وتقبیحِه. (١) رواه البخاري ٣٨٩/١٣ في التوحيد: باب قول الله تعالى: ((يريدون أن يبدلوا كلام الله))، وفي تفسير سورة الجاثية، وفي الأدب: باب لا تسبوا الدهر، ومسلم (٢٢٤٦) في الألفاظ: باب النهي عن سب الدهر، وأبو داود (٥٢٧٤) في الأدب: باب في الرجل يسب الدهر، وأحمد في ((المسند)) ٢٣٨/٢ و٢٧٢. قال الخطابي: معناه أنا أصحاب الدهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفا لمواقع الأمور. (٢) رواه البخاري ٤٦٥/١٠ و٤٦٦ في الأدب: باب لا تسبوا الدهر، وباب قول النبي ﴾: إنما الكرم قلب المؤمن، ومسلم (٢٢٤٦) في الألفاظ: باب النهي عن سب الدهر، ((والموطأ)) ٩٨٤/٢ في الكلام: باب ما يكره من الكلام، وأحمد في ((المسند)) ٢٥٩/٢ و٢٧٢ و٢٧٥ و٣١٨. ٣٢٣ الثالثة: أن السبَّ منهم إنما يقعُ على من فعل هذه الأفعال التي لو اتَّبَعَ الحقُّ فيها أهواءَهم لفسدتِ السماواتُ والأرض، وإذا وقعت أهواؤُهم، حَمِدُوا الدهر، وأثْنَوْا عليه. وفي حقيقة الأمر، فَرَبُّ الدهر تعالى هو المعطي المانعُ، الخافِضُ الرافعُ، المعزُّ المذِلُّ، والدهرُ ليس له من الأمر شيء، فمسبّتهم للدهر مسبّة لله عز وجل، ولهذا كانت مؤذيَةً للربِّ تعالى، كما في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة، عن النبي ◌ٍَّ قال: ((قالَ اللَّهُ تَعالَى: يُؤْذِيني ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأَنَا الدَّهْرُ)) فسابُّ الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما. إما سبُّه لِلّهِ، أو الشِّركُ به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسبُّ مَن فعله، فقد سب الله . ومن هذا قولُهُ بِهِ ((لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم: تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ البَيْتِ، فَيَقُولُ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ، ولَكِنْ لِيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَتَصَاغَرُّ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ)»(١). وفي حديث آخر ((إنَّ العَبْدَ إِذَا لَعَنَ الشَّيْطَانَ يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَلْعَنُ مُلَعَّنَا))(٢). ومثل هذا قولُ القائل: أخزى اللَّهُ الشيطان، وقبَّح اللَّهُ الشيطان، فإن ذلك كُلَّهُ يُفْرِحُه ويقول: علم ابنُ آدم أني قد نِلته بقوتي، وذلك ممَّا يُعينه على إغوائه، ولا يُفيده شيئاً، فأرشد النبيُّ ◌ٍَّ من مسَّه شيء من الشيطان أن يذكر الله تعالى، ويذكر اسمَه، ويستعيذ بالله منه، فإن ذلك أنفعُ له، وأغيظُ للشيطان. (١) رواه أبو داود (٤٩٨٢) في الأدب: باب رقم ٨٥، وأحمد في ((المسند)) ٥٩/٥ و٧١ و ٣٦٥ عن رجل من الصحابة، وإسناده صحيح. (٢) لم نقف عليه. ٣٢٤ فصل مِن ذلك (نهيُهُ مََّ أن يقولَ الرجل: خَبْقَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي))(١) ومعناهما واحد، أي: غَثَثْ نفسي، وساء خُلُقُها، فكره لهم لفظَ الخُبث لما فيه من القُبح والشَناعة، وأرشدهم إلى استعمال الحسن، وهِجران القبيح، وإبدال اللفظ المکروه بأحسن منه. ومن ذلك نهيه وَ لَ عن قول القائل بعد فواتِ الأمر: (لَو أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا النهي عن قول القائل بعد وَكَذَا))، وقال: ((إنَّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشِّيْطَانِ)) وأرشده إلى ما هو أنفعُ له من هذه فوات الأوان: «لو أني فعلت كذا» الكلمة، وهو أن يقول: ((قَدَّرَ اللَّهُ ومَا شَاءَ فَعَلَ))(٢) وذلك لأن قوله: لو كنتُ فعلتُ كذا وكذا، لم يَفُتِي ما فاتني، أو لم أقع فيما وقعتُ فيه، كلامٌ لا يُجدي عليه فائدةً البتة، فإنه غيرُ مستقبل لما استدبر من أمره، وغيرُ مستقِيلٍ عَثْرَتَه بـ (لو)) وفي ضمن ((لو)) ادعاء أن الأمر لو كان كما قدَّره في نفسه، لكان غيرَ ما قضاه الله وقدَّرَه وشاءه، فإنَّ ما وقع مما يتمَّنى خلافَه إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته، فإذا قال: لو أني فعلتُ كذا، لكان خلافَ ما وقع فهو مُحال، إذ خلافُ المقدَّر المقْضيِّ مُحال، فقد تضمَّن كلامُه كذباً وجهلاً ومحالاً، وإن سَلِمَ من التكذيب بالقدر، لم يَسْلَم مِن معارضته بقوله: لو أني فعلتُ كذا، لدفعتُ ما قدر اللَّهُ عليَّ. (١) رواه البخاري ٤٦٥/١٠ في الأدب: باب لا يقل خبثت نفسي، ومسلم (٢٢٥١) في الألفاظ: باب كراهية قول الإنسان: خبثت نفسي، وأبو داود (٤٩٨٩) في الأدب: باب لا يقال خبثت نفسي، وأحمد في («المسند» ٥١/٦ و ٦٦ و٢٠٩ و٢٣١ و٢٨١ كلهم من حديث عائشة رضي الله عنها وفي الباب عن سهل بن حُنيف . (٢) رواه مسلم (٢٦٦٤) في القدر: باب في الأمر بالقوة وترك العجز، وابن ماجه (٧٩) في المقدمة: باب في القدر، وأحمد في ((المسند)) ٣٦٦/٢ و٣٧٠ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّة: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرصْ على ما ينفعك، واستعِنْ بالله، ولا تعجزْ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت، كان كذا وكذا، ولكن قل قدرُ اللَّهِ وما شاء فعل، فإن (لو)) تفتح عمل الشيطان)). ٣٢٥ فإن قيل: ليس في هذا ردٌّ للقدر ولا جَحدٌ له، إذ تلك الأسبابُ التي تمنَّاها أيضاً مِن القدر، فهو يقول: لو وقفتُ لهذا القدر، لا ندفع به عنِّي ذلك القدرُ، فإن القدر يُدفع بعضُه ببعض، كما يُدفع قَدَرُ المرضِ بالدواءِ، وقدرُ الذنوب بالتوبةِ، وقدرُ العدوِّ بالجهاد، فكلاهما من القدر. قيل: هذا حقّ، ولكن هذا ينفعُ قبل وقوع القدر المكروه، وأما إذا وقع، فلا سبيلَ إلى دفعه، وإن كان له سبيلٌ إلى دفعه أو تخفيفه بقدر آخر، فهو أولی به من قوله: لو كنتُ فعلته، بل وظيفتُه في هذه الحالة أن يستقبلَ فعلَه الذي يدفع به أو يخفف أثرَ ما وقع، ولا يتمنَّى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز محضٍ، والله يلومُ على العجز، ويُحب الكَيْسَ، ويأمر به، والكَيْسُ: هو مباشرةُ الأسباب التي ربطَ اللَّهُ بها مُسيِّاتِها النافعة للعبد في معاشه ومعاده، فهذه تفتحُ عمل الخيرِ، وأما العجزُ، فإنه يفتحُ عملَ الشيطان، فإنه إذا عَجَزَ عما ينفعُه، وصار إلى الأماني الباطِلة بقوله: لَوْ كانَ كَذَا وكَذَا، ولو فعلتُ كَذَا، يفتح عليه عمل الشيطان، فإن بابَه العجزُ والكسل، ولهذا استعاذ النبيُّ مٍَّ منهما، وهما مفتاحُ كلِّ شر، ويصدر عنهما الهمُّ، والحَزَنُ، والجُبْنُ، والبُخْلُ، وَضَلَعُ الدَّيْنِ، وغَلَبةُ الرِّجَالِ، فمصدرُها كُلها عن العجز والكسل، وعنوانها (لو)) فلذلك قال النبي ◌َّل﴾ ((فإن ((لو)) تفتحُ عمل الشيطان)) فالمتمنِّي مِن أعجز الناس وأفلسهم، فإن التمني رأسُ أموال المفاليس، والعجزُ مفتاح كُلِّ شر. وأصل المعاصي كُلها العجزُ، فإن العبدَ يَعجِز عن أسباب أعمالِ الطاعات، وعن الأسباب التي تُبْعِدُه عن المعاصي، وتحول بينه وبينها، فيقعُ في المعاصي، فجمع هذا الحديثُ الشريف في استعاذته وَِّ أصولَ الشر وفروعه، ومبادِيَه وغاياتِه، وموارِدَه ومصادرَه، وهو مشتمل على ثماني خصال، كُلُّ خصلتين منها قرينتان فقال: ((أعُوذُ بِكَ مِنَ الهمِّ والحَزَنِ))(١) وهما قرينان، فإن المكروه الوارد (١) رواه البخاري ١٤٨/١١، ١٤٩ في الدعوات: باب التعوذ من غلبة الرجال، وباب = ٣٢٦ على القلب ينقسِمُ باعتبار سببه إلى قسمين، فإنه إما أن يكون سببُه أمراً ماضياً، فهو يُحدِثُ الحَزَنَ، وإما أن يكون توقع أمر مستقبل، فهو يُحدِث الهم، وكلاهما مِن العجز، فإن ما مضى لا يُدفع بالحزن، بل بالرضى، والحمد، والصبر، والإيمان بالقدر، وقول العبد: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ. وما يُستقبل لا يُدفع أيضاً بالھمِّ، بل إما أن یکون له حیلة في دفعه، فلا يعجز عنه، وإما أن لا تكون له حيلة في دفعه، فلا يجزع منه، ويلبسُ له لباسه، ويأخذُ له عُدته، ويتأهّبُ له أُهبته اللائقة به، ويَسْتَجِنُّ بجُنَّةٍ حصينة من التوحيد، والتوكل، والانطراح بين يدي الرب تعالى، والاستسلام له والرضى به رباً في كل شيء، ولا يرضى به رباً فيما يحب دون ما يكره، فإذا كان هكذا، لم يرضَ به رباً على الإطلاق، فلا يرضاه الرب له عبداً على الإطلاق، فالهمُّ والحَزَنُ لا ينفَعَانِ العبد البتة، بل مضرَّتُهما أكثرُ من منفعتهما، فإنهما يُضعفان العزم، ويُوهنان القلبَ، ويحولان بينَ العبدِ وبين الاجتهاد فيما ينفعُه، ويقطعان عليه طريقَ السير، أو يُنكسانه إلى وراء، أو يَعوقَانِهِ ويَقِفَانه، أو يَحْجُبانه عن العَلَمِ الذي كلَّما رآهُ، شمَّر إليه، وجدَّ في سيره، فهما حمل ثقيل على ظهر السائر، بل إن عاقه الهمُّ والحزن عن شهواته وإراداته التي تضرُّهُ في معاشه ومعاده، انتفع به من هذا الوجه، وهذا من حكمة العزيز الحكيم أن سلَّط هذَيْنِ الجندَيْنِ على القلوب المعرضة عنه، الفارغَةِ من محبته، التعوذ من عذاب القبر، وباب التعوذ من البخل، وباب الاستعاذة من أرذل العمر، = وباب التعوذ من فتنة الدنيا، وفي الجهاد: باب ما يتعوذ من الجبن، ولفظ الدعاء بتمامه: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدين، وغلبة الرجال)) ورواه الترمذي (٣٤٨٠) في الدعوات: باب الاستعاذة من الهم والدين، والنسائي ٢٥٧/٨، ٢٥٨ في الاستعاذة، وأحمد في ((المسند)) ١٢٢/٣ و١٥٩ و٢٢٠ و٢٢٦ و٢٤٠ من حديث أنس رضي الله عنه، ورواه أبو داود (١٥٥٥) في الصلاة: باب الاستعاذة من حديث أبي سعيد الخدري، وقوله: ((ضلع الدين)) ثقل الدين وشدته وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء، وثمت من يطالبه . ٣٢٧ وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والأنس به، والفِرار إليه، والانقطاع إليه، ليردَّهَا بما يبتليها به من الهموم والغموم، والأحزانِ والآلام القلبية عن كثير من معاصيها وشهواتها المُرْدِية، وهذه القلوبُ في سجن من الجحيم في هذه الدار، وإن أريد بها الخيرُ، كان حظُّها من سجن الجحيم في معادها، ولا تزال في هذا السجن حتى تتخلّص إلى فضاء التوحيد، والإقبال على الله، والأنس به، وجعل محبته في محل دبيبِ خواطِر القلب ووساوسه، بحیث یکون ذِكْرُه تعالى وحُُّّه وخوفُه ورجاؤُه والفرحُ به والابتهاجُ بذكره، هو المستوليَ على القلب، الغالبَ عليه، الذي متى فقده، فقد قُوَتَهُ الذي لا قِوام له إلا به، ولا بقاء له بدونه، ولا سبيل إلى خلاصِ القلب مِن هذه الآلام التي هي أعظمُ أمراضِه وأفسدُها له إلا بذلك، ولا بلاغَ إلا بالله وحدَه، فإنه لا يُوصِل إليه إلا هو، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يَصِرف السيئاتِ إلا هو، ولا يدُلُّ عليه إلا هو، وإذا أرادَ عَبْدَه لأمر، هيَّأَهُ له، فمنه الإيجاد، ومنه الإعداد، ومنه الإمداد، وإذا أقامه في مقام أيِّ مقام كان، فبحمده أقامه فيه وبحكمته أقامه فيه، ولا يليق به غيرُه ولا يصلُح له سواه، ولا مانع لما أعطى اللَّهُ، ولا مُعطِيَ لما منع، ولا يمنع عبدَه حقاً هو للعبد، فيكون بمنعه ظالماً له، بل إنما منعه لِيتوسَّل إليه بمحابِّه ليعبُدَه، وليتضرَّع إليه، ويتذلَّل بين يديه، ويتملَّقه، ويُعطي فقرَه إليه حقَّه، بحيث يشهد في كل ذرَّةٍ من ذراته الباطنةِ والظاهرةِ فاقة تامةً إليه على تعاقُب الأنفاس، وهذا هو الواقعُ في نفس الأمر، وإن لم يشهده العبدُ فلم يمنع الربُّ عبده ما العبدُ محتاج إليه بخلاً منه، ولا نقصاً مِن خزائنه، ولا استئثاراً عليه بما هو حقٌّ للعبد، بل منعه ليردَّه إليه، ولِيعزَّه بالتَّذلُلِ له، وليُغنِيَه بالافتقار إليه، ولِيَجْبُرَهُ بالانكسار بين يديه، وليُذِيقَه بمرارةِ المنع حلاوةَ الخضوع له، ولذةَ الفقر إليه، وليُلبسه خلعة العبودية، ويولِيه بعزله أشرفَ الولايات، ولِيُشْهِدَهُ حكمتَه في قُدرته، ورحمتَه في عزته، ويِرَّه ولطفَه في قهره. وأنَّ منعه عطاءٌ، وعزلَه تولية. وعقوبتَه تأديبٌ، وامتحانَه محبةٌ وعطية، وتسليطَ أعدائه علیه سائقٌ يسوقه به إليه. ٣٢٨ وبالجملة فلا يليق بالعبد غير ما أقيم فيه، وحكمتُه وحمدهُ أقاماه في مقامه الذي لا يليقُ به سِوَاه، ولا يَحْسُنُ أن يتخطَّاه، والله أعلمُ حيثُ يجعلُ مواقِعَ عطائِهِ وفضله، والله أعلمُ حيثُ يجعل رسالَتُه ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهِمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] فهو سبحانه أعلمُ بمواقع الفضل، ومحالِّ التخصيص، ومحالِّ الحِرمان، فبحمده وحكمته أعطى، وبحمده وحكمته حَرَم، فمن ردَّه المنعُ إلى الافتقار إليه والتذلُلِ له، وتملُّقِه، انقلب المنعُ في حقه عطاءً، ومن شغله عطاؤهُ، وقطعه عنه، انقلب العطاءُ في حقِّه منعاً، فكلُّ ما شغل العبدَ عن الله، فهو مشؤوم عليه، وكلُّ ما ردَّه إليه فهو رحمة به، والربُّ تعالى يُريد من عبده أن يفعل، ولا يقع الفعلُ حتى يُريد سبحانَه مِن نفسه أن يُعينَه، فهو سُبحانه أراد منَّا الاستقامةَ دائماً، واتخاذَ السبيل إليه، وأخبرنا أن هذا المرادَ لا يقع حتى يُريد من نفسه إعانتَنا عليها ومشيئته لنا، فهما إرادتان: إرادة من عبده أن يفعل، وإرادة من نفسه أن يُعينه، ولا سبيلَ له إلى الفعل إلا بهذه الإِرادة، ولا يملِك منها شيئاً، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ربّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] فإن كان مع العبد روح أخرى، نِسبتُها إلى روحه، كنسبة روحِه إلى بدنه يستدعي بها إرادَةَ الله مِن نفسه أن يفعلَ به ما يكون به العبدُ فاعلاً، وإلا فمحلُّه غير قابلٍ للعطاء، وليس معه إناء يوضع فيه العطاءُ، فمن جاء بغير إناءٍ، رجع بالحِرمَانِ، ولا يلومنَّ إلا نفسه. والمقصودُ أنَّ النبي ◌َّ استعاذ مِن الهمِّ والحَزَنِ، وهما قرينانٍ، ومِنَ العَجزِ والكَسَلِ، وهما قرينان، فإن تَخلُّفَ كمالِ العبد وصلاحِهِ عنه، إما أن يكون لِعدم قدرته عليه، فهو عجز، أو يكونَ قادراً عليه، لكن لا يُريدُ فهو كسل، وينشأ عن هاتين الصفتين، فواتُ كُلِّ خير، وحصولُ كلِّ شر، ومن ذلك الشر تعطيلُه عن النفع ببدنه، وهو الجبن، وعن النفع بماله، وهو البخل، ثم ينشأ له بذلك غلبتان. غلبة بحق، وهي غلبة الدَّيْن، وغلبة بباطل، وهي غلبةُ الرِّجال، وكلُّ هذه المفاسد ثمرة العجز والكسل، ومن هذا قولُه في الحديثِ الصحيح للرجل الذي ٣٢٩ قضى عليه، فقال: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فَقَال: ((إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى العَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالكَيْسِ، فإذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ)(١) فهذا قال: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعمَ الوكيلُ بعد عجزه عن الكَيْس الذي لو قام به، لقضي له على خصمه، فلو فعلَ الأسبابَ التي يكون بها كَيِّساً، ثمَّ غُلِبَ فقال: حسبي اللَّهُ ونعم الوكيلُ، لكانت الكلمةُ قد وقعت موقعها، كما أن إبراهيم الخليلَ، لما فعل الأسباب المأمورَ بها، ولم يعجِزْ بتركِها، ولا بتركِ شيء منها، ثم غلبه عدوُّه، وألقَوْه في النار، قال في تلك الحال: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ(٢) فوقعت الكملةُ موقعها، واستقرت في مظانِّها، فأثّرت أثرها، وترتَّب عليها مقتضاها. التوكل وكذلك رسولُ الله ◌ٍِّ وأصحابهُ يوم أُحد لما قيل لهم بعد انصرافهم من أُحد: إن الناسَ قد جمعوا لكم فاخشوهم، فتجهزوا وخرجوا للقاء عدوّهم، وأعطَوهم الكَيْسَ من نفوسهم، ثم قالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الوكيلُ(٣). فأثرت الكلِمة أثَرَهَا، واقتضت موجِبَها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢] فجعل التوكل بعد التقوى الذي هو قيامُ الأسباب المأمور بها، فحينئذ إن توكَّل على الله فهو حسبه، وكما قال في موضع آخر: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١] فالتوكل والحسب بدون قيام (١) رواه أبو داود (٣٦٢٧) في الأقضية: باب الرجل يحلف على حقه، وأحمد في ((المسند)) ٢٤/٦، ٢٥ من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أنه حدثهم أن النبي ◌َّ قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي : ((إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل)) وفي سنده سيف الشامي لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي. (٢) أخرجه البخاري ١٧٢/٨ من حديث ابن عباس قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد ◌َّ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) ١٠٠/٣، ١٠١ لابن كثير، و«تفسيره)) ٤٣٠/١. ٣٣٠ الأسباب المأمور بها عجز محض، فإن كان مشوباً بنوع من التوكل، فهو توُّل عجز، فلا ينبغي للعبد أن يجعلَ توكُّلَهُ عجزاً، ولا يجعلُّ عجزَه توكلاً، بل يجعل توكُّلَه مِن جملة الأسباب المأمورِ بها التي لا يَتِمُّ المقصودُ إلا بها كلِّها. ومن ها هنا غلط طائفتان من الناس، إحداهما: زعمت أن التوكلَ وحده سبب مستقلّ كافٍ في حصول المراد، فعطَّلت له الأسبابَ التي اقتضتها حِكمةُ الله الموصلة إلى مسبِّاتها، فوقعوا في نوع تفريط وعجز بحسب ما عطّلوا من الأسباب، وضَعُفَ توكُّلُهم من حيث ظنوا قوتَه بانفراده عن الأسباب، فجمعوا الهمَّ كُلَّه وصيَّروه هماً واحداً، وهذا وإن كان فيه قوة من هذا الوجه، ففيه ضَعفٌ من جهة أخرى، فكلما قوي جانبُ التوكل بإفراده، أضعفه التفريطُ في السبب الذي هو محلُّ التوكل، فإن التوكلَ محلُّه الأسباب، وكمالُه بالتوكل على الله فيها، وهذا كتوكل الحرَّاثِ الذي شق الأرض، وألقى فيها البذر، فتوكل على الله في زرعه وإنباتِه، فهذا قد أعطى التوُّل حقه، ولم يضعُف توكُّله بتعطيل الأرض وتخليتها بوراً، وكذلك توُّل المسافر في قطع المسافة مع جِدِّه في السَّيْرِ، وتوُّل الأكياس من النجاة من عذاب الله والفوزِ بثوابه مع اجتهادهم في طاعته، فهذا هو التوكلُ الذي يترتَبُّ عليه أثرُه، ويكون اللَّهُ حَسْبَ من قام به. وأما توكلُ العجز والتفريطِ، فلا يترتبُ عليه أثرُه، وليس الله حَسْبَ صاحِبِه، فإن الله إنما يكون حَسْبَ المتوكّل عليه إذا اتّقاه، وتقواه فعلُ الأسباب المأمور بها، لا إضاعتُها. والطائفة الثانية: التي قامت بالأسباب، ورأت ارتباطَ المسيِّيات بها شرعاً وقدَراً، وأعرضت عن جانب التوكل، وهذه الطائفةُ وإن نالت بما فعلته من الأسباب ما نالته، فليس لها قوةُ أصحابِ التوكل، ولا عونُ الله لهم وكفايتُه إياهم ودفاعُه عنهم، بل هي مخذولٌ عاجزة بحسب ما فاتها من التوكّل. فالقوّةُ كلُّ القُوَّة في التوكل على الله كما قال بعضُ السلف: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، فالقوةُ مضمونة للمتوكِّل، والكفاية والحَسْبُ والدفع عنه، وإنما يَنْقُصُ عليه من ذلك بقدر ما يَنْقُصُ من التقوى والتوكل، وإلا ٣٣١ فمع تحققه بهما لا بد أن يجعل الله له مخرجاً مِن كلِّ ما ضاق على الناس، ويكونُ اللَّهُ حسبَه وكافيه. والمقصودُ أن النبي ◌َ ◌َّ أرشد العبدَ إلى ما فيه غايةُ كماله، ونيلُ مطلوبه، أن يحرصَ على ما ينفعُه، ويبذُلَ فيه جهده، وحينئذ ينفعُه التحسُّب وقولُ: ((حسبي اللَّهُ ونِعْمَ الوکیلُ)) بخلاف من عجز وفرّط حتى فاتته مصلحته، ثم قال: (حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ)) فإن الله يلومه، ولا يكون في هذا الحال حَسْبَه، فإنما هو حَسْبُ من اتقاه، وتوگَّل عليه. فصل في هديه وَ لّ في الذِّكْر كان النبيُّ ◌َّ أكملَ الخلق ذِكْراً لله عز وجل، بل كان كلامُه كُلُّهُ في ذِكر الله وما والاه، وكان أمرُهُ ونهيُه وتشريعُه للأمة ذِكْراً منه لِلّهِ، وإخبارُهُ عن أسماءِ الربِّ وصِفَاتِهِ، وأحكامِهِ وأفعاله، ووعدِهِ ووعيده، ذِكراً منه له، وثناؤُه عليه بآلائه، وتمجيدُه وحمدُه، وتسبيحُه ذِكراً منه له، وسؤالُه ودعاؤه إياه، ورغبتُه ورهبتُه ذِكراً منه له، وسكوته وصمتُه ذِكراً منه له بقلبه، فكان ذاكراً لله في كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذِكْرُهُ لِلَّهِ يجري مع أنفاسه، قائماً وقاعداً وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه ومسيره، ونزوله وظعنه وإقامته. وكان إذا استيقظَ قال: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وإِلَيْهِ النُّشُورُ))(١). (١) رواه البخاري ٩٧/١١ في الدعوات: باب ما يقول إذا نام، وباب وضع اليد اليمنى تحت الخد الأيمن، وباب ما يقول إذا أصبح، وفي التوحيد: باب السؤال بأسماء الله تعالى، والترمذي (٣٤١٣) في الدعوات: باب ما يدعو به عند النوم، وأبو داود (٥٠٤٩) في الأدب: باب ما يقول عند النوم، وابن ماجه (٣٨٨٠) في الدعاء: باب ما يدعو به إذا انتبه من الليل، وأحمد في ((المسند)) ٣٨٥/٥ و٣٨٧ و٣٩٧ و٣٩٩ و ٤٠٧ كلهم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، ورواه البخاري ١١/ ١١١ في الدعوات: باب ما يقول إذا أصبح، وفي التوحيد: باب السؤال بأسماء الله تعالى، وأحمد في ((المسند)) ١٥٤/٥ من حديث أبي ذر رضي الله عنه، ورواه مسلم = ٣٣٢ وقالت عائشةُ: كان إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ، كَبَّرِ اللَّهَ عَشْرَاً، وَحَمِد الله عَشْراً، الذكر عند الاستيقاظ من الليل وقَال: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَشْراً، سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ عَشْرَاً، واسْتَغْفَرَ اللَّهَ عَشْراً، وهَلَّلَ عَشْرَاً، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ يَوْمٍ القِيَامَةِ» عَشْرَاً، ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ الصلاة. وقالت: أَيْضَاً: كَانَ إذا اسْتَيْقَظَ مِنَ الَّيْلِ قَال: ((لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمَاً وَلاَ تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ)) ذكرهما أبو داود(١) . ٠٫٠٠ وأخبر أنَّ من استيقظَ من اللَّيْلِ فَقَالَ: ((لاَ إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، الحمدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إلهَ إلَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ [العَلِيِّ العَظِيمِ)] - ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِر ◌ِ - أَوْ دعا (٢) بدعاء آخر، - استُجِيبَ لَهُ، فإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، قُبِلَتْ صَلاَتُهُ)) (٣) ذكره البخاري. (٢٧١١) في الذكر: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، وأحمد في ((المسند)) ٢٩٤/٤ = و ٣٠٢ من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، ومعنى وإليه النشور، أي: البعث يوم القيامة، والإحياء بعد الإماتة، يقال: نشر الله الموتى فنشروا، أي أحياهم فحيوا. (١) روى الأول برقم (٥٠٨٥) في الأدب: باب ما يقول إذا أصبح، وفي سنده بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعن، وعمر بن جعثم، لم يوثقه غير ابن حبان، ورواه النسائي ٢٠٩/٣ في قيام اللیل : باب ذكر ما یستفتح به القیام من طريق آخر بسند حسن فيتقوی به . والحديث الثاني برقم (٥٠٦١) في الأدب: باب ما يقول الرجل إذا تعار من الليل، وفي سنده عبد الله بن الوليد بن قيس التجيبي وهو لين الحديث كما قال الحافظ ابن حجر في ((التقریب)). (٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٣/٣: كذا فيه بالشك، ويحتمل أن تكون للتنويع، ويؤيد الأول. ما عند الإسماعيلي بلفظ ((ثم قال: رب اغفر لي، غفر له)) أو قال ((فدعا استجيب له)) وفي رواية علي بن المديني، ثم قال: رب اغفر لي، أو قال: ثم دعا، واقتصر في رواية النسائي على الشِّق الأول. (٣) رواه البخاري ٣٣/٣ في التهجد: باب من تعار من الليل فصلى، والترمذي (٣٤١١) في الدعوات: باب ما جاء في الدعاء إذا انتبه من الليل، وأبو داود (٥٠٦٠) في = ٣٣٣ وقال ابنُ عباس عنه بَّ لَيْلَةَ مَبِيتِهِ عِنْدَهُ: إنَّهُ لَمَّا اسْتَيْقَظ، رَفَعَ رَأْسَهُ إِلى السَّماءِ وَقَرأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ (آلِ عِمْرَانَ) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّموَاتِ والأَرضِ ... ﴾ إِلى آخِرِها(١). ثم قال: ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ: الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّهُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَِّيُّونَ حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وبكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لي مَا قَدَّمتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إلَهِي، لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ، وَلاَ حَوْلَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ باللّهِ العَلِيِّ العَظِيمَ(٢). وقد قالت عائشةُ رضي الله عنها: كَانَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّلِ قال: ((اللَّهُمَّ ربَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشِّهَادَةِ الأدب: باب ما يقول الرجل إذا تعار من الليل، وابن ماجه (٣٨٧٨) في الدعاء: = باب ما يدعو به إذا انتبه من الليل. وقوله: ((العلي العظيم)) ليست عند البخاري، وإنما هي من رواية ابن ماجه والنسائي وابن السني بسند صحيح. (١) أخرجه البخاري ١٧٦/٨ و١٧٧ في التفسير، ومسلم (٧٦٣) (١٩١) في صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه من حديث ابن عباس. (٢) أخرجه البخاري ٢/٣، ٣ في أول التهجد، و ٣١٥/١٣ في التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق﴾ و٢٩١ فيه أيضاً: باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾، ومسلم (٧٦٩) في صلاة المسافرين، وأحمد ٣٥٨/١ من حديث ابن عباس أن رسول الله وه يلر كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل يقول ... وقوله: ((قيم السماوات))، وفي رواية ((قيام السماوات)) قال قتادة: القيام. القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم لغيره. وقوله: ((أنت نور السماوات والأرض)) أي: منورهما، وبك يهتدي من فيهما، ومثله قوله تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض﴾. ٣٣٤ ٠ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، إهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فيهِ مِنَ الحَقِّ بإذنك، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) (١). ورُبَّما قالت: كان يفتتحُ صلاتَهُ بذلك. وكانَ إذا أوتر، ختم وتره بعدَ فَراغِهِ بِقولِهِ: ((سُبْحَانَ المِلكِ القُدُوسِ)) ثلاثاً، ويَمُدُّ بالثَّالِثَةِ صَوْتَه(٢). وكَانَ إِذَا خَرجَ مِن بَيْتِهِ يَقُولُ: ((بسم الله، تَوَكِّلْتُ عَلَى اللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ)» حَدِيث صحيح(٣). الذكر عند الخروج من البيت وقال ◌َّه: ((مَنْ قَالَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَخَّى عَنْهُ الشِّيْطَانُ» (١) رواه مسلم (٧٧٠) في صلاة المسافرين وقصرها: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، والترمذي (٣٤١٦) في الدعوات: باب ما جاء في الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل، وابن ماجه (١٣٥٧) في إقامة الصلاة: باب ما جاء الدعاء إذا قام الرجل من الليل، وأوله عند مسلم عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين بأي شيء كان نبي الله وَليّة. يفتتح صلاته إذا قام من الليل، قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: ((اللهم رب جبريل ... )) الحديث. (٢) أخرجه أبو داود (١٤٣٠) في الوتر: باب الدعاء بعد الوتر، والنسائي ٢٣٥/٣ في قيام الليل: باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر أبي بن كعب، وأحمد ١٢٣/٥ من حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، عن أبي بن كعب، وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد ٤٠٦/٣، ٤٦٧ من حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، وإسناده صحيح أيضاً. (٣) رواه الترمذي (٣٤٢٣) في الدعوات: باب التعوذ من أن نجهل أو يجهل علينا، وأبو داود (٥٠٩٤) في الأدب: باب ما يقول إذا خرج من بيته، والنسائي ٢٨٥/٨ في الاستعاذة: باب الاستعاذة من دعاء لا يسمع، وابن ماجه (٣٨٨٤) في الدعاء: باب ما يدعو به إذا خرج من بيته، وأحمد في («المسند» ٣٠٦/٦ من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها وإسناده صحيح وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم ٥١٩/١، ووافقه الذهبي. ٣٣٥ : حديث حسن(١) . وقال ابنُ عباس عنه ليلةَ مبيته عِندهُ: إنَّهُ خرج إلى صَلاةِ الفجر وهُو يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورَاً، واجْعَلْ في لِسانِي نُورَاً، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورَاً، واْعَلْ في بَصَرِي نُورَاً، واجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورَاً، وَمِنْ أَمَامِي نُورَاً، واجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورَاً، وَاجْعَلْ مِنْ تَحْتِي نُورَاَ، اللَّهُمَّ أَعْظِمْ لِي نُوراً(٢). وقال فُضيل بن مرزوق، عَن عَطِيَّةِ العَوْفي، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ قال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((مَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِهِ إلى الصَّلاةِ فَقَال: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هذَا إِلَيْكَ، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ بَطَرَاً وَلاَ أَشَرَاً، وَلاَ رِيَاءً، وَلاَ سُمْعَةً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ اتَّقَاءَ سُخْطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْعِذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لي ذُنُوبِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الدُّنُوبَ إلَّ أَنْتَ، إلاَّ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَأَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيهِ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَقْضِي صَلاَتَه)(٣). وذكر أبو داود عنه ◌َ ﴿ أنه كان إذا دخل المسجدَ قال: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ، وِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشِّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِذَا قَال ذلِكَ قال الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ(٤) . دعاء دخول المسجد وقال ◌ِّهِ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّبَّهِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ (١) رواه الترمذي (٣٤٢٢) في الدعوات: باب ما يقول إذا خرج من بيته، وأبو داود (٥٠٩٥) من حديث أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو کما قال، وصححه ابن حبان (٢٣٧٥). (٢) رواه البخاري ٩٨/١١ و٩٩ في الدعوات: باب الدعاء إذا انتبه من الليل، ومسلم (٧٦٣)، ١٩١ في صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه من حديث ابن عباس، وقد تقدم تخريجه. (٣) رواه ابن ماجه (٧٧٨) في المساجد: باب المشي إلى الصلاة، وأحمد في ((المسند)) ٢١/٣ وفي سنده عطية العوفي وهو ضعيف. (٤) رواه أبو داود رقم (٤٦٦) في الصلاة: باب فيما يقوله الرجل عند دخول المسجد، وإسناده صحيح، وحسنه النووي، وابن حجر. ٣٣٦ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُك مِنْ فَضْلِكَ)(١) وَذُكر عنه ((أَنَّهُ كانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذنوبي وافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحَمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلى مُحمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّم، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذُنُوبِي وَافْتَحِ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ)(٢) . وكَانَ إِذَا صلَّى الصُّبْحَ، جَلَسَ في مُصلاًّ حَتَّى تطُلعَ الشِّمْسُ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. وكان يقولُ إذَا أَصْبَحَ: ((اللَّهُمَّ بكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبَكَ أدعيته الصباح والمساء نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ الُشُورُ(٣) حديث صحيح. وكان يقولُ: ((أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المَلْكَ لِلَّهِ. وَالحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، ربِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا في هذا اليَوْمِ، وَخَيْرَ مَا بَعْدَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شرِّ هذا اليَوْمِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ، وَسُوءِ الكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ في النَّار، وعذَابٍ في القَبْرِ، وإِذَا أَمْسَى قَال: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ لِلَّهِ ... )) إلى آخِرِهِ. (١) أخرجه أبو داود (٤٦٥) وأبو عوانة، وابن ماجه (٧٧٢) من حديث أبي حميد أو أبي أسيد وسنده قوي، ورواه مسلم رقم (٧١٣) في صلاة المسافرين: باب ما يقوله إذا دخل المسجد بلفظ ((إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)) .. (٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٨٢/٦ و٢٨٣، والترمذي (٣١٤) وابن ماجه (٧٧١) من حديث فاطمة بنت رسول اللّه ◌َ ل#ل وفي سنده ضعف وانقطاع وله شاهد من حديث أنس عند ابن السني (٨٦) وسنده ضعيف، فيتقوى به الحديث، ولذا حسنه الترمذي. (٣) رواه الترمذي (٣٣٨٨) في الدعوات: باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح، وإذا أمسى، وأبو داود رقم (٥٠٦٨) في الأدب: باب ما يقول إذا أصبح، وابن ماجه رقم (٣٨٦٨) في الدعاء: باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح أو أمسى من حديث أبي هريرة، وإسناده قوي، وقال الترمذي: حديث حسن. ٣٣٧ ذكره مسلم(١). وقال له أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضيَ اللَّهُ عنهُ: مُرْنِي بكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: قُلْ: ((اللَّهُمَّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شيءٍ وَمَلِيكَهُ وَمَالِكِهِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّنَفْسي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءاً أَوْ أَجُرَّهُ إِلى مُسْلِمٍ) قال: قُلْهَا إذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ(٢) حديث صحيح. وقال مَّهِ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ في صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَساءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، إلاَّلَمْ يَضُرَّهُ شيءٍ)) حديث صحيح(٣). وقال: ((مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبََّ، وَبِالإِسْلاَمِ دِينَاً، وَبِمُحَمَّدٍ نبيًا، كَانَ حَقَّاً عَلى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ)) صححه الترمذي والحاكم(٤). (١) رقم (٢٧٢٣) (٧٥) في الذكر والدعاء: باب التعوذ من شر ما عمل وشر ما لم يعمل من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (٢) رواه الترمذي (٣٣٨٩) في الدعوات: باب ما يقال عند الصباح والمساء، وأبو داود (٥٠٦٧) في الأدب: باب ما يقول إذا أصبح، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٢٣٤٩) والحاكم. (٣) رواه الترمذي (٣٣٨٥) في الدعوات: باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى، وأبو داود (٥٠٨٨) في الأدب: باب ما يقول إذا أصبح، وأحمد (٤٤٦) و (٤٧٤) وابنه عبد الله في ((زوائده)) (٥٢٨)، وابن ماجه (٣٨٦٩) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٢٣٥٢) والحاكم ٥١٤/١، وقال الترمذي: حسن صحيح. وهو في الأدب المفرد للبخاري (٦٦٠). (٤) رواه الترمذي (٣٣٨٦) من حديث ثوبان رضي الله عنه وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه مع أن في سنده سعيد بن المرزبان، وهو ضعيف مدلس كما قال الحافظ في ((التقريب)) ورواه أبو داود (٥٠٧٢) في الأدب: باب ما يقول إذا أصبح عن رجل خدم النبي #، وفي سنده سابق بن ناجية وهو مجهول الحال، وصححه الحاكم ٥١٨/١، ووافقه الذهبي. وأخرجه أبو داود (١٥٢٩) من حديث أبي = ٣٣٨ وقال: ((مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: اللَّهُمَّ إنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلائِكَتَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، أَنَّكَ أنتَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إلاَّ أَنْتَ، وَأَنَّ مُحمَّدَاً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ؛ أَعْتَقَ اللَّهُ رُبْعَهُ مِنَ النَّارِ، وَإِنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، أَعْتَقَ اللَّهُ نِصْفَهُ مِنَ النَّارِ، وَإِنْ قَالَهَا ثَلاثَا، أَعْتَقَ اللَّهُ ثَلاثَةُ أَرْبَاعِهِ مِنَ النَّارِ، وإِنْ قَالَهَا أَرْبَعَاَ، أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ)) حديث حسن (١). وقالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الحَمْدُ، ولَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَذَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِيْنَ يُمْسِي، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ))(٢) حديث حسن. سعيد الخدري مرفوعاً غير مقيد بزمن بلفظ ((من قال: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، = وبمحمد رسولاً، وجبت له الجنة)) وسنده جيد، وصححه الحاكم ٥١٨/١، ووافقه الذهبي. (١) أخرجه أبو داود (٥٠٦٩) من حديث أنس، وفيه عبد الرحمن بن عبد المجيد وهو مجهول، وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٠١)، والترمذي (٣٤٩٥)، وأبو داود (٥٠٧٨) وابن السني (٦٨) من حديث بقية بن الوليد، عن مسلم بن زياد القرشي، عن أنس بن مالك. قال الحافظ: وبقية صدوق إنما عابوا عليه التدليس، والتسوية، وقد صرح بتحديث شيخه له، وسماع شيخه، فانتفت الريبة، وشيخه مسلم بن زياد توقف فيه ابن القطان، وقال: لا نعرف حاله، ورد بأنه كان على خيل عمر بن عبد العزيز، فدل على أنه أمين، وذكره ابن حبان في الثقات، ولذا حسنه الحافظ، وأخرجه الحاكم ٥٢٣/١ بنحوه غير مقيد بزمن من حديث سلمان الفارسي، ولفظه ((من قال: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك، وحملة عرشك، وأشهد من في السماوات، ومن في الأرض أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك، من قالها مرة، أعتق الله ثلثه من النار، ومن قالها مرتين، أعتق الله ثلثيه من النار، ومن قالها ثلاثاً، أعتق الله كله من النار)) وسنده جيد، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٢) رواه أبو داود رقم (٥٠٧٣) في الأدب: باب ما يقول إذا أصبح وابن حبان (٢٣٦١) من حديث عبد الله بن غنام البياضي وفي سنده عبد الله بن عنبسة لم يوثقه غير ابن حبان، ومع ذلك، فقد حسنه الحافظ في ((أمالي الأذكار». ٣٣٩ وكانَ يدعو حينَ يُصبح وحينَ يُمْسِي بهذِهِ الدعَواتِ («اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَفْوَ وَالعَافِية في ديني وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفظْنِي مِنْ بَيْنَ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يميني وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَخْتِي)) صححه الحاكم(١). وقال: ((إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هذا الْيَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَه وَهِدَايَتَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى، فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذلِكَ)) حديث حسن (٢). وذكرَ أبو داود عنه أنه قال لبعضٍ بناتِهِ: قُولِي حِيْنَ تُصْبِحِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشأ لَمْ يَكُنْ، أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِ شَيْءٍ قِدِيرٌ، وَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَاً، فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ) (٣). وقال لرجل مِن الأنصار: ((ألاَ أُعَلِّمُكَ كَلاَمَاً إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ قُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قال: ((قُل إذَا أَصْبَحْتَ وإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ والبُخْلِ، وَأَعَوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدِّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ)) قال: (١) رواه أبو داود (٥٠٧٤)، وابن ماجه (٣٨٧١) من حديث ابن عمر وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٥١٧/١، وقوله: ((وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)) قال وكيع أحد رواة الحديث: يعني: الخسف. (٢) رواه أبو داود (٥٠٨٤) في الأدب: باب ما يقول إذا أصبح من حديث أبي مالك الأشعري وسنده حسن. (٣) رواه أبو داود (٥٠٧٥) في الأدب: باب ما يقول إذا أصبح وفي سنده مجاهيل. ٣٤٠