النص المفهرس
صفحات 301-320
وسمعتُه يقول: ((عَن الغُلاَمَ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاءٌ، لاَ يَضُرُكُمْ أَذُكْرَاناً كُنَّ أَمْ إِنَاثًا)) وعنها أيضاً ترفعه ((عَنِ الغُلاَمِ شَاتَانِ مِثْلاَنٍ، وَعَنِ الجَارِيَّةِ شَاةٌ)) وقال الترمذي: حديثٌ صحيح. وقد تقدَّم حديثُ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه في ذلك، وعَنْ عائِشة أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَهُمْ عَنِ الغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاءٌ(١). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى إسماعيل بن عَيَّاش، عن ثابتِ بنِ عَجلان، عن مجاهد عن أسماء، عَنِ النبِّ وَّه قال: ((يُعَقُّ عَنِ الغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاءٌ)(٢). قال مهنا: قلتُ لأحمد: من أسماء؟ فقال: ينبغي أن تكون أسماءَ بنتَ أبي بكر. وفي كتاب الخلال: قال مهنا: قلتُ لأحمد: حدثنا خَالِدُ بنُ خِداش، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث أن أيوب بن موسى حدثه، أن يزيد بن عبد المزني حدثه، عن أبيه، أن النبيَّ لَّه قال: ((يُعَقُّ عَنِ الغُلاَمِ، وَلاَ يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمٍ»(٣) وقال: ((في الإِلِ الفَرَعُ، وَفي الغَنَمِ الفَرَعُ» فقال لا تضر ولا تنفع. (١) أخرجه الترمذي (١٥١٣) وابن ماجه (٣١٦٣) وابن حبان (١٠٥٨) وسنده صحيح، وقد تقدم. (٢) أخرجه أحمد ٤٥٦/٦ من حديث أسماء بنت يزيد، وليست أسماء بنت أبي بكر كما نقل المؤلف وسنده قوي، فإن إسماعيل بن عياش روايته عن أهل بلده مستقيمة، وهذا منها، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٥٧/٤، وزاد نسبته للطبراني في ((الكبير)) وقال: ورجاله محتج بهم. (٣) وأخرجه ابن ماجه (٣١٦٦) من حديث ابن وهب، عن عمرو بن الحارث عن أيوب بن موسى، عن يزيد بن عبد المزني أن النبي مة .. ، وقال في ((التهذيب)) يزيد بن عبد المزني حجازي روى عن النبي ◌َ* في الغلام يعق، وقيل عن أبيه، عن النبي وَّ* وهو الصواب، قال البخاري: يزيد بن عبد عن النبي ◌َّ مرسل، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله ثقات. ٣٠١ أحمد: ما أعرفه، ولا أعرِفُ عبد بن يزيد المزني، ولا هذا الحديث. فقلتُ له: أتنكره؟ فقال: لا أعرِفه، وقصةُ الحسنِ والحسين رضي الله عنهما حديثٌ واحد. الثاني: أنها من فعل النبي ◌َّة، وأحاديثُ الشاتين من قوله، وقولُه عام، وفِعْلُه يحتمل الاختصاص. الثالث: أنها متضمِّنة لزيادة، فكان الأخذُ بها أولى. الرابع: أن الفعل يدُلُّ على الجواز، والقول على الاستحباب، والأخذُ بهما ممكن، فلا وجه لتعطيل أحدهما . الخامس: أن قصة الذبح عن الحسن والحسين كانت عام أُحد والعام الذي بعده، وأم كُرز سَمِعَتْ مِن النبيَِّ ما روته عام الحديبية سنة ست بعد الذبح عن الحسن والحسين، قاله النسائي في كتابه الكبير. السادس: أن قِصة الحسن والحسين يحتمل أن يُراد بها بيان جنس المذبوح، وأنه مِن الكِباش لا تخصيصه بالواحد، كما قالت عائشة: ضخّى رسولُ الله ◌َّة عن نسائه بقرة، وكن تِسعاً، ومرادها: الجنس لا التخصيص بالواحدة. السابع: أن الله سُبْحَانَه فضَّل الذَّكَرَ على الأنثى، كما قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٧] ومقتضى هذا التفاضل ترجيحهُ عليها في الأحكام، وقد جاءت الشريعةُ بهذا التفضيل في جعل الذكر كالأنثيين، في الشهادة، والميراثِ، والديةِ، فكذلك أُلْحِقَتِ العقيقةُ بهذه الأحكام. الثامن: أن العقيقة تُشبه العِتق عن المولود، فإنه رهينٌ بعقيقته، فالعقيقةُ تَفُكُّه وتعتقه، وكانَ الأولى أن يُعَقَّ عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة، كما أن عِتق الأنثيين يقومُ مقام عتق الذكر. كما في ((جامع الترمذي)) وغيره عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِ وَّرِ: ((أَيُّمَا امْرِىءٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَءاً مُسْلِماً، كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ ٣٠٢ النَّار، يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرىءٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأْتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجزى كُلُّ عُضْرٍ مِنْهُمَا عُضْواً مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كانت فِكَاكَهَا مِنَ النَّار، يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْهَا)) (١) وهذا حديث صحيح. فصل ذكر أبو داود في ((المراسيل)) عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن النبيَّ وَّ قال في العقيقة التي عقَّتْها فاطِمةُ عن الحسن والحسين رضي الله عنهما، أَن ابْعَثُوا إِلَى بَيْتِ القَابِلَةِ بِرِجْلٍ وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلاَ تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْماً(٢). فصل وذكر ابنُ أيمن مِن حديث أنس رضي الله عنه، أن النبيَّ وََّ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُ النُّبُوَّةُ، وهذا الحديثُ قال أبو داود في ((مسائله)): سمعتُ أحمد حدثهم بحديث الهيثم بنٍ جميل، عن عبد الله بن المثنى (٣) عن ثُمامة عن أنس أن النبيَّ نَّةُ عق عن نفسه، فقال أحمد: عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أن النبي ◌َّ عق عن نفسه، قال مهنا: قال أحمد: هذا منكر، وضعف عبد الله بن المحرر (٤). هل عق ## عن نفسه؟ فصل ذكر أبو داود عن أبي رافع قال: رأيتُ النبيَّ وَّ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الحَسَنِ بِنْ عَلِيٍّ الأذان في أذن المولود (١) حديث صحيح أخرجه الترمذي (١٥٤٧) في النذور والأيمان: باب ما جاء في فضل من أعتق، ورجاله ثقات، وله شاهد عند أبي داود (٣٩٦٧) وابن ماجه (٢٥٢٢) من حديث مرة بن كعب وآخر من حديث عبد الرحمن بن عوف عند الطبراني. (٢) وأخرجه البيهقي ٣٠٢/٩، وفيه انقطاع. (٣) هو كثير الغلط، فالسند ضعيف. (٤) وذكره الحافظ في ((الفتح)) ٩/ ٥١٤، ونسبه للبزار، وقال البزار: تفرد به عبد الله بن محرر وهو ضعيف، ووصفه الحافظ في ((التقريب)) بقوله: متروك. ٣٠٣ حِينَ وَلَدَتْهُ أُمُّه فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالصَّلاَةِ (١). فصل في هديه مَّ في تسمية المولود وختانِه قد تقدَّم قولُه في حديث قتادة عن الحسن، عن سَمُرَةَ في العقيقة: ((تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُسَمَّى)) قال الميموني: تذاكرنا لِكَم يُسَمَّى الصبيُّ؟ قال لنا أبو عبد الله: يُروى عن أنس أنه يسمى لثلاثة، وأما سمرة، فقال: يُسمَّى في اليوم السابع. فأمَّا الخِتَان، فقال ابنُ عبَّاس: كانوا لا يختنون الغلام حتى يُدرِكَ. قال الميموني: سمعتُ أحمد يقول: كان الحسن يكره أن يُختن الصبيُّ يومَ سابعه وقال حنبل: إن أبا عبد الله قال: وإن خُتِنَ يومَ السابع، فلا بأس، وإنما كره الحسن ذلك لئلا يتشبه باليهود، وليس في هذا شيء. قال مكحول: ختن إبراهيمُ ابنه إسحاق لسبعة أيام، وختن إسماعيل لثلاث عشرة سنة، ذكره الخلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فصار خِتان إسحاق سنة في ولده، وخِتان إسماعيل سنة في ولده، وقد تقدم الخلافُ في ختان النبيِّ مَ ◌ّ متى كان ذلك(٢). (١) أخرجه أبو داود (٥١٠٥) في الأدب: باب في الصبي يولد، فيؤذن في أذنه، وأحمد ٩/٦ و٣٩١ والترمذي (١٥١٤) في الأضاحي: باب الأذان في أذن المولود، وعبد الرزاق (٧٩٨٦) والبيهقي ٣٠٥/٩، وفي سنده عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، وله شاهد من حديث ابن عباس عند البيهقي في ((شعب الإيمان)) يتقوى به، نقله المؤلف رحمه الله عنه في ((تحفة المودود)) ص ٣١. (٢) والختان من خصال الفطرة كما في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل: ((الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط)) وقد ذهب إلى وجوبه الشعبي، وربيعة والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والشافعي وأحمد، وعن أبي حنيفة: واجب وليس بفرض، وعنه سنة يأثم بتركه، واحتجوا بأدلة كثيرة وفيرة بسطها المؤلف رحمه الله في كتابه ((تحفة المودود)) ص ١٦٠، ١٨٤ فراجعه. ٣٠٤ فصل في هدیه ◌ُ﴾ في الأسماء والكُنى ثبت عنه ◌ِ ﴿ أنه قال: ((إنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ، لاَ مَلِكَ إِلاَّ اللَّهُ))(١). وثبت عنه أنه قال: ((أَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةٌ)(٢). وثبت عنه أنه قال: ((لا تُسَمِينَ غُلاَمَكَ يَسَاراً وَلاَ رَبَاحاً وَلاَ نَجِيحاً وَلاَ أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّتَ هُوَ؟ فَلاَ يَكُونُ، فَيُقَالُ: لا))(٣). (١) أخرجه البخاري ٤٨٦/١٠ في الأدب: باب أبغض الأسماء إلى الله، ومسلم (٢١٤٣) في الأدب: باب تحريم التسمي بملك الأملاك، والترمذي (٢٨٣٩)، وأبو داود (٤٩٦١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ومعنى أخنع اسم، أي: أذل وأفجر وأفحش. (٢) أخرجه مسلم (٢١٣٢) في الآداب: باب النهي عن التكني بأبي القاسم، والترمذي (٢٨٣٥) و (٢٨٣٦) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن)) وأما لفظ المؤلف، فقد أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) والنسائي ٢١٨/٦ و٢١٩، والبخاري في ((الأدب المفرد)) ٢٧٧/٢ من حديث أبي وهب الجشمي، وفي سنده عقيل بن شبيب وهو مجهول، وباقي رجاله ثقات. (٣) أخرجه مسلم (٢١٣٧) في الأدب: باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة، والترمذي (٢٨٣٨)، وأبو داود (٤٩٥٨) من حديث سمرة بن جندب. قال الخطابي رحمه الله: قد بين النبي مَ﴿ المعنى في ذلك، وكراهة العلة التي من أجلها وقع النهي عن التسمية بها، وذلك أنهم كانوا يقصدون بهذه الأسماء وبما في معانيها إما التبرك بها، أو التفاؤل بحسن ألفاظها، فحذرهم أن يفعلوا لئلا ينقلب عليهم ما قصدوه في هذه التسميات إلى الضدِّ، وذلك إذا سألوا، فقالوا: أثم يسار، أثم رباح، فإذا قيل: لا، تطيروا بذلك وتشاءموا به، وأضمروا على الإِياس من اليسر والنجاح، فنهاهم عن السبب الذي يجلب لهم سوء الظن بالله سبحانه، ويورثهم الإِياس من خيره. ٣٠٥ وثبت عنه أنه غيَّر اسم عاصية، وقال: ((أنتِ جَميلَةٌ))(١). وكان اسم جُوَيْرِيَّةَ بَرَّةً، فغيَّره رسول الله وَ﴿ه باسم جُوَيْرِيَة (٢). وقالت زينبُ بنتُ أمّ سلمة: نهى رسولُ الله ◌ََّ أن يُسَمَّى بِهذا الاسمِ، فَقَالَ: ((لاَ تُزَكُوا أَنْفُسَكُمْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ البِّرِ مِنْكُم(٣). وغيَّر اسم أَصْرَم بزُرعةَ(٤)، وغيّرَ اسمَ أبي الحَكَم بأبي شُرَيْح (٥). وغيَّرَ اسم حَزْنٍ جدٍّ سعيد بن المسيب وجعله سهلاً فأبَى، وقال: ((السَّهْلُ يُوطَأْ وَيُمْتَهَنُ))(٦). قال أبو داود: وغيّرَ النبيُّ نَّهاسمَ العَاصِ وعَزيز وعَتْلَةَ وشَيطَان والحَكَم وغُراب وحُباب وشِهاب، فسماه هِشاماً، وسمَّى حرباً سِلْماً، وسمَّى المضطجِعَ المنبعِثَ، وأرضاً عَفْرَةً سمَّاها خَضِرَةً، وشِعْبُ الضَّلاَةِ سماه شِعْبَ الهُدى، وبنو الزِّئية سماهم بني الرِّشدة، وسمَّى بني مُغوِيَةَ بني رِشْدَةً(٧). (١) أخرجه مسلم (٢١٣٩) وأبو داود (٤٩٥٢) من حديث ابن عمر. (٢) أخرجه مسلم (٢١٤٠) من حديث ابن عباس. (٣) أخرجه مسلم (٢١٤٢) (١٩) من حديث زينب بنت أبي سلمة. (٤) أخرجه أبو داود (٤٩٥٤) من حديث أسامة بن أخدري، وإسناده صحيح. (٥) أخرجه أبو داود (٤٩٥٥) والنسائي ٢٢٦/٨، ٢٢٧، والبخاري في ((الأدب المفرد)» من حديث المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده هانىء أنه لما وفد إلى رسول الله وَّي مع قومه، سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله وَّر، فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء، أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله يلر: ما أحسن هذا، فما لك من الولد؟ قال: لي شريح ومسلم وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح، وإسناده صحيح. (٦) أخرجه البخاري ٤٧٣/١٠، ٤٧٤ في الأدب: باب اسم الحزن، وأبو داود (٤٩٥٦). (٧) ذكره أبو داود في ((سننه)) بعد حديث الحزن (٤٩٥٦) وقال: تركت أسانيدها للاختصار. ٣٠٦ فصل في فقه هذا الباب لما كانت الأسماءُ قوالِبَ للمعاني، ودالَّةً عليها، اقتضتِ الحكمةُ أن يكونَ بينها وبينها ارتباطٌ وتناسبٌ، وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي المحضٍ الذي لا تعلُّقَ له بها، فإن حِكمة الحكيم تأبى ذلك، والواقعُ يشهد بِخِلافه، بل للأسماء تأثيرٌ في المسميَات، وَلِلْمُسَمَّيَاتِ تأثُّر عن أسمائها في الحُسن والقبح، والخِفّة والنِّقَل، واللطافة والكَثَافة، كما قيل: اختيار الأسماء الحسنة لأن الأسماء قوالب للمعاني وقلَّما أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ إلَّ وَمَعْنَاهُ إن فَكَّرْتَ فِي لَقَبِهْ وكان ◌َّه يستحِبُّ الاسم الحسَن، وأمر إذا أَبْرَدُوا إليهِ بَرِيداً أن يَكُونَ حَسَن الاسْمِ حَسَنَ الوَجْهِ (١). وكانَ يأخذ المعاني من أسمائِهَا في المنامِ واليقظة، كما رأى أنه وأصحابَه في دار عُقبة بن رافِع، فأُتُوا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابَ، فَأَوَّله بأن لهم الرفعةَ في الدنيا، والعاقبةَ في الآخرةِ، وأنَّ الدِّينَ الذي قد اختاره الله لهم قد أرطب وطَابَ(٢)، وتَأوَّلَ سُهولة أمرِهم يومَ الحديبية مِن مجيىء سُهيل بن عمرو إليه(٣). (١) أخرجه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي (وَلِية)) ص ٢٧٤ من حديث أبي هريرة، وفي سنده عمر بن راشد وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، وأخرجه البزار ص ٢٤٢ من حديث بريدة بنحوه، ورجاله ثقات، فيتقوى به، وذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)» ص ٨٢ من حديث أبي هريرة، ومن حديث بريدة، وقال: وأحدهما يقوي الآخر. (٢) أخرجه مسلم (٢٢٧٠) في الرؤيا: باب رؤيا النبي ◌َّ، وأبو داود (٥٠٢٥) في الأدب: باب ما جاء في الرؤيا، وأحمد ٢٨٦/٣. (٣) أخرجه البخاري ٢٥١/٥ عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي رَثية: ((قد سهل لكم من أمركم» قال الحافظ: وهو مرسل، ولم أقف على من وصله بذكر ابن عباس فيه، لكن له شاهد موصول عند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع، قال: بعثت قريش سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى إلى النبي 48* ليصالحوه، فلم ٣٠٧ وندب جماعة إلى حلب شاة، فقام رجلٌ يحلُبها، فقال: ((ما اسْمُكَ؟)) قال: ((مُرَّة، فقال: اجْلِسْ، فَقَامَ آخَرُ فقال: ((ما اسْمُكَ؟)) قال: أظنه حَرْب، فقال: اجْلِسْ، فَقَامَ آخر فقال: ((ما اسْمُكَ؟)) فقال: يَعِيشُ، فَقَال: ((احلُبها))(١). وكان يكره الأمكِنةَ المنكرةَ الأسماء ويكره العُبُورَ فيها، كمَا مَرَّ في بعض غزواته بين جبلين، فسأل عن اسميهما فقالوا: فاضِحٌ ومُخزٍ، فعدلَ عنهما، ولَم يَجُزْ بينهما. ولما كان بين الأسماء والمسمَّياتِ مِن الارتباط والتناسُبِ والقرابةِ، ما بين قوالبِ الأشياءِ وحقائِقها، وما بينَ الأرواحِ والأجسامِ، عَبَرَ العَقْلُ مِن كل منهما إلى الآخر، كما كان إياسُ بن معاوية وغيرهُ يرى الشخصَ، فيقولُ: ينبغي أن يكونَ اسمُه كَيْتَ وكَيْتَ، فلا يكاد يُخطىءُ، وضِدُّ هذا العبور من الاسم إلى مسماه، كما سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً عن اسمه، فقال: جَمْرَةُ، فقال: واسمُ أبيك؟ قال: شِهَابٌ، قال مِمَّن؟ قال: مِنَ الحُرَقَةِ، قال: فمنزلُك؟ قال: بِحِرَّة النَّار، قال: فأينَ مسكنُكَ؟ قال: بِذَاتِ لَظَى: قال: اذهَبْ فقد احترق مسكنُك، فذهب فوجد الأمرَ كذلك(٢) فَعَبَرَ عمر من الألفاظ إلى أرواحها ومعانيها، كما عَبَرَ النبي ◌َّ من اسم سُهيل إلى سهولة أمرهم يَوْم الحُديبية، فكان الأمرُ كذلك، وقد أمر النبيُّ ◌َّهِ أمته بتحسِين أسمائهم، وأخبر أنهم يُدعَوْنَ يومَ رأى النبي ◌َّهُ سهيلاً، قال: قد سهل لكم من أمركم، وللطبراني نحوه من حديث = عبد الله بن السائب. (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٩٧٣ في الاستئذان: باب ما يكره من الأسماء من حديث يحيى بن سعيد وهو مرسل أو معضل، وقد وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير، عن يعيش الغفاري. ورجاله ثقات. (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٩٧٣ عن يحيى بن سعيد عن عمرو ووصله أبو القاسم ابن بشران في ((فوائده)) من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. ٣٠٨ القِيَامَةِ، بها، وفي هذا - والله أعلم - تنبيهٌ على تحسين الأفعال المناسبة لتحسين الأسماء، لتكون الدعوة على رؤوس الأشهاد بالاسم الحسنِ، والوصفِ المناسِبِ له. وتأمل كيف اشتُقَّ للنبيِّ وَلَّ مِن وصفه اسمان مطابقان لمعناه، وهما أحمد ومحمَّد، فهو لكثرة ما فيه من الصفات المحمودة محمَّد، ولِشرفها وفضلها على صفات غيره أحمد، فارتبط الاسمُ بالمسمى ارتباطَ الروح بالجسد، وكذلك تكنيتُه ◌َلّ لأبي الحكم بن هشام بأبي جهل كنية مطابقة لوصفه ومعناه، وهو أحقُّ الخَلْقِ بهذه الكُنية، وكذلك تكنيةُ الله عز وجل لعبد العُزَّى بأبي لهب، لما كان مصيره إلى نار ذاتٍ لهب، كانت هذه الكُنية أليقَ به وأوفقَ، وهو بها أحقُّ وأخلقُ. ولما قَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ المدينة، واسمها يَثْرِبُ لا تُعرف بغير هذا الاسم، غيَّره بِطَيِيَةٍ(١) لمَّا زال عنها ما في لفظ يثْرِب من التثريب بما في معنى طَيبة من الطِّيب، استحقت هذا الاسم، وازدادت به طيباً آخر، فأثَّر طِيبُها في استحقاق الاسم، وزادها طِيباً إلى طيبها. ولما كان الاسمُ الحسنُ يقتضي مسمَّاه، ويستدعيه من قرب، قال النبي ◌ِ لبعض قبائل العرب وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده: ((يَا بَنِي عَبْد اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَسَّنَ اسْمَكُم واسْمَ أَبِيكُم)) فانظر كيف دعاهم إلى عبودية الله بحسن اسم أبيهم، (١) أخرجه البخاري ٧٦/٤ في الحج: باب المدينة طابة، ومسلم (١٣٩٢) في الحج: باب أحد جبل يحبنا ونحبه من حديث أبي حميد أن النبي ◌َّ لما عاد من تبوك، فأشرف على المدينة، قال: ((هذه طابة)) وفي رواية ((طيبة)) وروى مسلم (١٣٨٥) من حديث جابر بن سمرة مرفوعاً ((إن الله سمى المدينة طابة)) ورواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) ٢٠٤/٢ عن شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة بلفظ («كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها النبي (8* طابة)) وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة يقول: سمعت رسول الله * يقول: ((أمرت بقرية تأكل القرى يقولون: يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الکیر خبث الحديد». ٣٠٩ وبما فيه من المعنى المقتضي للدعوة، وتأمل أسماءَ الستة المتبارِزينَ يومَ بدر كيف اقتضى القَدَرُ مطابقة أسمائهم لأحوالهم يومئذ، فكان الكفارُ: شيبة، وعُتبةَ، والوليدَ، ثلاثة أسماء من الضعف، فالوليدُ له بداية الضعف، وشيبة له نهاية الضعف، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعُفٍ ثُمَّ جَعَل مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبةً﴾ [الروم: ٥٤] وعُتْبة من العتب، فدلت أسماؤهم على عتبٍ يَحِلُّ بهم، وضَعْفٍ ينالُهم، وكان أقرانهم من المسلمين: عليٌّ، وعبيدةُ، والحارِثُ، رضي الله عنهم، ثلاثة أسماء تُناسب أوصافهم (١)، وهي العلو، والعبودية، والسعي الذي هو الحرث فَعَلوْا عليهم بعبوديتهم وسعيهم في حرث الآخرة. ولما كان الاسم مقتضياً لمسماه، ومؤثّراً فيه، كان أحبُ الأسماءِ إلى اللَّهِ ما اقتضى أحَّ الأوصاف إليه، كعبدِ الله، وعبد الرحمن، وكان إضافةُ العبودية إلى اسم الله، واسم الرحمن، أحبَّ إليه من إضافتها إلى غيرهما، كالقاهر، والقادر، فعبدُ الرحمن أحبُّ إليه من عبد القادر، وعبدُ اللَّهِ أحبُ إليه من عَبْدِ ربِّه، وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبوديةُ المحضة، والتعلُّقُ الذي بين اللّهِ وبينَ العبد بالرحمة المحضة، فبرحمته كان وجودُه وكمالُ وجوده، والغايةُ التي أوجده لأجلها أن يتألّه له وحده محبةً وخوفاً، ورجاءً وإجلالاً وتعظيماً، فيكون عَبْداً للَّهِ وقد عبده لما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيلُ أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمتُه غضبَه وكانت الرحمةُ أحبَّ إليه من الغضب، كان عبدُ الرحمن أحَّ إليه من عبد القاهر. فصل ولما كان كلُّ عبد متحركاً بالإرادة، والهمُّ مبدأُ الإرادة، ويترتب على إرادته حركتُه وكسبُه، كان أصدقَ الأسماء اسمُ همَّام واسمُ حارث، إذ لا ينفكُّ مسماهما (١) في هذا التعليل نظر، فإن الثالث من المسلمين هو حمزة عم النبي ◌َّر، وأما عبيدة والحارث، فهما واحد، لأن عبيدة هو ابن الحارث. ٣١٠ عن حقيقة معناهما، ولما كان المُلْكُ الحقُّ لِلَّهِ وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه، كان أخنعَ اسم وأوضَعه عند الله، وأغضبَه له اسمُ ((شاهان شاه)) أي: ملكُ الملوك، وسلطانُ السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله، فتسميةُ غيره بهذا من أبطل الباطل، والله لا يُحب الباطَل. وقد ألحقَ بعضُ أهلِ العلم بهذا («قاضي القضاة)) وقال: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي الحقَّ وهو خيرُ الفاصلين، الذي إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون . ويلي هذا الاسم في الكراهة والقبح والكذب: سيِّدُ الناس، وسيِّدُ الكل، وليس ذلك إلا لرسول الله ◌َّ﴿ خاصة، كما قال: ((أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ))(١) فلا يجوز لأحد قطُّ أن يقول عن غيره. إنَّه سيِّدُ الناس وسيِّدُ الكل، كما لا يجوز أن يقول: إنَّه سيِّد ولدِ آدم. فصل ولما كان مسمى الحربِ والمُرَّة أكرهَ شيء للنفوس وأقبَحَها عندها، كان أقبحُ الأسماء حرباً ومرة، وعلى قياس هذا حنظلة وحَزْن، وما أشبههما، وما أجدَر هذه الأسماء بتأثيرها في مسمياتها، كما أثر اسم ((حَزْن)» الحزونة في سعيد بن المسيِّب وأهلُ بيته . (١) رواه البخاري ٦/ ٢٦٤، ٢٦٥ في الأنبياء: باب قول الله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه﴾ ... ، ومسلم (١٩٤) في الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها بلفظ ((أنا سيد الناس يوم القيامة)) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد والترمذي (٣٦١٨) وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد باللفظ الذي أورده المصنف، وأخرجه مسلم (٢٢٧٨) وأبو داود (٤٦٧٣) بلفظ ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع ومشفَّع)). وفي الباب عن عبد الله بن سلام عند ابن حبان (٢١٢٧). ٣١١ فصل ولما كان الأنبياءُ ساداتِ بني آدم، وأخلاقُهم أشرفَ الأخلاق، وأعمالُهم أَصَحَّ الأعمال، كانت أسماؤهم أشرفَ الأسماء، فندب النبيُّ ◌َّ أَمَّته إلى التسمي بأسمائهم، كما في ((سنن أبي داود)) والنسائي عنه ((تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ))(١) ولو لم يكن في ذلك من المصالح إلا أن الاسمَ يُذَكِّرُ بمسماه، ويقتضي التعلُّقَ بمعناه، لكفى به مصلحةً مع ما في ذلك من حفظ أسماء الأنبياء وذِكرها، وأن لا تُنسى، وأن تُذكِّر أسماؤُهم بأوصافهم وأحوالهم. فصل علة النهي عن التسمية بيسار وأفلح ونجيح ورباح وأما النهي عن تسمية الغلام بـ: يسار وأفلحَ ونجيح ورباح، فهذا لمعنى آخر قد أشار إليه في الحديث، وهو قوله: ((فإنك تقولُ: أَثَمَّتَ هو؟ فيُقال: لا))(٢) - والله أعلم - هل هذه الزيادة من تمام الحديث المرفوع، أو مدرجةٌ من قول الصحابي، وبكل حال فإن هذه الأسماء لما كانت قد تُوجب تطيُّراً تكرَهه النفوس، ويَصُدُّها عما هي بصدده، كما إذا قلت لرجل: أعندك يَسار، أو رَبَاح، أو أفلَح؟ قال: لا، تطيَّرتَ أنْتَ وهو مِن ذلك، وقد تقع الطِّيرَةُ لا سيما على المتطيِّرين، فقلَّ من تطيَّ إلا ووقعت به طِيرَتُه، وأصابه طائرُه، كما قيل: عَلَى مُتَطَيٍِّ فَهُو الُبُورُ تَعَلَّمْ أَنَّهَ لاَ طَيْرَ إلاَّ (١) أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) في الأدب: باب تغيير الأسماء، والنسائي ٢١٨/٦، ٢١٩ في الخيل: باب ما يستحب من شِيّةِ الخيل، وأحمد ٣٤٥/٤ والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٨١٤) من حديث أبي وهب الجشمي وفي سنده عقيل بن شبيب وهو مجهول، وأخرج مسلم (٢١٣٥) من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعاً («إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم)) وأخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٣٨) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام قال: سماني رسول الله وق لقه يوسف وأقعدني على حجره، ومسح على رأسي)» وإسناده صحيح. (٢) أخرجه مسلم (٢١٣٦) في الآداب: باب كراهية التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه. ٣١٢ اقتضت حكمةُ الشارع، الرؤوف بأمته، الرحيم بهم، أن یمنعهم من أسبابٍ تُوجب لهم سماعَ المكروه أو وقوعَه، وأن يعدل عنها إلى أسماء تُحَصِّلُ المقصودَ من غير مفسدة، هذا أولى، مع ما ينضاف إلى ذلك من تعليق ضد الاسم علیه، بأن يُسمى يساراً من هو مِن أعسر الناس، ونجيحاً من لا نجاح عنده، ورَباحاً من هو من الخاسرين، فيكون قد وقع في الكذب عليه وعلى الله، وأمر آخر أيضاً وهو أن يُطالب المسمَّى بمقتضى اسمه، فلا يُوجد عنده، فيجعل ذلك سبباً لذمِّه وسبّه، كما قيل : سَمَّوْكَ مِنْ جَهْلِهِم سَدِيداً واللَّهِ مَا فِيكَ مِنْ سَدَادِ أَنْتَ الَّذِي كَوْنُه فَسَاداً فِي عَالَم الكَوْنِ وَالفَسَادِ فتوصل الشاعر بهذا الاسم إلى ذم المسمَّى به. ولي من أبيات: بِضِدِّ اسْمِهِ في الوَرَى سَائِراً وَسَمَّيْتُه صَالِحَاً فَاغْتَدَىَ لِأَوْصَافِهِ فَغَدَا شَاهِراً وَظَنَّ بأنَّ اسْمَهُ سَاتِرٌ وهذا كما أن من المدح ما يكون ذماً وموجباً لسقوط مرتبة الممدوح عند الناس، فإنه يُمدح بما ليس فيه، فتُطالبه النفوسُ بما مُدِحَ به، وتظنّه عنده، فلا تجدهُ كذلك، فتنقلِبُ ذمّاً، ولو تُرِكَ بغير مدح، لم تحصُلْ له هذه المفسدة، ويُشبه حاله حال مَن ولي ولاية سيئة، ثم عُزِلَ عنها، فإنه تَنْقُصُ مرتبتُه عما كان عليه قبل الولاية، وينقُصُ في نفوس الناس عما كان عليه قبلها، وفي هذا قال القائل : فَلاَ تَغْلُ فِي وَصْفِهِ وَاقْصِدٍ إِذَا مَا وَصَفْتَ امْرَءَاً لامْرِىءٍ نُ فِيهِ إلى الأمَدِ الأَبْعَدِ فَإِنَّكَ إِنْ تَغْلُ تَغْلُ الظُّنُو لِفَضْلِ المَغِيبِ عَنِ المَشْهَدِ فَيَنْقُصُ مِنْ حَيْثُ عَظّمْتَه وأمر آخر: وهو ظنُّ المسمى واعتقادُه في نفسه أنه كذلك، فيقعُ في تزكية ٣١٣ نفسه وتعظِيمِها وترفُّعِهَا على غيره، وهذا هو المعنى الذي نهى النبيُّ ◌َّ لأجله أن تُسمى ((بَرَّة)) وقال: ((لا تُزَكُوا أَنْفُسَكُم الله أَعْلَمُ بِأَهْلِ البِرِّمِنْكُمْ))(١). وعلى هذا فتُكره التسمية بـ: التَّقي، والمتَّقِي، والمُطيعِ، والطائع، والراضي، والمُحسن، والمخلِص، والمنيب، والرشيدِ، والسديد. وأما تسميةُ الكفار بذلك، فلا يجوز التمكينُ منه، ولا دُعاؤُهُم بشيءٍ من هذه الأسماء، ولا الإخبارُ عنهم بها، والله عز وجل يغضَب مِن تسميتهم بذلك. فصل الكنية وأما الكنية فهي نوعُ تكريم لِلمَكْنِّي وتنويةٌ به كما قال الشاعر: وَلاَ أُلِقِّبُهُ وَالسَّوْءَةُ اللَّقَبُ أَكْنِهِ حِينَ أُنَادِه لأُْرِمَهُ وكنَّى النبي ◌ََّ صُهيباً بأبي يحيى، وكَنَّى علياً رضي الله عنه بأبي تراب إلى كنيته بأبي الحسن، وكانت أحبَّ كنيته إليه، وكتَّى أخا أنس بن مالك وكان صغيراً دون البلوغ بأبي عُمير . وکان هدیه پ﴾ تکنیةً من له ولد، ومن لا ولد له، ولم يثبت عنه أنه نهى عن كُنية إلا الكنية بأبي القاسم، فصح عنه أنه قال: ((تسمَّوْا بِاسْمِي وَلاَ تَكَنَّوْا بِكُنْيتي))(٢) فاختلف الناسُ في ذلك على أربعة أقوال. حكم التكني بأبي القاسم (١) أخرجه مسلم (٢١٤٢)، (١٩) أبو داود (٤٩٥٣) من حديث زينب بنت أبي سلمة. (٢) رواه البخاري ٤٧٣/١٠ في الأدب: باب قول النبي مَ له: سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، وفي الأنبياء. باب كنية النبي ◌َّه، ومسلم (٢١٣٤) في الأدب: باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وأبو داود (٤٩٦٥) في الآداب: باب في الرجل يتكنى بأبي القاسم، وأحمد في ((المسند)) ٢٤٨/٣ و٢٦٠ و٢٧٠ و ٢٧٧ و٣١٢ و٣٩٢ و ٣٩٥ و ٤٥٥ و ٤٥٧ و ٤٧٠ و ٤٧٨ و ٤٩١ و٤٩٩ و٥١٩ كلهم من حديث أبي هريرة، وفي الباب عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله. ٣١٤ أحدها: أنه لا يجوزُ التَّكَنِّي بكنيته مطلقاً، سواء أفردها عن اسمه، أو قرنها به، وسواء محياه وبعدَ مماته، وعمدتُهم عمومُ هذا الحديث الصحيح وإطلاقُه، وحكى البيهقي ذلك عن الشافعي، قالوا: لأن النهي إنما كان لأَنَّ معنى هذه الكُنية والتسمية مختصةٌ به ◌ِّ، وقد أشار إلى ذلك بقوله: ((واللَّهِ لاَ أُعْطِي أَحَداً، وَلاَ أَمْنَعُ أَحَدَاً، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ))(١) قالوا: ومعلوم أن هذه الصفة ليست على الكمال لغيره. واختلف هؤلاء في جواز تسمية المولود بقاسم، فأجازه طائفة، ومنعه آخرون، والمجيزون نظروا إلى أن العلة عدم مشاركة النبي ◌َّ فيما اختصَّ به من الكُنية، وهذا غيرُ موجود في الاسم، والمانعون نظروا إلى أن المعنى الذي نهى عنه في الكنية موجود مثله هنا في الاسم سواء، أو هو أولى بالمنع، قالوا: وفي قوله: ((إنما أنا قاسم)) إشعار بهذا الاختصاص. القول الثاني: أن النهي إنما هو عن الجمع بين اسمه وكنيته، فإذا أفرد أحدُهما عن الآخر، فلا بأس. قال أبو داود: باب من رأى أن لا يجمع بينهما، ثم ذكر حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي ◌ّ قال: ((من تسمى باسمي فلا يَتْكَّنَّ بكنيتي، ومن تكنَّى بكنيتي فلا يتسَمَّ باسمي)) (٢) ورواه الترمذي وقال: حديث (١) رواه البخاري ١٥٢/٦ في الجهاد: باب قوله تعالى: ﴿فإن لله خمسه وللرسول﴾ من حديث أبي هريرة، ولفظه ((وما أعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت))، ورواه مسلم (٢١٣٣) في الآداب: باب النهي عن التكني بأبي القاسم من حديث جابر بن عبد الله وقال في آخره ((فإنما أنا قاسم أقسم بينكم)) والمعنى: لا أتصرف فيكم بعطية ولا منع برأيي. وقوله: إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت، أي: لا أعطي أحداً ولا أمنع أحداً إلا بأمر الله. وأخرجه أبو داود (٢٩٤٩) في الخراج والإمارة: باب فيما يلزم الإِمام الرعية، وأحمد في ((المسند)) في جملة حديث طويل ٣١٤/٢ من طريق همام عن أبي هريرة بلفظ ((إن أنا إلا خازن أضع حيث أمرت)). (٢) رواه أبو داود (٤٩٦٦) في الأدب: باب من رأى أن لا يجمع بينهما، والترمذي (٢٨٤٥) في الأدب: باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي حثّ وكنيته من حديث جابر وفيه تدليس أبي الزبير المكي، لكن يشهد له حديث الترمذي الذي بعده من رواية أبي هريرة فيتقوى به، ولذلك قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٣١٥ حسن غريب، وقد رواه الترمذي أيضاً من حديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة وقال: حسن صحيح، ولفظه: نَهَى رسُولُ الله ◌َِّ أن يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ اسمِهِ وكُنيته، ويُسمِّي مُحَمداً أبا القاسم(١) قال أصحابُ هذا القول: فهذا مقيِّد مفسِّر لما في ((الصحيحين)) من نهيه عن التكني بكنيته، قالوا: ولأن في الجمع بينهما مشاركةً في الاختصاص بالاسم والكُنية، فإذا أُفْرِدَ أحدُهما عن الآخر، زال الاختصاص. القول الثالث، جوازُ الجمع بينهما وهو المنقولُ عن مالك، واحتجَّ أصحابُ هذا القول بما رواه أبو داود، والترمذي من حديث محمد بن الحنفية، عن علي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسولَ الله إِنْ وُلِدَ لي وَلَدٌ مِنْ بَعْدِكَ أُسَمِّيهِ بِسْمِكَ وَأَكْنِهِ بِكُنْيَتِك؟ قال: ((نعم)) قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢). وفي (سنن أبي داود)) عن عائشة قالت: جاءت امرأة، إلى النبي ◌َّ فقالت: يا رَسُولَ الله ◌ِّهِ إِنِي وَلَدْتُ غُلاماً فسميتُه محمداً وكنَّيته أبا القاسم، فذُكِرَ لي أنك تكره ذلك؟ فقال: ((ما الَّذِي أحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي)) أو ((مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي (٣) قال هؤلاء: وأحاديث المنع منسوخة بهذين الحديثين. القول الرابع: إن التكني بأبي القاسم كان ممنوعاً منه في حياة النبي ◌َّ، وهو جائز بعد وفاته، قالوا: وسببُ النَّهي إنَّما كان مختصاً بحياته، فإنه قد ثبت في ((الصحيح)) من حديث أنس قال: نادى رجل بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفتَ إليه رسولُ اللهِ وَ﴿ فقال: يا رسولَ الله إني لَمْ أَعْنِكَ، إنما دعوتُ فلاناً، فقال (١) رقم (٢٨٤٣). (٢) أخرجه أبو داود (٤٩٦٧) في الأدب: باب في الرخصة في الجمع بينهما، والترمذي . (٢٨٤٦) وإسناده صحيح. (٣) أخرجه أبو داود (٤٩٦٨) في الأدب: باب في الرخصة في الجمع بينهما وفي سنده مجهول. ٣١٦ رسول الله وَ﴾ٍ: (تَسَمَّوْا باسْمِي وَلاَ تَكثَّوا بكنيتي))(١) قالوا: وحديثُ علي فيه إشارة إلى ذلك بقوله: إن وُلِدَ لي مِنْ بعدك وَلَدٌ، ولم يسأله عمن يولد له في حياته، ولكن قال علي رضي الله عنه في هذا الحديث: ((وكانت رخصة لي)) وقد شذ من لا يُؤبَه لقوله، فمنع التسمية باسمه ◌َّ قياساً على النهي عن التَّكني بكنيته، والصواب أن التسمي باسمه جائز، والتكني بكنيته ممنوع منه، والمنع في حياته أشدُّ، والجمعُ بينهما ممنوع منه، وحديثُ عائشة غريب لا يُعارَض بمثله الحديث الصحيح، وحديث علي رضي الله عنه في صحته نظر(٢)، والترمذي فيه نوع تساهل في التصحيح، وقد قال علي: إنها رخصة له، وهذا يدل على بقاء المنع لمن سواه، والله أعلم. فصل وقد كره قومٌ من السلف والخلف الكنيةَ بأبي عيسى، وأجازها آخرون، فروى أبو داود عن زيد بن أسلم أن عُمَرَ بنَ الخطاب ضرب ابناً له يُكنى أبا عيسى، وأن المغيرة بن شعبة تتكنَّى بأبي عيسى، فقال له عمر: أما يكفيك أن تُكْنَى بأبي عبد الله؟ فقال: إنَّ رسولَ الله ◌ِّلَ كِنَّاني، فقال: إن رسولَ الله قَد غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وما تأخر، وإنا لفي جَلْجَتِنَا فلم يَزَل يُكنى بأبي عبد الله حتى هَلَكَ(٣). التكني بابي عيسى (١) رواه البخاري ٤٠٨/٦ في الأنبياء. باب كنية النبي مَير، وفي البيوع: باب ما ذكر في الأسواق، ومسلم (٢١٣١) في الآداب: باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وأحمد في ((المسند)) ١١٤/٣ و١٢١ و١٨٩، والترمذي (٢٨٤٤) في الأدب: باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي ◌َل# وكنيته. (٢) بل هو صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح ولا علة فيه. (٣) أخرجه أبو داود (٤٩٦٣) في الأدب: باب فيمن يتكنى بأبي عيسى. وإسناده حسن، وقوله ((جلجتنا)) معناه: أنا بقينا في عدد من أمثالنا من المسلمين لا ندري ما يصنع بنا، وفي ((النهاية)): الجلج: رؤوس الناس واحدها جلجة. ٣١٧ كنى أمهات المؤمنين وقد كثَّى عائشة بأمّ عَبْدِ اللَّهِ(١)، وكان لنسائه أيضاً كنى كأمِّ حبيبة، وأمّ سلمة . فصل النهي عن تسمية العنب کرماً ونهى رسولُ الله ◌ِّ عن تسميةِ العِنَبِ كَرْماً وقال: ((الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ))(٢) وهذا لأن هذه اللفظةَ تَدُلُّ على كثرة الخير والمنافع في المسَّمى بها، وقلبُ المؤمن هو المستحِقُّ لذلك دون شجرة العِنَب، ولكن: هل المرادُ النهيُّ عن تخصيصٍ شجرة العِنب بهذا الاسم، وأن قلب المؤمن أولى به منه، فلا يُمنع من تسميته بالكرم كما قال في ((المسكين)) و ((الرَّقُوب)) و ((المُفِلس))(٣) أو المرادُ أنَّ (١) رواه أبو داود (٤٩٧٠) في الأدب: باب في المرأة تكنى من حديث عائشة رضي الله عنها، وإسناده صحيح. (٢) رواه البخاري ٤٦٧/١٠ في الأدب: باب لا تسبوا الدهر، وباب قول النبي مح لة: إنما الكرم قلب المؤمن، ومسلم (٢٢٤٧) في الألفاظ من الأدب: باب كراهية تسمية العنب كرماً، وأبو داود (٤٩٧٤) في الأدب: باب في الكرم، وأحمد في ((المسند)) ٢٣٩/٢ و٢٥٩ و ٢٧٢ و٣١٦ و٤٦٤ و٤٧٤ و ٥٠٩. (٣) أما حديث المسكين، فأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾ ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)) وأما حديث المفلس، فأخرجه مسلم (٢٥٨١) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ؟ قال: ((أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار))، وأما الرقوب، فقد أخرجه مسلم (٢٦٠٨) من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صل﴾: ((ما تعدون الرقوب فيكم؟)) قلنا: الذي لا يولد له، قال له: ((ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدِّم من ولده شيئاً)) أي: من لم يمت أحد من أولاده في حياته، فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته به، وثواب صبره عليه، ويكون له فرطاً وسلفاً. ٣١٨ تسميته بهذا مع اتخاذ الخمرِ المحرَّم منه وصف بالكرم والخير والمنافع لأصل هذا الشراب الخبيثِ المحرَّم، وذلك ذريعةٌ إلى مدح ما حرَّم الله وتهييج النفوس إليه؟ هذا محتمل، والله أعلم بمراد رسوله محلّه، والأولى أن لا يُسمى شجرُ العنب كرماً. فصل قال ◌َّه: ((لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعرَابُ عَلَى اسم صَلاتِكُمْ، أَلَا وَإِنَّهَا العِشَاءُ، وَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا العَتَمَةَ)) (١) وصح عنه أنه قال: ((لَوْ يَعْلَمُونَ مَا في العَتَمَةِ والصُّبْح، لِأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوا)(٢) فقيل: هذا ناسخ للمنع، وقيل بالعكس، والصواب خلافُ هل تجوز تسمية صلاة العشاء بصلاة العتمة (١) رواه البخاري ٣٦/٢ في مواقيت الصلاة: باب من كره أن يقال للمغرب العشاء، وأحمد في ((المسند)» ٥٥/٥ من حديث عبد الله المزني بلفظ ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، قال: وتقول الأعراب: هي العشاء)) ورواه مسلم (٦٤٤) من حديث عبد الله بن عمر في المساجد: باب وقت العشاء وتأخيرها، والنسائي ١/ ٢٧٠ في المواقيت: باب الكراهية في ذلك، وابن ماجه (٧٠٤) في الصلاة: باب النهي أن يقال صلاة العتمة ولفظه ((لا تغلبنكم الأعراب - وهم أهل البادية - على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل)) والمعنى أن الأعراب يسمونها العتمة، لكونهم يعتمون بحلاب الإبل، أي يؤخرونه إلى شدة الظلام، وإنما اسمها في كتاب الله: العشاء في قوله تعالى: ﴿ومن بعد صلاة العِشاء﴾ فينبغي أن تسموها العشاء . (٢) رواه البخاري ٧٩/٢ في الأذان: باب الاستهام في الأذان، وفي الشهادات: باب القرعة في المشكلات، ومسلم (٤٣٧) في الصلاة: باب تسوية الصفوف وإقامتها، و ((الموطأ)) ١٣١/١ في صلاة الجماعة: باب ما جاء في العتمة والصبح، والنسائي ٢٦٩/١ في المواقيت: باب الرخصة في أن يقال للعشاء العتمة، وأحمد في ((المسند)) ٢٧٨/٢ و٣٠٣ و٣٧٥ و٥٣٣ وهو جزء من حديث طويل من حديث أبي هريرة ولفظه بتمامه «لو يعلمُ الناسُ ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا)) أي يزحفون إذا منعهم مانع من = ٣١٩ محافظته 3﴾ على الأسماء التي سمى الله بها العبادات القولين، فإن العلم بالتاريخ متعذِّر، ولا تعارُضَ بين الحديثين، فإنه لم يَنْهَ عن إطلاق اسم العتمة بالكُلِّية، وإنما نهى عن أن يُهْجَرَ اسمُ العشاء، وهو الاسمُ الذي سماها الله به في كتابه، ويَغْلِبَ عليها اسمُ العَتَمَةِ، فإذا سُميت العشاءَ وأطلق عليها أحياناً العتمة، فلا بأس، والله أعلم، وهذا محافظة منه بيّ على الأسماء التي سمَّى اللَّهُ بها العباداتِ، فلا تُهجر، ويؤثر عليها غيرُها، كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ النصوص، وإيثار المصطلحات الحادثة عليها، ونشأ بسبب هذا من الجهل والفساد ما اللَّهُ به عليم، وهذا كما كان يُحافظ على تقديم ما قدَّمه اللَّهُ وتأخير ما أخَّره، كما بدأ بالصفا، وقال: (أَبْدَأ بمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)(١) وبدأ في العيد بالصلاة، ثم جعل النَّحْرَ بعدها، وأخبر أن ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَهَا، فَلا نُسَكَ لَهُ)) تقديماً لما بدأ اللَّهُ به في قوله: ﴿فَصَلٌ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ وبدأ في أعضاء الوضوء بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرِّجلين، تقديماً لما قدَّمه الله، وتأخيراً لما أخرَّه، وتوسيطاً لما وسَّطه، وقدَّم زكاة الفطر على صلاة العيد تقديماً لما قدَّمه في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَتَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٣] ونظائرهُ كثيرة. فصل في هديه ويّر في حفظ المنطق واختيار الألفاظ كان يتخيّر في خِطابه، ويختارُ لأمته أحسنَ الألفاظ، وأجملها، وألطفها، وأبعَدها من ألفاظ أهلِ الجفاء والغِلظة والفُحش، فلم يكن فاحشاً ولا متفحِّشاً ولا = المشي كما يزحف الصغير. (١) رواه مسلم (١٢١٨) في الحج: باب حجة النبي ◌َّةٍ، والموطأ ٣٧٢/١ في الحج: باب البدء بالصفا في السعي، والترمذي (٨٦٢) في الحج: باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة وأبو داود (١٩٠٥) في المناسك: باب صفة حجة النبي ومَ ثّ، والنسائي ٢٣٩/٥ في الحج: باب ذكر الصفا والمروة، وابن ماجه (٣٠٧٤) في المناسك: باب حجة النبي 33# كلهم من حديث جابر، وأخرجه النسائي ٢٣٦/٥، والدار قطني ص ٢٧٠، والبيهقي ٩٤/٥ بصيغة الأمر ((ابدؤوا)). ٣٢٠